مقابلة مع مجلة صادرة في لندن: 2000

عزيزتي زهرة

كل عام وأنت بخير

اشكرك جزيل الشّكر لمقابلتي أولاً، ولتمكيني من شرح بعض ما أظنه خافياً على القراء ثانياً، واتمنّى لك التّوفيق والتّطور.

عزيزتي تجدين صوري وأغلفة بعض الكتب في آخر الرسالة.

تحياتي.

محمود سعيد.

1: عندّك نتاج غزير، لكنّك لست معروفاً في العراق والدّول العربيّة إلا عند القلّة، ما تفسيرُك؟

ج- نعم معظم العراقيين والعرب لم يسمعوا باسمي، لأني كنت من المغضوب عليهم في العراق في الماضي والحاضر، ولا يمكن أن يُعرف أيّ أديب على النّطاق العربي ما لم يُنشر له في وطنه، ولم يحضر أمسيات الكتاب والأدباء ولقاءاتهم، ويساهم في ندواتهم، ويشاركهم في احتفالاتهم، ويوفد في زيارتهم إلى أقاليم خارج الوطن، أو إلى المدن داخل الوطن في احتفالاتها المتعددة سنوياً. من يعرفه إذاً؟

 2: لماذا لم تشارك في هذه النّشاطات؟

ج: كيف أشارك من دون نتاج منشور؟ نتاج الكاتب المطبوع أشبه بأوراق اعتماد للسّياسي في الدّول الأخرى، فكيف يتم الاعتراف به إن لم يبرزها؟ إن ادعى أن لديه مسوّدات فقد يتّهم بالكذب. هكذا تسدّ السّلطة الأبواب أمام من تخاله يسير ضد تيارها.

س: لكنك نشرت في العراق.

ج: نعم: مجموعة قصص قصيرة “بور سعيد” كان ذلك في سنة 1957. ثم نشر لي اتحاد الأدباء سنة 1963 رواية “قضية قديمة” لكنّها لم توزع وأتلفت لأن حزب البعث وصل إلى السّلطة وأتلفها هي ومخطوطة أخرى لي بعنوان الإضراب، وأظن أن سلطات الانقلاب أتلفت الكثير لغيري. لهذا كلّه لم أحصل على ما استحقّ، فإلى حدّ الآن لم أدع إلى أيّ مؤتمر في العراق أو في البلدان العربيّة، على عكس ما يحصل لي هنا في الولايات المتحدة. إنني أسوق هذه الحقائق لأن من حق القارئي أن يعرف السّبب.

 س: تُعتبر رواية “أنا الذي رأى – مدينة صدّام” إحدى أفضل 57 رواية في العالم حسب موقع شؤون المكتبة “نيويورك” فلماذا؟ وهل كتب عنها باللغة الإنكليزيّة؟ وهل ترجمت لغير الإنكليزيّة.

ج: نعم، اعتبر موقع شؤون المكتبة “نيويورك” رواية “أنا الذي رأى – مدينة صدّام” إحدى أفضل 57 رواية في العالم، وأعطاها أربع نجوم حالها حال نتاج ماركيز، ويوسا، وسامراغو، وأورهان باموك، وغيرهم، وهناك بضعة مواقع أخرى قوّمتها تقويماً ممتازاً كذلك، وأشادت بها، وتحدّثت عنها مجلة الـ: “نيويوركر” وهي أرقى مجلة في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وفي مقابلة إذاعيّة مع الكاتبة “كلوديا بير بونت” ركّزت عليها كثيراً، وأشادت بها كعمل عظيم، وقبل بضعة أشهر وردت في كتاب الرّواية العالميّة، أما بالنّسبة لي ففي الحقيقة لم أكن أتوقع ذلك مطلقاً، فهي رواية معوّقة، لأن الرّقابة السّوريّة أتلفت منها فصلين سنة 1981، ولم أستطع إعادة الفصلين المقطوعين بالرّغم من محاولاتي المتعددة، وحذف فصلين من أيّ رواية يفسدها ويحدث فيها خللاً هائلاً، ويجعلها مضطربة غير قارّة، وعندما قدم إلى بيتي البروفيسور “أحمد صدري” ورأى بعض كتبي طلب إعارتها لقراءتها، قلت له إنها غير كاملة، قال لي: دعني أحكم عليها بعد القراءة. ثم قرّر بعدئذ أن يترجمها، فوافقتُ على مضض، لكنّي لم أتوقّع لها النّجاح مطلقاً، وقبل النشر أرادت المرحومة مي غصوب “ناشرة الساقي” تغيير العنوان من “أنا الذي رأى” إلى “صدّام سيتي” فذُعرت، وقلت لها إن اسم صدّام يشوّه العنوان ويلوّثه، ولم ترد كلمة صدّام بالرّواية قط. لكنّها أصرّت. ثم نشرتِ الرواية، وتُرجمت إلى الإيطاليّة بعد سنة. كنت ومازلت لم أصدّق كلّ ذلك الاحتفاء بها، لكنّ الكثير من القراء كان لهم رأي يخالف رأيي، فعلى سبيل المثال كتبَ عن الرّواية أكثر من 25 مقالة بالإنكليزيّة، سأنشرها في موقعي الذي سيكتمل قريباً، ليبقى السّؤال يتردد: من هو على حقّ أنا أم القراء؟ لست أدري.

