بنات يعقوب : رؤية الماضي بعين الحاضر روائيا ً

ناطق خلوصي

2008/12/01
الزمان 
بنات يعقوب : رؤية الماضي بعين الحاضر روائيا ً
آه من التاريخ كم هو مشاغب ولذيذ

علي الغلاف الأخير لروايته الجديدة ، أشار الروائي محمود سعيد الي أنه كتب أكثر من عشرين رواية ومجموعة قصصية . ونزعم ان من بين هذا العدد من الروايات والمجموعات القصصية ، احتلت روايه زنقة بن بركة ( التي قال عنها انها مُنِعت من النشر في العراق سنة 1970 ثم فازت بجائزة وزارة الإعلام العراقية سنة 1993 ) ، موقع الصدارة من حيث الأهمية وحجم الاهتمام بها . فقد حظيت بإعجاب عام وقبول نقدي ايجابي متواتر منذ صدورها في طبعتها الأولي عام 1993 حتي الآن ، لما تتوافر عليه من بناء سردي متميز وثيمة اجتماعية / سياسية هادفة ولغة قص معبّرة ، الي جانب توفر عنصر التشويق فيها . وتأتي روايته الجديدة بنات يعقوب لتصطف الي جانبها في موقع الصدارة وتمثـّل معها إضافة نوعية للمعطي السردي العراقي والعربي معا ً ( وقد رشحت دار النشر فضاءات ذه الرواية لجائزة بوكر العربية في الرواية في دورتها الثانية ) .
تقع هذه الرواية ، التي صدرت مؤخرا ً ، في ما يقرب من ستمئة صفحة من القطع الكبير تتوزع علي واحد وخمسين فصلا قصيرا ً ً ( إذا ما استثنينا الفصل الأول ) ، يحمل كل منها عنوانا ً خاصا ً به . الفصل الأول فيها يحمل عنوان ” إقرأ ” وهو فصل سردي طويل بعض الشيء قياسا ً بفصول الرواية الأخري ، ينطوي علي حبكة روائية مستقلة تبدو باديء الأمر كانها تأسست وتطورت بمعزل عن متن الرواية الأم . فالسارد فيها ( وهو الكاتب هنا ) ينتمي الي الحاضر ، والأحداث فيها معاصرة ، بخلاف الفصول الأخري التي تنتمي أحداثها الي الماضي : ماضي العراق القديم علي وجه التحديد .
يعود بنا الفصل الأول الي حرب الخليج عام 1991 ، حيث رصدت طائرات الاستطلاع الأمريكية ( في حدث كشفت الستار عنه مجلة ” TODAY NEWS ” التي تصدر في واشنطن العاصمة ) ، خمس سيارات مدنية متجهة من بغداد الي الموصل وهي تقل ضباطا ً عراقيين يحملون وثائق هامة ، فكمنت قوة من الكوماندس الأمريكيين للسيارت قرب جبل حمرين ، بهدف اقتناصها بمن فيها وما فيها . غير ان الضباط العراقييبن اكتشفوا الكمين فدمروا السيارات الخمس بما فيها بعد أن رموا قنابل يدوية في دائرة حولهم للتعتيم علي عملية انسحابهم وبدأوا يطلقون الرصاص من أماكن غير مرئية مما أربك رجال الكوماندس وأصاب مقتلاً من معظمهم ، ثم اختفي الضباط وكأن الأرض انشقت من تحتهم وخبأتهم هناك .
لقد كان المخبأ السري الذي يعرف الضباط العراقيون موقعه والقريب من الشرقاط ، هو ملاذهم الآمن الذي عجزت القوات الأمريكية عن الوصول اليه آنذاك . وكان السارد قد قرأ التقرير الذي نشرته المجلة فأثار اهتمامه وقرر الذهاب الي موقع المخبأ ولجأ الي ضابط كبير متقاعد من الجيش العراقي السابق وهو صديق قديم له من أهالي الشرقاط ، واستطاع الحصول علي عنوان بيته في بغداد والوصول اليه وإقناعه بالذهاب معه الي حيث موقع المخبأ السري . وبعد رحلة لا تخلو من متاعب ، وصلوا الي هناك فوجدوه أطلالا ً بعد أن كانت القوات الأمريكية قد اهتدت اليه ودمرته . وتقود المصادفة التي اعتمدتها الرواية أحيانا ً ، الي أن يكون إبن الضابط صديق السارد مختصا ً بالآثار ويحتفظ بعدد كبير من الصور التي كان قد التقطها للمخبأ قيل تدميره ، ويحتفظ أيضا ً بدفتر دوّن فيه ملاحظاته ونقل نصا ً كان موجودا ً علي أحد الجدران ( في تداخل واضح بين الواقع والخيال يخترق عملية السرد ) وقد غطي الصفحة الأخيرة من هذا الفصل ، واضعا ً بيد الروائي في الوقت نفسه مفتاحا ً لكشف لغز المخبأ التاريخي . يعود تاريخ هذا النص الي أكثر من ألفين وخمسمئة سنة ويقول : ” إقرأ أنت ذو البصيرة والمعرفة والقلم ، إقرا لتعلم من أنا ومن نحن . أنا دينة إبنة الإنسان سأبقي هنا علي الحجر الي أبد الآبدين . سأخاطب عقل وقلب الكائن الحي الذي لا يموت بموت الجسد . سأقول لكل حي أن لا ييأس إن كان له أب وأجداد مجرمون كأبي وأجدادي ، عليه أن يختار عائلته بنفسه وأن يختار الإنسان الخيّر حتي لو كان غريبا ً…… ” ( ص 42 ) ، في إشارة إدانة الي سلوك ومواقف الذين كانت تنتمي اليهم قبل انسلاخها عنهم عائليا ً وسلوكيا ً ( كما سيتضح في متن الرواية ) . ويورد النص أسماء شخصيات سيكون لها دور مؤثر في سياق أحداث المتن الروائي ، وستكون شخصية دينة الشخصية المحورية في الرواية وسيصبح هذا النص صلة الوصل بين أحداث الفصل الاستهلالي وأحداث المتن وفاتحة الدخول الي عالم محمود سعيد الروائي في هذه الرواية التي ينتقل فيها بنا الي زمن بابل وامبراطورها نبوخذ نصر وسنوات حكمه في ظل شريعة حمورابي ، فنطل علي الجنائن المعلقة ونشهد مسيرة السبي البابلي الذي تعرض له العبريون آنذاك . إن الرواية تقدم عرضا ً تاريخيا ً يبدو محرّفا ً ومحكوما ً بحس عاطفي ــ تعاطفي مع أو ضد هذا الجانب أو ذاك ضمن منظومة المفصل التاريخي الذي تناوله الروائي .

