حوار مع الروائي العراقي الكبير : محمود سعيد

مازن لطيف علي

mazinlateef_2005@yahoo.com
مـشكلـة الأدبـاء المنـفييـن بـدأت منــذ عـهـد غـارق وفي القـدم في مـختـلف الأمـكنـة
اول واعظم رواية في العالم هي ألف ليلة وليلة وهي أجمل ما كتب في حقل الرواية في العصور كافة، ولا أعتقد أن يتمكن أي كاتب آخر من كتابة رواية أعظم منها في المستقبل. فمثلاً خذ رواية الحرب والسلم لتولوستوي إنها أكبر حجماً من ألف ليلة وليلة بعشرة أضعاف، لكنها بالقياس إلى ألف ليلة وليلة محدودة جداً، ثيمتها مقتصرة على مشكلة واحدةً، لم تصف سوى اضطراب عائلة ارستقراطية تعاني من مآسي الحرب. بينما كان عالم ألف ليلة وليلة واسعاً عميقا غنياً بسعة وغنى الحياة هذا ما يؤكده الروائي العراقي المبدع محمود سعيد احد ابرز الروائيين من جيل الخمسينات والذي اختار المنفى كحل منذ وقت مبكر من حياته .
في هذا الحوار يبدي اراء اخرى في الثقافة والادب العراقيين :

هل ساهمت الرواية العراقية في استفزاز الواقع العراقي.

استفزاز؟
كلمة مشاغبة أليس كذلك؟ هذه هي لغة اليوم. علينا أن نقبلها. هكذا تتطور اللغة. عندما أقرأ ما كتبه أجدادنا في العهد العباسي ، أجد لغة الخطاب مختلفة بعض الشيء عما هي عليه الآن. نحن قوم عاطفيون، نألف قضايانا. بيئتنا. كلماتنا. أشياءنا. أول مسحوق غسيل دخل العراق كان اسمه تايد. أخذنا نطلق على كل مسحوق غسيل حتى لو كان عربياً “تايد” وأول مكنسة كهربية دخلت العراق كانت هوفر، اختفت هوفر وجاءت عشرات الماركات ومازلنا نسمي المكنسة هوفر. ألقيت محاضرة في جامعة شيكاغو عن أسماء قديمة مازلنا نستعملها، ذكرت أشياء كثيرة منها أسماء أدوات الشاي عندنا، لأن الشاي العراقي يعد بطريقة ليصبح الأفضل والألذ في العالم. ولاعتزازنا به أبقينا كافة الأسماء أجنبية، لنضيف إليه مسحة قداسة واقعية: الاستكان، الخاشوكة، الكتلي، القوري، القند، الشكر، لم نعرب سوى اسم الصحن الذي يوضع فيه الاستكان.

أعود لكلمتك. استفزت!
نعم استفزت القصة الواقع العراقي. كيف لا؟ القصة والرواية عراقيتان. أول قصة قصيرة كتبت في تاريخ العالم عراقية. كتبت قصص قصيرة في مناطق كثيرة. لكن في العراق ظهر جنس القصة القصيرة كعمل فني مستقل عن غيره. أسموها آنذاك المقامة. ذكرت ذلك في محاضرة أخرى في جامعة دي بول في شيكاغو، قبل أقل من شهر. حددت المقامة أسساً معينة للشكل والموضوع في القصة القصيرة مازال يُراعى حتى هذه اللحظة: موضوع مختصر، شخصيات محدودة، بداية، تشويق، نهاية. نعم. مازالت هذه الأسس تراعى إلى حد الآن. أما الرواية فعراقية أيضاً، أول وأعظم رواية في العالم هي ألف ليلة وليلة وهي بغدادية بالذات. وهي أجمل ما كتب في حقل الرواية في العصور كافة، ولا أعتقد أن يتمكن أي شخص آخر من كتابة رواية أعظم منها في المستقبل. فمثلاً خذ رواية الحرب والسلم لتولوستوي إنها أكبر حجماً من ألف ليلة وليلة بعشرة أضعاف، لكنها بالقياس إلى ألف ليلة وليلة محدودة جداً، ثيمتها مقتصرة على مشكلة واحدةً، لم تصف سوى اضطراب عائلة ارستقراطية تعاني من مآسي الحرب. بينما كان عالم ألف ليلة وليلة واسعاً عميقا غنياً بسعة وغنى الحياة. نعم استفزت ألف ليلة وليلة القارئ العالمي، وأثارت وأثرت ومازالت، ورأيت ذلك واضحاً في معرض الكتاب في تشرين الأول في مدينة ميلواكي بولاية ويسكانسن حيث دعيت لإلقاء قصة قصيرة، فقد كان هناك أربع كتب جديدة عن ألف ليلة وليلة. أحدها ألماني بقلم نحو عشرة كتاب.
بالإضافة إلى الذين يكتبون داخل العراق، هناك مئات الكتاب يكتبون خارج العراق. إنهم يملؤون العالم دوياً.
كانت ظروف الكتابة في العراق وما زالت غير ملائمة للمبدع العراقي من حيث الحرية والتعبير، قيود كثيرة مفروضة في كل المجالات، قلما يجتازها الكاتب بنجاح. لهذا فإن معظم ما كتب في الداخل يفتقد إلى التعبير الكاشف المحلق، الموحي، المعبر عما يجري.

كيف تفسر ضعف المنتوج الروائي العراقي؟
لا يحتاج الأمر إلى قدرة إعجازية في التفسير. في الصورة وضوح هائل.
انظر إلى الفترات التي ازدهر فيها الأدب وأماكنها في العالم، وابحث عن السبب.
ازدهر الأدب في العصر اليوناني. لماذا؟ كانت هناك حرية وديمقراطية.
ثم ازدهر الشعر العربي بأغزر ما وجد عليه قبل الإسلام لماذا؟ لأن العربي كان يعتز بحريته قبل الإسلام. فقد فضل العرب الحرية على النظام وإقامة دولة. عاشوا عشرات آلاف السنين من دون دولة، فأزدهر الشعر. وعندما قُيِّد الخيال باعتباره نوعاً من الكذب بعد الإسلام، لم يقف المبدع العربي مغلولاً، حاول، وحاول، وحاول حتى أفلح بالفصل بين الأدب وتلك القيود فوصل إلى قمته في العراق العباسي. فظهرت أنواع أدبية عدة كما ذكرت سابقاً كالمقامة والرواية، وتأصل الغناء فظهرت مقامات الغناء المتعددة وملأت الأجواء بتغريداتها العذبة. وفي الغرب بدأ ازدهار الرواية والقصة والشعر والموسيقى والغناء والأشرطة السينمائية بعد الثورة الفرنسية لقيام مؤسسات مدنية فصلت الكنيسة عن الاستبداد وشرعت قوانين حرة.
إذن. نجد أمامنا معادلتين مهمتين لا يمكن إغفالهما، معادلتين تجيبان على سؤالك:
الحرية = إبداع.
ديكتاتورية، طائفية، إرهاب = أمية. سطحية، خراب.

هل تعتقد أن الثقافة العراقية فشلت في إنتاج وسط روائي يتكفل بمشاكل المجتمع العراقي؟
ما أريد قوله إن المجتمع العراقي “السياسي” فشل في خلق جو تزدهر فيه الثقافة والأدب وهذا يعني ضمناً أنه فشل في خلق وسط روائي يتكفل بتفكيك وتركيب العالم المفترض لما يمكن أن يتخيله المبدع ولتوضيح ذلك أسوق ما يأتي.

أقيم الكيان الهزيل “الدولة العراقية” الحديث سنة 1921، ومنذ ذلك الوقت وإلى حد الآن لم يجد العراقيون ظروفاً صحية يزدهر فيها الأدب العراقي، سوى فترة: تموز 1958- شباط 1963. أي أربع سنوات ونصف تقريباً. في عهد المرحوم عبد الكريم قاسم. لماذا؟
كان الحكم قبل 58 يمنع قيام أي مجلة أدبية ثقافية فكرية في العراق، والمجلتان اللتان سمح لهما بالصدور هما فكاهيتان: الكشكول، وحبزبوز. لذا فقد كنت ترى المجلات المصرية واللبنانية والسورية تملأ السوق العراقية. فأين يكتب العراقيون؟ اضطروا للكتابة خارج العراق. فعلى سبيل المثال كان محمود البريكان ونازك الملائكة والسياب وغانم الدباغ ينشرون في مجلتي الأديب والآداب اللبنانيتين، وكان البياتي ينشر في هاتين المجلتين نفسيهما إضافة إلى مجلة الرسالة المصرية. بعد 58 أجيزت مجلتان أدبيتان، فأحس الكتاب العراقيون أن هناك شيئاً خاصاً بهم ينشر نتاجهم. فازداد عدد كتاب القصة القصيرة على سبيل المثال، وقدِّم لاتحاد الأدباء العرقيين مسودات كثيرة في القصة والشعر والرواية. ولو لم يُقضَ على الحرية سنة 63 لرأينا تطوراً طبيعيا في الأدب العراقي يمكنه موازاة الأدب المصري ازدهاراً. بعد ذلك نشأ الأدب العراقي مشوهاً، فقد أجبر الإعلام الرسمي الأدباء على الانحياز له ومازال.

هل غلب حضور الشعر على الرواية في العراق ام بالعكس ولماذا؟
في الماضي، من الأربعينات حتى الستينات، كان الشعر العراقي طاغياً على المشهد الأدبي في العراق، وكان المثقفون والأدباء خارج العراق يعرفون البياتي، السياب، الملائكة كأنهم شعراؤهم، ويحفظون لهم. وعندما خرجت من السجن سنة 64 وذهبت للعمل في المغرب وهو أقصى بلد عربي عن العراق، كان هؤلاء الثلاثة متواجدين في الساحة الأدبية المغربية كأنهم مغاربة. وتلك قيمة أهمية انتشار اللغة العربية العظيمة. أما في السبعينات وما بعدها فقد نشأ نوع من التوازن في كمية الإنتاج القصصي والشعري في العراق، كما هو في كل البلدان العربية. ولا أعتقد أن جنساً أدبياً طغى على الآخر قط. ولا أعتقد الآن أن أي جنس يمكن أن ينتعش على حساب جنس آخر. القضية قضية حضانة صحية. فمتى ما خلقت حضانة صحية ثرة لمجتمع صحيح فإن الأدب والفن سيزدهر بكافة أنواعه وأشكاله كما في الغرب الآن، وكما كان عندنا في العصر العباسي. أنت تتعامل مع الكتب، وتعرف أن ما كان موجوداً من الكتب في العصر العباسي منها يتجاوز مئات الملايين، لم يصلنا سوى واحد بالمئة منها. كتب الكتاب آنذاك كتبهم في حرية هائلة لم تتوافر الآن عندنا، كتبوا في الحب والجنس والدين والفقه والإلحاد والمذاهب المتعددة، والتصوف، كتبوا عن كفاح الإنسان في سبيل الرزق، وعن طرق الحصول على المال بأساليب صحيحة وملتوية وغير شرعية، كتبوا عن الزهور، عن الحيوانات، عن المال، عن التجارة، عن المهن، عن الاختراعات، عن الطبخ، لن تجد شيئاً لم يتطرقوا إليه. بالضبط كما هو موجود الآن في الدول الأوربية. لماذا؟ لماذا حدث ذلك الفيض في التأليف وقتئذ؟ لا جواب غير الحرية المتاحة. أما الآن فقد قرأت نماذج كثيرة من النتاج الحديث بعد 2003 شعرا ونثراً في العراق، وأحزنني أن مستواه مع الأسف أدنى مما كان في عهد الديكتاتورية، سواء أكان شعراً أم قصة ورواية.
الموضوع موضوع حضانة صحية باتت مفقودة الآن جملة وتفصيلاً، لكن علينا أن نلاحظ جميعا حقيقة لابد منها: أن من المستحيل أن يزدهر الأدب تحت ظلال الخوف والتسلط كما كان في عهد الديكتاتور، ولا يمكن أن يزدهر تحت رشاشات الرعب والطائفية وسيطرة المليشيات كما الآن قط.

اليوم نلاحظ نوعاً من النشاط الروائي خارج العراق وظهور أسماء فاعلة في هذا الجانب…برأيك لماذا؟
ليس النشاط الروائي مزدهراً خارج العراق حسب، بل حتى الشعر، النقد، الصور المتحركة. أجناس الأدب كلها مزدهرة خارج العراق. أحدث الانترنت ثورة أدبية في كل ما للكلمة من معنى. صدرت مئات المجلات الالكترونية في وقت واحد، في كل يوم تصدر مدونة أدبية جديدة، هذه المدونات الالكترونية لها مفعولان صحي ومرضي. الصحي هو الحرية في التعبير من دون خوف أو قلق. أما المرضي فهو التشتت. في الدورية الورقية الأدبية تستطيع تشخيص الجيد وتعزله والعكس صحيح. تستطيع أن تضع المقالة الجيدة، القصة القصيرة الجيدة في مكان معين ترجع إليها متى شئت. أما في المدونة فلا تستطيع. أين ستعزل الجيد، أين ستضعه. في ملفات؟ سيثقل ذلك الحاسب. ستضطر للتخلص منه في وقت ما. لماذا؟ لأن الحاسوب كأي وعاء محدود يمتلئ.

ما هي فكرة روايتك (الضالان) الصادرة عن دار الآداب والتي لم تصل إلى العراق لحد الآن؟
صدر لي بعد الضالان: ثلاثة أعمال وترجم لي روايتان، أما الأعمال فهي: المنسدح مجموعة قصص. أنا الذي رأى، رواية، الدنيا في أعين الملائكة. رواية. أما المترجمات فهي أنا الذي رأى إلى الإنكليزية، والإيطالية، والضالان إلى الإنكليزية. بالنسبة للاختصار فلا أعتقد أن هناك اختصارا ينجح في إعطاء فكرة تامة عن رواية، حتى جزء من رواية، موقف من رواية، في نظري يستحيل اختصار رواية بكاملها ويتمكن المختصر من الإبقاء عليها غير مشوهة، الاختصار تشويه. قلت مرة في مقابلة معي طلب مني الطلب نفسه: الاختصار للأفكار، والرواية ليست بفكر مجرد، إنها مزيج من الوصف والوعي والفكر والواقع والخيال، وهي إضافة إلى كل ذلك أسلوب متميز عن غيره، وسرد لا يشبهه سرد آخر. دعني أوضح لك وجهة نظري فيما ورد في القرآن الكريم، على سبيل المثال: في سورة يوسف هناك آية وصفية عظيمة: “وهمّت به وهمّ بها”. تلك الآية تصور موقفاً غرامياً بين يوسف وزليخة، فيها إغواء، وإثارة، وهيام، ورغبة، وانفعال عميق، وتجاذب يستغرق تحليلاً في مئات الكلمات، لكن عبقرية السارد وعظمة بلاغته اختصرت كل ذلك في أربع كلمات، والآية المذكورة جزء من قصة طويلة، ولا يستطيع أي كان أن يلخص القصة وإلا فقدت رونقها وعمقها، ومن يلخص قصة يوسف ولا يذكر هذه الآية وغيرها (على سبيل المثال) يجني على عظمة السرد ويتجاوز عبقرية البلاغة العربية. ومن يذكرها ويذكر غيرها من الآيات لا يمارس التلخيص، إذن فنحن في دائرة مغلقة. الرواية الجيدة تلقيك في محيط عميق من استمتاع لا مثيل له، تمنحك لذة قصوى، والاختصار يفقدك ذلك الاستمتاع، ويجرد مشاعرك من اللذة، لتبقى حسيراً مغلوباً، سأضرب لك مثلاً آخر أنت تستطيع أن تلخص رائعة الشيخ والبحر بكلمات قليلة وهي فشل صياد عجوز في الحياة، أما أكثر من ذلك فلا تستطيع أن تقول شيئاً لأن عظمة هذه الرواية غير متأتية من الموضوع الجيد الذي اختاره همينكواي فقط بل من أسلوبه الواقعي الممتاز الذي صاغه بشكل أصبح أشبه بالموسيقى التصورية. مشكلة الأدباء المهاجرين بدأت منذ عهد غارق في القدم في مختلف الأمكنة، لكنها برزت بوضوح في نهاية العهد الديكتاتوري، وبالتحديد بعد الحصار الذي فرض على العراق سنة 1991 واستمروا في الهجرة حتى هذه اللحظة. الهجرة كموجات البحر، تارة هادئة رقيقة تتحرك ببطء وكأنها تسيل، وتارة عنيفة قوية هوجاء عاتية. ذلك أن حياة الإنسان قصيرة جداً وحينما يشعر الأديب بأنه مضطهد في مجتمع ما يرحل إلى محيط آخر، أملاً في حياة أفضل. وكثيراً ما يلحظ المهاجر أنه كان يجري وراء وهم ولم يلقَ سوى سراب. فليس كل مكان تهاجر إليه يشعرك بالراحة.
زرت الكثير من الأماكن التي لجأ إليها الأدباء. وضعهم في البلدان الحاضنة أفضل من وضعهم في العراق، لكن بعضهم لا يشعر بالسعادة، بعضهم يتشكى، بعضهم يتمنى الرجوع لو كان في العراق استقرار.الخ. الأديب حالم كبير، ولا يمكن أن يتطابق الحلم مع الواقع. وقد يبقي الحلم جزأً منه متمرداً، هذا ما يجعله لا يرضى عن الواقع قط. وهو سر التطور الأزلي المستمر. لأضرب مثلاً على ذلك، نسبة من الموجودين في أمريكا مثلاً تعاني من تمييز عنصري مستور، لأنه ممنوع قانوناً، ويعاقب من يمارسه بعقوبات شديدة. لكنه موجود بشكل او بأخر. كنت أود نشر رواياتي في العراق بعد 2003، ذلك أنني ربما الكاتب الوحيد الذي منعت من النشر في العراق، فقد منع لي في العهد الديكتاتوري ست روايات آخرها رواية “قبل الحب، بعد الحب” وأرسلتها بيد المرحوم موسى كريدي سنة 1993 نتيجة لإلحاحه، ولكونه يعمل هناك. قال لي إنهم رفضوا النظر إليها. فاضطررت لنشرها في دار المدى. ولكثرة ما تعرضت للتحقيقات والتوقيفات فقدت أربع روايات. وأتلفت لي في حوادث شباط 1963 روايتان أشار إليهما الأستاذ علي الشوك في جريدة الحياة أثناء مقالته عن “زنقة بن بركة”. واستبشرت خيراً بالتغيير، وأول ما تبادر إلى ذهني إرسال الضالان إلى دار الشؤون الثقافية. استشرت أحد الأصدقاء، فنصحني أن لا أفعل. ومازال عندي الآن أربع مسودات لروايات جاهزة، أتمنى أن يوافقوا عليها أو على أحدها. لكن الأمر لا يعود لي. علي أن أنتظر.

Posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works | Leave a comment

مقابلة منشورة في جريدة إمارتية:1994

 س1 :أين تصنف نفسك بشروط واقعك الراهن..
ج :  أعتبر نفسي مع مبدعي الحركة الثقافيّة في الساحة العربيّة لا في الإمارات أو العراق حسب..إنني أعيش في الإمارات منذ مدة طويلة ، وأساهم جهدي في تفعيل الحركة الأدبيّة والثقافيّة فيها لكن هناك حواجز لا يستطيع الوافد اختراقها ، وأظن أن ذلك الأمر واقع يفرض نفسه على الوافدين في بعض الدول العربيّة ، ولا يمكن تجاوزه في الوقت الحاضر في الأقل ، وفي الحقيقة أشعر في كثير من الأحيان أنني ابتعدت عن الحياة الأدبيّة في وطني ، لا لأني أرغب بالابتعاد الذي فرض عليّ ، كقدر من الأقدار فقط  بل لأني بعيد عن الحركة الثقافيّة في وطني وهذا أمر خاص بالعراق للظروف الراهنة التي يعيشها القطر أولاً ولظروف خاصة بي ثانياً ، ولكي أوضح الأمر أسوق ما يأتي :
   لا يستطيع القارئ العراقي قراءة ما ينتجه أدباؤه في الغربة أو المنفى ، حتى لو لم يكن هناك عائق أو اختلاف سياسي أو عقائدي لسبب بسيط موضوعي وهو أن الكتاب الجديد والمجلة الأدبيّة والثقافيّة الجديدة لا تدخل العراق لأن إدخال الكتاب والمجلة إلى العراق عمليّة تجاريّة ، ثمن أي كتاب على سبيل المثال يتراوح بين 10-40 درهماً ، أما المصادر والمراجع والقواميس وأمهات الكتب فيمكن أن يرتفع ثمنها إلى أكثر من 100 درهم ، هذا يعني أن عشرة دراهم هي الحد الأدنى للكتاب ، وهي تعادل راتب المدرس والمهندس والموظف حامل الشهادة الجامعيّة – البكالوريوس – في العراق ،فكيف يستطيع هذا المثقّف أن يطلع على أرخص الكتب إذاً ؟ هناك استحالة ، كيف نعالجها ؟ لجأنا إلى التجريب ، استعملنا وسيلة الإهداءات لبعض الوقت ، كنت على سبيل المثال أرسل خمسين كتاباً لشخص ما ، لكنني توقفت ، أعطت تلك العمليّة مردوداً معاكساً ، اكتنفتها بعض المهالك في أحيان كثيرة ، كان علينا أن نتأكد أن لا يوجد في الكتاب ما يفسره الرقيب العراقي مخالفاً لما لديه من تعليمات وإلا فسيجلب إهداء الكتاب الويل للمُهدى إليه ، كان هذا فوق ما تتحمله أعصابنا ، أو إمكاناتنا ، وكانت النتيجة طبيعيّة هي : القطيعة بين الأديب العراقي القابع في ظلام الداخل وبين شقيقه المغترب في الخارج ، أما المطبوعات العراقيّة الأدبيّة والثقافيّة فلا تصل إلينا إلا في القليل النادر.. لأنها خاضعة للحصار ، الأمم المتحدة وسيدة العالم الولايات المتحدة أخضعتا الكتاب العراقي لآليات الحصار كمادة من المواد المحظورة التي يُمنع تصديرها ، أما لو فرضنا جدلاً أن الكتاب العراقي استطاع تجاوز الحصار – وهذا مستحيل واقعاً – فهو لا يستطيع أن يجتاز المنافسة التجاريّة بتفوق أو شبه تفوق كما كان في الماضي ، لأن المطبوعات العراقيّة الأدبيّة والثقافيّة في مستوى إخراجي متخلف لا يمت بأي قربٍ إلى المعاصرة من حيث الغلاف والورق والطبع ، وهذا أمر فرضه الحصار أيضاً ، لا تقنيّة ولا كمبيوتر ولا أنترنيت ولا معاصرة منذ عشرين سنة .
   لما تقدم ترى أنني وربما معظم كتاب الغربة أو المنفى –  من أدباء وروائيين وكفنانين  عراقيين  – مقطوعين عن التفاعل مع الحركة الأدبيّة والثقافيّة في وطنهم ، كما أنهم لا يمكن أن يعاملوا في الغربة كما كانوا يعاملون في بلدانهم ، باتوا غير مستقرين ،يعومون في البعد الضائع ما بين الوطن والمَغْرَب – بلد الغربة – والمنفى ، ينطبق عليهم المثل العراقي مع الفارق ( لا حظت برجيلها ولا اخذت سيد علي . أي لا حافظت على زوجها ولا تزوجت عشيقها ) وهي عن امرأة رفضت زوجها ورفضها من كانت تظن أنه حبيبها ، وبالرغم من ذلك فقد أستطيع أن أعتبر نفسي مساهماً متواضعاً في الإبداع العربي لأني نشرت رواياتي في سوريا ومصر والأردن ، وفزت في جائزة نادي القصة في مصر برواية ( هل انتهت الحرب ؟ ) وكانت عن حرب الخليج الثانية والتي أبدلت عنوانها إلى نهاية النهار ، وبالرغم من قلة نتاجي فأنا أنشر في بعض مجلات العالم العربي إضافة إلى الإمارات .
   س2 : هل للإمارات صدى في عملك الإبداعي ..
   ج : نعم ..كتبت غير قصة مستوحاة من أجواء الإمارات …كتبت قصة – ورقة اللوز البري – عن مغترب في الإمارات ونشرتها في مجلة المدى ، وكتبت قصة ( الجورية السوداء ) ونشرتها في جريدة الحياة اللندنية وقصة ( وقع الخطوات ) ونشرتها في نفس الجريدة ، وقصة ( جذور العشق ) ونشرتها في مجلة الآداب البيروتية ,وكتبت بضعة قصص ساخرة استوحيت فيها أجواء الإمارات ، نشرت في كثير من مجلات العالم العربي الثقافية ، وكتبت رواية (الموت الجميل ) مستوحياً نفس الأجواء .
   س 3 : بصراحة شديدة ..هل ثمت..
   ج : نعم ..كثيرة ..المفكر ..الأديب ..المثقّف هو أكثر فئات الوافدين قابلية لتفهم أوضاع المجتمعات الجديدة التي ينزح إليها لأنه يتعرف إلى أفكار وإبداعات الصفوة الفاعلة والمؤثرة فيها ، ولهذا تراه يندمج في المحيط الجديدة بسرعة لا تستطيعها بقية الفئات الأخرى ، وذلك أمر طبيعي ، فهو يفهم الدوافع المرحلية والمرامي الحقيقية للقوانين الصادرة ، لكن الإجراءات الروتينية المتكررة التي تقتضيها الإقامة والعمل والمراجعة في المؤسسات التنفيذية  تّرجعه إلى نقطة البدء ، تجعله يحس أنه جاء قبل لحظة واحدة فقط ، وأن كل ما بناه في تلك المدة الطويلة يتعلق بإمضاء صغير ..
   س 4 : هل تعتقد أن ساحة الإمارات ..
   ج : نعم إن ساحة الإمارات فريدة عربياً ودولياً ..فهي في نظري هيئة أمم ، في الإمارات تجد بشراً من جميع مناطق الأرض وسبق أن ذكرت من قبل فوجئت برؤيتي عمالاً من نيبال التي هي أقرب إلى زحل من الأرض ، في الإمارات ممثلين لكل شعوب العالم وإثنياته وأديانه وقومياته ، كلهم يمارسون بحرية مطلقة عقائدهم وشعائرهم ، ويرتدون أزياءهم ، ويمارسون نشاطاتهم ، وتجاراتهم  ، ويتغنون بأغانيهم ، ويعلّمون أولادهم لغاتهم الأصلية ، الإمارات مرآة تنعكس عليها صورة القرن العشرين والواحد والعشرين في أبهى حلله وكما هو واقع ، عالم الجميع ، عالم أممي ، كزموبليتاني ، كرة أرضية لكل البشر ..وفي هذا خير كثير للمبدع إن هو استطاع أن يلج في إطارات ذلك الواقع ، ويندمج في أجوائه ، ويذوب في تفاصيله .
   إن لكل بيئة من بيئات الأرض خصوصياتها الفريدة التي يمكن أن يقدمها الروائي والقاص بكثير من الإثارة والإبهاج ، فمن خلال الروايات عرفنا مجتمعات بعيدة عنا آلاف الكيلومترات ، عرفنا من تولستوي وديستوفسكي وكوكول وترجنيف وبوشكن ومكسيم غوركي واقع سيبريا ومجاهلها وكيف يعيش البشر في روسيا التي تنزل درجة حرارتها أكثر من 30 درجة مئوية تحت الصفر ، وعن حياة الشعب الروسي تحت  ظل القيصر المستبد والعبودية والقنانة ، ورأينا كيف غبر الشعب الروسي نفسه ظروفه بأيدي أبنائه ، عرفنا ذلك من روايات شولوخوف واهرنبرغ وسولجنستن ، وشاهدنا الثورة الفرنسية لا بالعين المجردة بل بروايات الإنكليزي ديكنز والفرنسي فيكتور هيكو ، كما شاهدنا هجوم نابليون على روسيا وخسارته المأساوية برواية تولستوي الحرب والسلم ، أما مجاهل أمريكا ومساحاتها الشاسعة وحوادثها المثيرة فكان لهمينكواي وفولكنر وجون شتاينبك وهنري ميللر وجون فوستر أكبر الأثر في اطلاعنا عليها ، ولم نعرف عن أمريكا اللاتينية أي شيء قبل أن نقرأ لجورجي أمادو وماركيز وبورخيس وبابلو نيرودا..، تعرفنا إلى الكثير من أوضاع الجزيرة العربية من روايات عبد الرحمن منيف ، كما أن أي كتاب علمي ما كان ليصف لنا تطلعات السودان وأمانيه كما صورها لنا الطيب صالح ، وفعل نفس الشيء غائب طعمة فرمان في تقريبه العراق لمن يعيش خارج العراق ، وكان فعل نجيب محفوظ هو الفائق في هذا المجال .
   يمكن أن يكتب الكاتب عن أي بيئة عشرات الروايات ومئات القصص ، فالحياة متشعبة ومتقاطعة ومثيرة في أي منطقة من العالم ، ومع ذلك فإن الروائي والقاص لا يحده واقع أو مجتمع فقد تراه يعيش في مجتمع ما عشر سنين لا يكتب فيه عن هذا المجتمع كلمة واحدة  ثم يذهب في زيارة لقطر آخر مدة شهر واحد  تتقاطع فيها الرؤيا عنده فتتولد عنده فكرة تكون حجر الزاوية  لرواية عظيمة أو قصة ، لذلك نرى على سبيل المثال معظم روايات غراهام غرين عن مجتمعات بيدة عن مجتمعه بريطانيا ..كتب عن كوبا وكوايتمالا والكونغو وبنما وألمانيا ..الخ .
   إذاً ففي الإمارات بيئة هي بؤرة حيّة لمجتمعات الأرض كلها ، وهذا يختصر الكثير أمام المبدع في الإمارات ، فهذه البيئة الواعدة المليئة بالنماذج الحية والمعبرة تعتبر بنظري – المتواضع – خير حاضن للإبداع الأدبي ، توجد  في الإمارات قابليات وطنية أدبية وتعبيرية على مستوى جيد بالقياس إلى مستويات العالم العربي : عبد الحميد أحمد ، ناصر جبران ، ابراهيم مبارك ، أبو الريش ، فاطمة محمد ، سلمى مطر ..ألخ لكن لماذا لم تأخذ نصيبها من التألق؟
   إن نمط الحياة التي أفرزها التطور العمراني والحضاري والتجاري الفائق جعل من  المبدع مواطناً أو وافداً يركز معظم جهوده على تأمين الحاجات المادية التي لا علاقة لها بالأدب أو الثقافة والتي تغرقه ما أن يتوقف عن الركض ، والتي تتماشى وهذا التطور ، مما يبعده عن مجال الإبداع أو يحد منه ، لذا نرى أن الكثرة من هؤلاء المبدعين قد استغرقهم تأمين تلك الحاجات فباتوا يتحسرون على وقت خالٍ يتفرغون فيه للإبداع .
    في الإمارات يلتقي أيضاً معظم أبناء العالم العربي من مبدعين وعاملين وهم في لقائهم يكونون بؤرة أخرى تمكنهم من الإطلاع عن بعد على ما يجري في أرجاء عالمهم العربي الواسع الكبير المتناقض ، وهذه ميزة أخرى لا تتوافر إلا في مجتمع مثل مجتمع الإمارات .
   س 5 : هل أنت موجود ..
   ج : بالنسبة لي فأنا موجود جسداً في الإمارات ولست أدري متى سأتمكن من زيارة بلدي ، لكني أحاول أن أتتبع ما يجري هناك من الوافدين الجدد والمترددين وأخبار الصحف وبوابات الإعلام الأخرى ، وإن كان هذا لا يغني عن الرؤية المباشرة .
   وعن تواجدي كاسم في العراق فقسم لا بأس به من النقاد هناك قد قرأ لي ومن خلال رواية واحدة فقط هي زنقة بن بركة التي حازت هناك على الجائزة سنة 93 ، وبالرغم من أنني لم أرسل إلى العراق غير عشرين نسخة ونيف من الرواية ، أهديتها إلى الأصدقاء إلا أنها استقبلت بحفاوة لا سابق لها ، فقد كتب عنها بضعة عشر ناقداً وكاتباً معروفاً وكبيراً مثل د علي جواد الطاهر ، علي الشوك ، فاضل ثامر ، محمد خضير ، باسم عبد الحميد حمودي ..الخ ، أما رواياتي  الأخر فلم أستطع إرسال أي نسخة منها لأسباب لا مجال لذكرها .
المهم إن عملية إدخال الكتاب إلى العراق غير ذات جدوى تجارياً من وجهة نظر شركات النشر التي تتحكم بنا في الأقل وفي هذا مأساة كبرى تُخضع المبدع للآليات السوق ومفاهيم الربح والخسارة كأي سلعة أخرى فيا لبؤس الفكر والفلسفة والأدب !.
   أما عن تواجدي كاسم هنا فأنا كاتب مقل ليس عندي إلى حد هذا الوقت سوى خمس روايات ومجموعة قصص واحدة ، ولذا فإنني كغيرى من الكتاب العراقيين الذين يعيشون في الغربة -المنفى لا نثير اهتمام مواطننا لأننا بعيدون عنه ولا نثير اهتمام النقاد خارج وطننا لعدم وجود اتحاد كتاب أو أدباء وطني يدعمنا ويساندنا ، يمنحنا بعض الامتيازات أو المنافع التي تعيننا على اجتياز المصاعب والعقبات في عصر لا يحترم الأدب والكتابة والثقافة حسب بل يهملها ، لا يراها ، يظنها غير موجودة أصلاً ..وليس هذا ذنب العصر بل ذنبنا ..ففي العصر العباسي ، عصر ازدهار الأدب العربي ، وفي قمة تطوره اتفق أساطينه في وصف المفلس :
أدركته حرفة الأدب .
وإذاً ..؟
        فنحن لا نلومن إلا أنفسنا ..لقد اخترنا طريق الأدب ..طريق الضياع ..
  

