مقابلة منشورة في جريدة إمارتية:1994

 س1 :أين تصنف نفسك بشروط واقعك الراهن..
ج :  أعتبر نفسي مع مبدعي الحركة الثقافيّة في الساحة العربيّة لا في الإمارات أو العراق حسب..إنني أعيش في الإمارات منذ مدة طويلة ، وأساهم جهدي في تفعيل الحركة الأدبيّة والثقافيّة فيها لكن هناك حواجز لا يستطيع الوافد اختراقها ، وأظن أن ذلك الأمر واقع يفرض نفسه على الوافدين في بعض الدول العربيّة ، ولا يمكن تجاوزه في الوقت الحاضر في الأقل ، وفي الحقيقة أشعر في كثير من الأحيان أنني ابتعدت عن الحياة الأدبيّة في وطني ، لا لأني أرغب بالابتعاد الذي فرض عليّ ، كقدر من الأقدار فقط  بل لأني بعيد عن الحركة الثقافيّة في وطني وهذا أمر خاص بالعراق للظروف الراهنة التي يعيشها القطر أولاً ولظروف خاصة بي ثانياً ، ولكي أوضح الأمر أسوق ما يأتي :
   لا يستطيع القارئ العراقي قراءة ما ينتجه أدباؤه في الغربة أو المنفى ، حتى لو لم يكن هناك عائق أو اختلاف سياسي أو عقائدي لسبب بسيط موضوعي وهو أن الكتاب الجديد والمجلة الأدبيّة والثقافيّة الجديدة لا تدخل العراق لأن إدخال الكتاب والمجلة إلى العراق عمليّة تجاريّة ، ثمن أي كتاب على سبيل المثال يتراوح بين 10-40 درهماً ، أما المصادر والمراجع والقواميس وأمهات الكتب فيمكن أن يرتفع ثمنها إلى أكثر من 100 درهم ، هذا يعني أن عشرة دراهم هي الحد الأدنى للكتاب ، وهي تعادل راتب المدرس والمهندس والموظف حامل الشهادة الجامعيّة – البكالوريوس – في العراق ،فكيف يستطيع هذا المثقّف أن يطلع على أرخص الكتب إذاً ؟ هناك استحالة ، كيف نعالجها ؟ لجأنا إلى التجريب ، استعملنا وسيلة الإهداءات لبعض الوقت ، كنت على سبيل المثال أرسل خمسين كتاباً لشخص ما ، لكنني توقفت ، أعطت تلك العمليّة مردوداً معاكساً ، اكتنفتها بعض المهالك في أحيان كثيرة ، كان علينا أن نتأكد أن لا يوجد في الكتاب ما يفسره الرقيب العراقي مخالفاً لما لديه من تعليمات وإلا فسيجلب إهداء الكتاب الويل للمُهدى إليه ، كان هذا فوق ما تتحمله أعصابنا ، أو إمكاناتنا ، وكانت النتيجة طبيعيّة هي : القطيعة بين الأديب العراقي القابع في ظلام الداخل وبين شقيقه المغترب في الخارج ، أما المطبوعات العراقيّة الأدبيّة والثقافيّة فلا تصل إلينا إلا في القليل النادر.. لأنها خاضعة للحصار ، الأمم المتحدة وسيدة العالم الولايات المتحدة أخضعتا الكتاب العراقي لآليات الحصار كمادة من المواد المحظورة التي يُمنع تصديرها ، أما لو فرضنا جدلاً أن الكتاب العراقي استطاع تجاوز الحصار – وهذا مستحيل واقعاً – فهو لا يستطيع أن يجتاز المنافسة التجاريّة بتفوق أو شبه تفوق كما كان في الماضي ، لأن المطبوعات العراقيّة الأدبيّة والثقافيّة في مستوى إخراجي متخلف لا يمت بأي قربٍ إلى المعاصرة من حيث الغلاف والورق والطبع ، وهذا أمر فرضه الحصار أيضاً ، لا تقنيّة ولا كمبيوتر ولا أنترنيت ولا معاصرة منذ عشرين سنة .