فرز أخلاقي
ينفتح المتن الروائي علي عملية فرز أخلاقي بين جناحين متضادين من أبناء يعقوب ( إخوة يوسف ) ، تخلّقَ الأول ( ويمثل الأغلبية ) بأخلاق الشر والجشع والنزوع الدموي والسقوط الأخلاقي الي الحد الذي جعل أفراده يستمرئون قظم فاكهة زوجات أبيهم المحرّمة تحت جنح الظلام ، ربما من وراء ظهرأبيهم أو بعلمه وسكوته عن ذلك ، برضا الزوجات أو بقسرهن علي القبول بذلك ، في حين كان الجناح الثاني ــ ومن ضمنه يوسف نفسه في مطلع شبابه ــ يقف علي الضد من الجناح الأول تماما ً .
كان يعقوب يتنقل بأسرته الكبيرة وماشيته من مكان في بلاد كنعان الي مكان آخر سعيا ً وراء الكلأ ، وقد حلّ في زمن الأحداث التي تتعرض لها الرواية في قرية يسكنها حمّور الذي سيصبح احدي شخصيات الرواية الثانوية ثم يتم سحبه من مجري الأحداث علي نحو سريع ، وقد آوي يعقوب وأحسن اليه وساعده ووفر الحماية له ولأسرته وماشيته ، ليقابله يعقوب والجناح الشرير من أبنائه بالسوء وقد وضعوا أعين جشعهم علي ما يملك ، وبدأوا يخططون للتخلص منه لهذا الغرض ( وكأن الروائي أراد أن يلقي الضوء علي النزوع الشرير المتأصل في الطائفة التي يمثلها يعقوب ) . غير ان نقطة التحول الأولي في الرواية تمثلت في تعرّف أولاد حمّور الثلاثة علي بنات يعقوب الثلاث ، لتمتد بين الطرفين أواصر علاقة تطورت علي نحو سريع لتبلغ مستوي الارتباط العاطفي الحميم الذي انتهي بالزواج . لكن آصرة الزواج تلك لم تشفع لحمّور وأولاده الذين كانوا قد أبدوا اهتماما ً استثنائيا ً ببنات يعقوب ودربوهن ، من بين ما دربوهن عليه ، علي الفروسية وفنون الدفاع عن النفس ( وهو ما مكّن دينة من حماية نفسها وأختها في طريق رحلتهما الي بابل ) . وقد دبر يعقوب والجناح الشرير من أولاده مكيدة لحمّور انتهت بتصفيته جسديا ً هو وكل اسرته والاستحواذ علي جميع ما يملك .
لقد أحدث هذا الفعل منعطفا ً حاسما ً في مسار أحداث الرواية تمثـّل في عملية انسلاخ احتجاجي من الأسرة ومن الطائفة معا ً قامت بها بنات يعقوب الثلاث : دينة وشمة وبسمة ، زوجات ابناء حمّور المغدورين . وشكّل هذا المنعطف نقطة الارتكاز التي وضع عليها محمود سعيد أساس مبناه الروائي الذي مرّر من خلاله رؤيته الفكرية التي قد يجد من لا يتفق معه في جوانب منها . فقد اجترحت مخيلته أحداثا ً وشخصيات جسّدها في صور تتقاطع مع صور الرؤية الدينية والتاريخية لهذه الأحداث والشخصيات ، في عملية تحدٍ للتاريخ الذي يقول عنه وهو يقدم لروايته :
آه من التاريخ !
كم هو جميل ولذيذ
مشاغب ومربك !
سيف ذو حدين : هدي ً وتضليل !