 

Posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works | Leave a comment

تزاوج الشّعرية والتّكثيف يخلّ بالسّرد الرّوائي

الشّروق (العدد ٢٧٢) ٣٢-٢٩/٦/ ١٩٩٧ 

الرّوائي محمود سعيد ل الشّروق

  نهايات النّهار. هي الرّواية الأولى التّي تتناول حرب الخليج الأولى بشكل شامل
 هذا ما يقوله صاحب الرّواية نفه محمود سعيد. الكاتب العراقي المقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة والذي أنتج حتى الآن عدداً كبيراً من روايات مميّزة عدة منها “زنقة بن بركة ١٩٩٤، والإيقاع والهاجس١٩٩٣، وأنا الذي رأى ١٩٩٥، وله أيضاً مجموعة قصصية بعنوان “بورسعيد وقصص أخرى. ١٩٥٧.
  روايته الأخيرة نهايات النّهار، صدرت حديثا عن دار مكتبة الحياة في بيروت وهي تمتد على ٢٥٨ صفحة من الوحدات التّصعيدية الدّرامية الكاشفة لدمار العراق كوطن وشعب وبنية تحتيّة، حاضراً ومستقبلاً. وربما لأجل ذلك ولأجل فنيّتها أو إبداعيتها كشرط مسبق طبعاً. فازت الرّواية بجائزة “نادي القصة” في مصر.
 ينطلق محمود سعيد من مفهوم للرّواية يبعدها عن الوهم والشّعرية وحتى التّكثيف لذاته، إنه يراها وعاءً للحياة يسعى من خلاله إلى إقامة تجربة السّيادة على أشيائها، دون أن يعدم ذلك. إن الرّوائ يظلّ مهندساً للزّمن والصّور والأشكال ومبدعاً للتّطورات الجديدة.
 نعم هو يكتب رواية الواقع الإنساني والتّاريخي بلغة محددة. ضاربة، بسيطة وقادرة على الأداء والنّفاذ، وتثبيت القيمة الشّمولية للأدب.
 على أن الرّوائي النّاجح من وجهة نظر كاتبنا. أيضاً ينبغي ألا يقع في وهدة الحكم مطلقاً، ويجب أن يكتب بحيادية تامة ويترك الحكم للقارئ فقط.
 يقول محمود سعيد إن الشّعرية في الرّواية مربكة إلى حدّ بعيد، ذلك أنها تشتّت الذّهن وتغرقه في رومانسيات الأحلام والمشاعر.
 كما أن التّكثيف بكثرة من وجهة نظره يفسد العمل الرّوائي، لأنه يقود إلى التّفلسف في كل قضيّة، والرّواية لا تحتمل في النّتيجة المطّ الفلسفي المعقد، فذلك ليس واجبها.
 لا مكان للشعرية في الرّواية، يقول محمود سعيد إلا إذا كان موضوع الرّواية نفسه شاعرياً كقصص العشق والغرام أو كان بطل الرّواية شاعراً، وعندها يضطر الكاتب إلى اللجوء إلى الشّعرية في نقاط محدودة.
هنا حوار معه بمناسبة صدور روايته الجديدية:
 * الشّروق ما الجديد المفارق في روايتك الأخيرة: “نهايات النّهار” مقارنة طبعاً بما سبق وكتبت من رويات.
 * الجيديد في روايتي الأخيرة – نهايات النّار_ تطرقها إلى موضع جد حسّاس، موضوع أثار الكثير من الاختلافات في وجهات النّظر، تناقضت فيه المواقف، انهارت فيه صروح شامخة لتقوم على أنقاضها صروح جديدة، وشرخت فيها علاقات كان يفترض أنها قويّة حديديّة باقية إلى الأبد، فإذا به أوهى من خيوط العنكبوت، موضوع الرّواية هو حرب الخليج الأخيرة، وما أحدثته من دمار كامل في العراق وطناً وشعباً وبنية تحتيّة، ماضياً، حاضراً، مستقبلا.
 في الرّواية إشارات لا تخفى على اللبيب تمسّ أقطاباً هيمنوا على مقدرات الأمة، بالأكاذيب والدّعاية والشّعرات الطّنانة المزيفة، ولهذا فوجئتُ بفوزها في مصر بجائزة نادي القصة، لا لشيء إلا لكونها تتقاطع والخطابات الرّسمية.
 إن جديد “نهايات النّهار” جديد جريء وواع ومثير ومشاكس، إضافة إلى أنها ا لرّواية الأولى التّي تتناول حرب الخليج بشكل شامل إذ سبق أن كتب غير واحد عن هذه ا لحرب من وجهة نظر منحازة داخل العراق.
 * ما هو مفهومك للتكثيف الرّوائي بجميع معانيه، وهل الشّعرية تدخل عنصراً جوهريّاً على هذا التّكثيف؟
 *في سؤالك مفهومان: التّكثيف والشّعرية.
 بالنّسبة إلى التّكثيف، هناك اتجاه لاستعماله في سرد الرّواية بدأ في السّتينات وبخاصة عن الرّوائيين الفرنسيين المقلّدين لكامو الذي برع فيه، أولئك الكتاب استعملوه تعويضاً عن الحركة المستمرّة في روايات باقي الشّعوب. لكن التّكثيف في نظري يشبه المحسنات البديعية التّي وجدت في العصر العباسي في الأدب العربي. القليل منها جيّد يعطي الشّعر او النّثر نكهة محببةٍ كالبهارات في الطّعام، أما كثيرها فيفسد الطّعام في الطبخ، ويضعف المعنى في الأدب، لذلك فاستعمال التّكثيف بكثرة يضرّ العمل الرّوائي لأنه يقود إلى التّفلسف في كل قضيّة، والرّواية لا تحتمل المطّ الفلسفي المعقد وهذا ما أدى إلى فشل أعمالهم بشكل إجماعي، ولا أعلم أن هناك رواية اشتهرت وكان التّكثيف المعقد أسلوباً للسّرد فيها، سواء أكان ذلك ضمن الموجة الحديثة في فرنسا أو خارجها.
 أما الشّعرية في الرّواية فمربكة إلى حد بعيد، إنها تشتّت الذّهن. الشّعرية مرآة الشّاعر والأحلام إنّها رومانسية متجدّدة دائمة، والشّاعر الجيد الذي يحافظ على هذه الرّومانسية المشبعة بالأحلام في إطار كليّات تتمّ عبر تراكم صوري معبّر، متعال، مترادف، وهذا كلّه يتعارض مع عملية السّرد في الرّواية.
 الرّواية بناء فنيّ، لبنة فوق لبنة، وحادثة تقود إلى حادثة، وصراع يجابه في الإنسان أخاه، أو الغريب، أو الطبيعة، لذلك لا مكان للشّعرية في الرّواية إلا إذا كان موضوع الرّواية شاعرياً كقصص العشق والغرام، أو كان بطل الرّواية شاعراً، عندئذ يضطر الكاتب إلى اللجوء إلى الشّعرية، في نقاط محدودة لا تطغى على العمل الرّوائي بشكل كليّ.
 تزاوج الشّعرية والتّكثيف يخلّ بالسّرد الرّوائي، ولا أظنّ أن هناك أمثلة ناجحة جمعت بينهما.
 ستبقى الرّواية بمفرداتها البسيطة المعبّرة المتواضعة قادرة على غزو عقول معظم القرّاء على وجه البسيطة.
 * إلى أي حد ترى أن الرّواية العربية شاهدة على عصرها “وتؤرخ” له بالمعنى العميق للتّاريخ الإضماري؟
 * الرواية العربية بعيدة من عصرها، والكثير من الرّوائيين العرب مع الأسف الشّديد هم أقرب إلى معايشة الحياة في المريخ من معايشة مجتمعاتهم، إنهم بعيدون من رصد أي علامة فارقة يحتمل أن تكون نقطة الانطلاق في المجتمع، يرفضون الكتابة في حوادث تهزّ العالم كلّه، وإذا كتبوا فكتاباتهم إما قليلة سطحية لا تسمن ولا تغني من جوع وإما أن تكون متبنية لوجهة نظر رسمية لجهة ما، فإذا ما جبت المكتبات بحثا عن رواية كتبت عن مجزرة صبرا وشاتيلا، عن اجتياح بيروت، عن قانا، عن الحرب العراقية الإيرانية، عن حرب الخليج، عن الاستسلام المخزي المهين، عن، عن الخ، لا أعتقد أنك سترى شيئا ما.
 أما إن نظرت إلى ما أنتجه كتاب بالعالم عن الأحداث فستجد إن قارنت البون شاسعاً. هذا ريتشارد فورد لم يعرّض إلى هزّة كبرى مثل ا لهزّات التّي عرضت لنا، بل إلى حادث بسيط، حريق غابات، لكنّه استلهم منه إحدى أجمل رواياته. شغلت العالم كله مسرحية أرثر ميلر في ا لخمسينات “قطة فوق صفيح ساخن” لأنها عالجت بصدق أزمة العاطلين، أما “همينغواي” فكتب أجمل روايتين له عن الحرب: “وداعاً للسلاح”. و”لمن تقرع الأجراس”. وكتب إيليا أهرنبورغ روايته الشّهيرة “ذوبان الجليد” ما إن تداعت السّتالينية في بلده.
 إننا لسنا متخلفين عن الأوربيين فحسب بل عن أجدادنا قبل أكثر من ألف سنة. خذ مثلاث المقامة، ستراها شاهداً على عصرهاعلى خير وجه، أبرزت المقامة حجم الفاقة الشّديدة، ومدى الفقر والبؤس في مجتمع تستحوذ على الثّروة فيه فئات قليلة. أما الكثرة الكاثرة فلم تكن تملك أي شيء. لذا فقد أحترفوا الكدية والشّطارة والنّصب، وبطلا مقامات الحريري والهمذاني جسدا هذه الشّريحة على أفضل وجه.
 الأمثلة أكثر من أن تحصى، والسّبب في ذلك يعود إلى افتقار الوعي لدى النّاقد العربي الذي يجد أمامه كدساً هائلاً من الأعمال الجديدة لا يرتبط معها بأي رابطة إلا التّأثير الشّخصي والعلاقات الاجتماعية الهابطة ومجاملات الصّداقة.
 ذهب ذلك الزّمان إلى غير رجعة حيث كان النّاقد يفرض على نفسه التّزامات وجدانية تتلخص في تناول أيّ عمل عربي بالتّقويم. نعم ذهب زمن المغفور له الدكتور علي جواد الطاهر، وعبد القادر القط، وإحسان عباس وغيرهم كثير، على الرّغم من أن قسماً ممنهم مازالوا على قيد الحياة.
 *أية أسئلة إبداعية تكتظ بها وتجتاحك في الوقت عينه؟
 *هناك الكثير في تراثنا العربي. جملة تصف المفلس، تقول: “أدركته حرفة الأدب”. أي أن الأديب هو مفلس مدى الدهر، ما شخصه أجدادنا صحيح مئة في المئة لا لشيء إلا لأنه صورة صادقة لوضع قائم إلى حد الآن.
 الأدباء فقراء، وفقراء جداً، وإذا استثنينا نجيب محفوظ الذي أغتنى بعد نيله جائزة نوبل، فكل الأدباء العرب مدقعون مملقون والسّعيد فيهم من وجد وظيفة لا علاقة لها بالأدب تؤمن احتياجات الحدّ الأدنى لديه.
إن أهدافي الإبداعية تتشابك مع أحلامي. فأنا حالم كبير. أحلم أن أرى غنياً عربياً خيّرا يخصص مطبعة تطبع لكلّ المبدعين العربب من دون تمييز.
 أحلم أن أرى جهة عربية ما أو غنياً عربياً آخر يشتري من كل ديوان شعر أو رواية، أو، الخ، يشتري ألف نسخة يوزعها على مكتبات العالم العربي المتناثرة ومدارسه.
 أحلم أن يؤمّن كريم ثالث نفقات علاج أي مبدع.
 أحلم أن أرى عشرات الجوائز القيمة كجائزة سلطان العويس، منبثة في جميع أقطار الأمة. فها قد انقضت بضع سنوات لم يستطع أيّ عربي أن يطاول العويس مجده وكرمه.
 أحلم أن تسود الدّيمقراطية في بلدي وأن يتفكّك الحصار. هذه بعض أحلامي لو تحقّق أيّ منها لكرّسته في رواية مستقلّة.
 * هل يمكن أن يكون الكاتب حاكماً على شخصياته وحواراتها أم أنه مجردد شاهد يعاين تصرفاتها وانعكاساتها بشكل عام. فالرّوائي حسب تعبير “هيوم” ينبغي أن يكون إنساناً عاماً وينسى ما أمكن أنه كيان خاص.
 *أنا مع هيوم. الرّوائي إنسان عام متجرّد من خصوصيّته، ولعل هذا يثير الكثير من الإخوة، لكنّي مقتنع به. الرّوائي الواعي يفرض على نفسه أن يكون محايداً لا منحازاً. لأنه إن كان منحازاً فسيختار موقفاً يعبّر عمّا في داخله، وليس في داخل كلّ منا سوى “الأنا” عندئذ سيسود نوع من الكتابة الأنانية فقط.
 في سؤال سابق تكلّمت على مدى شهادة الرّواية العربية على عصرها، وهذا يعني مدى الصّدق في نقلها أحداث ذلك العصر. وفي هذا السّؤال تناولت الحيادية والإتباع، وفي السّؤالين أكثر من وشجة، الصّدق في الرواية يماثل الحياد، لأن التخلى عن الحياد، تخلٍ عن الصّدق وبذلك يسقط العمل في مستنقع الدّعاية لا غير.
 المجتمع مملوء بالمتناقضات، فيه المجرمون والطيبون، والأخيار والأشرار، مذاهب، أديان، قوميات، أحزاب، جمعيات، نحل، متناقضات لا تحصى, عبدة الشّيطان على سبيل المثال. كتب عنهم في الصحف الكثير. هاجمهم الجميع، فإذا أراد روائي أن يكتب عن هذه الظاهرة يجب عليه أن يغوص في أعماق هذه الجماعة، محلّلاً مبادئهم، قواعدهم الفكرية التّي بنوا عليها مواقفهم، جذورهم العائلية، عليه أن يدرس كل ذلك ويصور الحقيقة فقط، بغضّ النّظر عما كتبته الصّحف وما رددته الالسّن.
 الرّوائي النّاجح يجب أن لا يقع في وحدة الحكم مطلقاً، يجب أن يكتب بحياديّة تامّة، ويترك الحكم للقارئ فقط.
 * يرى البعض أن بعض الكتّاب يخلقون أنفسهم في أعمالهم الأدبية هل أنت واحد من هذا البعض؟
 * يعتقد بعض النّقاد أنني أعدت خلق نفسي في روايتي “زنقة بن بركة” و”أنا الذي رأى” لم أناقشهم في الأمر، الرّواية بعد أن ينتهي الكاتب منها تصبح ملك القارئ، له الحق في أن يصدر ما يشاء من الأوصاف والأحكام عليها. لكن لم أُعد خلق نفس] في هاتي الرّوايتين. لغتهما السّردية كانتا بضمير المتكلم، وهذا ما جعل الأمر يلتبس على الإخوان الأفاضل.
 إذا نظرنا إلى هذا الأمر نظرة محايدة وجدنا أنها لا تمثل هنة على الكاتب ولا تضعف عمله،  فمن يمرّ في تجربة شيّقة وينجح في نقلها في كتاب فلم لا؟
 ديستوفسكي أعاد خلق نفسه في “بيت الموتى” وجاءت الرّواية رائعة ولم يفعل الشّيء نفسه مع “الجريمة والعقاب” بل ابتعد من الأبطال كلية، وجاءت الرّواية رائعة أيضاً، إذاً فقضية أن يعيد الكاتب نفسه أم لا، تتعلق بنجاحه في العمل الفني أولاً وأخيراً.
 *ما هو السّقف الضمني الاعتباري الذي تضعه في أثناء كتابتك رواية؟
 * في الغرب المزدهر حضارياً، أدبياً، علمياً، فنياً، شيطانياً في الوقت نفسه، هناك احترام للكاتب، فما إن ينجح أي كتاب لكاتب حتى تنهمر طلبات دور النّشر للتعاقد معه، وغالباً ما يكون الاتفاق على عمل روائي واحد خلال سنة، عندئذ يعمد الكاتب إلى التّفرغ مطمئناً إلى توافر جيميع احتياجاته، عندنا ينعكس الأمر، يبقى الرّكض لتأمين لقمة العيش له الاهتمام الأوّل. وما يتبقى له من الوقت ينصرف فيه إلى الإبداع لذا فإننا نحتاج إلى مدة أطول للإنتاج.
 *هل وعي التّجربة الكتابية مسبقاً مطلوب من وجهة نظرك؟
 * وعي التّجربة الرّوائية الكتابية، جزء من وعي الإنسان الشّامل في الكون والحياة والمجتمع. فالإنسان كاتب اجتماعيّ سياسيّ، عائليّ، مفكّر، منتج. والكاتب جزء من المجتمع لذا، فإن الرّوائي يتوافر على وعي شمولي واسع، فهو واعٍ اجتماعياً، سياسياً، فكرياً، أدبياً، تاريخياً، قومياً، قطرياً، ولكونه كذلك تراه متفوقاً بوساطة هذا الوعي على كل أصناف التّشكيلة الإجتماعية، فوعيه يفوق وعي الطبيب والمهندس والسّياسي والتّاجر والمخترع والفيلسوف، هذا “جول فيرن” تنبأ بأكثر من ٢٠٠ اختراع تحقق منها أكثر من مئة وستين، وهذا “أج. جي. ويلز” تنبأ بأشياء كثيرة تحقّقت. والمؤلف العبقري لألف ليلة وليلة تنبأ بالطائرة قبل أكثر من ألف سنة، “بساط الرّيح” وكذلك فعلت رواية “سيف بن ذي يزن” فلقد تنبأت بالصواريخ والأشعة.
 أليست هذه الأمثلة مثابة دليل على شمولية الوعي وضرورة أن يكون سابقاً للكتابة؟
 أما الأمثلة على فشل الأعمال الأدبية لخلوها من الوعي الصادق فأكثر من ذلك.
 *ما رأيك في ما يقوله الرّوائي البيروفي الكبير ماريو فارغاس يوسا في أن الكتابة هي كذب واختلاق وتظاهر وخلط ونصب كمائن للقارئ والكاتب نفسه. ومن خلال هذه الكيمياء تتضح للعيان الحقيقة الأدبية.
 * أرجو أن تسمح لي بالاختلاف مع ماريو فارغاس يوسا، إنه كاتب كبير، لكني اعتقد بأنه وكثير من كتاب أمريكا اللاتينية محبطون بسبب اختطاف ماركيز جائزة نوبل منهم، وهذا أشبه بما حدث في عالمنا العربي. احسّ غير واحد بالإحباط لفوز نجيب محفوظ دونهم. ولا حاجة هنا لذكر التّهجم الذي وجه لكاتبنا الكبير.
 هنا يتبادر إلى الذّهن أكثر من سؤال:  هل رواية “زوربا” لكازانتاكس أكاذيب واختلاق وتظاهر الخ؟
 وهل “الإخوة كرامازوف” لديستوفسكي و”أبناء وآباء” لتورجنيف كذلك؟
 ليسمح لي الكاتب الكبير بالتّوقف عند تورجنيف، لم اذكره سابقاً في أي حديث لأن لديّ دراسة كاملة عنه كانت بينها وبين الحصول على شهادة خطوة واحدة أضاعها أحد زلازل وطننا وتقلباته. في هذه الرّواية بالذّات يرصد تورجنيف أحداثاً تتعلق بالصّراع بين الأجيال، لا أبالغ إن قلت إن مثل هذا الصّراع رأيته في عائلتنا.
 كيف أتهم تورجنيف بالكذب؟ وهو جسد بفنية عالية هذا الصّراع الأبدي دائم الحدوث؟
 إننني اعتبر كلام “يوسا” كما ذكرت انعكاساً للإحباط. ونوعا من الغيرة التّي أرجو أن تكون حميدة غير ضارة
 * ماذا عن جديدك الأدبي؟
 سيصدر لي قريباً عن دار سينا مجموعة قصص بعنوان: “طيور الحب… والحرب”. وهي أقاصيص منشورة كلها في مجلات الوطن العربي: “الآداب.” “المدى” جريدة “الحياة” اللندنية، “الموقف الأدبي” السّورية، “الشّروق” “المنتدى” “الرّافد” “شؤون أدبية.””لوتس” العالمية التّي كانت تصدر في تونس.
 إنني جد مقلّ في كتابة القصة القصيرة، وبصدور هذه المجموعة يصبح عند مجموعتان فقط بينهما ٤٠ سنة، إذ صدرت الأولى سنة ١٩٥٧
 