   لما تقدم ترى أنني وربما معظم كتاب الغربة أو المنفى –  من أدباء وروائيين وكفنانين  عراقيين  – مقطوعين عن التفاعل مع الحركة الأدبيّة والثقافيّة في وطنهم ، كما أنهم لا يمكن أن يعاملوا في الغربة كما كانوا يعاملون في بلدانهم ، باتوا غير مستقرين ،يعومون في البعد الضائع ما بين الوطن والمَغْرَب – بلد الغربة – والمنفى ، ينطبق عليهم المثل العراقي مع الفارق ( لا حظت برجيلها ولا اخذت سيد علي . أي لا حافظت على زوجها ولا تزوجت عشيقها ) وهي عن امرأة رفضت زوجها ورفضها من كانت تظن أنه حبيبها ، وبالرغم من ذلك فقد أستطيع أن أعتبر نفسي مساهماً متواضعاً في الإبداع العربي لأني نشرت رواياتي في سوريا ومصر والأردن ، وفزت في جائزة نادي القصة في مصر برواية ( هل انتهت الحرب ؟ ) وكانت عن حرب الخليج الثانية والتي أبدلت عنوانها إلى نهاية النهار ، وبالرغم من قلة نتاجي فأنا أنشر في بعض مجلات العالم العربي إضافة إلى الإمارات .
   س2 : هل للإمارات صدى في عملك الإبداعي ..
   ج : نعم ..كتبت غير قصة مستوحاة من أجواء الإمارات …كتبت قصة – ورقة اللوز البري – عن مغترب في الإمارات ونشرتها في مجلة المدى ، وكتبت قصة ( الجورية السوداء ) ونشرتها في جريدة الحياة اللندنية وقصة ( وقع الخطوات ) ونشرتها في نفس الجريدة ، وقصة ( جذور العشق ) ونشرتها في مجلة الآداب البيروتية ,وكتبت بضعة قصص ساخرة استوحيت فيها أجواء الإمارات ، نشرت في كثير من مجلات العالم العربي الثقافية ، وكتبت رواية (الموت الجميل ) مستوحياً نفس الأجواء .
   س 3 : بصراحة شديدة ..هل ثمت..
   ج : نعم ..كثيرة ..المفكر ..الأديب ..المثقّف هو أكثر فئات الوافدين قابلية لتفهم أوضاع المجتمعات الجديدة التي ينزح إليها لأنه يتعرف إلى أفكار وإبداعات الصفوة الفاعلة والمؤثرة فيها ، ولهذا تراه يندمج في المحيط الجديدة بسرعة لا تستطيعها بقية الفئات الأخرى ، وذلك أمر طبيعي ، فهو يفهم الدوافع المرحلية والمرامي الحقيقية للقوانين الصادرة ، لكن الإجراءات الروتينية المتكررة التي تقتضيها الإقامة والعمل والمراجعة في المؤسسات التنفيذية  تّرجعه إلى نقطة البدء ، تجعله يحس أنه جاء قبل لحظة واحدة فقط ، وأن كل ما بناه في تلك المدة الطويلة يتعلق بإمضاء صغير ..
   س 4 : هل تعتقد أن ساحة الإمارات ..
   ج : نعم إن ساحة الإمارات فريدة عربياً ودولياً ..فهي في نظري هيئة أمم ، في الإمارات تجد بشراً من جميع مناطق الأرض وسبق أن ذكرت من قبل فوجئت برؤيتي عمالاً من نيبال التي هي أقرب إلى زحل من الأرض ، في الإمارات ممثلين لكل شعوب العالم وإثنياته وأديانه وقومياته ، كلهم يمارسون بحرية مطلقة عقائدهم وشعائرهم ، ويرتدون أزياءهم ، ويمارسون نشاطاتهم ، وتجاراتهم  ، ويتغنون بأغانيهم ، ويعلّمون أولادهم لغاتهم الأصلية ، الإمارات مرآة تنعكس عليها صورة القرن العشرين والواحد والعشرين في أبهى حلله وكما هو واقع ، عالم الجميع ، عالم أممي ، كزموبليتاني ، كرة أرضية لكل البشر ..وفي هذا خير كثير للمبدع إن هو استطاع أن يلج في إطارات ذلك الواقع ، ويندمج في أجوائه ، ويذوب في تفاصيله .