ووفق هذه الرؤية ابتكر مرجعيته الخاصة التي تغذي مخيلته ، مستندا ً علي حق الكاتب الروائي في توظيف الخيال لبناء أحداثه ورسم شخصياته أو إعادة تشكيلها وفق رؤيته هو وليس في صورتها التاريخية ، مبتعدا ً في ذلك عن موقع المؤرخ ، فكان أن قدّم شخصية يوسف في صورتين تمثل كل منهما مرحلة ً من مراحل حياته حسب ما أملته عليه مخيلته . في الأولي منهما كان يوسف بين أسرته وهو موضع اهتمام امه راحيل وموضع حسد وحقد الجناح الشرير من أخوته لتميزه عنهم شكلا ًمما دفعهم الي إيذائه والتخلص منه ببيعه الي احدي القوافل المارة ( وهو ما يتناغم مع الرواية التاريخية والدينية للحدث ) ، أما في الثانية فقد ظهر في بابل وقد تحول الي الضد مما كان قد ظهر عليه في المرحلة الأولي وهو ما يتقاطع مع الرواية التاريخية والدينية للحدث
لقد كرّس الروائي جزءً كبيرا ً من المتن لبنات يعقوب وخصهن بعنوان روايته ( الذي استعاره من الموروث العبري مثلما اعتمد ” سفر التكوين ” مصدرا ً من مصادر الرواية واستلهم منه بعض أحداثها واستعارأسماء عدد من شخصياتها مثل يعقوب ودينة وحمّور وشكيم ويوسف وراحيل ، وغيرها ) . لقد فعل ذلك بعد أن أنهي دور يعقوب وكاد ينهي دور أولاده . وقد وضع دينة ، كبري البنات ، موضع البطولة ، في عملية نمذجة للشخصية النسائية ، ومنحها سمات تؤهلها لأن تكون في موقع متميز ، وهي تصحب أختيها شمة وبسمة في الرحلة الي بابل بعد عملية الانسلاخ عن العائلة والطائفة التي مارسنها ، وكانت رحلة عسيرة محفوفة بالمخاطر تجلت فيها سمات البطولة الحقيقية في دينة لاسيما وهي تقود اختها شمة عبر الصحراء بعد أن فقدتا أختهما بسمة التي غرقت وهن يحاولن عبور الفرات . فلم تكن هي ولا أختها تعرف معالم الطريق الي بابل وكانتا تنكرتا في زي رجالي لم يفلح في إخفاء معالم أنوثتهما تماما ً . قادها هي وأختها أحد مقاطع الطريق للتوقف عند خيمة راع ٍ اسمه شداد قال انه شاعر يعيش وحيدا ً في ذلك المكان بعد أن فقد اسرته عند تعرضه الي حادث سطو ، وكان يعيش علي ذكري أسرته ، وقد آواهما في تلك الليلة وتنبا لدينة ، وقد اكتشف حقيقتهما هي وأختها ، بمستقبل واعد : ” أنت عاقلة ، قوية ، سترين ما لم يره إنسان وستعيشين طويلا ً ، طويلا ً ، وستنقذين الكثير ” ( ص 142 ). ومنحتها تلك النبوءة ثقة مضافة بالنفس ، زادها قول أحد الشوافين ( العرافين ) في مدينة بابل : ” ستنالين كل ما تصبين اليه في حياتك وستعمرين ” ( ص 333 ) .

الموروث العبري
لقد اعتمد الروائي اسلوب السرد السينمائي وهو يصف أحداث رحلة دينة واختها وصولاً الي مدينة بابل . فقد بدا كأنه يرصد الأمكنة وتفاصيلها بعدسة كاميرا سينمائية شديدة الحساسية حتي بدا لمن يقرأ هذا الجزء من الرواية انه ازاء سيناريو فيلم سينمائي يتحرك علي الورق . فقد كانت عين السارد تقتنص كل تفصيل وترصده رصدا ً دقيقا ً وتربطه بمجاوره في تجانس واضح وصولا ً الي بناء المشهد الروائي ، وكأن الروائي قام شخصيا ً برحلة الي الأماكن التي وصفها وتعرّف علي التفاصيل المكانية والبيئية فيها . وتشكّل رحلة الوصول الي بابل الجزء التمهيدي للأحداث اللاحقة التي تختلف عن سابقتها . ففي مقابل العناء الذي كابدته دينة وشمة خلال الرحلة ، وجدتا في بابل ما عوضهما عن ذلك العناء ، لكن ثمة شخصية دخلت مجري الأحداث دخولا ً مؤثرا ً وصارت تنافس دينة علي موقع البطولة ، غير أنه كان تنافسا ً عفويا ً . وتمثلت هذه الشخصية في ” الليمونمو ” قريب دينة وشمة الذي كان أشهر مهندسي بابل وهو الذي وضع تصميم الجنائن المعلقة وغيرها من المشاريع الكبيرة . ولم يكن ظهور هذه الشخصية في هذا المفصل من أحداث الرواية طارئا ً ، فقد كان له حضور في مدخل المتن أيضا ً، لكنه كان حضورا ً عابرا ً آنذاك . لقد تألق نجم الليمونمو وصار صاحب حظوة كبيرة لدي نبوخذ نصر قبل أن يلقي مصرعه علي أيدي العبريين الذين كان أنشأ لهم حيّا ً خاصا ً بهم في بابل ، في موقف يشي بنكران الجميل لدي هؤلاء . وتتوقف الرواية عند موضوعة السبي البابلي وتؤكد وقوعها تاريخيا ً ، السبي الذي يردّ الروائي اليه سبب انهيار الامبراطورية البابلية في عملية إسقاط للماضي علي الحاضر .
ولقد توقفت الرواية عند مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية في بابل ابان حكم نبوخذ نصر، وألقت الضوء علي ظاهرة الفقر وشيوع الفساد الاداري في ظل نظام حاكم صارم وسيادة شريعة حمورابي المفترضة ، وكأن الرواية هدفت الي تتبع الجذور التاريخية للفساد الاداري والمالي ، مع التوقف عند ظاهرة العبودية وامتهان كرامة الإنسان وردود الأفعال علي ذلك الإمتهان . فقد قاد اضطهاد السادة لعبيدهم الي تمرد هؤلاء علي أسيادهم ولجوئهم الي العنف واحتلال احدي القري وقتل رجالها واغتصاب نسائها انتقاما ً من أسيادهم وتعبيرا ً عن احتجاجهم علي الاضطهاد الطبقي . والي جانب ذلك توقفت الرواية عند ظاهرة استغلال الجواري والمحظيات لدي شخصيات من أعلي المستويات في الدولة بدءا ً من الامبراطور الذي كان يحتفظ بمئات الجواري ( وقد ابتني لهن قصرا ً خاصا ً يحمل تسمية ” قصر الجواري ” ) مرورا ً بالامبراطورة التي كانت تحتفظ هي الاخري بعدد لا يستهان به من الجواري ، ونزولا ً الي كبار المسؤولين ومن بينهم الليمونمو الذي كان يمتلك جاريتين يستبدلهما بأخريين مرة كل سنتين . ورسمت الرواية صورة لبذخ قصور الامبراطور وقصور القريبين منه في مقابل الحالة المزرية التي كانت عليها قطاعات من الناس في بابل . فقد تمت الاشارة الي حالة السجناء الذين كانوا موضع تصدّق الناس عليهم ، الي جانب انتشار المتسولين في شوارع المدينة ، مما يكشف عن اختلال موازين العدالة الاجتماعية آنذاك .