 

 

Posted in مقابلات - Interviews | Leave a comment

Interview in an Indian Magazine

Replies without Interview Questions

Some thing about me

I have written more than 20 novels and short story collections, including Port Saeed and Saddam City. Even before this collection one of my short stories won the award of “Iraq’s youth” newspaper in 1956. The first military Baathist Iraqi government seized two of my novels, “The Strike” and “An Old Case” in 1963. In 1963, the Baath Party overthrew the government and I was arrested. In addition, the government suspended me from my job as a high school teacher of Arabic literature for three years. One of which was a manuscript in the possession of the Iraqi Writers Union. The Iraqi authorities destroyed my novel, “An Old Question,” which was published and ready for distribution. After being released from prison I left Iraq and went to Morocco where I taught Arabic in high school. I returned to my country in 1967, but unfortunately the Baath Party soon came to power again.

 

In 1968, I wrote another novel and presented the manuscript to the Ministry of Information to be published, however, it was rejected because I refused to make more than 150 changes to the novel (it was later published in its original form in 1995 in Syria).

 

In 1970, I wrote another novel about my life in Morocco. Again, the Ministry of Information reviewed my novel and again they asked me to make changes to the novel. I refused once again and it was not published. However, it was published in 1985 in Cairo, Egypt and in Amman, Jordan. It was also published in Beirut, Lebanon for the fourth time 1997. One of my friends who had read the novel suggested that I enter it in an Iraqi literary contest. I thought that they would not accept the book because the Ministry of Information had rejected it, but he encouraged me because the people on the committee were neutral. I agreed. As it turned out, my novel won first place. When the government realized that it was I who had written the book, they refused to pay me the prize.

 

In 1980, I was rested again for the sixth time in my own country. At this time I saw more than 10,000 people in prison. All of them were innocent, at least in my opinion, so I wrote a fictional novel: I Am Who Was Seen. In this novel I recalled my experiences in the Iraqi prisons, and the torture employed by Iraqi security and other government departments. This book was published in Syria 15 years after I wrote it. The Syrian government censored two chapters. This book was published in English in 2003 by Saqi Books in London with a new name, Saddam City. It was also published in Italian language in 2005 by Prima Edzione Italiana. This book is one of the 50 best novels in the world by site (Library Thing). My novel, The End of the Day Light, was published in 1996 in Lebanon, and won the Story Club Award of Egypt.

 

In 1984, I left Iraq after being imprisoned unjustly on numerous occasions and also due to the banning of literature that I had written. Ironically, a novel that I wrote, “Zankat bin Barka- bin barka ally.” in 1970, won the Ministry of Information Award in 1993.

 I was only able to leave Iraq by bribing an official for a passport. I went to Dubai, U.A.E., and stayed there until 1999. Then, I came to the U.S.A. on July 2, 1999, and received political asylum shortly thereafter. My time in the U.S.A has been spent writing stories, newspaper articles, and novels. I also teach part time at DePaul University teaching calligraphy and Arabic literature.

 

 

 

 

 

 

 

My prizes:

1- First place award for short story contest in 1956, “The Ominous Gun,” from Al-Fata newspaper in Mosel, Iraq.
2-First place award for novel contest in Iraq (bin Barka ally) 1993

3- First place award for the Club Story Organization’s novel contest in Cairo, Egypt in 1996. “Did the War End?”

4- Sheikha Fatima’s award for children’s story, “A Woman’s Courage,” 1999, in Abu Dhabi.

 

LIST OF PUBLICATIONS:

  1. 1957— Port Saeed and Other Stories

Published in Baghdad, there was a copy at the public library. Unfortunately, no one knows who burned this library after the American occupation of Iraq.

  1. 1963— An Old Case

Published by the Iraqi Writer’s Union in Baghdad. Banned, then burned.

  1. 1963— The Strike

The manuscript was written in 1959, the government banned and burned it in1963.

  1. 1968— The Sound and the Rhythm

Published in 1995 by Almada House in Damascus, Syria.

  1. 1970— Bin Barka Ally ( Zankat Bin Barka.)

Published in 1993 by Dar Alkarmal in Amman, Jordon. Won the Best Iraqi Novel Award the same year. The second edition, by Dar Aladab in Beirut, Lebanon, came out in1996.

  1. 1981— I Am Who Was Seen

A fictional manuscript about Iraqi prisons. This novel was written under a pen name (Mustafa Ali Noman) because of my family in Iraq— I was afraid the government would punish them. Written in 1981, published by Almada House in 1995, Damascus, Syria.

  1. 1996— The End of the Daylight

Published by Alhiat House in Beirut, Lebanon. Won the First Place Award in Egypt, by Story Club, Cairo.

  1. 1997— The Birds of Love and War

Short-story collection, published by Dar Sina in Egypt, Cairo.

  1. 1999— The Beautiful Death

Published by Almada House, Damascus, Syria.

  1. 1999— Before the Love, After the Love

Published in Damascus, Syria.

  1. 2003— aldhalan>

Published in Arabic by Dar Aladab, Beirut, Lebanon.

  1. 2003— Saddam City.
    1. This novel is the English edition of I Am Who Was Seen, published at Dar As Saqi London, England. The publisher changed the title to Saddam City. (commercial publications.)
    2. This novel bee translated to Italian language 2005. (commercial publications)
  2. 2005 A Figure in Repose“Al Munsadeh” Short stories collections.
  3. 2005. Two lost souls. Chicago IL. In (English)
  4. 2006. I am Who Was Seen. Second edition. In Egypt. Dar Alhilal.
  5. 2006. The World in Angels Eyes “Al-Dunia fi Aayn al-Maleka”
  6. 2007. Jacob’s Daughters “Banaat Yagoob” 1st edition (Cyprus) 
  7. 2008. Jacob’s Daughters “Banaat Yagoob” 2nd edition (Amman – Jordan)
  8. 2008 Chicago trilogy. Egypt, three novels: Two Lost Souls. Asadora. Zitaa and Sadan.
  9. 2009. Soldier and Pigs. Short story collection in Amman, Jordan

           

           

                NOTES:

**I received my first award for short stories in 1956 in Iraqi newspaper “Fata al Iraq”,

** I received an award from “Abu Dhabi- UAE” 1999 for children short stories.

**Another two works of fiction were lost during the period of 1970-1985. There are no manuscripts copies remaining.

** I have written five new fictional novels— all ready to publish in Arabic.

** I have published 7 articles in English, and 3 short-stories in English in Al Jadid Magazine.

** Also, I have published hundreds of articles in Arabic literary magazines and newspapers,

            Including:

            Aljadid Magazine(Los Anglos) USA.

            F Magazine. Chicago. IL. USA

            Aladab Magazine (Beirut, Lebanon)

            Al Quds Newspaper (London, U.K.)

           Azzaman. Newsper(London, U.K.)

            Almada Magazine (Damascus, Syria)

            Almuntada Magazine (Dubai, U.A.E.)

            Al Ightrab Aladabi Magazine (London, U.K.)

            Al mawkif Aladabi Magazine (Damascus, Syria)

            Story Magazine/ Majalatu Al Qissa (London, U.K.)

            Al Rafid Magazine (Shrja, U.A.E.)

            Alkhalij Newspaper (Shrja, U.A.E.)

            Al Hyatt Newspaper (London, U.K.)

            Albaian Newspaper (Dubai, U.A.E.)

            Alitihad Newspaper (Abu Dabi, U.A.E.)

            And many others magazines and news papers.

            Nazwa (literature Magazine.) Oman.

            Al-Ightrab aladabi. London. UK.

            Sho,oon Adabia. Sharja. UAE

            Addustour newspaper. Amman. Jordan

            Aladib Almuasir. (Contemporary litterateur.) Damascus Syria.

            And many others.

 

 

 

Posted in مقابلات - Interviews | Leave a comment

حوار مع الروائي العراقي الكبير : محمود سعيد

مازن لطيف علي

mazinlateef_2005@yahoo.com
مـشكلـة الأدبـاء المنـفييـن بـدأت منــذ عـهـد غـارق وفي القـدم في مـختـلف الأمـكنـة
اول واعظم رواية في العالم هي ألف ليلة وليلة وهي أجمل ما كتب في حقل الرواية في العصور كافة، ولا أعتقد أن يتمكن أي كاتب آخر من كتابة رواية أعظم منها في المستقبل. فمثلاً خذ رواية الحرب والسلم لتولوستوي إنها أكبر حجماً من ألف ليلة وليلة بعشرة أضعاف، لكنها بالقياس إلى ألف ليلة وليلة محدودة جداً، ثيمتها مقتصرة على مشكلة واحدةً، لم تصف سوى اضطراب عائلة ارستقراطية تعاني من مآسي الحرب. بينما كان عالم ألف ليلة وليلة واسعاً عميقا غنياً بسعة وغنى الحياة هذا ما يؤكده الروائي العراقي المبدع محمود سعيد احد ابرز الروائيين من جيل الخمسينات والذي اختار المنفى كحل منذ وقت مبكر من حياته .
في هذا الحوار يبدي اراء اخرى في الثقافة والادب العراقيين :

هل ساهمت الرواية العراقية في استفزاز الواقع العراقي.