س: كتب الكثير عن العراق في عهد صدّام فلماذا هذه الرّواية مهمة؟

ج” لأنها أول رواية تناولت أوضاع السّجناء في العراق. ففي سنة 1981 كان صدّام أقوى زعيم عربي، وكان العراق في حالة صراع مع نظام الحكم الإيراني، ومن يجرؤ على فتح فمه ينتهي إلى غير رجعة، وكان معظم كتاب العراق آنذاك وفيهم نسبة عالية ممن يتصدرون السّاحة الأدبيّة في العراق الآن، أو من يغرّدون ألحان الحريّة والدّيمقراطيّة والطّائفيّة والمبادئ الدّينيّة داخل وخارج العراق، كانوا كلهم يتحرّكون ويردحون ويرقصون تحت مظلّة ومكافآت ورعاية الحكم العراقي، ويتغنون بمآثره وبطولاته ويشيدون بانتصاراته. ولما لم يكن باستطاعة هذا الكمّ الهائل من الأدباء ومدّعي الأدب قول كلمة حقّ منصفة واحدة، فقد اندفعوا للتّهجم والافتراء عليّ أو في الأقل تجاهل كتابي، لأني بقولي الحقيقة فضحتُ جبنهم وانحيازهم لنظام فاشستي، يعادي الشّعب، ويقوم على القوّة لا غير. من هنا تأتي أهميّة رواية “أنا الذي رأى.” فهي متفردة بقولها الحقيقة، ومتفردة بكشفها زيف النّظام، ومتفردة بشجاعتها المنقطعة النّظير، وفريدة بأسلوبها الذي وصفته كاتبة النّيويورك بالسّلس الواضح غير المعقد الذي يشدّ القارئ، وبالرّغم من التّرجمة فقد أعجب بالرواية طلاب الماستر الذين يدرُسون الأدب الإنكيزي، في غير جامعة في أمريكا.
س: ما أهمّيّة اختيار منظمة العفو الدّوليّة؟ وما أهمّيّة مجموعة قصص الحريّة، وهل كان موضوع قصتك ملائماً؟ وإلى كم لغة ترجمتْ؟

