“ما حصل أيام الديكتاتورية مجرد “سلاطة” أمام ما يحصل الآن في العراق!”

“ما حصل أيام الديكتاتورية مجرد “سلاطة” أمام ما يحصل الآن في العراق!”
“خطبة سياتل ثبت تزويرها ولكن ذلك لم يمنع أنها ألهمت أعمالا أدبية عديدة!”

محمود سعيد قاص وروائي عراقي من مدينة البصرة. أصدر عدداً من المجموعات القصصية والروايات من بينها “بور سعيد وقصص أخرى” 1957، و “زنقة بن بركة” التي فازت بجائزة أفضل رواية عراقية عام 1994، ورواية “الايقاع والهاجس” و “الضالان” ، و” قبل الحب، بعد الحب” و” أنا الذي رأى” ، والتي صدرت ترجمتها الانكليزية في لندن. وقد كتب بعض الأدباء والنقاد عن رواية “زنقة بن بركة” على وجه التحديد لأهميتها من الناحيتين الفنية والفكرية.

فقد قال عنها الناقد باسم عبد الحميد حمودي: “زنقة بن بركة رواية عن الألم العربي المستمر، صنعها على نحو مدهش محمود سعيد لتكون علامة الرواية العربية المعاصرة” . كما قال عنها الناقد علي جواد الطاهر “هي رواية بارعة تميزت بروحها وارتفاعها عن التقليد الجامد، وسموها عن الافتعال باسم التجديد “. كما نالت رواية “الضالان” اهتمام العديد من النقاد العراقيين. يقيم الروائي محمود سعيد في شيكاغو. في هذا اللقاء الذي تنشره القدس العربي يسلّط الروائي العراقي محمود سعيد الضوء على أبرز المحاور في تجربته الروائية، والمصادر التي كان يمتح منها موضوعاته، وثيمات أعماله الفنية، وقد حاولنا التركيز على أدب السجون والمعتقلات لأنه من بين الأدباء العراقيين القلائل الذين تناولوا هذه التجربة الحساسة في عمل روائي متكامل رفضته العديد من دور النشر العربية ما لم يدخل عليه بعض التغييرات، ويحذف منه ما يخص النظام العراقي السابق. وقد بادرناه بالسؤال التالي:
– ألا تعتقد أن شخصية مصطفى علي نعمان في روايتك “أنا الذي رأى” هي امتداد أو صدى لشخصية رجب اسماعيل في “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف، أم أنها ابنة مناخ السجون والمعتقلات العراقية المتشابهة في القمع والقهر والاضطهاد والتعذيب الوحشي؟
– لم أقرأ شرق المتوسط مع الأسف الشديد، وسبب ذلك أن صدورها جاء بعد رفض روايتين لي قدمتهما للرقابة العراقية “الايقاع والهاجس 1968” و “زنقة بن بركة 1970” وكان الأستاذ عبد الرحمن منيف وقت صدور روايته “شرق المتوسط” رئيساً لتحرير مجلة الأقلام العراقية، وسمعت عن الرواية من قبل جار لي عضو في حزب البعث لا علاقة له البتة بالأدب والرواية والفن، كان يعرف شيئاً عن اهتماماتي الأدبية، وسألني حينئذ إن كنت قرأت كتاب شرق المتوسط، فسألته عم يتكلم هذا الكتاب، قال إنه لأديب مشهور هو عبد الرحمن منيف، ثم قرأت تنويهاً في الأقلام عنها، واستنتجت أن ذلك الجار الأمي مكلف بشكل ما بالترويج للرواية، وفق أمر حزبي لا غير، لأن معظم كتاب الرواية والقصة في الشعر آنئذ لم يكونوا قريبين من البعث، وكان هذا سبب صدودي عن قراءتها. بعدئذ جاءت الأخبار أن عبد الرحمن منيف انشق عن حزب البعث، وأنه غادر العراق فسرني موقفه ذاك، وعندما أصدر “مدن الملح” قرأتها كلها، لكن نفسي ما زالت تصد عن قراءة “شرق المتوسط” بالرغم من أنني اقتنيت الكتاب وهو موجود في مكتبتي في العراق. ولذلك فلا أعرف من هو السيد رجب اسماعيل وماذا حدث له، وإن ظهر هناك تشابه بين شخصية الراوي في “أنا الذي رأى” وشخصية رجب فليس ذلك إلاّ من قبيل المصادفة، والعفوية لا غير.