استفزاز؟
كلمة مشاغبة أليس كذلك؟ هذه هي لغة اليوم. علينا أن نقبلها. هكذا تتطور اللغة. عندما أقرأ ما كتبه أجدادنا في العهد العباسي ، أجد لغة الخطاب مختلفة بعض الشيء عما هي عليه الآن. نحن قوم عاطفيون، نألف قضايانا. بيئتنا. كلماتنا. أشياءنا. أول مسحوق غسيل دخل العراق كان اسمه تايد. أخذنا نطلق على كل مسحوق غسيل حتى لو كان عربياً “تايد” وأول مكنسة كهربية دخلت العراق كانت هوفر، اختفت هوفر وجاءت عشرات الماركات ومازلنا نسمي المكنسة هوفر. ألقيت محاضرة في جامعة شيكاغو عن أسماء قديمة مازلنا نستعملها، ذكرت أشياء كثيرة منها أسماء أدوات الشاي عندنا، لأن الشاي العراقي يعد بطريقة ليصبح الأفضل والألذ في العالم. ولاعتزازنا به أبقينا كافة الأسماء أجنبية، لنضيف إليه مسحة قداسة واقعية: الاستكان، الخاشوكة، الكتلي، القوري، القند، الشكر، لم نعرب سوى اسم الصحن الذي يوضع فيه الاستكان.

أعود لكلمتك. استفزت!
نعم استفزت القصة الواقع العراقي. كيف لا؟ القصة والرواية عراقيتان. أول قصة قصيرة كتبت في تاريخ العالم عراقية. كتبت قصص قصيرة في مناطق كثيرة. لكن في العراق ظهر جنس القصة القصيرة كعمل فني مستقل عن غيره. أسموها آنذاك المقامة. ذكرت ذلك في محاضرة أخرى في جامعة دي بول في شيكاغو، قبل أقل من شهر. حددت المقامة أسساً معينة للشكل والموضوع في القصة القصيرة مازال يُراعى حتى هذه اللحظة: موضوع مختصر، شخصيات محدودة، بداية، تشويق، نهاية. نعم. مازالت هذه الأسس تراعى إلى حد الآن. أما الرواية فعراقية أيضاً، أول وأعظم رواية في العالم هي ألف ليلة وليلة وهي بغدادية بالذات. وهي أجمل ما كتب في حقل الرواية في العصور كافة، ولا أعتقد أن يتمكن أي شخص آخر من كتابة رواية أعظم منها في المستقبل. فمثلاً خذ رواية الحرب والسلم لتولوستوي إنها أكبر حجماً من ألف ليلة وليلة بعشرة أضعاف، لكنها بالقياس إلى ألف ليلة وليلة محدودة جداً، ثيمتها مقتصرة على مشكلة واحدةً، لم تصف سوى اضطراب عائلة ارستقراطية تعاني من مآسي الحرب. بينما كان عالم ألف ليلة وليلة واسعاً عميقا غنياً بسعة وغنى الحياة. نعم استفزت ألف ليلة وليلة القارئ العالمي، وأثارت وأثرت ومازالت، ورأيت ذلك واضحاً في معرض الكتاب في تشرين الأول في مدينة ميلواكي بولاية ويسكانسن حيث دعيت لإلقاء قصة قصيرة، فقد كان هناك أربع كتب جديدة عن ألف ليلة وليلة. أحدها ألماني بقلم نحو عشرة كتاب.
بالإضافة إلى الذين يكتبون داخل العراق، هناك مئات الكتاب يكتبون خارج العراق. إنهم يملؤون العالم دوياً.
كانت ظروف الكتابة في العراق وما زالت غير ملائمة للمبدع العراقي من حيث الحرية والتعبير، قيود كثيرة مفروضة في كل المجالات، قلما يجتازها الكاتب بنجاح. لهذا فإن معظم ما كتب في الداخل يفتقد إلى التعبير الكاشف المحلق، الموحي، المعبر عما يجري.

كيف تفسر ضعف المنتوج الروائي العراقي؟
لا يحتاج الأمر إلى قدرة إعجازية في التفسير. في الصورة وضوح هائل.
انظر إلى الفترات التي ازدهر فيها الأدب وأماكنها في العالم، وابحث عن السبب.
ازدهر الأدب في العصر اليوناني. لماذا؟ كانت هناك حرية وديمقراطية.
ثم ازدهر الشعر العربي بأغزر ما وجد عليه قبل الإسلام لماذا؟ لأن العربي كان يعتز بحريته قبل الإسلام. فقد فضل العرب الحرية على النظام وإقامة دولة. عاشوا عشرات آلاف السنين من دون دولة، فأزدهر الشعر. وعندما قُيِّد الخيال باعتباره نوعاً من الكذب بعد الإسلام، لم يقف المبدع العربي مغلولاً، حاول، وحاول، وحاول حتى أفلح بالفصل بين الأدب وتلك القيود فوصل إلى قمته في العراق العباسي. فظهرت أنواع أدبية عدة كما ذكرت سابقاً كالمقامة والرواية، وتأصل الغناء فظهرت مقامات الغناء المتعددة وملأت الأجواء بتغريداتها العذبة. وفي الغرب بدأ ازدهار الرواية والقصة والشعر والموسيقى والغناء والأشرطة السينمائية بعد الثورة الفرنسية لقيام مؤسسات مدنية فصلت الكنيسة عن الاستبداد وشرعت قوانين حرة.
إذن. نجد أمامنا معادلتين مهمتين لا يمكن إغفالهما، معادلتين تجيبان على سؤالك:
الحرية = إبداع.
ديكتاتورية، طائفية، إرهاب = أمية. سطحية، خراب.

هل تعتقد أن الثقافة العراقية فشلت في إنتاج وسط روائي يتكفل بمشاكل المجتمع العراقي؟
ما أريد قوله إن المجتمع العراقي “السياسي” فشل في خلق جو تزدهر فيه الثقافة والأدب وهذا يعني ضمناً أنه فشل في خلق وسط روائي يتكفل بتفكيك وتركيب العالم المفترض لما يمكن أن يتخيله المبدع ولتوضيح ذلك أسوق ما يأتي.

أقيم الكيان الهزيل “الدولة العراقية” الحديث سنة 1921، ومنذ ذلك الوقت وإلى حد الآن لم يجد العراقيون ظروفاً صحية يزدهر فيها الأدب العراقي، سوى فترة: تموز 1958- شباط 1963. أي أربع سنوات ونصف تقريباً. في عهد المرحوم عبد الكريم قاسم. لماذا؟
كان الحكم قبل 58 يمنع قيام أي مجلة أدبية ثقافية فكرية في العراق، والمجلتان اللتان سمح لهما بالصدور هما فكاهيتان: الكشكول، وحبزبوز. لذا فقد كنت ترى المجلات المصرية واللبنانية والسورية تملأ السوق العراقية. فأين يكتب العراقيون؟ اضطروا للكتابة خارج العراق. فعلى سبيل المثال كان محمود البريكان ونازك الملائكة والسياب وغانم الدباغ ينشرون في مجلتي الأديب والآداب اللبنانيتين، وكان البياتي ينشر في هاتين المجلتين نفسيهما إضافة إلى مجلة الرسالة المصرية. بعد 58 أجيزت مجلتان أدبيتان، فأحس الكتاب العراقيون أن هناك شيئاً خاصاً بهم ينشر نتاجهم. فازداد عدد كتاب القصة القصيرة على سبيل المثال، وقدِّم لاتحاد الأدباء العرقيين مسودات كثيرة في القصة والشعر والرواية. ولو لم يُقضَ على الحرية سنة 63 لرأينا تطوراً طبيعيا في الأدب العراقي يمكنه موازاة الأدب المصري ازدهاراً. بعد ذلك نشأ الأدب العراقي مشوهاً، فقد أجبر الإعلام الرسمي الأدباء على الانحياز له ومازال.

هل غلب حضور الشعر على الرواية في العراق ام بالعكس ولماذا؟
في الماضي، من الأربعينات حتى الستينات، كان الشعر العراقي طاغياً على المشهد الأدبي في العراق، وكان المثقفون والأدباء خارج العراق يعرفون البياتي، السياب، الملائكة كأنهم شعراؤهم، ويحفظون لهم. وعندما خرجت من السجن سنة 64 وذهبت للعمل في المغرب وهو أقصى بلد عربي عن العراق، كان هؤلاء الثلاثة متواجدين في الساحة الأدبية المغربية كأنهم مغاربة. وتلك قيمة أهمية انتشار اللغة العربية العظيمة. أما في السبعينات وما بعدها فقد نشأ نوع من التوازن في كمية الإنتاج القصصي والشعري في العراق، كما هو في كل البلدان العربية. ولا أعتقد أن جنساً أدبياً طغى على الآخر قط. ولا أعتقد الآن أن أي جنس يمكن أن ينتعش على حساب جنس آخر. القضية قضية حضانة صحية. فمتى ما خلقت حضانة صحية ثرة لمجتمع صحيح فإن الأدب والفن سيزدهر بكافة أنواعه وأشكاله كما في الغرب الآن، وكما كان عندنا في العصر العباسي. أنت تتعامل مع الكتب، وتعرف أن ما كان موجوداً من الكتب في العصر العباسي منها يتجاوز مئات الملايين، لم يصلنا سوى واحد بالمئة منها. كتب الكتاب آنذاك كتبهم في حرية هائلة لم تتوافر الآن عندنا، كتبوا في الحب والجنس والدين والفقه والإلحاد والمذاهب المتعددة، والتصوف، كتبوا عن كفاح الإنسان في سبيل الرزق، وعن طرق الحصول على المال بأساليب صحيحة وملتوية وغير شرعية، كتبوا عن الزهور، عن الحيوانات، عن المال، عن التجارة، عن المهن، عن الاختراعات، عن الطبخ، لن تجد شيئاً لم يتطرقوا إليه. بالضبط كما هو موجود الآن في الدول الأوربية. لماذا؟ لماذا حدث ذلك الفيض في التأليف وقتئذ؟ لا جواب غير الحرية المتاحة. أما الآن فقد قرأت نماذج كثيرة من النتاج الحديث بعد 2003 شعرا ونثراً في العراق، وأحزنني أن مستواه مع الأسف أدنى مما كان في عهد الديكتاتورية، سواء أكان شعراً أم قصة ورواية.
الموضوع موضوع حضانة صحية باتت مفقودة الآن جملة وتفصيلاً، لكن علينا أن نلاحظ جميعا حقيقة لابد منها: أن من المستحيل أن يزدهر الأدب تحت ظلال الخوف والتسلط كما كان في عهد الديكتاتور، ولا يمكن أن يزدهر تحت رشاشات الرعب والطائفية وسيطرة المليشيات كما الآن قط.

اليوم نلاحظ نوعاً من النشاط الروائي خارج العراق وظهور أسماء فاعلة في هذا الجانب…برأيك لماذا؟
ليس النشاط الروائي مزدهراً خارج العراق حسب، بل حتى الشعر، النقد، الصور المتحركة. أجناس الأدب كلها مزدهرة خارج العراق. أحدث الانترنت ثورة أدبية في كل ما للكلمة من معنى. صدرت مئات المجلات الالكترونية في وقت واحد، في كل يوم تصدر مدونة أدبية جديدة، هذه المدونات الالكترونية لها مفعولان صحي ومرضي. الصحي هو الحرية في التعبير من دون خوف أو قلق. أما المرضي فهو التشتت. في الدورية الورقية الأدبية تستطيع تشخيص الجيد وتعزله والعكس صحيح. تستطيع أن تضع المقالة الجيدة، القصة القصيرة الجيدة في مكان معين ترجع إليها متى شئت. أما في المدونة فلا تستطيع. أين ستعزل الجيد، أين ستضعه. في ملفات؟ سيثقل ذلك الحاسب. ستضطر للتخلص منه في وقت ما. لماذا؟ لأن الحاسوب كأي وعاء محدود يمتلئ.

ما هي فكرة روايتك (الضالان) الصادرة عن دار الآداب والتي لم تصل إلى العراق لحد الآن؟
صدر لي بعد الضالان: ثلاثة أعمال وترجم لي روايتان، أما الأعمال فهي: المنسدح مجموعة قصص. أنا الذي رأى، رواية، الدنيا في أعين الملائكة. رواية. أما المترجمات فهي أنا الذي رأى إلى الإنكليزية، والإيطالية، والضالان إلى الإنكليزية. بالنسبة للاختصار فلا أعتقد أن هناك اختصارا ينجح في إعطاء فكرة تامة عن رواية، حتى جزء من رواية، موقف من رواية، في نظري يستحيل اختصار رواية بكاملها ويتمكن المختصر من الإبقاء عليها غير مشوهة، الاختصار تشويه. قلت مرة في مقابلة معي طلب مني الطلب نفسه: الاختصار للأفكار، والرواية ليست بفكر مجرد، إنها مزيج من الوصف والوعي والفكر والواقع والخيال، وهي إضافة إلى كل ذلك أسلوب متميز عن غيره، وسرد لا يشبهه سرد آخر. دعني أوضح لك وجهة نظري فيما ورد في القرآن الكريم، على سبيل المثال: في سورة يوسف هناك آية وصفية عظيمة: “وهمّت به وهمّ بها”. تلك الآية تصور موقفاً غرامياً بين يوسف وزليخة، فيها إغواء، وإثارة، وهيام، ورغبة، وانفعال عميق، وتجاذب يستغرق تحليلاً في مئات الكلمات، لكن عبقرية السارد وعظمة بلاغته اختصرت كل ذلك في أربع كلمات، والآية المذكورة جزء من قصة طويلة، ولا يستطيع أي كان أن يلخص القصة وإلا فقدت رونقها وعمقها، ومن يلخص قصة يوسف ولا يذكر هذه الآية وغيرها (على سبيل المثال) يجني على عظمة السرد ويتجاوز عبقرية البلاغة العربية. ومن يذكرها ويذكر غيرها من الآيات لا يمارس التلخيص، إذن فنحن في دائرة مغلقة. الرواية الجيدة تلقيك في محيط عميق من استمتاع لا مثيل له، تمنحك لذة قصوى، والاختصار يفقدك ذلك الاستمتاع، ويجرد مشاعرك من اللذة، لتبقى حسيراً مغلوباً، سأضرب لك مثلاً آخر أنت تستطيع أن تلخص رائعة الشيخ والبحر بكلمات قليلة وهي فشل صياد عجوز في الحياة، أما أكثر من ذلك فلا تستطيع أن تقول شيئاً لأن عظمة هذه الرواية غير متأتية من الموضوع الجيد الذي اختاره همينكواي فقط بل من أسلوبه الواقعي الممتاز الذي صاغه بشكل أصبح أشبه بالموسيقى التصورية. مشكلة الأدباء المهاجرين بدأت منذ عهد غارق في القدم في مختلف الأمكنة، لكنها برزت بوضوح في نهاية العهد الديكتاتوري، وبالتحديد بعد الحصار الذي فرض على العراق سنة 1991 واستمروا في الهجرة حتى هذه اللحظة. الهجرة كموجات البحر، تارة هادئة رقيقة تتحرك ببطء وكأنها تسيل، وتارة عنيفة قوية هوجاء عاتية. ذلك أن حياة الإنسان قصيرة جداً وحينما يشعر الأديب بأنه مضطهد في مجتمع ما يرحل إلى محيط آخر، أملاً في حياة أفضل. وكثيراً ما يلحظ المهاجر أنه كان يجري وراء وهم ولم يلقَ سوى سراب. فليس كل مكان تهاجر إليه يشعرك بالراحة.
زرت الكثير من الأماكن التي لجأ إليها الأدباء. وضعهم في البلدان الحاضنة أفضل من وضعهم في العراق، لكن بعضهم لا يشعر بالسعادة، بعضهم يتشكى، بعضهم يتمنى الرجوع لو كان في العراق استقرار.الخ. الأديب حالم كبير، ولا يمكن أن يتطابق الحلم مع الواقع. وقد يبقي الحلم جزأً منه متمرداً، هذا ما يجعله لا يرضى عن الواقع قط. وهو سر التطور الأزلي المستمر. لأضرب مثلاً على ذلك، نسبة من الموجودين في أمريكا مثلاً تعاني من تمييز عنصري مستور، لأنه ممنوع قانوناً، ويعاقب من يمارسه بعقوبات شديدة. لكنه موجود بشكل او بأخر. كنت أود نشر رواياتي في العراق بعد 2003، ذلك أنني ربما الكاتب الوحيد الذي منعت من النشر في العراق، فقد منع لي في العهد الديكتاتوري ست روايات آخرها رواية “قبل الحب، بعد الحب” وأرسلتها بيد المرحوم موسى كريدي سنة 1993 نتيجة لإلحاحه، ولكونه يعمل هناك. قال لي إنهم رفضوا النظر إليها. فاضطررت لنشرها في دار المدى. ولكثرة ما تعرضت للتحقيقات والتوقيفات فقدت أربع روايات. وأتلفت لي في حوادث شباط 1963 روايتان أشار إليهما الأستاذ علي الشوك في جريدة الحياة أثناء مقالته عن “زنقة بن بركة”. واستبشرت خيراً بالتغيير، وأول ما تبادر إلى ذهني إرسال الضالان إلى دار الشؤون الثقافية. استشرت أحد الأصدقاء، فنصحني أن لا أفعل. ومازال عندي الآن أربع مسودات لروايات جاهزة، أتمنى أن يوافقوا عليها أو على أحدها. لكن الأمر لا يعود لي. علي أن أنتظر.