ج: ترجع أهمّيّة اختياري من قبل منظمة العفو الدّوليّة إلى قلّة عدد الكتاب الذين خصّتهم المنظمة بطلب كتابة قصص عن مبادئ حقوق الإنسان بمناسبة مرور ستين عاماً على إقرارها من قبل هيئة الأمم المتحدة، فقد كان مجموعنا 37 كاتباً من بين ملايين كتاب العالم. وهذا بحدّ ذاته مهمّ جداً، ولابد أنّ هناك كتاب مهمين آخرين لم يتسلّموا الدّعوة، أو رفضوا المشاركة، لكن ذلك لم يقلّل من أهمّيّة المساهمة والمناسبة. وأظن أن موضوع القصة التّي ساهمتُ بكتابتها جدير بالحدث، فقد كتبتُ عن مجزرة جند السّماء. إذ لم يُشر إليها أو يتناولها أيّ كاتب، وأحسّ بالفخر لأني اخترت الموضوع، وأظن أنّ التّأريخ سيدين الأدباء والكتاب العراقيّين لأنّهم عتّموا على هذا الحدث الجلل، فهو أشبه بموضوع المهجّرين إلى إيران في السّبعينات، أو المهجرين بعد الاحتلال إلى سوريا والأردن. ومن دواعي فخري أنني كنت أوّل من كتب ضحايا تهجير الفيلية قصة: “رسالة إلى وفيّة” والتي ترجمت إلى الإنكليزيّة، ونشرت في مجلة الجديد في لوس أنجلس. جند السّماء كانوا مسالمين وطيبين ويحلمون بعراق متطور غير طائفيّ خالٍ من دينصوارت الدّين والقوميّة والفساد، لكن السّلطة أبادت أعداداً هائلة منهم، وطمرت ذكراهم، ودفنتهم مع آمالهم وطموحاتهم في مقابر العدم. وعندما ذهبت إلى أدنبرة سنة 2009 للمشاركة في حفل التّوقيع كنت الوحيد الذي أجري معه مقابلة من قبل المسؤولين. ثم علمت أن بعض الزّملاء الذين يدرّسون الإنكليزيّة في جامعة ديبول درسوها في صفوفهم، فطلبت منهم أن تقويم قصص المجموعة في دروسهم، وكانت النّتيجة لصالح قصّتي.

س: هل تعتبر مقالة ال”نيويوركر” سنة 2010 مهماً، ولماذ؟

ج: تأتي أهمّية مقالة ال”نيويوركر” من إشارتها إلى حفنة من الكتب العربية وهي إشارة فريدة فالسّوق الأمريكية واسعة سعة فلكية. أمريكا تنشر ضعف ما ينشر في كلّ العالم، ولعلّك لا تصدقين أن في مدينة شيكاغو وحدها أكثر من خمسين ألف روائي، فكم عدد الرّوائيين في أمريكا كلها؟ ولتوضيح الأمر أمام القارئ العربي عليّ أن أعطي القليل من التّفصيلات، فدور النّشر الأمريكية التّي تنشر الرّواية مختصة بصنف واحد من الرّواية: العلمية، البوليسيّة، التّحقيق، رواية الأشباح، مصاصي الدّماء، الرّومانسيّة، التّاريخيّة، المناطقيّة، الرّيفيّة، الشّذوذ النّوعي “المثليّة” إلى ما لا يسعه هذا المجال. ومن هنا تأتي أهمّيّة المقالة، فاختيار بضع روايات عربيّة من دون هذا الكمّ الفلكيّ الهائل تشريف للكاتب والكتاب معاً، لذا تلقيت تهاني كثيرة من الطّلاب وممن يعرفني من النّاس. وعلى سبيل المثال طرق عليّ الباب صباح اليوم التّالي شخص في العمارة التّي أسكنها، ولم يكن بيننا أيّ علاقة، وعندما فتحت الباب رأيته يقدّم لي المجلة هديّة وعيناه تلمعان بالإشادة والفخر.

س: آخر رواياتك:”نطّة الضفدع” يوحي العنوان بأكثر من فشل تتناوله الرّواية، يعبر عن هزيمة البطلين أم فشل التّنظيمات الفلسطينيّة، فأي فشل قصدته تحديدا من العنوان؟