– هل تعتقد أن مصطلح أدب السجون والمعتقلات سينتعش في العراق بعد زوال النظام الدكتاتوري الذي جثم علي صدور العراقيين طوال خمسة وثلاثين عاماً؟ ومنْ هم من وجهة نظرك أفضل من يمثلون هذا الإتجاه، أي من هم أفضل الروائيين العراقيين الذين استنطقوا معاناة هذا الشعب المُصادر والمقصي والمهمش؟
– لا أدري فالجواب على ذلك مركون برحم الغيب، لكني لا أستطيع كتابة شيء آخر عن السجون ومعاناتها، ومما قرأت وسمعت بعد الغزو الأمريكي للوطن اتضح لي أن ما لاقيناه زمن الديكتاتورية أشبه بـ (زلاطة كما يقول العراقيون) بالمقارنة بما يحدث الآن، فللحقيقة والتاريخ أقول إن زبانية صدام لم يلجؤوا إلى الاعتداءات الجنسية، واغتصاب القاصرين ذكوراً وإناثًا قط، ولم أسمع عن أي حادثة جرت في السجون آنئذ، والحادثة الوحيدة التي سمعت بها ذكرتها في “أنا الذي رأى” وهي أن أحد محققي المخابرات أمَر أحد المعتقلين أن يغتصب معتقلاً آخر، لكنه رفض، وكان يتصور أنه برفضه سيعرض نفسه لمزيد من العقاب لكنه ولمفاجأته وجد أن لا شيء ترتب على ذلك الرفض، ثم فوجئ ثانية بنقله إلى الأمن العام، وكان يظن أنهم سيعيدون تعذيبه هناك، لكنهم لم يفعلوا. أما الآن فحدث ولا حرج، فقد جرى اغتصاب فتاة عذراء من قبل عشرات الجنود الأمريكان، واغتصب أفراد عائلات أمام ذويهم. وانتحر العشرات، ومات تحت التعذيب مئات الأبرياء. ثم تناقلت الأخبار في أمريكا أن رجلاً في الأربعينات قتل تحت التعذيب لأنه رفض أن يتعرى، مثل هذا الشيء لم يحدث أيام الطاغية، وقبل أيام فقط أي في 13/8/2005 أمرت الحكومة الأمريكية بمنع نشر صور معذبي المعتقلات الأمريكية في الصحف، أو الإشارة إليها في التلفزيون أو الإذاعات الأهلية، وتبدّى لكل المراقبين أن ما يجري الآن يجعل ما لقيناه قبل احتلال العراق منذ زمن نوري السعيد وحتى سقوط الديكتاتور أشبه بفقاعة على سطح محيط لانهائي. لذلك فإنني قمين بأن ما سيكتب في المستقبل عن السجون سيفوق ما كتبنا، وأن أدب المعتقلات سينتعش بعد الكشف عن انتهاك وجرائم ومخازي الأمريكان والمتعاونين معهم. إن ما جرى بعد احتلال العراق أثّر في نفسي كثيراً لأني خُدعت بدعاية التخلص من الطاغية، وكنت آمل أن لا تعود تلك المآسي مرة ثانية، وأن يتحرر مواطنونا من الخوف وتسلط الأمن والمخابرات والاستخبارات، لكننا رأينا العكس، اذ تفاقمت الأمور أكثر وأكثر. في أمريكا يدعي المسؤولون (وهم كاذبون) أنهم لا يعتقلون عن الهوى، بل نتيجة لتقارير مخبرين ومتعاونين ممن رافقوا الجيش الأمريكي قبل أن يدخل إلى العراق. إن هذه الحجة مرفوضة جملة وتفصيلاً، فلقد تزلزلت الأرض تحت أقدام قادة قوات الاحتلال عند نشر أول صورة تعذيب في أبو غريب وعلموا أن انتهاكاتهم وجرائمهم وتجاوزاتهم في سبيلها للكشف، فعمدوا إلى خطوة مهمة فضحتهم وعرتهم، وكانت إطلاق نصف المعتقلين في أبو غريب (أكثر من خمسة آلاف) في اليوم الأول من نشر أول صورة للتعذيب البشع. وكان من المقدر لمن أطلق سراحهم أن يبقوا في السجن إلى ما شاء قادة الاحتلال، لكن سلطات الاحتلال الجائر خشيت من لجان حقوق الإنسان أن تكتشف الجرائم والتعسف والظلم فاستبقوا الحوادث. وهنا يثور سؤال مهم، إن كانوا يعلمون أن المطلق سراحهم أبرياء فلماذا اعتقلوهم إذن؟ وإن كان نصف المعتقلين أبرياء فكم بريء في النصف الثاني؟ وهل هذا يعني أن الاعتقال كان عشوائياً أو على الشبهة أو الهوية؟ إن كان كذلك فهذا يعني أن كل المعتقلين أبرياء. أما من أطلق سراحه فإن كانوا أبرياء فلمَ لم يعوضوهم عن مدة الاعتقال كما يفعلون في أمريكا؟ وإن كانوا كما يدعون أنهم اعتقلوهم بوشاية المتعاونين معهم فلماذا لم يعاقبوا هؤلاء المتعاونين؟ إنها أسئلة سيجيب عليها المستقبل.