   إن لكل بيئة من بيئات الأرض خصوصياتها الفريدة التي يمكن أن يقدمها الروائي والقاص بكثير من الإثارة والإبهاج ، فمن خلال الروايات عرفنا مجتمعات بعيدة عنا آلاف الكيلومترات ، عرفنا من تولستوي وديستوفسكي وكوكول وترجنيف وبوشكن ومكسيم غوركي واقع سيبريا ومجاهلها وكيف يعيش البشر في روسيا التي تنزل درجة حرارتها أكثر من 30 درجة مئوية تحت الصفر ، وعن حياة الشعب الروسي تحت  ظل القيصر المستبد والعبودية والقنانة ، ورأينا كيف غبر الشعب الروسي نفسه ظروفه بأيدي أبنائه ، عرفنا ذلك من روايات شولوخوف واهرنبرغ وسولجنستن ، وشاهدنا الثورة الفرنسية لا بالعين المجردة بل بروايات الإنكليزي ديكنز والفرنسي فيكتور هيكو ، كما شاهدنا هجوم نابليون على روسيا وخسارته المأساوية برواية تولستوي الحرب والسلم ، أما مجاهل أمريكا ومساحاتها الشاسعة وحوادثها المثيرة فكان لهمينكواي وفولكنر وجون شتاينبك وهنري ميللر وجون فوستر أكبر الأثر في اطلاعنا عليها ، ولم نعرف عن أمريكا اللاتينية أي شيء قبل أن نقرأ لجورجي أمادو وماركيز وبورخيس وبابلو نيرودا..، تعرفنا إلى الكثير من أوضاع الجزيرة العربية من روايات عبد الرحمن منيف ، كما أن أي كتاب علمي ما كان ليصف لنا تطلعات السودان وأمانيه كما صورها لنا الطيب صالح ، وفعل نفس الشيء غائب طعمة فرمان في تقريبه العراق لمن يعيش خارج العراق ، وكان فعل نجيب محفوظ هو الفائق في هذا المجال .
   يمكن أن يكتب الكاتب عن أي بيئة عشرات الروايات ومئات القصص ، فالحياة متشعبة ومتقاطعة ومثيرة في أي منطقة من العالم ، ومع ذلك فإن الروائي والقاص لا يحده واقع أو مجتمع فقد تراه يعيش في مجتمع ما عشر سنين لا يكتب فيه عن هذا المجتمع كلمة واحدة  ثم يذهب في زيارة لقطر آخر مدة شهر واحد  تتقاطع فيها الرؤيا عنده فتتولد عنده فكرة تكون حجر الزاوية  لرواية عظيمة أو قصة ، لذلك نرى على سبيل المثال معظم روايات غراهام غرين عن مجتمعات بيدة عن مجتمعه بريطانيا ..كتب عن كوبا وكوايتمالا والكونغو وبنما وألمانيا ..الخ .