ج: كلها، نحن شعب مهزوم، فاشل، وأجيالنا فاشلة ومهزومة، والرّواية إشارة إلى بعض الحلقات في هذا المسلسل الهائل من الإخفاق والذلّ والانحراف عن الهدف والذّات والمبادئ، أردتُ أن أعبّر عن فشلنا نحن الشّباب “آنذاك” في فهم طبيعة صراعنا مع أعدائنا، ومغزى ودور المنظمات الحزبيّة “النّضاليّة” والمبادئ التّي رست عليها، وكيف خدعتنا، وظللتنا، وكيف اُستغلّتْ عواطفنا وجيوبنا وحرفتنا عن الاتجاه الصّحيح. فمنذ ستين سنة وإلى حد الآن بحّت حناجر الخطباء والمناضلين، وجفّ حبر أقلام الثّوريين، وتبعثرت أهداف “الرّفاق”، لنكتشف بعد هذه المدة الطّويلة من النّضال أنّ كلّ ذلك وهم وبناء من رمل وملح، تهاوى إلى عدم، وأن المناضلين والثوريين والرفاق مخروقين مخادعين يعملون ضد مصالح شعبهم، ويساهمون بتزييف القضيّة وقتلها. لم يبق من تلك الكميّة الهائلة من الزّيف سوى ثروة ماديّة بائسة يتخم بها أولئك المخادعون معداتم. ستون سنة من النّضال تفضي إلى الاعتراف بالخصم والحصول على أقل من 18% بالمئة من أرض وطن يقضِم منه حليفنا اللدود كلّ يوم لقمة. هناك جرائم اقترفها النّظام العراقي الحالي ضد العراقيين لا تغتفر قط، إنها تشبه جرائم النّظام السّوري ضد شعبه، لكن جرائم المنظمات الفلسطينيّة والسّلطة الفلسطينيّة لا تقلّ عنها، أنظري على سبيل المثال إلى الفلسطينيين المبعدين من العراق، اغتصبت نساؤهم، وقتل الكثيرون منهم شرّ قتلة بدون ذنب، وأخرجوا من بيوتهم، وانتزع منهم ما حصلوا عليه طيلة عمرهم كلّه، ورموا على الحدود سنين في الحرّ والقرّ والرّياح، ومع ذلك لم تبادر السّلطة الفلسطينيّة ولا حركة حماس بإنقاذهم، واحتضانهم في وطنهم، بل تركتهم للبرازيل التّي رمتهم في الشّوارع، يعتدى عليهم مرة أخرى وتغتصب أعراضهم، وتنتهك حقوقهم الإنسانيّة، ويقتلهم الجوع والمرض، فهل هذه منظمات محترمة؟ ألا تستحق الكشف والزّراية؟ من يقرأ الرّواية ينتهي إلى حقيقة أن المنظمات الفلسطينيّة بالذّات نشأت على الخديعة والغش والكذب والزّيف وحرف مقارعة الخصم، ولذا لا يفاجأ المرء بما انتهت إليه بعد عقود النّضال المزيّف من هزيمة وخضوع للعدو، فمن يزرع الخداع يحصد الفشل، ومن يكذب على جماهيره يفقدها ويواجه عدوّه عارياً ضعيفاً بلا سند لينتهي إلى لا شيء.

س: لماذا العودة الى زمن الثّمانينات في العراق..الا يستحقّ ما يجري في العراق اليوم ان يُكتب عنه حيث نسبة العنف فيه لا تقلّ عن ذلك الزّمن؟

ج: هذا سؤال ممتاز، نعم، نسبة العنف في العراق ومستواه بعد الاحتلال أشدّ من ذلك الزّمن، وأقوى، وأقسى، وأكثر وحشيّة، لقد خصصتُ العنف في العراق برواية كاملة “الشّاحنة” (دار شمس. القاهرة 2010) وصفتُ بها قتل مئات الألوف بقلب أقسى من الحجارة، وصفتُ بها أجواء تصفية الأبرياء في العراق سنة 2005-2008، وصفتُ بها قتل المواطن العراقي المسالم بوساطة “الدّريل” والسّاطور، وفقأ الأعين وتقطيع الأوصال، وصفتُ بها مجرمين كبار “أبو درع- صولاغ” كما لم يوصفوا من قبل، وتطرقتُ إلى أمور لم يتطرق إليها أحد، وبينتُ في الرّواية أشياء ظهرت بعد “ويكي ليكس” بأكثر من ستة أشهر، وصفتُ بها ما يحدث في السّجون السّريّة العراقيّة والسّوريّة معاً، في الطريقة نفسها التي تكلّمت بها عن السّجن في زمن صدّام، وكنتُ الرّائد في ذلك، تكلمتُ عن السّجن في العراق الآن، والسّجن في سوريا الآن كما لم يتكلم أحد من قبلي. تكلمت عن المهجّرين ومعاناتهم، وتكلّمت عن الأطفال الذين وصلوا سوريا هاربين من الجحيم، ولا يعرف أحد كيف وصلوا، لأنهم كانوا وحدهم بدون ذويهم. وفي مجموعتي قصص “الجندي والخنازير” و”مساء باريس” تكلّمت عن استهتار القوات الأمريكيّة والمليشيات الطائفيّة وقتلها للعراقيين المدنيين بدون ذنب، عن الأطفال الأيتام، عن ضحايا الحرب، عن مقاومة الأمريكان المشروعة، عن مقاومة الشعب لحكومة حيوانات المنطقة الخضراء المتوحشة. لا أظن أن أحداً غيري كتب عن كلّ هذه القضايا. كنت وما زلت أعبر عن مآسي شعبي، ولهذا أدرجتِ المليشيات الإجرامية اسمي في قائمتين للقتل.