لقد اتسع الفضاء الروائي كثيرا ً وانفتح علي استطالات جانبية ، وظل السرد ينحو منحي ً أفقيا ً في بعض مقاطع الرواية وفصولها لاسيما في المشاهد الروائية التي جسّدت تحوّل دينة الي مُصلحة اجتماعية ترعي المحرومين وتنتشل المتسولين الصغار من حالة التشرد ، ثم وهي تمارس التطبيب والاهتمام بالمستشفيات التي أنشأتها وهو ما كان غائبا ً عن بال سلطة الامبراطورية علي ما يبدو ، الي جانب السرد الأفقي الذي تمثل في زيارة دينة وشمة بصحبة جاريتي الليمونمو الي أسواق بابل وتوقفهن عند حلقات الخطباء في تلك الأسواق . لقد أثقل الامتداد الأفقي للأحداث كاهل الرواية بتفاصيل كان يمكن اختزالها او حتي الاستغناء عنها دون الإخلال بمتانة المبني الروائي . لكن يبدو ان الروائي أراد من خلال اللجوء الي هذا الامتداد أن يضع دينة في موضع التفرد في البطولة لاسيما بعد اغتيال الليمونمو .
غير ان مما يلفت الانتباه ان دينة التي كانت قد انسلخت عن عائلتها وطائفتها ، ما لبثت حين صارت في موقع القوة في بابل ، أن استبد بها الحنين الي أهلها أخوتها وأختها الرابعة التي كانت صغيرة وامها وزوجات ابيها فصارت تبحث عنهم للم شملهم من جديد ، بل اخذت تبحث حتي عن أبيها الذي كانت قد تمردت عليه . وقد مدت يد المساعدة الي أخيها يوسف وحاولت انقاذه من المأزق الذي اوقع نفسه فيه والذي آل به الي نهاية مأساوية في آخر المطاف . وقد يحار المرء في تفسير موقف دينة هذا ، وربما يرده الي قوة تأثير صلة الدم أو الي قوة تاثير حس التعاطف الإنساني والرغبة في مد يد العون للآخرين ومحاولة إصلاحهم وقد يمتلك هذا السبب أولويته لاسيما ان دينة لم تتمادَ في التشبث لإنقاذ يوسف وتركته يواجه مصيره .

المثلية الجنسية
إن الروائي لا يخفي انحيازه للمرأة متمثلة في شخص دينة بشكل خاص ، حيث منحها سلطة وإهلية للقيادة توازي سلطة الرجل وإهليته . وحيث حظيت ثيمة الجنس باهتمام الروائي في عدد من أعماله السابقة وبشكل خاص في روايتي ” زنقة بن بركة ” و” الضالان ” ، فإن هذه الثيمة تجد لها حضورا ً في هذه الرواية أيضا َ . فهو يتوقف هذه المرة ليسلط الضوء علي شيوع ظاهرة المثلية الجنسية بين النساء وهي ظاهرة لم يتوقف عندها من قبل علي ما نزعم . لقد تعرضت دينة لحالة ممارسة من هذا النوع وكانت تشمئز منها في باديء الأمر قبل أن تصبح معتادة عليها ربما بفعل صدمتها من الغياب المفاجيء لزوجها شكيم الذي قضي علي أيدي الشريرين من إخوتها . ففي الفصل الذي يحمل عنوان ” زوجة جندي ” تقودها المصادفة هي واختها شمة الي الحلول في بيت ” بيبي ” وهي زوجة جندي غائب عنها يدفعها حرمانها الجسدي الي التحرش بدينة عندما كانت تتنكرفي زي رجل ، وحين اكتشفت حقيقتها ” أغمضت بيبي عينيها ، ثم همست : تستطيع المرأة أن تعوض الرجل ، فتمتع صديقتها كما يفعل زوجها . قالت ذلك واخذت تداعب وسط دينة ، فأمسكت هذه يدها وابعدتها : رجاءً دعيني أنام .. أكاد أتقيأ ” ( ص 154 ) . لكن اشمئزازها بدأ يتلاشي شيئا ً فشيئا ً عندما تعرفت علي ” بيار ” ، المرأة التي ذبح العبيد زوجها وابنها الصغير في قرية خنان التي احتلوها في ذروة تمردهم علي اسيادهم ، واغتصبها أحدهم أكثر من مرة . فقد حانت لحظة التحول عند دينة ” التفتت نحو اليسار رات بيار ما زالت تنظر اليها بحب . أي جمال ؟ بيضاء . شعر أسود . عينان سوداوان . تقاطيع تنز عسلا ً . بشرة طرية تبدو وكانها انتهت من غسل وجهها قبل ثانية واحدة فقط . كان وجهها محاطا ً بالشعر الأسود هالة جمال جاذبة لا تقاوم . مدت يدها . ربتت برقة علي شعر بيار . عندئذ أمسكت بيار براحتها ، ثم وضعتها علي فمها . فتشربت دينة حرارة قلبها . قبّلت أصابعها واحدا ً واحدا ً وعضت برفق الشاهدة فكتمت دينة ضحكة لذيذة . ثم نهضت بيار قليلا ً وقبّلتها في رقبتها بحرارة ومدت يسراها حول صدرها فشدته اليها . أحست دينة بسعادة عميقة . تنفست بارتياح . أغمضت عينيها . زايلها الاشمئزاز الذي كان يعتريها عندما كانت بيبي تقبّلها . تركت بيار تفعل ما تريد ” ( ص 234 ) . ومن فرط انشداد دينة الي بيار انها دعتها للمجيء اليها في بابل وقد كان لها ذلك فتواصلت حميمية اللقاء الجسدي بينهما هناك الي الحد الذي جعل دينة لاتستمريء الزواج حتي بعد أن ماتت بيار التي ظل اسمها محفورا ً علي جدار المخبأ الذي انتقلت اليه ، وهو المخبأ الذي ورد ذكره في الفصل الاستهلالي للرواية .