– في قصة “مخطوطة” التي تلقي فيها الضوء علي إشكالات نشر روايتك “أنا الذي رأى” تؤكد بأنك أول من تحدث عن خمس فظائع أو تفرّد في الكتابة عنها وهي إعدام الأطفال في السجون العراقية، وذكر المقابر الجماعية، والإشارة إلى النشاط الكيمياوي، وإعدام أسرى الحرب الإيرانيين أو مص دمائهم، والكشف عن الغموض الذي كان يلف حياة والد صدام حسين كيف تسنى لك التأكد من هذه المعلومات، ولماذا لم تكتب مقالات تفصيلية تعرّي فيها هذه الفظائع؟ وفيما يتعلق بحياة والد صدام فكيف سنحت لك الفرصة للحصول علي هذه المعلومات؟
– لو كنت أعلم أن شيئاً كهذا سيحدث لما وافقت على ترجمة كتابي أنا الذي رأى إلى الإنكليزية، لكن سبق السيف العذل، كما يقول العرب. أنا لا أريد بأي شكل من الأشكال أن يستخدم كتابي كإحدى ذرائع متعددة تضاف إلى أكاذيب مبرري الإحتلال، فالإحتلال احتلال بغض النظر عن البرقع الذي يخفي تقاطيع المحتل.
أما الشق الثاني من السؤال فأعتقد أن ما كتب عن السجون في العراق وبقية الدول العربية قليل جداً، فلم أطلع علي أي رواية لعراقي غيري، وعندما سمعت أن رواية كتبت عن السجون المصرية زمن عبد الناصر حاولت اقتناءها وبحثت عنها طويلاً في معرض القاهرة الدولي للكتاب في بداية هذه السنة لكني لم أفلح في العثور عليها مع الأسف، وقد كتب صنع الله ابراهيم قبل مدة رواية: “شرف” عن السجون، وتختلف كثيراً عن روايتي بأسلوبها الفوتوغرافي التفصيلي الدقيق الذي يميز طريقة صنع الله في السرد عن غيره من الروائيين العرب. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن السجون متشابهة في جميع أنحاء العالم، يستوي فيها دول العالم الأول والثاني والمتخلف، وربما لا أكشف جديداً حينما أقول إن ما يحدث في السجون الأمريكية يفوق في بعض النواحي ما يحدث في غيرها، ففي سجوننا يلجأ السجان إلى التجويع، التعذيب، السب الشتم.. الخ، وكل ذلك يحدث في السجون الأمريكية، لكنهم يفعلون فيها ما يقشعر له الجلد، فهناك اغتصاب للسجين مهما بلغ من العمر، وهناك انتهاك مستمر للإنسانية وهناك أفظع من كل ذلك فقدان المستقبل، ولهذا رصدت منظمات حقوق الانسان وجمعيات إنسانية أخرى جوائز قيمة لأي سجين يكتب عما يجري خلف القضبان في أمريكا، ولعل القارئ العربي يدرك فظاعة السجون الأمريكية من تقارير تنشر بشكل مستمر في الصحف الأمريكية مباشرة وغير مباشرة، وقبل ثلاثة أشهر نشرت الصحف الأمريكية قصة سجين قضى في السجن ربع قرن كامل ثم أثبت اختبار الـ DNA أنه بريء، ويجري كشف عشرات مثل ذلك كل سنة في كل ولاية أمريكية، لا بل يجري كشف براءة الكثير ممن نفذ فيهم حكم الإعدام. إن مثل هذه الحوادث جعلت المواطن الأمريكي يكره أفراد السلطة التنفيذية، المحاكم، المحققين، المحامين، الشرطة، مسؤولي السجون والعاملين فيها كرهاً لا حد له. وصدف مرة أن استوقفني شرطي وشرطية بالرغم من أنني لم أفعل شيئاً مخالفاً وكنت أسير ببطء شديد، لكن سحنتي وملامحي الشرق الأوسطية العربية بالذات بدأت تثير العاملين في هذا الحقل وغيره من أجهزة الأمن بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، وفي مثل هذه الأمور توقعت أن يختلق الشرطيان سبباً غير معقول لإيقاع العقوبة بي، وهذا يحدث دائماً وأبداً، كنت قبل تلك الحادثة بمدة لا تتجاوز الشهر في حفلة موسيقية في حديقة عامة في الهواء الطلق، وحينما انتهت الحفلة وتوجهت لمنزلي وكان ذلك في نحو التاسعة مساء، أوقفني شرطي، ولم أكن أدري أنه كان يراقبني منذ أن كنت في الحفلة فقد رأيت سيارته قرب سيارتي لكني لم أهتم لأنني لم أفعل شيئاً، وحينما حدق ببطاقة هويتي ورأي اسمي عربيا مسلماً سألني لماذا لم أفتح أضواء السيارة؟ وعندما قلت له ها أنت تشاهد الضوء مفتوحاً، قال لي إنني عندما غادرت الحفلة لم أنر الأضواء وإنني فتحته حينما رأيت سيارة الشرطة ورائي. كيف أثبت أنني على حق وأنه على باطل وبيده كل السلطة، وعبثاً يقبل مثل هذا العنصري أي نقاش. لكني رفضت دعواه بصلابة. انفعلت، قلت له لا تستطيع إثبات ذلك في المحكمة مهما فعلت. قال لي حسناً سأعاقبك عقوبة بسيطة، سأكتب مخالفة هي أنك وقفت في مكان ممنوع (خمسة وعشرون دولاراً بينما عقوبة عدم انارة الأضواء 75 دولاراً) رضيت بالعقوبة، وأرسلت المبلغ للشرطة لعلمي أنني بالرغم من ألمي لا أستطيع إثبات حقي، فكلامي مقابل كلامه فقط، وهو موظف حكومي وأنا شخص عادي، وهو مواطن أمريكي وأنا عربي مسلم إرهابي .