Posted in مقابلات - Interviews | Leave a comment

 

 

 

The Humpbacked Minaret: An Inteview with Mahmoud Saeed

BY STEPHEN MORISON, JR.

 

When my family and I moved from Beijing to Amman last summer (2010), I began to update my library of books by Middle Eastern writers. I read a memoir about dating in Saudi Arabia that reminded me of youthful novels by F. Scott Fitzgerald and China’s Chun Sue, an Egyptian epic that shared a kinship with Lawrence Durrell, and a collection of stories authored by a Palestinian full of the ghosts of Albert Camus and Paul Bowles. While these books balanced light and darkness, Iraqi writer Mahmoud Saeed’s novel I Was the One Who Saw (translated as Saddam City) was more emotionally challenging. Inspired by his experiences in Iraqi jails during the reign of Saddam Hussein, Saeed’s novel joins the list of works that detail the process by which humans survive imprisonment, deprivation and torture, works that include Arthur Koestler’s Darkness at Noon, Aleksandr Solzhenitsyn’s One Day in the Life of Ivan Denisovich, Chol-hwan Kang’s The Aquariums of Pyongyang, and Elie Wiesel’s Night.

The following interview with Mr. Saeed, who currently teaches Arabic and Arabic Culture at DePaul University in Chicago, was conducted via telephone and email over the course of several weeks in March and April of 2011.

Interview:

Stephen Morison, Jr.: Could you describe where you are from in Iraq and tell us a little bit about your family background?

 

First of all, I would like to thank you for your interest in me, and I appreciate deeply the interest of Fiction Writers Review and its readers of contemporary novelists, poets and short story writers. This delights me. I wrote a novel about my childhood and my city environment. A novelist friend, Alan Salter translated it into English for me and it won the prize in translation at the University of Arkansas. This novel, entitled The World Through the Eyes of Angels, will be published by the University of Syracuse in the fall. I was born in the city of Mosul, one of the oldest cities in the world, which was built at the same time as the city of Nineveh. Arab writers accurately described Mosul more than 1300 years ago. These writings mention a market that partially remains to this day, and in which my father had a shop. Mosul’s population was comprised entirely of Arabs who practiced different religions such as Islam, Christianity and Judaism. In that time, all religions fraternized as one family, not like today, when everyone wants to kill everyone else. Living in the city depended on agriculture, so the city depended on rainfall. The city became very poor because the rains did not come every year, and when it did rain, it was not enough. In the summer when the harvest ended, people flocked to the city from the surrounding villages. These people included Kurds, Turkmen, Assyrians, Aramaic, Hebron, Shabacs, and Yezidis and they came to sell their crops and shop in the city.

The climate in Mosul is divided into four seasons, each exactly three months. There is a cold winter in which temperatures drop to freezing. The spring is very beautiful and mild. Summer reaches ninety five degrees, followed by a temperate fall. Thus, Mosel is called “the mother of two springs.”

Our ancestors in Mosul engineered a plaster which was stronger than concrete. They used this plaster to build the highest minaret in the world in Mosul, more than nine centuries ago. Seven centuries after the minaret was built, it began to lean to the east, so severely that people thought that it would fall. The minaret has remained leaning this way for over two hundred years, thus the origin of Mosul’s nickname “The Humpback.” Mosul is also the only city in Iraq that used alabaster in its architecture. The city is also famous for its cuisine, including unique types of pickles, sweets and sausages.

 

The Humpbacked

 Minaret – Mosul, Iraq

Where were you educated?

I attended secondary school in Mosul, then the University of Baghdad, which was a very significant time in my life. I was such an avid reader that by the age of twelve I had read all the novels, collections of stories and history books in Mosul’s public library.

What writers were you exposed to as a young person?

Before completing high school I had read most of the authors whose work had been translated into Arabic including Cervantes, Dickens, Balzac, Flaubert, Stendhal, Hermann Hesse, Melville, Poe, Maupassant, Dostoyevsky, Tolstoy, Gorky, Turgenev, Chekhov and others. In addition, I read the works of Arab writers including Naguib Mahfouz and Tewfik al-Hakim. I enjoyed reading modern translations as soon as they were published. I often read at least three hours a day, books by both Arab and non-Arab writers.

 

What motivated you to begin writing? When did you begin writing?

My writings were motivated by conflict in the world, the disparities between wealth and poverty, strength and weaknesses, oppressed people versus an arbitrary system of government, knowledge and ignorance, the old and the new, the constraints of customs and traditions versus liberation. I saw that conflict usually meant that those who are strong are victorious and those who are weak are defeated. I found that it was not always possible to speak your opinion frankly in life, at the risk of severe punishment. I found, however, that in the act of communicating by writing one can be free. If you are unable to resist evil in life, you can resist it through writing. Likewise, if you witness hunger and you cannot help the hungry, your pen can create a perfect world where people do not stay hungry.

Writing is an alternate world trying to solve the puzzle of man and his actions. One can attempt to answer questions through writing which seem intractable in life.

 

What most motivates me to write is the evil, brutality, and destruction inherent in the human spirit, questions about why we persecute each other, why we wish to control each other, why so many live lives of hunger, war, and injustice. All my writing is around solving this puzzle. This makes me feel weak, sometimes like I am nothing, because I feel that only politicians can answer these questions, not thinkers and philosophers. Politicians have an abundance of tools to help them make decisions and answer questions: money, power, agents, systems, and on and on.

The second part of the question, when I started writing, is delicate. At first I was not familiar with writing essays; I wrote stories and novels only, but I wrote articles after that, I summarized or commented on them. I first began to write in school at the age of thirteen, when my teacher asked us to write about a new topic every week. The subjects were traditional, such as describing a village, a natural sight, specific weather, and I thought these topics boring, so I decided instead to write from my imagination. I would write stories or summaries of books that I had read before. This infuriated my teachers, and they punished me. This is why I failed in my Arabic class as a boy. I did not, however, fail other topics like arithmetic. I was faced with some fortunate circumstances during my last secondary school year when a talented poet named Shathel Taqa came to teach our Arabic class. He chose a topic and asked us to write about it, but I did not adhere to the topic, as usual. Instead I summed up the last novel I had read, and assumed I would be punished, as usual. To my surprise, he gave me the highest grade in the class and told me, don’t adhere to the topics that I give, write what you love. That was the starting point of my writing.

 

How do you define “success” as a writer? What were your first successes as a writer?

When I write any novel or short story, I feel like a man whose horse is participating in a race with lots of other horses. I always feel very concerned, and often I fear that my horse will fail or fall apart before it reaches the finish line. The comments of some critics make me feel at ease. I feel comfortable with my degree of success as a writer. Serious critics and avid readers lead to success, and it seems those are few in the Arab world. For example, if a writer occupies a senior position, or he oversees a magazine or newspaper, many critics will praise his work regardless of whether his work deserves it or not. In return, he will allow them to publish in his newspaper or magazine. My first success as a writer was winning a short story prize in Mosul when I was eighteen. The newspaper was called Fata al-Iraq.

What was it like to be a writer in Iraq when you began your career? Was there a government-sponsored writers’ union in Iraq? If so, what role did it play? Were you a member? How independent were writers permitted to be in Iraq?

It is a struggle to gain notoriety as an author in Iraq. In the Arab world, if you want to publish a book you have to pay for its publication, or contribute to it. There are few publishing houses that will publish a book at their own expense. Getting your work published in a magazine or newspaper depends greatly on your relationship with the editor or the owner of the magazine. In Iraq, for example, an author was only allowed to publish a book if he or she was affiliated with a government party. This was the case in the era of Saddam and after. I have not been allowed to publish anything in Iraq from 1957 until now. All of my books have been published outside of Iraq in countries such as Syria, Jordan, Lebanon, UAE, and Egypt. I submitted a novel in 1970 entitled Rue Ben Barka, however censorship prevented its publication. I finally published this novel in Egypt in 1984, then twice in Jordan, in 1992 and 1993. A friend of mine submitted my book in a contest at the Ministry of Information in Iraq, and after some months it won the first prize. When the authorities discovered it, however, the book was banned and they canceled the delivery of my prize. I had been prevented from publishing until recently. The Writers Union in Iraq had supported Saddam’s regime and now supports the new authorities.

How has the experience of being a writer in Iraq changed as you have grown older?

My experience has been very painful. The coup authorities destroyed two of my novels, one of which was published, the second of which was a manuscript. Both these novels were lost while I was imprisoned for one year and one day.

 

I also lost three novels because I was arrested or had run away for fear of arrest. Censorship has prevented all of my novels from being published in Iraq, so far. I must publish my work outside Iraq at my expense. The publishing cost is high, because I have never belonged to a political party in Iraq. The government has made it a point to distort my reputation, which puts me in a state of permanent hostility. What hurts me is my constant feeling that I am in a lasting state of siege, and I feel I will likely die with fear, and that destroys my nerves.

What caused at least two of your novels to be banned in Iraq?

As I said earlier, not two, but all of them. As I mentioned, I was not able to publish any fiction books or short story collections in Iraq, because I did not belong to the party regime. Since the year 2003, I have been prohibited from publishing in Iraq because I announced that I am against the death penalty, ransom killings, and the displacement of innocent people and the stealing of public money.

When and why did you leave Iraq?

I left Iraq in 1985. They wanted me to cooperate with them and forced me to sign papers stating that I would be put to death if I were to ever open my mouth to criticize the regime. I returned in 1991 after the first Gulf War. I was working in Dubai at the time and my work frequently required me to visit Iraq. The government began to harass me in 1994, so in 1995 I moved my family permanently to Dubai. I have not seen Iraq since.


What writers have influenced you in the past?

Books that have impacted me considerably include, A Thousand and One Nights and Tales of Arab Heritage Before Islam. These novels translated life and intellectual depth into Arabic. In my view, the novel is real life, not what we see in reality. Reality without human feeling is dead, but literature brings back life. Look at ancient myths; they turn creation stories into something similar to animals and imaginary objects of light, water, mud, spirit, and devils. Our long journey began with nothing and ended with rockets sailing around the universe.

Who are the other writers you most admire today?

I admire many novels. I think that there are many good novels, but no one writer wrote everything well. I think it is enough for a writer to have one or two good works. Some of the writers I admire include Naguib Mahfouz, Marquez, Kafka, Turgenev, Graham Greene, Herman Hesse, Mishima, Henry Miller, Dostoevsky, Philip Roth, Yasunari Kawabat, Jose Saramago, Mario Vargas Llosa, Hemingway and Steinbeck. I do not enjoy all of what they wrote; very great books are very few.

 

Can you describe your writing process? For example, when you wrote I Am the One Who Saw (Saddam City) did you begin with an outline? Did you utilize character sketches? Did you incorporate personal experiences or nonfiction stories? How long did it take you to write this book?

Yes, I created the outline or “skeletons” of the novel before I started, and then I wrote point by point. If I encountered an obstacle or difficulty, I stopped and worked on another story, since I’m always working on several novels at the same time. I began writing the novel Daughters of Jacob in the year 1973 and I completed it in 2006. I had been thinking of I Am the One Who Saw since the time when I was arrested, and I started writing it one week after they released me. So

 

as not to forget the details, I completed it in six months, but bad luck struck this novel when censorship in Syria deleted two perfect chapters. I didn’t consider it a healthy novel, it was sick, and when it was selected by Dr. Ahmad Sadri to be translated into English, I told him that this work of fiction is disabled and incomplete. I asked him to choose another of my stories, but he insisted. When the company changed the title I suffered a lot, because I had been inspired to choose the title that I did. I said to myself, it will fail completely, but the readers loved it in English and Arabic, which I didn’t expect.

What is your opinion of the current American involvement in Iraq?

Before the intervention in Iraq began in 2003, a reporter from Chicago’s Channel 11 said to me, “You are opposed to the regime of Saddam Hussein; no doubt you will support the U.S. intervention in Iraq.” I replied, “No. Intervention means warfare, and the war does not worry whether it kills innocents, children, the elderly, the sick or women.” Now you ask me the same question. I would like to tell you, I am a peaceful man, against violence, I want to see all the countries of the world abolish the death penalty, and the whole world live under a democratic system, with philosophers and intellectuals organized and elected by the people instead of corrupt politicians. A wounded child crying is a stab in the heart to everyone who creates war.

 

What do you think of the protests and uprisings that occur in the various countries of the Middle East today? What do you think the impact of these protests will have on the lives of writers in Iraq and the Middle East?

Perhaps the best news I saw and heard was that they changed the systems of Egypt and Tunisia in a peaceful manner, and this is what pleased me most, but unfortunately things went wrong in Libya. I hope that democracy prevails in Yemen, Algeria, Morocco, the Gulf States and Saudi Arabia, and I hope this also applies to Iraq, but I want from the bottom of my heart to change the situation in Syria, precisely because I know the suffering of the people there, I visited Syria more than twenty times. I described people, who are suffering there and the situation of prisons in my last novel, Ashshahena, or, The Truck, which was published in Cairo in late 2010. The torture of prisoners in Syria is worse than it was in Saddam Hussein’s era.

In your opinion, is it acceptable to speak of Iraqi literature as a national literature (distinct from Jordanian, Syrian and Saudi literature), or should Iraqi literature be taught and discussed as a part of Arabic literature as a whole?

I feel that the literature of each Arab country like Iraq, Syria, and Lebanon should be taught in public schools in all parts of the Arab world. They should be taught as Arabic literature, but they should say this poet is from Iraq, and this novelist is Egyptian, this is how they describe works from the region in all Arab magazines and newspapers. I did not read in the fifties or sixties the so-called literature of Iraq or Egypt, but critics in the seventies and eighties began chanting in newspapers, magazines, and undergraduate studies terms like: Literature of Algeria, Tunisia, Egypt, Iraq, etc… I think that this phenomenon will be reinforced. There is a similar condition to it, in the countries of Latin America. There is Columbia’s distinct literature, Mexico’s literature, and Cuba’s literature, regardless of the language.

How have the political movements and conflicts inside Iraq in the last fifty years affected Iraqi literature?

 

The political movements have affected literature in Iraq more than any other Arab country. In the forties and fifties literature was affected by left-wing movements: communism, socialism, peace movements, etc. Then it changed. After the sixties, the biggest political influence was the Baath Party, and a large portion of writers repeated what that the Baath government said. The Party would withhold enormous rewards—the equivalent to ten times their salaries—if they did not write what they were told to write. The writers who did not support the Baath party, like me, were prevented from publishing and stayed in the shadows so nobody knows them.

What projects are you currently working on?

I recently finished a novel about the bombing of cities during the Iran-Iraq war. At that time I was in Basra, and the Iranians bombarded Basra every day with dozens of bombs. Iraqis bombed Iranian cities in response. In both countries, civilians were falling dead, and the ones who didn’t die were suffering. Ahmad Sadri, the interpreter of my novel I Am the One Who Saw has read it and has told me he will translate it this summer. I am putting the finishing touches on another work of fiction that occurs in the sixties, which I wrote in 1991.