لقد استخدم الروائي تاريخ العراق القديم قناعا ً يخبيء تحته فلسفته ورؤيته لأحداث ذلك التاريخ بعين معاصرة ويستلهم تلك الأحداث ويضعها أمام بصر وبصيرة القاريء ويستحضر شخصياتها للتذكير بها وبما حل ببابل في مسعي تحذيري تجلت دلالته في المقطع الأخير من الرواية الذي يصف مغادرة دينة بابل لآخر مرة ، فقد ” طافت هي ومن معها بابل والدموع تملأ عينيها ، فقد كانت ثاني أحب مكان تغادره مكرهة بعد قرية حمّور . حين اقترب فجر اليوم الموعود بدأت القافلة الكبيرة السير ببطء . كان الوقت ربيعا ً أيضاً . وما إن اجتازوا بغداد في طريقهم الي المخبأ حتي سمعوا بزحف الموت والخراب والظلام نحو بابل ” ( ص 594 ) . وهكذ يعود الروائي بقارئه الي بداية الرواية وحديث سارد الفصل الاستهلالي عن المخبأ في ربط ذكي بين الماضي والحاضر . لقد قدّم محمود سعيد عبر روايته هذه رؤية للماضي منظورا ً اليها بعين الحاضر ، مع ما يُحتمل لهذه الرؤية الجريئة أن تكون مثار جدل واسع واعتراض ، لكنه لا يمكن أن ينتقص من قيمة الرواية بأي شكل من الأشكال !

بنات يعقوب : رؤية الماضي بعين الحاضر روائيا ً
2008/12/01
 
 
بنات يعقوب : رؤية الماضي بعين الحاضر روائيا ً
آه من التاريخ كم هو مشاغب ولذيذ

ناطق خلوصي
علي الغلاف الأخير لروايته الجديدة ، أشار الروائي محمود سعيد الي أنه كتب أكثر من عشرين رواية ومجموعة قصصية . ونزعم ان من بين هذا العدد من الروايات والمجموعات القصصية ، احتلت روايه زنقة بن بركة ( التي قال عنها انها مُنِعت من النشر في العراق سنة 1970 ثم فازت بجائزة وزارة الإعلام العراقية سنة 1993 ) ، موقع الصدارة من حيث الأهمية وحجم الاهتمام بها . فقد حظيت بإعجاب عام وقبول نقدي ايجابي متواتر منذ صدورها في طبعتها الأولي عام 1993 حتي الآن ، لما تتوافر عليه من بناء سردي متميز وثيمة اجتماعية / سياسية هادفة ولغة قص معبّرة ، الي جانب توفر عنصر التشويق فيها . وتأتي روايته الجديدة بنات يعقوب لتصطف الي جانبها في موقع الصدارة وتمثـّل معها إضافة نوعية للمعطي السردي العراقي والعربي معا ً ( وقد رشحت دار النشر فضاءات ذه الرواية لجائزة بوكر العربية في الرواية في دورتها الثانية ) .
تقع هذه الرواية ، التي صدرت مؤخرا ً ، في ما يقرب من ستمئة صفحة من القطع الكبير تتوزع علي واحد وخمسين فصلا قصيرا ً ً ( إذا ما استثنينا الفصل الأول ) ، يحمل كل منها عنوانا ً خاصا ً به . الفصل الأول فيها يحمل عنوان ” إقرأ ” وهو فصل سردي طويل بعض الشيء قياسا ً بفصول الرواية الأخري ، ينطوي علي حبكة روائية مستقلة تبدو باديء الأمر كانها تأسست وتطورت بمعزل عن متن الرواية الأم . فالسارد فيها ( وهو الكاتب هنا ) ينتمي الي الحاضر ، والأحداث فيها معاصرة ، بخلاف الفصول الأخري التي تنتمي أحداثها الي الماضي : ماضي العراق القديم علي وجه التحديد .
يعود بنا الفصل الأول الي حرب الخليج عام 1991 ، حيث رصدت طائرات الاستطلاع الأمريكية ( في حدث كشفت الستار عنه مجلة ” TODAY NEWS ” التي تصدر في واشنطن العاصمة ) ، خمس سيارات مدنية متجهة من بغداد الي الموصل وهي تقل ضباطا ً عراقيين يحملون وثائق هامة ، فكمنت قوة من الكوماندس الأمريكيين للسيارت قرب جبل حمرين ، بهدف اقتناصها بمن فيها وما فيها . غير ان الضباط العراقييبن اكتشفوا الكمين فدمروا السيارات الخمس بما فيها بعد أن رموا قنابل يدوية في دائرة حولهم للتعتيم علي عملية انسحابهم وبدأوا يطلقون الرصاص من أماكن غير مرئية مما أربك رجال الكوماندس وأصاب مقتلاً من معظمهم ، ثم اختفي الضباط وكأن الأرض انشقت من تحتهم وخبأتهم هناك .