تذكرت تلك الحادثة عندما أوقفني الشرطيان، وتوقعت أنني سأعاقب من دون شك لسبب ما، وسأدفع ثمن مخالفة لم أرتكبها كما يحدث مثل ذلك عشرات المرات في كل سنة، لكن أنقذت بشكل لم أتوقعه، فقد لمحت فتاة أفريقية أمريكية (سوداء) في العشرينات، كانت تسير في منتصف الشارع حيث الشرطيان واقفان يدققان برخصة السير العائدة لي، وما أن حاذتهما وأصبحت على بعد نصف متر منهما حتى توجهت إلى الشرطية بكلمة نابية شديدة الوقع: “بيتش، مذر فكر، كلبة، قحبة، أمك.. كذا وكذا لا عمل لكم غير تصيد الأبرياء” . كدت أنفجر ضحكاً، لكني ضبطت نفسي، ظننت أن معركة ستنشب بين الشرطيين والفتاة أثر ذلك السباب العميق، لكن الشرطية التي وجهت إليها تلك الإهانة التفتت إلى زميلها الشرطي وقد “انخطف” لونها، سألته بعفوية واستخذاء: هل فعلت لها شيئاً؟ فدعر الشرطي عينيه، وأغمضهما، وظهرت على تقاطيعه علامات عدم الاهتمام. وعندما لم ترَ الشرطية تأييداً لها من زميلها التفتت إليّ، ناولتني رخصة السوق، قالت لي: كن حريصاً، انتبه إلى طريقة سياقة السيارة. فانفلت لكن بسرعة أكبر من السابق وأنا مبتهج لتدخل الفتاة، وحينها أخذتُ أسأل نفسي لماذا خلا رد فعل الشرطية من العنف على غير العادة. لكني لاحظت أن معظم الواقفين في الشارع من سكان تلك المنطقة كانوا من الأفارقة الأمريكيين “السود” المغضوب عليهم، وهم مشهورون بالعنف والتمرد، وربما لو ردّت الشرطية على الفتاة لتدخل هؤلاء ولخلقت مشكلة أكبر. لكن السخط على الجهاز الأمني لا يقتصر على السود فحسب، بل يشمل الشعب الأمريكي كله بوتائر مختلفة، فقد نشر استطلاع رأي في “لوس أنجليس سنة 2000” وافق فيه المشتركون على زيادة الضرائب بشرط أن لا تصرف على جهاز الشرطة أو بناء سجون جديدة، ولعل مثل هذا الاستطلاع لا يثير القارئ العربي، لكنه مهم جداً لدى المواطن الأمريكي، فزيادة الضريبة أمر حساس جداً، ويلهب مشاعر الجميع، معظم المواطنين الأمريكان يرفضون زيادة الضريبة حتى لو كانت واحداً في الألف لا بالمئة، فكيف يوافقون علي زيادة مقترحة؟ لكنهم وافقوا على زيادة الضريبة (وتلك معجزة) على أن لا تصرف على أجهزة قمعية تكوي المواطنين كل يوم. على أن أفظع ما يلاقيه السجين في الولايات المتحدة هو اضطراره للعودة للسجن شاء أم أبى وقد ذكرت ذلك في روايتي “الضالان” . تحدثت في “أنا الذي رأى” عما رأيت ثم تكشف بعدئذ لي أن الرواية كشفت ممارسات لم يسحب عنها الغطاء الا بعد احتلال العراق منها إعدام الأطفال وغيرها لكن هل أستطيع أن أثبت ذلك؟ لا، بطل الرواية شاهد يرى ويسمع ويكتب ما يرى ويسمع، ومن المستحيل أن يثبت ذلك سجين في زنزانة، إذ أن ذلك ليس من واجباته، أما اقتراحك بكتابة مقالات تفصيلية تعري من قام بتلك الفظائع فذلك يتطلب مواهب لا تتوافر فيّ، فأنا لا أجيد كتابة المقالة، ولا أطيق كتابتها، وربما سيكتب آخرون مختصون في كتابة المقالة في نفس الموضع، فلكل اختصاصه.
بالمناسبة هل أن قصة مخطوطة هي امتداد للرواية وجزء منها أم أنها مقال منفصل كتبته لتوضيح ملابسات نشر هذه الرواية، ومهما يكن الأمر فأود أن أستوضح منك التالي: هل تعتقد أن هناك شيخاً، أي شيخ، في العراق كان قادراً علي عدم استقبال صدام حسين أو عدم الرد علي تحيته، ألا تعتقد أن هذا الكلام فيه من المبالغة الكثير، وخصوصاً نحن العراقيين كنا نعرف قسوة هذا الرجل وحجم ظلمه الذي يمتد إلى الأهل والأقرباء الأبعدين والعشيرة ربما، هل هذه الواقعة حقيقية أم لا؟
– قصة مخطوطة كتبتها الآن، وهي محاولة تذكر فاشل، أقول تذكر لأني حاولت جهدي إعادة كتابة فصلين أرغمتني الرقابة السورية على حذفهما مع الأسف الشديد، وكان الرقيب الشاعر محمد بو خضور، لكني لم أنجح، إضافة إلى ما عانيته من إحباط بعد فشل محاولاتي العديدة لنشر الرواية في الأردن وسورية.
تركيزك على حادثة وفاة والد صدام، ورغبتك في التثبت من وجودها أمر يخطر على البال، لكن الموضوع لا لبس فيه في رأيي، فبالنسبة لي سجلت ما سمعت من أحد أبناء قبيلة العبيدات، وهي قبيلة كبيرة جداً، وقوية، ومحترمة، وعندما يتحدث أحد أبنائها بشيء يخص القبيلة فالغالب مما يتوقع منه قول الصدق، لأني مطلع على شؤون بعض قبائل العرب في الشمال، فهم على الأغلب بسيطون صريحون لا يعرفون اللف والدوران، ولعلك تدرك أن ما حدث في الرواية هو خبر تنطبق عليه القاعدة المنطقية الكبرى في الفلسفة: (كل خبر يحتمل الصدق والكذب)، ويشمل ما تطويه هذه القاعدة الواضحة العامة ما ورد في الماضي جميعه من تراث ومن ضمنه الكتب المقدسة، وقد يثبت عكس ما ذكرت في المستقبل عن والد صدام ، وإن حدث ذلك فلن يسيء إلى الرواية قط. إن ما يثير القال والقيل في حياة والد صدام التناقض الكبير الموجود في الواقع. فما نشر عنه لا يدرج على قدمين، وما نعرفه عنه قليل جداً. ركز الاعلام على والدته أم المناضلين وعلى زوجته ساجدة طلفاح وعلى ولديه وبقية أفراد عائلته، لكنه أغفل ذكر أي شيء عن والده، فلماذا؟ وأتمنى أن تظهر الحقيقة حتى لو كانت مناقضة لما سردت، سأفرح إن كشف شيء حقيقي مثبت عكس ما رويت، فلا يهمني شيء مثل الوصول إلى الحقيقة. ولا أظن أن ذلك سيضر بالرواية كما أسلفت، لأنها ليست مقالة تاريخية، رواية فحسب. غاية الراوي في الرواية أن يقول ما شهد وما سمع، وعلى الكتاب المتتبعين اقتفاء ما كتب، وتثبيته أو نفيه، ولعلك قرأت بعض الروايات العالمية: “باودلينو”، “اسم الوردة”، “شيفرة دافنجي”، “المسيح يصلب مرتين”..الخ، حيث يختلط الخيال بالحقيقة فلا تعود تفرق بينهما. إن أحد أعظم أحجار الزاوية في تراث الهنود الحمر خطبة رائعة مؤثرة عميقة الأهداف، آسرة، شديدة الوقع، ألقاها أحد زعمائهم الأبطال المشهورين: “سياتل” إذ تُرجمت إلى معظم لغات العالم، وترجمها إلى العربية مشكوراً الأستاذ منير العكش، وكتب في إيحاء منها محمود درويش قصائد رائعة، ثم ثبت بعدئذ أنها مزورة بالرغم من أنها كانت تستوحي أشياء حقيقية من تراث الهنود الحمر الرائع. وشبيه بذلك اللغط الذي دار حول خطبة طارق بن زياد المتميزة المتألقة حينما عبر مضيق جبل طارق.