س: عارضت نظام صدّام حسين ومُنعت رواياتك آنذاك، واليوم انت تعارض النّظام الجديد في العراق.الا تعتقد بوجود امكانيّة لخلق مساحة مشتركة بين المثقف والانظمة..ام ان المعارضة هي المكان الوحيد للمثقف؟

ج: هذا أذكى سؤال اُلقي علي منذ أن بدأت أكتب وحتى الآن. هنا في أمريكا يعتبرون معارضة النّظام، وفضحه، والتّهجم عليه موضوعاً شخصياً، فمن يفعل ذلك لا يسجل نقطة لصالحه، ولا تنقص نقاطه الجيدة قط. موضوع كغيره، كأيّ حدث في الحياة. اكتبي عن حاضنة الأطفال، عن حادث سير، عن خيانة زوج أو زوجة، عن مصاص دماء مسيحي أو يهودي، عن التّخريب الإسلامي أو الزّنجي، عن المثليّة، عن حريق الغابات، عن عقوق الوالدّين، عن، عن، كلّ الموضوعات سواء. ما يلتفت إليه هنا الكتابة النّوعيّة، والأسلوب الجيد، والموضوع فائق الاختلاف والإثارة. ما يُحترم هنا التّمكن من أدوات الكتابة وإخراجها بأفضل صورة فقط. أما في الأدب الأوربي فلا، لقد ذهب إلى العدم كلّ من أشاد بالنّازيّة، ونسي القراء كلّ من مجّد قادة الاتحاد السّوفيتي والدّول الاشتراكيّة، لكن القارئ المثّقف في جميع أنحاء العالم يحترم كُتاب أمريكا اللاتينيّة الذين يقارعون الدّيكتاتورية، وينظر القارئ الأمريكيّ نظرة مغلّفة بالإثارة إليهم، ويتساءلون: لماذا يختار هؤلاء الكتاب موضوعات سياسيّة دون غيرها؟ أقول لأصدقائي من الكتاب الأمريكان إننا مثلكم نكتب عن كلّ شيء، لكن لأن ضحايا السّياسة في أوطاننا يفوق ضحاياه هنا، ويفوق ما يسقط في أيّ ظاهرة طبيعيّة أو اجتماعيّة لذا ترى معظم ما يطفو على السّطح من كتابتنا موضوعات سياسيّة. لم يكن في ظني”ككاتب” أن أكتب عن قضايا سياسيّة مطلقاً، كتبت بروح إنسانيّة، لكن السّلطة لا ترضى عن ذلك. فهي تضطهد كلّ من يعالج مشاكل الوطن. وعندما تمارس التّعسّف ضد الكاتب يظهر الكاتب وكأنه يفضل الموضوعات السّياسيّة. وهذا غير حقيقي. أما النّقطة الثّانية التّي أثارها السّؤال: “الا تعتقد بوجود امكانيّة لخلق مساحة مشتركة بين المثقّف والانظمة.” فهي مهمّة أيضاً، وهي موجودة فعلاً، فالأدباء الذين يوالون السّلطة بغض النّظر عنها سواء أكانت سلطة صدّام حسين أم سلطة المالكي يفوقون عدة مرّات الكتّاب الذين يعارضون السّلطة. إنها قضيّة اختيار لا غير. أنا أختار من يقف مع المواطن العراقي البريء الضّعيف ضدّ مضطهده.