لقد كان المخبأ السري الذي يعرف الضباط العراقيون موقعه والقريب من الشرقاط ، هو ملاذهم الآمن الذي عجزت القوات الأمريكية عن الوصول اليه آنذاك . وكان السارد قد قرأ التقرير الذي نشرته المجلة فأثار اهتمامه وقرر الذهاب الي موقع المخبأ ولجأ الي ضابط كبير متقاعد من الجيش العراقي السابق وهو صديق قديم له من أهالي الشرقاط ، واستطاع الحصول علي عنوان بيته في بغداد والوصول اليه وإقناعه بالذهاب معه الي حيث موقع المخبأ السري . وبعد رحلة لا تخلو من متاعب ، وصلوا الي هناك فوجدوه أطلالا ً بعد أن كانت القوات الأمريكية قد اهتدت اليه ودمرته . وتقود المصادفة التي اعتمدتها الرواية أحيانا ً ، الي أن يكون إبن الضابط صديق السارد مختصا ً بالآثار ويحتفظ بعدد كبير من الصور التي كان قد التقطها للمخبأ قيل تدميره ، ويحتفظ أيضا ً بدفتر دوّن فيه ملاحظاته ونقل نصا ً كان موجودا ً علي أحد الجدران ( في تداخل واضح بين الواقع والخيال يخترق عملية السرد ) وقد غطي الصفحة الأخيرة من هذا الفصل ، واضعا ً بيد الروائي في الوقت نفسه مفتاحا ً لكشف لغز المخبأ التاريخي . يعود تاريخ هذا النص الي أكثر من ألفين وخمسمئة سنة ويقول : ” إقرأ أنت ذو البصيرة والمعرفة والقلم ، إقرا لتعلم من أنا ومن نحن . أنا دينة إبنة الإنسان سأبقي هنا علي الحجر الي أبد الآبدين . سأخاطب عقل وقلب الكائن الحي الذي لا يموت بموت الجسد . سأقول لكل حي أن لا ييأس إن كان له أب وأجداد مجرمون كأبي وأجدادي ، عليه أن يختار عائلته بنفسه وأن يختار الإنسان الخيّر حتي لو كان غريبا ً…… ” ( ص 42 ) ، في إشارة إدانة الي سلوك ومواقف الذين كانت تنتمي اليهم قبل انسلاخها عنهم عائليا ً وسلوكيا ً ( كما سيتضح في متن الرواية ) . ويورد النص أسماء شخصيات سيكون لها دور مؤثر في سياق أحداث المتن الروائي ، وستكون شخصية دينة الشخصية المحورية في الرواية وسيصبح هذا النص صلة الوصل بين أحداث الفصل الاستهلالي وأحداث المتن وفاتحة الدخول الي عالم محمود سعيد الروائي في هذه الرواية التي ينتقل فيها بنا الي زمن بابل وامبراطورها نبوخذ نصر وسنوات حكمه في ظل شريعة حمورابي ، فنطل علي الجنائن المعلقة ونشهد مسيرة السبي البابلي الذي تعرض له العبريون آنذاك . إن الرواية تقدم عرضا ً تاريخيا ً يبدو محرّفا ً ومحكوما ً بحس عاطفي ــ تعاطفي مع أو ضد هذا الجانب أو ذاك ضمن منظومة المفصل التاريخي الذي تناوله الروائي .

فرز أخلاقي
ينفتح المتن الروائي علي عملية فرز أخلاقي بين جناحين متضادين من أبناء يعقوب ( إخوة يوسف ) ، تخلّقَ الأول ( ويمثل الأغلبية ) بأخلاق الشر والجشع والنزوع الدموي والسقوط الأخلاقي الي الحد الذي جعل أفراده يستمرئون قظم فاكهة زوجات أبيهم المحرّمة تحت جنح الظلام ، ربما من وراء ظهرأبيهم أو بعلمه وسكوته عن ذلك ، برضا الزوجات أو بقسرهن علي القبول بذلك ، في حين كان الجناح الثاني ــ ومن ضمنه يوسف نفسه في مطلع شبابه ــ يقف علي الضد من الجناح الأول تماما ً .
كان يعقوب يتنقل بأسرته الكبيرة وماشيته من مكان في بلاد كنعان الي مكان آخر سعيا ً وراء الكلأ ، وقد حلّ في زمن الأحداث التي تتعرض لها الرواية في قرية يسكنها حمّور الذي سيصبح احدي شخصيات الرواية الثانوية ثم يتم سحبه من مجري الأحداث علي نحو سريع ، وقد آوي يعقوب وأحسن اليه وساعده ووفر الحماية له ولأسرته وماشيته ، ليقابله يعقوب والجناح الشرير من أبنائه بالسوء وقد وضعوا أعين جشعهم علي ما يملك ، وبدأوا يخططون للتخلص منه لهذا الغرض ( وكأن الروائي أراد أن يلقي الضوء علي النزوع الشرير المتأصل في الطائفة التي يمثلها يعقوب ) . غير ان نقطة التحول الأولي في الرواية تمثلت في تعرّف أولاد حمّور الثلاثة علي بنات يعقوب الثلاث ، لتمتد بين الطرفين أواصر علاقة تطورت علي نحو سريع لتبلغ مستوي الارتباط العاطفي الحميم الذي انتهي بالزواج . لكن آصرة الزواج تلك لم تشفع لحمّور وأولاده الذين كانوا قد أبدوا اهتماما ً استثنائيا ً ببنات يعقوب ودربوهن ، من بين ما دربوهن عليه ، علي الفروسية وفنون الدفاع عن النفس ( وهو ما مكّن دينة من حماية نفسها وأختها في طريق رحلتهما الي بابل ) . وقد دبر يعقوب والجناح الشرير من أولاده مكيدة لحمّور انتهت بتصفيته جسديا ً هو وكل اسرته والاستحواذ علي جميع ما يملك .
لقد أحدث هذا الفعل منعطفا ً حاسما ً في مسار أحداث الرواية تمثـّل في عملية انسلاخ احتجاجي من الأسرة ومن الطائفة معا ً قامت بها بنات يعقوب الثلاث : دينة وشمة وبسمة ، زوجات ابناء حمّور المغدورين . وشكّل هذا المنعطف نقطة الارتكاز التي وضع عليها محمود سعيد أساس مبناه الروائي الذي مرّر من خلاله رؤيته الفكرية التي قد يجد من لا يتفق معه في جوانب منها . فقد اجترحت مخيلته أحداثا ً وشخصيات جسّدها في صور تتقاطع مع صور الرؤية الدينية والتاريخية لهذه الأحداث والشخصيات ، في عملية تحدٍ للتاريخ الذي يقول عنه وهو يقدم لروايته :
آه من التاريخ !
كم هو جميل ولذيذ
مشاغب ومربك !
سيف ذو حدين : هدي ً وتضليل !