أما سؤالك هل تعتقد أن هناك شيخاً، أي شيخ، في العراق كان قادراً على عدم استقبال صدام حسين أو عدم الرد على تحيته فهو سؤال جيد. اسمح لي أن أسرد شيئاً. في زمن الحادثة كان صدام نائباً للرئيس، وكان يريد أن يخلق حوله نوعاً من السمعة الحسنة تمحو بعض وقائع تاريخه البشع تمهيداً لتوليه السلطة، وقبل أن يمسك كافة الخيوط بيديه، فطفق يقلد المرحوم الشهيد عبد الكريم قاسم. أخذ يزور الأحياء الشعبية، وأمر بتوزيع أرقام تلفونه لجميع الناس، وشجعهم عن طريق عملائه للإتصال به وطرح مشكلاتهم، وربما لو عامل العبيدات جيران أهله بقسوة لعرّض ما كان يريد بناءه إلى الشك والاهتزاز، ولخلق مشاكل لا أول لها ولا آخر، فمن المعروف له وللآخرين وهو شيء مهم يرعاه أبناء العشائر أن قبيلة عبيد هي إحدى أقوى القبائل في الشمال، بينما يتحدر صدام من عشيرة ضعيفة جداً جداً، ولا بد أنه استشار عشيرته في التصرف الأمثل فنصحوه بالمصالحة مهما كان الثمن، ومعاقبة قبيلة العبيدات على رفضهما لاستقباله ربما كان سيثير لا العبيدات حسب بل قبيلة شمر والجبور اللتين كانت علاقتهما من القوة بالعبيدات إلى درجة لا يمكن تجاهلها، ولا بد أيضا أن يثير بقية القبائل الأخرى.