   إذاً ففي الإمارات بيئة هي بؤرة حيّة لمجتمعات الأرض كلها ، وهذا يختصر الكثير أمام المبدع في الإمارات ، فهذه البيئة الواعدة المليئة بالنماذج الحية والمعبرة تعتبر بنظري – المتواضع – خير حاضن للإبداع الأدبي ، توجد  في الإمارات قابليات وطنية أدبية وتعبيرية على مستوى جيد بالقياس إلى مستويات العالم العربي : عبد الحميد أحمد ، ناصر جبران ، ابراهيم مبارك ، أبو الريش ، فاطمة محمد ، سلمى مطر ..ألخ لكن لماذا لم تأخذ نصيبها من التألق؟
   إن نمط الحياة التي أفرزها التطور العمراني والحضاري والتجاري الفائق جعل من  المبدع مواطناً أو وافداً يركز معظم جهوده على تأمين الحاجات المادية التي لا علاقة لها بالأدب أو الثقافة والتي تغرقه ما أن يتوقف عن الركض ، والتي تتماشى وهذا التطور ، مما يبعده عن مجال الإبداع أو يحد منه ، لذا نرى أن الكثرة من هؤلاء المبدعين قد استغرقهم تأمين تلك الحاجات فباتوا يتحسرون على وقت خالٍ يتفرغون فيه للإبداع .
    في الإمارات يلتقي أيضاً معظم أبناء العالم العربي من مبدعين وعاملين وهم في لقائهم يكونون بؤرة أخرى تمكنهم من الإطلاع عن بعد على ما يجري في أرجاء عالمهم العربي الواسع الكبير المتناقض ، وهذه ميزة أخرى لا تتوافر إلا في مجتمع مثل مجتمع الإمارات .
   س 5 : هل أنت موجود ..
   ج : بالنسبة لي فأنا موجود جسداً في الإمارات ولست أدري متى سأتمكن من زيارة بلدي ، لكني أحاول أن أتتبع ما يجري هناك من الوافدين الجدد والمترددين وأخبار الصحف وبوابات الإعلام الأخرى ، وإن كان هذا لا يغني عن الرؤية المباشرة .
   وعن تواجدي كاسم في العراق فقسم لا بأس به من النقاد هناك قد قرأ لي ومن خلال رواية واحدة فقط هي زنقة بن بركة التي حازت هناك على الجائزة سنة 93 ، وبالرغم من أنني لم أرسل إلى العراق غير عشرين نسخة ونيف من الرواية ، أهديتها إلى الأصدقاء إلا أنها استقبلت بحفاوة لا سابق لها ، فقد كتب عنها بضعة عشر ناقداً وكاتباً معروفاً وكبيراً مثل د علي جواد الطاهر ، علي الشوك ، فاضل ثامر ، محمد خضير ، باسم عبد الحميد حمودي ..الخ ، أما رواياتي  الأخر فلم أستطع إرسال أي نسخة منها لأسباب لا مجال لذكرها .
المهم إن عملية إدخال الكتاب إلى العراق غير ذات جدوى تجارياً من وجهة نظر شركات النشر التي تتحكم بنا في الأقل وفي هذا مأساة كبرى تُخضع المبدع للآليات السوق ومفاهيم الربح والخسارة كأي سلعة أخرى فيا لبؤس الفكر والفلسفة والأدب !.
   أما عن تواجدي كاسم هنا فأنا كاتب مقل ليس عندي إلى حد هذا الوقت سوى خمس روايات ومجموعة قصص واحدة ، ولذا فإنني كغيرى من الكتاب العراقيين الذين يعيشون في الغربة -المنفى لا نثير اهتمام مواطننا لأننا بعيدون عنه ولا نثير اهتمام النقاد خارج وطننا لعدم وجود اتحاد كتاب أو أدباء وطني يدعمنا ويساندنا ، يمنحنا بعض الامتيازات أو المنافع التي تعيننا على اجتياز المصاعب والعقبات في عصر لا يحترم الأدب والكتابة والثقافة حسب بل يهملها ، لا يراها ، يظنها غير موجودة أصلاً ..وليس هذا ذنب العصر بل ذنبنا ..ففي العصر العباسي ، عصر ازدهار الأدب العربي ، وفي قمة تطوره اتفق أساطينه في وصف المفلس :
أدركته حرفة الأدب .
وإذاً ..؟
        فنحن لا نلومن إلا أنفسنا ..لقد اخترنا طريق الأدب ..طريق الضياع ..
  

 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s