ووفق هذه الرؤية ابتكر مرجعيته الخاصة التي تغذي مخيلته ، مستندا ً علي حق الكاتب الروائي في توظيف الخيال لبناء أحداثه ورسم شخصياته أو إعادة تشكيلها وفق رؤيته هو وليس في صورتها التاريخية ، مبتعدا ً في ذلك عن موقع المؤرخ ، فكان أن قدّم شخصية يوسف في صورتين تمثل كل منهما مرحلة ً من مراحل حياته حسب ما أملته عليه مخيلته . في الأولي منهما كان يوسف بين أسرته وهو موضع اهتمام امه راحيل وموضع حسد وحقد الجناح الشرير من أخوته لتميزه عنهم شكلا ًمما دفعهم الي إيذائه والتخلص منه ببيعه الي احدي القوافل المارة ( وهو ما يتناغم مع الرواية التاريخية والدينية للحدث ) ، أما في الثانية فقد ظهر في بابل وقد تحول الي الضد مما كان قد ظهر عليه في المرحلة الأولي وهو ما يتقاطع مع الرواية التاريخية والدينية للحدث
لقد كرّس الروائي جزءً كبيرا ً من المتن لبنات يعقوب وخصهن بعنوان روايته ( الذي استعاره من الموروث العبري مثلما اعتمد ” سفر التكوين ” مصدرا ً من مصادر الرواية واستلهم منه بعض أحداثها واستعارأسماء عدد من شخصياتها مثل يعقوب ودينة وحمّور وشكيم ويوسف وراحيل ، وغيرها ) . لقد فعل ذلك بعد أن أنهي دور يعقوب وكاد ينهي دور أولاده . وقد وضع دينة ، كبري البنات ، موضع البطولة ، في عملية نمذجة للشخصية النسائية ، ومنحها سمات تؤهلها لأن تكون في موقع متميز ، وهي تصحب أختيها شمة وبسمة في الرحلة الي بابل بعد عملية الانسلاخ عن العائلة والطائفة التي مارسنها ، وكانت رحلة عسيرة محفوفة بالمخاطر تجلت فيها سمات البطولة الحقيقية في دينة لاسيما وهي تقود اختها شمة عبر الصحراء بعد أن فقدتا أختهما بسمة التي غرقت وهن يحاولن عبور الفرات . فلم تكن هي ولا أختها تعرف معالم الطريق الي بابل وكانتا تنكرتا في زي رجالي لم يفلح في إخفاء معالم أنوثتهما تماما ً . قادها هي وأختها أحد مقاطع الطريق للتوقف عند خيمة راع ٍ اسمه شداد قال انه شاعر يعيش وحيدا ً في ذلك المكان بعد أن فقد اسرته عند تعرضه الي حادث سطو ، وكان يعيش علي ذكري أسرته ، وقد آواهما في تلك الليلة وتنبا لدينة ، وقد اكتشف حقيقتهما هي وأختها ، بمستقبل واعد : ” أنت عاقلة ، قوية ، سترين ما لم يره إنسان وستعيشين طويلا ً ، طويلا ً ، وستنقذين الكثير ” ( ص 142 ). ومنحتها تلك النبوءة ثقة مضافة بالنفس ، زادها قول أحد الشوافين ( العرافين ) في مدينة بابل : ” ستنالين كل ما تصبين اليه في حياتك وستعمرين ” ( ص 333 ) .

الموروث العبري
لقد اعتمد الروائي اسلوب السرد السينمائي وهو يصف أحداث رحلة دينة واختها وصولاً الي مدينة بابل . فقد بدا كأنه يرصد الأمكنة وتفاصيلها بعدسة كاميرا سينمائية شديدة الحساسية حتي بدا لمن يقرأ هذا الجزء من الرواية انه ازاء سيناريو فيلم سينمائي يتحرك علي الورق . فقد كانت عين السارد تقتنص كل تفصيل وترصده رصدا ً دقيقا ً وتربطه بمجاوره في تجانس واضح وصولا ً الي بناء المشهد الروائي ، وكأن الروائي قام شخصيا ً برحلة الي الأماكن التي وصفها وتعرّف علي التفاصيل المكانية والبيئية فيها . وتشكّل رحلة الوصول الي بابل الجزء التمهيدي للأحداث اللاحقة التي تختلف عن سابقتها . ففي مقابل العناء الذي كابدته دينة وشمة خلال الرحلة ، وجدتا في بابل ما عوضهما عن ذلك العناء ، لكن ثمة شخصية دخلت مجري الأحداث دخولا ً مؤثرا ً وصارت تنافس دينة علي موقع البطولة ، غير أنه كان تنافسا ً عفويا ً . وتمثلت هذه الشخصية في ” الليمونمو ” قريب دينة وشمة الذي كان أشهر مهندسي بابل وهو الذي وضع تصميم الجنائن المعلقة وغيرها من المشاريع الكبيرة . ولم يكن ظهور هذه الشخصية في هذا المفصل من أحداث الرواية طارئا ً ، فقد كان له حضور في مدخل المتن أيضا ً، لكنه كان حضورا ً عابرا ً آنذاك . لقد تألق نجم الليمونمو وصار صاحب حظوة كبيرة لدي نبوخذ نصر قبل أن يلقي مصرعه علي أيدي العبريين الذين كان أنشأ لهم حيّا ً خاصا ً بهم في بابل ، في موقف يشي بنكران الجميل لدي هؤلاء . وتتوقف الرواية عند موضوعة السبي البابلي وتؤكد وقوعها تاريخيا ً ، السبي الذي يردّ الروائي اليه سبب انهيار الامبراطورية البابلية في عملية إسقاط للماضي علي الحاضر .