في عرف القبائل الشمالية كما شاهدت تقليد مشهور، كنت أكثر التردد على تلك المناطق ولست أدري إن كان هناك مثل هذا التقليد معروفاً في جنوب العراق. في الشمال العربي يعمل ويحترم تقليد يعتبر شيخ أي قبيلة مساوٍ، وموازٍ لأي شيخ آخر بغض النظر إلى عدد أفراد تلك القبيلة وغناها ونفوذها، وعندما اغتيل شيخ العبيد بتلك الطريقة المؤلمة والهمجية تضامنت بقية القبائل مع العبيدات، وعندما نقول بقية القبائل فذلك يعني امتداداً قبلياً عربيا جغرافياً يصل إلى سورية وفلسطين شرقاً ومصر جنوباً وينحدر حتى السعودية. ومن الواضح وحتى الآن أن أفراد هذه القبائل لا يعترفون بالحدود بين الدول العربية، فعندما يتكلم أحد شيوخ شمر عن ملك السعودية أو أمير الكويت لا يقول الملك فهد أو الأمير صباح بل يقول الشيخ فهد، وبعضهم يقول ابن عمي الشيخ فهد، وحينما تضيق بهم الأمور يشدون الرحال إلى السعودية أو الكويت أو قطر أو الإمارات، ويدخلون على المسؤولين لا كأفراد عاديين بل كأنداد. ومن المناسب الإشارة إلى حادثة إنهاء الاقتتال بين قبيلتي شمر والبومتيوت في الخمسينات فلم يعم السلام بينهما ولم تفض الاشتباكات إلا بعد توسط وفد من رؤساء قبائل مصر والجزيرة العربية والخليج وبلاد الشام، ولا بد أن صدام أو عشيرته الصغيرة تعرف ذلك. إن هذه القبائل لا تعرف الانشقاقات الدينية والمذهبية، وقد سمعت شيخ مشايخ طي (غازي الحنش وهو من الموصل ومعتقل الآن لدى الجيش الأمريكي) أنه ما أن عرفت قبائل كربلاء والنجف والديوانية والسماوة بأنه متوجه للذهاب للحج في سيارته من بغداد (في التسعينات) حتى هبوا لاستقباله، وأصروا على ضيافته ثم رافقه وفد كون موكباً تاريخياً لم يتوقعه فقد رافقه أكثر من خمسمئة سيارة حتى عرعر حدود المملكة السعودية، وأن القائمين على الحدود في كلا الجانبين سهلوا أمره ومن معه من دون تفتيش أو إبطاء، وحدث مثل ذلك عند إيابه من الحج. ولعل هذا يفسر كيف استطاع صدام في الفترة الأخيرة من حكمه شراء ولاء القبائل.
هل أن الأمكنة في “أنا الذي رأى” افتراضية أم حقيقية، وهل هذه التجربة فيها طابع شخصي يقربها من السيرة الذاتية أم أنها نص متخيل يخضع لشروط فنية محددة؟ ولماذا تميل إلى بناء رواية تعتمد على شخصية محورية أو شخصيتين كما في الضالان ألا تميل إلى البطولة الجماعية التي تستجيب إلى وضع العراقيين في ظل سنوات القمع الوحشي؟
– تبقي نقطة واحدة في السؤال وهي الأمكنة في “أنا الذي رأى” أهي افتراضية أم حقيقية! لست أدري ماذا أقول لك! هل تظن أن كل ما يوصف في أي رواية حقيقي حتى لو كان تفصيلياً، لماذا لا ندعي أن ما يمكن حدوثه في الحياة ووصفه هو الحقيقة لا ما نصوره فوتوغرافياً؟ سجلت الكثير من الحقائق في الرواية كما هي، لكن ربما يرى بعض القراء أنني أصور مكاناً آخر. معظم السجون كما قلت لك متشابهة. وهذا يعني أن ما كتبته حقيقي أو هو أقرب إلى الحقيقة. يحيرني سؤالك: لماذا تميل إلى بناء رواية تعتمد على شخصية محورية أو شخصيتين كما في الضالان ألا تميل إلى البطولة الجماعية التي تستجيب إلى وضع العراقيين في ظل سنوات القمع الوحشي؟
هل تعتقد أن الكتابة عن البطولة الجماعية لون يجب أن يفرض على كافة الروائيين؟ حاول الكثير من الكتاب تقليد ماركيز في “مئة عام من العزلة” و “خريف البطريرك” ، أو رواية “العمى” لسمراكو لكنهم لم يبلغوا شأو الكاتب، فالمقلِّد دون المقلَّد دائماً، ولكل طريقته، واختيار البطولة الجماعية كلون روائي قليل جداً، والناجح منها أقل، والمهم في نظري الصدق في التعبير. يبدو أنك لم تقرأ “زنقة بن بركة” أو “الايقاع والهاجس” أو “قبل الحب بعد الحب” أو أياً من رواياتي الأخر، ربما لو قرأتها لغيرت رأيك. ولعل استطرادك بعيد جداً.