س: السّرد المحكم الذي تتمتع به روايتك يدفعنا الى سؤالك عن رأيك فيما يكتبه اليوم بعض الشّباب..حيث ان بعضهم يستسهل كتابة الرّواية باعتبارها أسهل انواع النّثر؟

ج: هؤلاء الشّباب يحتاجون إلى توجيه ونقد لا انتقاد، لأن كتابة الرّواية الجيدة أصعب من أي فن بما فيه النحت والتصوير والغناء والموسيقى الخ. هم ضحايا الرّفاهيّة والمنظّمات الوطنيّة غير المسؤولة. في نظري كلّ من يكتب رواية أو ما يطلقه على كتابته رواية عنده شيء من الموهبة، لكن الموهبة وحدها لا تكفي. إن أردنا أن نضع نسبة بين الموهبة والمران فلا نضع للموهبة أكثر من 10% والباقي للمران والممارسة وتطوير القابليّة بفعل إرادي. في الخمسينات كانت مجلة الآداب على سبيل المثال، تنشر العمل الأدبي، وتنشر نقداً له بعنوان: “قرأت العدد السّابق” ففي النّقد يعرف الكاتب ما له وما عليه بروح محايدة. وهذا يساهم بتطويره، مهما كانت مدينته أو قطره في الوطن العربي، أما الآن فقد اختفت هذه الظّاهرة الأدبيّة الإنسانيّة المهمّة، خلق مكانها ظواهر خسيسة متعدّدة:

1- ظاهرة تفضيل النشر للمواطن على غير المواطن بغض النّظر عن المستوى. فالمجلة اللبنانية، المصريّة، العراقيّة، الإمارتيّة تضع حاجزاً يصعب اختراقه.

2- ظاهرة التّحيز والتّمييز بالمكافآت، فبعض الدّول العربيّة تكافئ كتابها فقط، ولا تدفع مكافأة للكاتب “الغريب”، أو تدفع المجلة أو الجريدة مكافأة قدرها 500 درهماً للكاتب الوطني وتدفع 70درهماً للكاتب “الأجنبي”.

3- ظاهرة التّمييز في معاملة المتقدمين لمسابقة أدبية، وهي أشر الظواهر، فالمسؤولين عن الجائزة يقدمون من لهم علاقة به إلى لجنة التّحكيم ويحجبون آخرين، وهكذا تعطى الجائزة لنتاج هزيل وتحجب عن عمل جليل.

4- ظاهرة نشر العمل الهابط، ففي بلداننا ينشر أيّ كان كتاباً أو رواية حتى لو كان في الدرك الأسفل من التفاهة، ينشرُ الكاتب قبل أن يتمكّن من الحصول على أدوات الكتابة ومهاراتها، إن كان يستطيع دفع التّكلفة، وهذه الظّاهرة خلقتها الرّفاهيّة، فمن يستطيع أن يدفع لشركة تنشر كتابه سيكون لديه كتاب يفخر به، وستحتفي بالكتاب قناة تلفزيونيّة أو إذاعة محليّة، أو مجلة، أو جريدة، أو حزب، أو منظّمة إن كان على علاقة مع أحد المسؤولين، وسيُشتهر الكاتب بالرّغم من أن كتابه في مستوى ما تحت الصّفر. مثل هؤلاء الكتاب يراوحون في مكانهم لأنّهم لا يطورون أنفسهم، ومصيرهم إلى العدم إن لم يرعوا.