How do your students at DePaul University compare to the students you knew in Iraq?

Of course, they are different. Here students grew up with freedom and peace, so you see those good, spontaneous, light-hearted, honest, and non-complicated minds. I love them also for being outspoken and innocent. They adopt positions that are anti-war and anti-discrimination between religions and races, and this always pushes me to ask myself: Why did such torture happen at Abu Ghraib? And why do we see the killing of civilians in Iraq and Afghanistan?

The students in Iraq live under severe psychological pressure; they are afraid of death, threatened each moment, and so reluctant to express what they feel and afraid to show their opinions openly.

What are your hopes for your former students and friends back in Iraq?

 

The last time I was teaching in Iraq was in 1981. I had transferred to the main teaching department and was responsible for curriculum and official books. I had to oversee the development of writing of some of my ex-students. Some of them had become famous writers, but they unfortunately were Ba’athists. They had begun writing reports to Security about me and continued to attack me in print after I left Iraq. These attacks continued even until last year. In 2010, one of them attacked me in eight different articles in an Iraqi newspaper. My experience with them was so bad. They never invited me to any of the large number of literary festivals which have been held in Iraq since the sixties. Even now they behave this way because I refused to cooperate with the current Authorities.

What do you hope the future holds for Iraqi writers in the near term?

There will be no change in near term. Current politicians have imposed these classifications on Iraqi writers:

A – Literary collaborators with the former regime, who should be killed or prevented from publishing.
B – Writers who support the current ruling religious parties, and who enjoy tremendous wealth and are permitted to publish anything they’d like, no matter how trivial or superficial.
C – Writers who oppose both of the two regimes, who are mostly outside Iraq, like me.

To illustrate this reality, the writers who support the current ruling religious parties in Iraq issued a list of more than thousand writers who should be killed because they cooperated with Saddam’s regime. As a result of this, some were indeed killed, while others fled.

I have written several articles in Arabic newspapers published in London and websites that reject this bloody and dark trend, but my writing is used against me. My name has been added to other lists of writers who should be killed. Since the occupation began, I have wanted to visit Iraq one last time. However, I’m hesitant to go back there because of these lists. Literature in Iraq will not flourish unless it can be removed from beneath the power and the control of the regime. Even now, writers in Iraq depend on state aid to publish their work. They are poor, and cannot afford publishing’s costs inside Iraq or abroad.

Do you see the circumstances in Iraq changing in the next five years?

 

I am kind of optimistic, and I would love to see things improve in the future. It does not matter if it takes two years or two decades, but I want to see Iraq be rid of the influence of domination and the behavior of the religious parties and the criminal supervision of their militias.

Religious parties have destroyed Iraq, they’ve looted its wealth and have led the country to the bottom of the corruption in the world. They have stolen by force a fortune of more than 500 billion dollars, while at the same time 42 percent of the Iraqi people live by picking through trash. Still, I have great faith that Iraqi literature can be on an equal level with literature in other countries after Iraq overcomes these criminals and their influence.

Further Links & Resources:

 

  • ·  Visit PBS station WTTW’s Online Arts page for a glimpse into the political turmoil that Mahmoud Saeed endured, and which inspired his novel Saddam City. You can find the brief write-up and video here.
  • ·  Explore the University of Syracuse Press to learn more about their forthcoming translation of Mahmoud Saeed’s novel, The World Through the Eyes of Angels. The book has been translated by Samuel Salter, Zahra Jishi, and Rafah Abuinnab.
  • ·  You can also browse through Syracuse University Press’s full selection of Middle Eastern Literature in Translation, which is “is designed to make writing from the languages of the Middle East (Arabic, Turkish, and Persian, but also Kurdish, Urdu, Turkmen, Uzbek, etc.) available to English-speaking readers. The books in the series include short stories, novels, poetry, memoirs, and works on literary criticism.”
  • ·  Founded in 1998, London-based Banipal: Magazine of Modern Arab Literature devoted much of their Issue 37 to twenty-one Iraqi writers, many of whom had never appeared in English before. From the magazine’s website:

Banipal is an independent literary magazine publishing contemporary authors and poets from all over the Arab world in English translation, and was founded in 1998 by Margaret Obank and Iraqi author Samuel Shimon. The three issues a year present established and new Arab authors and poets in English for the first time through poems, short stories or excerpts from novels, and include author interviews, profiles and book reviews. Each issue is well illustrated with author photographs with the full colour covers featuring prominent Arab artists.

Banipal’s latest—Issue 40—is devoted to Libyan fiction. Chock-full of short stories, novel excerpts, poetry and commentary, uncover the astonishing range of Arab literature through this wonderful project of translation.  

One response to “The Humpbacked Minaret: An Inteview with Mahmoud Saeed”

Thank you so much for having chosen to shed light on my writing, and I thank your attention at the same time in other languages literatures other than English. Here is what makes me happy to a large degree, the writer is a free human being in spite of places or languages, he sees whole universe his home.

 

Posted in مقابلات - Interviews | Leave a comment

الانبهار المميت

حسين سرمك حسن

سرد عراقي مفعم بالحنين عن زقاق مغربي
2008/08/15
  

سرد عراقي مفعم بالحنين عن زقاق مغربي
الانبهار المميت يكمن في زنقة بن بركة

عندما تنهي قراءة رواية (زنقة بن بركة) للروائي العراقي (محمود سعيد)، وهي الرواية الفائزة بجائزة أفضل رواية عراقية لعام 1994، ستشعر أولا وكأن أحداث هذه الرواية قد جرت في يوم واحد أو في زمن قصير جدا ، وذلك بسبب إيقاعها اللاهث وتلاحق أحداثها وتسارع توتّراتها الدرامية. يتكفل بتأسيس هذا الشعور في نفس المتلقي عدم تقسيم الرواية إلي فصول كما جرت عليه الرواية تقليديا ووجود وقفات هي فرصة لاسترداد الأنفاس إذا جاز الوصف حيث قصّ الروائي أحداثها ( قطعة واحدة ) من ناحية ، وانطبق المبني علي المعني باتساق أخّاذ مبهر حيث لا توجد استطالات سردية ولا إفاضات وصفية ولا حشو لغوي زائد ولا إيغال مفرط في معاينة الحوادث من ناحية أخري.وهذه الرشاقة السردية تجعلك تقرأ الرواية – إن توفرت لك فرصة طويلة كافية في هذا الزمن الأغبر- بصورة متواصلة وتحملها معك أينما حللت (وقد سبقني في الإشارة إلي هذا الأمر (عواد ناصر)الذي تحدّث في عموده الأسبوعي( قراءات) في ألف ياء الزمان عن انشداده المشوق لوقائع رواية ( بنات يعقوب ) آخر نتاجات الروائي محمود سعيد الذي عدّه بعض النقاد العراقيين من أصحاب الواحدة وذلك لأننا لا نلاحق نتاج المبدع العراقي في حين نعرف آخر قصّة لأصغر قاص في كولومبيا ).وقد تحدّث الروائي الإنجليزي (سومرست موم) في كتابه النقدي المهم ( عشر روايات خالدة ) الذي حلّل فيه عشر روايات عدهن أمهات الرواية العالمية عن عامل مهم يحدّد وفقه -مع عوامل أخري طبعا-أهمية أي رواية وهو عدد الصفحات التي يقفزها القاريء منها بسب الملل والضجر ،وعلي هذا الأساس اعتبر رواية (دون كيخوتة) لسرفانتس رواية مضجرة ولم يضمها إلي العشر روايات الخالدة التي حلّلها لأنه كان يقفز عشرات الصفحات منها ليري إين سيكون مآل مصائر الحوادث التي كانت ثقيلة التفاصيل. ورواية زنقة بن بركة تحمل هذه الميزة المهمة ؛ الرشاقة السردية التي تتجسد في بنائها منذ لحظة الاستهلال الذي يقول فيه الراوي – والرواية تسرد بضمير المتكلم / الأنا كاملة – :
(( تحدّدت العطلة عندي من خلال حدث يبدو ، في الأقل ، أكثر أهمية من المعتاد ، ولقد نسجت الصدفة ما جعلني أحس ، أيام ذلك الصيف المتوتّر الذي قضيته في المحمدية ” فضالة ” عام 1965، أني أباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوّق أحلام كلّ شاب – ص 5))، ثم ، وبعد أن ألقي لنا هذا الطُعم النفسي ، يتركنا متسائلين مع عوالق إيحاءات الحدث المقصود الذي لم نعرف كنهه ويرتد راجعا ليتحدث عن الكيفية التي حصل فيها علي شقة في عمارة ( الصيني ) الرابضة علي رأس شارع الزهور كما يسمّيه سي صابر أو(زنقة بن بركة) – وهو العنوان الذي اختاره المؤلف لروايته التي تجري وقائعها في المغرب – كما يسمّيه القادري.وفي هذا (الزنقة كما يسمونه هناك – الزقاق – العطفة – الشارع الضيق من الحي) ستقع حوادث الرواية الرئيسية،حوادث تعصف بحياة بطلنا(سي الشرقي) سلبا وإيجابا.والشرقي ترك بلاده وجاء ليمارس التدريس معلما في إحدي مدارس (المحمدية) أو(فضالة) كما يشير اسمها القديم التي وصلها بعد خمس وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والقسوة والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة كما يقول . ومنذ السطر الأول الذي يلي الاستهلال سنمسك بواحدة من أهم سمات شخصية الشرقي وسلوكه التي ستسم مسار الرواية بميسمهاالفاصل وتتراكب علي ركيزتها الحوادث؛ألا وهي سمة (الانبهار) السريع والمفرط ، تلك السمة البارزة التي سنجد كم كانت مسؤولة عن عنفوان حياته الرغائبي وصخبها اللذّي الجميل من جانب مثلما كانت مسؤولة عن فخاخ ومصائد مؤلمة محكمة نصبها له لاشعوره – ولاشعور الشخصيات الأخري التي ارتبط بها – وكادت توصله إلي الخراب الشامل من جانب آخر. يتحدث عن الشقة التي عثر عليها قائلا أنها (كانت أكثر من ملائمة وجميلة ولذيذة ، تباركها الشمس بأشعتها الدافئة حوالي الثانية عشرة – ص 5) ، ويكشف استخدام وصف ( لذيذة ) لشقة سكنية عنف انسحاره بهذه الُلقية التي أربكت بصيرته اللغوية.هذا الارتباك الذي يصبح آسرا في مواضع أخري حين ينظر الشرقي إلي الناس والموجودات بعين طفلية وبروح الالتحام العارم بالطبيعة ، إلتحام الفطرة المتحرّرة من قيود العقلانية المعطّلة والحساب النفعي الفج الذي يسيطر علي حيوات البشر في علاقتهم بالآخرين وبالأشياء. إنه لا ينظر إلي أي شيء مرّتين مكرّرتين بعين بليدة ؛ بل نجده في كل مرّة تكون نظرته متجدّدة ومنفعلة بدفعات رعشة الاستجابة العذرية الأولي :
– (( من اللحظات الأولي وقعت في هيام الشقة الفريدة التي كانت أرضيتها صبّة واحدة من الموزاييك الرمادي والأصفر الناعم – ص 6 ))
– (( ماذا كنت أطلب أكثر من هذا ؟ أيحلم الغريب بأكثر من أن يجد كلّ من يحتاجه علي بعد لا يتجاوز عشر خطوات من البار إلي الجزار( … ) أحسست أني سقطت في جنّة يحسدني آدم عليها ؟ – ص 7 ))
– (( أراح قلبي أكثر من أي شيء آخر ، وجود مقهي عامر حيث تنفرط حبّات الوقت ضائعة في متاهات متعة فريدة ، مذابة في نكهة القهوة الفاخرة السوداء وخيال الماضي والآتي – ص 6 ))
((في الفجر تغرق المدينة في ضباب هلامي هائل ،لا يلبث أن يتفتت مرعوبا أمام أشعة الشمس التي تحيله إلي قطرات حنونة تبلّل كل شيء،لكنها تترك علي أوراق الشجر دموعا كالدر اللّامع ، يتوهج تحت أشعة الشمس الحنون – ص 10))
-((المغادر إلي الرباط لابد أن ينسي بعد ثوان قليلة حيث تأخذ الروح متعتها الدائمة في عناق البحر والغابة الثرة المجاورة عن طريق يتكسر علي أمواج البحر ، متموجا بحنان دامع من شوق الساحل الشبحي – ص34)) .
– (( كانت الشمس تترع الأشجار الباسقة بعصيرها ذي الزبد الاصفر – ص35)) .
وقد يري القاريء أن هذه الإندفاعة في الوصف والانفعال في الإستجابة لمؤثرات بسيطة هو جزء مما تتطلبه شعرية الرواية الحديثة وهو اعتراض لا غبار عليه إلّا أنّ ردود أفعال الشرقي هذه هي جزء من مسار سلوكي ثابت وليس موقفا عفويا عابرا أولا وهو ، ثانيا ، حين يتمادي في التعبير عن الهزّة الوجدانية التي تعتريه تنسرب في طيات تعبيراته وتحت أغطيتها مفردات تشكّل ، حين توضع ضمن إطار شخصيته الكلية ، مؤشرات علي بنية لاشعورية راسخة وحاكمة تحرّك تفصيلات حياته كلّها من وراء ستار. يتحدّث الشرقي عن العوامل المشتركة التي جذبته ، هو والحمام ، إلي هذه البقعة الجميلة – المحمدية ، فيري أنها تتمثل في(هدوئها وجمالها وتاريخها ) موغلا في بناء دوافع معرفية ونفسية مشتركة بينه وبين الحمام . ويلتقط في نهاية وصفه لحركة الطيور ممارساتها الجنسية التي قد تغيب عن أذهان الكثيرين :
(( إذا كان ما جذبني إلي هذه البقعة هدوؤها وجمالها وتاريخها ، فلعله كان العامل المشترك الذي جذب الحمام المتجمع علي شكل زرافات ، يتمشي متهاديا ، أمينا … مرفرفا فوق بعضه ، نازلا بهدوء ، صاعدا بصخب ، يمنح المراقب بين الحين والحين التمتع بلذّة من لذائذ الجنس البدائية الدائمة – ص 7 )).