– في رواية “الضالان” سحبتَ كاثي وعمر إلى الغابة أو البراءة أو العزلة أو الرحم الأول، بينما دفعت ببطل “أنا الذي رأى” إلى عزلة السجون والمحاجر الإنفرادية، هل أن عالم الغابة المجازي يعادل عالم السجون الانفرادية التي يواجه فيها السجين مصيره المجهول، كما يواجه عزلته، ووحدته، وقطيعته القسرية للعالم؟
– أنا لا أستطيع أن أفهم أن الغابة أو السجن مكان معزول! الغابة هنا ليست معزولة كغابة روبنسن كروزو، فقد اضطر البطل إليها كإقامة مؤقتة، وبالرغم من كونه فيها إلا أنه غير منعزل عن المجتمع قط، بل هو والآخرون بطل “أنا الذي رأى”، متواصلون معه، يتفاعلون كأي عضو في المجتمع، ولم تكن الوحدة بثقلها الوجودي واردة قط، فالغابة كأي مهجع ليلي، يقضي المرء فيه الليل ثم ليعود مرة أخرى إلى العمل من جديد. وعندما جاءت كاثي لم يبق التواصل نفسه، لا بل تعمّق، ولكل من عمر وكاثي اهتماماته، كاثي تعشق الطبيعة والطيور والحيوانات وتقلدها وتذوب فيها بالرغم من الضيم الذي لحق بها، وعمر في حالة نشاط وتفاعل مع الآخرين عميقين، فهناك من يثق فيه ويعطيه شاحنته للعمل فيها، وهناك من يطلب منه كتابة قصة ليرسلها إلى الخليج، وهناك من يحترمه ويرى فيه شخصية مهمة تستحق الاهتمام، وكلاهما لم يقطعا حبالهما بشكل قسري مع العالم، ولا ينويان قطعها، بل يؤثران في المجتمع ويتأثران به. وإن ركزنا على بطل رواية “أنا الذي رأى” فسنراه متفاعلاً مع أعداد لا تحصى من الناس، في وقت بات السجن في العراق عالماً آخر يكاد أن يكون مجتمعاً معكوساً في مرآة مقعرة تصور المجتمع مقلوباً في وضع غير طبيعي، لكنه مألوف وشائع.

        إن أحد أهم الأحكام غير الطبيعية التي تلحق بالرواية رغبة القارئ تحقيق ما يصبو إليه هو في عمل غيره، وهذا مستحيل، فما يجري في الرواية حوادث دائرية تبني في تشيؤها تشكيلا متفرداً أشبه ببصمات الإصبع تميزاً، فتبدو مختلفة في دوراتها الفلكية عند شخص ما عن غيرها لدى شخص آخر، أو كاتب آخر، والرواية المتقنة بشكل عام تشبه جرماً سماوياً مستقلاً تدور حوله باستمرار، ولا يمكن أن تتطابق مقاييس الأجرام كلها تطابقاً كاملاً.

–  أغلب شخصيات رواياتاك مُطارَدة، ومهزومة، ومحاصَرة، ومسحوقة، وهاربة، ومعزولة، بعضها مُطارد بسبب القمع والدكتاتورية، وبعضها هارب من العولمة، والمافيات، والعصابات، هل تتقصد خلق هذه الشخصيات أم أنها تأتي هكذا عفو الخاطر ومن دون حسابات مسبقة؟ فمصطفى في “أنا الذي رأى” يحلم بالهروب من العراق، وعمر يهرب بالسفر إلى السويد بحثاً عن بلد يحترم حقوق الانسان وانسانيته. ما هو المكان المثالي للكاتب اذاً؟
 لا يمكن أن يتخلى الإنسان عن أحلامه، ولكل منا حلمه الذي يرافقه حتى الموت، أنت أديب عراقي يعيش في المنفى، وغيرك كثير، وربما ناف عدد الأدباء الموجودين خارج العراق (مثلك ومثلي) على الموجودين في الداخل، فهل ينطبق علينا كلينا هذا الوصف؟ : مُطارَدة، ومهزومة، ومحاصَرة، ومسحوقة، وهاربة، ومعزولة، بعضها مُطارد بسبب القمع والدكتاتورية، وبعضها هارب من العولمة، والمافيات، والعصابات لا، لا أعتقد أن من هو موجود في الخارج مهزوم أو مسحوق، أو هارب. وإن نظرنا بتعمق فسنرى شيئاً في واقعنا ربما لا نقره الآن أو نقره ونستبعده، لقد أنشأ محمد مشروعنا العربي وأقام حكماً تطور ودام نحو ألف وأربعمئة سنة، حكماً امتدت مساحة ظله عشرات آلاف الكيلومترات.