س: اليوم انت موضع اهتمام في الصّحافة الادبيّة الاميركيّة ورواياتك تترجم تباعا..هل تعتقد أنّ عيشك في أميركا هو من سهّل ذلك؟ وماذا عن مقروئيتك في بلدك العراق؟

ج- بدأ الإهتمام بي بعد ترجمة “أنا الذي رأى – مدينة صدّام” واستمر بشكل بطيء إلى حدّ الآن، ولابد أن وجودي في أمريكا سهّل ذلك، لكن من كتب عني أو أشار إليّ جهات لم أعرفها، ولم أتصل بها قط، فطريقة الاهتمام هنا تختلف عن العالم العربي، هنا ينظرون إلى قوّة العمل فقط، أما في الوطن العربي فينظرون إلى الولاء الطّائفي والسّياسي والشّخصي والوساطات، ونادراً ما رأيت عملاً جيدا أثار انتباه المثقفين والنقاد كما كان يحصل قبل السبعينات عندنا في الوطن العربي، ولّى ذلك الزّمن، والرّوائي المحظوظ من يجد ناقداً يكتب عنه لا يعرفه، وهذه ظاهرة سلبية ومشينة. أما عن مقروئيتي في العراق والوطن العربي فأظنها صفر، أو لا تتجاوز أصابع اليد، لأني أنشر خارج العراق، والعراقيّ والعربي في معظم الدول العربيّة الآن لا يستطيع دفع بضع دولارات ثمن كتاب، إضافة إلى أننا بشكل عام شعب لا يقرأ، وإن قرأ فلا يملك أدوات التّقويم.

س: في الرّواية العراقيّة من تقرأ اليوم؟

ج: أنا بعيد عن العراق، وعندما ذهبت في الصّيف الماضي بعد عقود طويلة من الغربة، لم يتيسر لي الوقت للإطلاع على ما نشره الجيل الجديد مع الأسف. لكني أخطّط لزيارة أخرى أرى فيها أصدقائي، وآمل أن أجد الكثير وأقرأ الكثير؟

 س: اخيراً، ما رأيك بالثّورات العربيّة اليوم..وهل تعتقد بأنها “نطة ضفدع” أيضا؟

ج: أظن أن على المعلق على الثّورات العربية أن يدرس كلّ ثورة بشكل منفصل كحالة خاصة، وليدة ظروف معينة، فأنا لا أعرف عن تونس وليبيا إلا ما أراه في الأخبار، لكني أعرف عن سوريا ومصر كما أعرف عن العراق، وعندما انتصر الشّعب في مصر، وانصاع المجلس العسكري للشعب، قلت في ندوة في جامعة ديبول: إن المجلس العسكري يحني رأسه للعاصفة، لكنه سيرفع رأسه حينما يهدأ الشعب، أنذاك سنعرف من المنتصر ومن المهزوم. وخالفني الكثير لأني مرة أخرى وقفت ضد التّيار. ولكي نفهم الوضع في مصر علينا أن ندرك أن مشكلة الجيش قديمة جداً، فق أعاد عبد النّاصر بناءه على مبادئ سريّة لا يعرف عنها شيء خارج المختصين من المصريين، وأهم تلك المبادئ الأمتيازات، ولعلّكِ تذهلين إلى جذور الجيش المصري في التّغلغل للسيطرة على مصادر الثّروة في البلاد. فمقابل التّهرب من دفع الضرائب بنت معظم الشّركات في مصر “صغارها وكبارها” علاقات مع الجيش، (عش واتركني أعش) فالشّركة تموت إن لم تشارك الجيش، ولا تزدهر ولا تتطور. وسيبقى الجيش المصري سيفاً مسلطاً على الشّعب “لا على العدو” إن لم يتنبّه الثّوار، ويعزلونه في ثكناته، أما إن ظلّ يرأس السلطة في البلد، فهذا يعني أن مبارك باقٍ في الحكم باسم آخر، ولا ثورة ولا هم يحزنون. إنتصار الثورة المصرية يعني الانتصار على الجيش المصري فقط، لا على مبارك ولا على أي شخص آخر أو مجموعة أخرى. وإن تمّ هذا فستشرق الشمس من جديد. أما في سوريا فالموضوع أعقد ويحتاج إلى تفصيل آخر لا محل له هنا. لكن أثق بالشعب العربي كله ولابد أن ينتصر يوما ما من دون محال.

اختاري أيا من هذه الصور:

 بعض أغلفة الكتب

أنا الذي رأى بالانكيزية

وهذا غلاف الرواية بالإيطالية

 غلاف مجموعة قصص الحرية: الأول بالانكليزية والثاني بالإسبانية والثالث بالتركية

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s