دوافع لاشعورية
ويأتي المقطع اللاحق مباشرة ليشي بـ (كشف) لغوي يبدو بسيطا في الظاهر لكنه ، وحين يوضع من جديد في سياق الموقف الانبهاري الشامل الذي يطبع حياة بطلنا سيشكّل مؤشرا لا يمكن التقليل من أهميته في تشخيص دوافعه اللاشعورية اللائبة :
(( حين أنظر عصرا إلي حيث (تنتحر) الشمس بهدوء غريب فوق البحر الذي لا أراه ، أشعر بحنين شديد لشيء أحلم به ولم أنله ، مغلّف بلذة خمريّة آسرة ، تسري في بدني ، مخدرة أوصالي ، فلا أكاد أحس بشيء مما يحيطني – ص 7 )) .
إننا نستطيع التعامل مع الكلام – الإبداعي خصوصا – كما نتعامل مع الحلم من حيث امتلاكه لمضمونين: الأول هو المضمون الظاهر – manifest content وهو المعني المباشر – الذي قد يكون بلا دلالة مباشرة ومفككا أحيانا – لحوادث الحلم التي يراها الشخص الحالم في نومه ، والثاني هو المضمون الكامن-latent content وهو المعني (الخفي) والمستتر المرتبط بالرغبة اللاشعورية الدفينة التي يكون المضمون الظاهر تعبيرا مشوها عنها لغرض تمريرها من سيطرة الرقابة وإشباعها وذلك عبر عمل الحلم -dream work الذي يقوم بتنكير الرغبة الممنوعة غالبا من خلال آلياته المعروفة (الترميز،الإزاحة ، التكثيف ، التصوير والقلب والإنضاج الثانوي).وإذا كانت لغة الحلم الوحيدة هي الصورة فإن لغة النص الإبداعي هي المفردة المحكومة بسياقها الأفقي اللغوي من ناحية وسياقها العمودي – نختلف هنا عن أطروحة دي سوسير – المتمثل في جذورها الغائرة في تربة اللاشعور حيث تسهم دوافع الأخير في انتقائها وتشكيل قدرتها التعبيرية وفي – وهذا مهم جدا- تسريب مفردات قد تبدو متناشزة في الظاهر إلّا أنها تتفق مع المعني الكامن من ناحية أخري . حصل هذا في انتباهة الشرقي للمنفعة الجنسية من فعل الحمام المتهادي ،وفي اختيار مفردة ( تنتحر) الحادة والمفرطة التشاؤم لوصف الكيفية التي تغطس فيها الشمس غائبة في المحيط وسط مشاعر ارتخاء وحنين تجتاح كيانه كمشاهد نتوقع منه انفعالات سلبية لمرأي عملية الانتحارهذه . في الحالة الأولي تتكشف أولا دفعات الإنهمام الجنسي الطاغية حيث يحتل الفعل الجنسي – بمفهوميه: النفسي الواسع والتناسلي الضيق – موقعا مركزيا ليس في سلوك بطلنا فقط بل في سلوك أغلب شخصيات الرواية (لا يُستثني من ذلك رجل أو امرأة ..الرجال مثل سي صابر وسي القادري والبقالي وسي إدريس وسي إبراهيم.. وحتي المناضل العصامي (سي الحبيب)ولكن من وجهة نظر أخري.. والنساء مثل رقية وزينة والشهبا فاطمة ، وكذلك الطالبات والفتيات الصغيرات مثل زينب اللعوب والشقرا وعائشة وخديجة ورحيمة ومريم والزهرة برحو،وهو ما سنراه لاحقا). كما تكشف تلك الانتباهة النزعة (التبصصية) التي تطبع الكثير من سلوكاته،هذه النزعة التي تشكّل عاملا جوهريا في الخلق الإبداعي الذي هو عملية (استراقية) خلّاقة :
– (( ملأت الباحة بثوب أخضر مشجّر، مشدود علي جسد ممتليء ، كان صدرها الناهد يظهر فتحة واسعة ينحسر عنها الثوب – ص 25 ))
– (( فكرت بأني لو كنت واقفا ، لرأيت الجدول المغري بين الثديين الناصعين – ص 25 ))
– (( وضعت قدما فوق إبهام قدم أخري ، كانت توازن شيئا مخفيا ، انحسر الثوب الأخضر عن ساق ناصعة البياض ، ذات بطّة ممتلئة ،وأخذت تحرك قدمها كبندول الساعة – ص 28))
– (( وإذ تركت وحيدا لاحظت مفاتن جسدها تتراقص حينما تسير ، وأبطها يدفع بعض الشعيرات إلي الظهر ، وإليتاها منضغطتان تحت مثلث صغير أخضر – ص 99))
– ((عندما جلست مالت ياقة الثوب المغربية العريضة نحو الجانبين ففتحت حيزا أكبر من الصدر بحيث بدا تكوّر النهدين واضحا فيما شعت الحلمتان الكستنائيتان ببريق مذهل – ص 100))
-((بالرغم من أنني كنت أنجذب من دون وعي مني نحو فتحة الفستان النازلة علي جسد صاحبته الصغيرة ، حيث كانت سرتها البيضاء المدعوجة تجذبني كقطعة من المغناطيس – ص 101)) .
وهذه النزعة التبصصية لا يمكن أن تتعايش بقوة مع اندفاعة جنسية عارمة فهي علامة علي اعتقال تلك الاندفاعة التي لجمت بصورة شبه كاملة بعد دخول (رقيّة) الاقتحامي في حياة الشرقي حيث عافت نفسه كل النساء والفتيات اللائي توفرت له فرصة لمواقعتهن مثلما حصل مع ريم البيضاوية في الحفلة التي ضمته مع البيضاويات الثلاث المراهقات والمراكشي والبقالي في شقة الأخير ، وكذلك مع الشقرا طالبته في المدرسة والتي حاولت إغواءه كثيرا، وفتيات بيت سي إدريس اللائي ظننه شاذا بسبب برودته تجاههن، وزينة في شقة الأخيرة التي دخلها برفقة رقية ،وفتاة بيت البغاء الذي دعاه إليه سي الميلودي كتعبير عن امتنان الأخير لمساعدة الشرقي في نجاح إبنه الصغير رغم أنه لم يكن له أي دور، لقد عافتها نفسه في البداية حتي ظنت أيضا أنه شاذ .
أمّا في الحالة الثانية – وصف (انتحار) الشمس باسترخاء ونفس مستريحة غارقة في الحنين إلي (شيء) ما- فهي مؤشر علي تزاوج دوافع الموت بدوافع الحياة في أعماق الراوي،هذا التزاوج الخلّاق الكفيل بتقديم أعظم (المركبات) في ميادين الإبداع . إن المفردات التي (تنفلت) في لحظة الخلق لا تنبثق عفوا ومن الفراغ بل تفرضها بنية لاشعورية تقوم بتشكيلها وفق الدوافع الضاغطة الخفية وليس وفق العلاقات الواعية التي يرسمها الشعور.وإذا كان الشعور هو المسؤول عن عملية الخلق البهية فإنه سيحكمها بعلاقاته المنطقية الباردة وسيكون منكرا أن يوصف غياب الشمس بالانتحار ،ومن المستهجن تعايش هذا الانتحار(الهاديء)الذي هو عنيف -عنف الموت – بطبيعته، مع استرخاء المراقب الذي يغمره الحنين . يقول الشرقي وهو يصف انبثاق الفجر في ” فضالة ” :
((في الفجر تغرق المدينة في ضباب هلامي هائل ،لا يلبث أن يتفتت مرعوبا أمام أشعة الشمس التي تحيله إلي قطرات حنونة تبلّل كل شيء،لكنها تترك علي أوراق الشجر دموعا كالدر اللّامع ، يتوهج تحت أشعة الشمس الحنون – ص 10))

فعل اللاشعور
إن هذه المزاوجة هي نتاج فعل اللاشعور الذي أسقط إحتداماته الصاخبة في صور تشكيلات إستعارية محببة رغم كونها متناقضة ولا صلة لها بمشاعر كيانات جامدة : رعب الضباب وحنان القطرة ودموع الشجر..إلخ.ولكن الوظيفة (النفسية النقدية) الأساسية التي نستثمرها لهذه التعبيرات الجمالية الإستعارية هو كشف التصارع الذي يعيشه بطلنا الشرقي وكونه خاضعا لاشتباك دوافع الحب والنماء بحفزات تدمير الذات والخراب . وكان مفتاح شخصيته الرئيس في إطلاق فعل هذا المركّب المدمّر هو الانبهار المفرط . والرواية بأكملها تتأسس علي هذه (العقدة) التي امسك بها الروائي ( محمود سعيد ) بصورة مقتدرة ووظفها في عمل متفرّد يكشف أعماقنا من خلال بطله الشرقي . وهنا تتجلي أهمية الأعمال الأدبية الكبيرة ؛ في تلك القدرة الباذخة علي جعل مكنونات نفوسنا التي حاولت دوافعنا المنافقة التكتم عليها طويلا، تتمظهر أمامنا بلا رياء من خلال أنموذج جزئي محدّد نتماهي معه رغم كل عثراته ورغم مصيره الذي وقف فيه قريبا من حافة (بعد فوات الأوان). وهذا الانبهار السريع حصل أولا بين الشرقي و(سي الحبيب) منذ لقائهما الأول ثم تحول إلي إنسحار بينه وبين (رقيّة) ومنذ لقائهما الأول أيضا والتي غزته بجسارة وبروح تعرّضية عزوم لا نظير لها .لكن لعبة الانبهار أو(الإنسحار ) هذه كانت عبارة عن مثلث علاقات مدمّرة اكتملت أضلاعه بانسحار رقيّة بسي الحبيب الذي لم تره من قبل أبدا.( وهناك علاقات انجذاب ثانوية لكنها مهمة وقوية مثل انجذاب سي إدريس لسي الحبيب ثم نقمته عليه وانجذاب الأول للشرقي بعد لحظة التعارف الأولي والترفيه عنه بسيارته وعرضه فرصة عمل نادرة وبراتب مغر رفضه الأخير، وانجذاب الشقرا للشرقي وتعلق (قب) بسي الحبيب وولاؤه الأعمي له .. وغيرها).
لقد أجبر سي الحبيب علي الإقامة في المحمدية في إثر الأحداث العاصفة التي طحنت المغرب أوائل الستينات.وكان النضال الشاق ضد الفرنسيين (المتحضرين الآن والذين كانوا سابقا يحرقون أي مغربي حيّا إذا وجدوه يتجول في شوارع أي مدينة مغربية بعد الغروب) قبل الاستقلال وضد الجمود والخصوم المتناحرين بعده قد حنكه وأوصله إلي مرتبة من المجد لم يصل إليها بجهده إلّا القليل من الشخصيات المرموقة في قليل من البلدان.لقد أجبر علي الابتعاد عن السياسة وحددت إقامته قسرا.ومن الطبيعي أن صاحبنا الشرقي يسعي إلي التعرّف إلي مثل هذه الشخصية المناضلة التي( تأسطرت) في وجدان الجماهير المغربية رغم أنه يعلن بأنه ترك السياسة في بلاده ، لكن هذا التعرّف كان عاصفا من جانب الشرقي ومزحوما بزخم عاطفي شديد وغريب في الوقت الذي كان فيه سي الحبيب يحاول ، من جانبه لجم هذه الإندفاعة وجعل الموقف العقلاني يطغي عليها . يتحدث الشرقي عن عيني الحبيب فيري فيهما بريق ونظرة طفولية عذبة ، لم تدنس براءتها الحياة السياسية – ص 11- :
(( ولم يكن هناك من شك كبير أنهما تخدعان الناظر ببساطة متناهية ،تجعله يتساءل مع نفسه : أهو يكحل عينيه أم ذاك سحر طبيعي – ص 11)) .
ومن جديد تتصاعد فورة لاشعوره حين يقارن عمره بعمر سي الحبيب فيصغرّه بصورة غير منطقية أولا إلي الأربعين أو الثمانية والثلاثين من العمر( وهو يعلم أن الحبيب زار فضالة قبل خمسين عاما ) إلي الحد الذي يتساءل فيه هو نفسه عن سرّ مصدر هذا النزوع إلي التصغير.. وحين يستقدم صورته ويضعها مقابل سي الحبيب يري أنه وهو ذو الخامسة والعشرين أكبر سنا منه ( هنا لابد أن نشير إلي أن الشرقي كان قد أشار في الصفحة السابعة من الرواية إلي أنه قد أمضي خمسة وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة،وقد ظهر هنا أن عمره الكامل خمسة وعشرين عاما وهو يشتغل معلما في المغرب ، وهذا شكل آخر من أشكال الإفراط في تجسيم حجم المعاناة الذاتية والذي يقع في ظل القدرة المغيبة للاشعور التي تضعف سطوة الشعور ببطء وهدوء مسمومين). ولو راجعنا وصف الشرقي لعيني ونظرات سي الحبيب في موضع آخر سنجد أن من غير المنطقي أن يلتصق أي ناقد-حتي لو كان ما بعد حداثويا – بأطروحاته اللغوية والشكلانية متجاوزا الصورة الأبوية الأنموذجية الفذة التي يرسمها الشرقي لسي الحبيب :
((أمّا نظراته فلم أر أجمل أو أصفي أو أكثر تفهما منها في حياتي. لقد رسمت دائرة حبيبة مفعمة بالصدق والوداد،كنت أنا في وسطها – ص14)) وهذه الكيفية المسيطرة التي منح نفسه وفقها الحضور المركزي تنم عن رغبة أوديبية ملتهبة للظفر بحظوة الابن المفضل لدي الأب عزيز المنعة والمهيب،الابن الذي لا يمكن لنا أن نتشوش ونحتار في تحديد مغازي ولائه النفسي الحارق لـ (معبوده) بعد أن جعل يوم تعرّفه إلي سي الحبيب لحظة فاصلة في عمره.. فقبل هذه اللحظة المباركة كان الضباب يلف كل شيء من حياته.لقد أصبح يوم تعرفه بالحبيب المناضل هو يوم ولادته المحدّد أما السنوات التي سبقتها فهي هلام لا يستطيع حتي ضبط انتمائه إليها أو انتمائها إليه ( ولاحظ أنه يعلن في موضع آخر أنه لم يبك علي أبيه عند وفاته ) . إن تلك اللحظة التي ارتبط فيها بسي الحبيب هي لحظة عصية عن التفسير إن لم نضع في حسابنا أحكام الصراع الأوديبي الذي تخفت جمرته تحت ظروف كثيرة ، لكنها تعود لتتأجج بفعل عوامل كثيرة من بينها عامل قد يغفله ، بل أغفله الباحثون عموما وهي الكيفية التي تسهم فيها الغربة والاغتراب-الهجرة واللجوء- في تأجيج جمرة ذلك الصراع الذي هو مصدر حركة التاريخ وجوهر الفن والدين والأخلاق .فالهجرة تمثل انخلاع الجذور من التربة (الأم) وسعي المهاجر-الذي أصبح عاريا الآن ومن دون غطاء حمايوي أمومي أو أبوي -إلي ملأ فراغ ساحة الصراع التي خوت الآن . إن العقدة الأوديبية تركن بعد مدة إلي المهادنة – عند نضوج الولد والبنت وارتباطهما أو زواجهما من نماذج تمثل في كثير من الأحوال نظائر أو مناقضات للأنموذج الأبوي أو الأمومي الأصلي – لكنها تبقي تعتمل حسب الوصف التقليدي مثل النار تحت الرماد ، وتبقي تشتغل كضرورة للحياة والتفوّق والإبداع كلما دخل في حياة الفرد ظرف ضاغط يؤجج الحاجة لموضوع الحب المشترك والأثير علي النفس والذي أثار الصراع ، أو أن هذا الموضوع يعاود اقتحام علاقات الشخص النفسية ليكون متقاسما مع منافس يحيي صورة الغريم الأزلي وانفعالات النفس الآثمة التي تترتب علي الرغبة في إزاحته (قتله تخيّلا)، وليس أكثر من ظرف الإنخلاع والهجران وتهديداته فرصة لنمو الحاجة للعون الأمومي والأبوي ( حتي انتحار قسم من المهاجرين يفسر كعودة إلي الرحم الأم أحيانا ) . ونتلمس سخونة انجذاب – والأصح اندفاع – الشرقي نحو سي الحبيب وتعبيراته الملتهبة فنشعر أنها انطلاقة من أعماق غائرة يقابلها حكم موضوعي من جانب الأخير يري أن العواطف لا تصلح وحدها لتشييد أسس علاقة راسخة ومديدة :
((لكني من دون أن أشعر(2)، أصبحت كالقدر المغلقة التي تمنع البخار الساخن من الإنطلاق . كتمت تودّدا حقيقيا سيطر علي مشاعري . لم أستطع القضاء عليه . وفي لحظة توهج باندفاع إلي سي الحبيب ، قلت : كم كنت مشتاقا للتعرف إليك .
ضحك . شعت من جديد ابتسامته الطفولية . هذا موطن الجذب .
– هكذا مرة واحدة ؟
بدا من خلال ابتسامته عدم تصديق غير محسوم
– نعم وأكثر ..
( …… )
بكثير من الحيرة أضاف :
– أخشي أن يكون الأمر الذي جذبك إليّ شعورك إننا كلينا في المعسكر الخاسر
– أيهم هذا ؟
هزّ رأسه :
– نعم .. لا تصلح المشاعر وحدها أن تبني عليها علاقة ذات أساس متين .. ص 11و12 )).
Azzaman International Newspaper – Issue 3074 – Date 16/8/2008

جريدة (الزمان) الدولية – العدد 3074 – التاريخ 16/8/2008

AZP09

 

 

 

 

ارسل هذا الخبر الى صديق بالبريد الالكتروني
نسخة للطباعة

الاولي

Posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works | Leave a comment