      وكان مما يميز سكان ذلك الوطن الكبير شعور أخوة عميق، فكان بمقدور ساكن البصرة أن يسافر إلى المغرب أو الأندلس غرباً أو الهند وأندونيسيا شرقاً، من دون أن يسأله أحد عن جواز سفر، وكذلك يفعل الصنعاني، والباكستاني والحلبي والهندي والتطواني، فأمام مواطني ذلك المشروع عالم واسع يبدأ في أندونيسيا وينتهي في الأطلسي، يسافرون، يتاجرون، يعملون، يقيمون، يتجولون. في ذلك العالم نشأ أعظم رحالات التاريخ: ابن بطوطة، ابن جبير، المسعودي، ابن فضلان، وغيرهم الكثير، ولقد ورثنا ذلك التراث وتلك الرغبة في الهجرة، وحب الإطلاع على المجتمعات كلها، لكن الغرب كان لنا بالمرصاد. خطط منذ مئات السنين للقضاء علينا، وعلى وجودنا، ولقد ساعدناه بتسرعنا وغبائنا، وجهلنا كثيراً في مهمته، فحل بنا سخط وغضب وبؤس لا مثيل له، وها نحن في أوطاننا أو زوايا الأرض كلها، مقيمون أو مواطنون، منفيون شئنا أو أبينا، وهذا يشمل العرب جميعاً، وليس العراقيين حسب.

       قلت قبل قليل أن لكل منا حلمه، وأضيف الآن إلى ذلك كلمة ومنفاه، أي أن لكل إنسان حلمه ومنفاه معاً، وكثير من الناس يعيشون في مكان ما لكنهم يحلمون بجنة أخرى ينفون أنفسهم إليها حتى ولو بالأحلام، لكني لم أكتب عن أي مهزوم، فبطلا الروايتين السالفتين اللتين تحدثت أنت عنهما لم يكونا مهزومين، ربما هما منتصران في بعض الأوجه. دعنا نمارس لعبة الكلمات! أليس كل مهزوم منتصر في وقت ما، أنظر إلى المسيح على سبيل المثال. لو وجد شخص مثل المسيح بمثل هذه التوليفة الغريبة التي تحدثنا عنها الكتب المقدسة ألا تراه منتصراً ومهزوماً في وقت واحد؟ إذاً فلماذا نستعمل مثل هذه المفردات المخادعة والمنافقة معاً! ربما تكون تلك الألفاظ من أدوات المؤرخ، مقصورة عليه، لكنها لن تكون بالتأكيد من أدوات الأديب، ولا من بنات تخيلاته، وعلينا أن نضيف إليه مفردات أخرى كـ: مطارد، مهزوم، محاصر.. الخ.

           طالما أننا لم نقرأ كتابك الموسوم “مدينة صدام” والذي صدر باللغة الانكليزية، هل لك أن تقدّم لنا مختصراً لمضمون هذا الكتاب الجديد؟
مدينة صدام” ليس كتاباً جديداً، بل هو تغيير لعنوان قديم، وان أردت الحقيقة فهو مسخ لعنوان قديم. لقد غيروا “أنا الذي رأى” بـ: “مدينة صدام” فأساءوا إلى العنوان ومسخوه. ولحسن الحظ كان ذلك في الطبعة الإنكليزية فقط، وقد اتصل بالمترجم من يريد ترجمته إلى الفارسية فأصررت على بقاء العنوان القديم، وإلا فالأفضل أن لا يترجم، وأخبرت المترجم أن يفعل نفس الشيء مع من أراد ترجمته إلى الايطالية. ولست أدري ما سيأتي به المستقبل.

       أما عن الاختصار فلا أعتقد أن هناك اختصارا ينجح في سرد رواية، حتى جزء من رواية، موقف من رواية، في نظري يستحيل اختصار رواية كاملة من دون تشويهها، الاختصار للأفكار، والرواية ليست بفكر مجرد، إنها مزيج من الوصف والوعي والفكر والواقع والخيال، وهي إضافة إلى كل ذلك أسلوب متميز عن غيره، وسرد لا يشبهه سرد آخر. دعني أوضح لك وجهة نظري فيما ورد في القرآن الكريم، على سبيل المثال: في سورة يوسف هناك آية وصفية عظيمة: (وهمّت به وهمّ بها). تلك الآية تصور موقفاً غرامياً بين يوسف وزليخة، فيها إغواء، وإثارة، وهيام، ورغبة، وانفعال عميق، وتجاذب يستغرق تحليلاً في مئات الكلمات، لكن عبقرية السارد وعظمته اختصرت كل ذلك في أربع كلمات، والآية المذكورة جزء من قصة طويلة، ولا يستطيع أي كان أن يلخص القصة وإلا فقدت رونقها وعمقها، ومن يلخص قصة يوسف ولا يذكر هذه الآية وغيرها (على سبيل المثال) يجني على عظمة السرد، ومن يذكرها ويذكر غيرها من الآيات لا يمارس التلخيص، إذن فنحن في دائرة مغلقة. الرواية الجيدة تلقيك في محيط عميق من استمتاع لا مثيل له، تمنحك لذة قصوى، والاختصار يفقدك ذلك الاستمتاع، ويجرد مشاعرك من اللذة، لتبقى حسيراً مغلوباً.

عن القدس العربي

 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s