ولقد توقفت الرواية عند مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية في بابل ابان حكم نبوخذ نصر، وألقت الضوء علي ظاهرة الفقر وشيوع الفساد الاداري في ظل نظام حاكم صارم وسيادة شريعة حمورابي المفترضة ، وكأن الرواية هدفت الي تتبع الجذور التاريخية للفساد الاداري والمالي ، مع التوقف عند ظاهرة العبودية وامتهان كرامة الإنسان وردود الأفعال علي ذلك الإمتهان . فقد قاد اضطهاد السادة لعبيدهم الي تمرد هؤلاء علي أسيادهم ولجوئهم الي العنف واحتلال احدي القري وقتل رجالها واغتصاب نسائها انتقاما ً من أسيادهم وتعبيرا ً عن احتجاجهم علي الاضطهاد الطبقي . والي جانب ذلك توقفت الرواية عند ظاهرة استغلال الجواري والمحظيات لدي شخصيات من أعلي المستويات في الدولة بدءا ً من الامبراطور الذي كان يحتفظ بمئات الجواري ( وقد ابتني لهن قصرا ً خاصا ً يحمل تسمية ” قصر الجواري ” ) مرورا ً بالامبراطورة التي كانت تحتفظ هي الاخري بعدد لا يستهان به من الجواري ، ونزولا ً الي كبار المسؤولين ومن بينهم الليمونمو الذي كان يمتلك جاريتين يستبدلهما بأخريين مرة كل سنتين . ورسمت الرواية صورة لبذخ قصور الامبراطور وقصور القريبين منه في مقابل الحالة المزرية التي كانت عليها قطاعات من الناس في بابل . فقد تمت الاشارة الي حالة السجناء الذين كانوا موضع تصدّق الناس عليهم ، الي جانب انتشار المتسولين في شوارع المدينة ، مما يكشف عن اختلال موازين العدالة الاجتماعية آنذاك .
لقد اتسع الفضاء الروائي كثيرا ً وانفتح علي استطالات جانبية ، وظل السرد ينحو منحي ً أفقيا ً في بعض مقاطع الرواية وفصولها لاسيما في المشاهد الروائية التي جسّدت تحوّل دينة الي مُصلحة اجتماعية ترعي المحرومين وتنتشل المتسولين الصغار من حالة التشرد ، ثم وهي تمارس التطبيب والاهتمام بالمستشفيات التي أنشأتها وهو ما كان غائبا ً عن بال سلطة الامبراطورية علي ما يبدو ، الي جانب السرد الأفقي الذي تمثل في زيارة دينة وشمة بصحبة جاريتي الليمونمو الي أسواق بابل وتوقفهن عند حلقات الخطباء في تلك الأسواق . لقد أثقل الامتداد الأفقي للأحداث كاهل الرواية بتفاصيل كان يمكن اختزالها او حتي الاستغناء عنها دون الإخلال بمتانة المبني الروائي . لكن يبدو ان الروائي أراد من خلال اللجوء الي هذا الامتداد أن يضع دينة في موضع التفرد في البطولة لاسيما بعد اغتيال الليمونمو .
غير ان مما يلفت الانتباه ان دينة التي كانت قد انسلخت عن عائلتها وطائفتها ، ما لبثت حين صارت في موقع القوة في بابل ، أن استبد بها الحنين الي أهلها أخوتها وأختها الرابعة التي كانت صغيرة وامها وزوجات ابيها فصارت تبحث عنهم للم شملهم من جديد ، بل اخذت تبحث حتي عن أبيها الذي كانت قد تمردت عليه . وقد مدت يد المساعدة الي أخيها يوسف وحاولت انقاذه من المأزق الذي اوقع نفسه فيه والذي آل به الي نهاية مأساوية في آخر المطاف . وقد يحار المرء في تفسير موقف دينة هذا ، وربما يرده الي قوة تأثير صلة الدم أو الي قوة تاثير حس التعاطف الإنساني والرغبة في مد يد العون للآخرين ومحاولة إصلاحهم وقد يمتلك هذا السبب أولويته لاسيما ان دينة لم تتمادَ في التشبث لإنقاذ يوسف وتركته يواجه مصيره .

المثلية الجنسية
إن الروائي لا يخفي انحيازه للمرأة متمثلة في شخص دينة بشكل خاص ، حيث منحها سلطة وإهلية للقيادة توازي سلطة الرجل وإهليته . وحيث حظيت ثيمة الجنس باهتمام الروائي في عدد من أعماله السابقة وبشكل خاص في روايتي ” زنقة بن بركة ” و” الضالان ” ، فإن هذه الثيمة تجد لها حضورا ً في هذه الرواية أيضا َ . فهو يتوقف هذه المرة ليسلط الضوء علي شيوع ظاهرة المثلية الجنسية بين النساء وهي ظاهرة لم يتوقف عندها من قبل علي ما نزعم . لقد تعرضت دينة لحالة ممارسة من هذا النوع وكانت تشمئز منها في باديء الأمر قبل أن تصبح معتادة عليها ربما بفعل صدمتها من الغياب المفاجيء لزوجها شكيم الذي قضي علي أيدي الشريرين من إخوتها . ففي الفصل الذي يحمل عنوان ” زوجة جندي ” تقودها المصادفة هي واختها شمة الي الحلول في بيت ” بيبي ” وهي زوجة جندي غائب عنها يدفعها حرمانها الجسدي الي التحرش بدينة عندما كانت تتنكرفي زي رجل ، وحين اكتشفت حقيقتها ” أغمضت بيبي عينيها ، ثم همست : تستطيع المرأة أن تعوض الرجل ، فتمتع صديقتها كما يفعل زوجها . قالت ذلك واخذت تداعب وسط دينة ، فأمسكت هذه يدها وابعدتها : رجاءً دعيني أنام .. أكاد أتقيأ ” ( ص 154 ) . لكن اشمئزازها بدأ يتلاشي شيئا ً فشيئا ً عندما تعرفت علي ” بيار ” ، المرأة التي ذبح العبيد زوجها وابنها الصغير في قرية خنان التي احتلوها في ذروة تمردهم علي اسيادهم ، واغتصبها أحدهم أكثر من مرة . فقد حانت لحظة التحول عند دينة ” التفتت نحو اليسار رات بيار ما زالت تنظر اليها بحب . أي جمال ؟ بيضاء . شعر أسود . عينان سوداوان . تقاطيع تنز عسلا ً . بشرة طرية تبدو وكانها انتهت من غسل وجهها قبل ثانية واحدة فقط . كان وجهها محاطا ً بالشعر الأسود هالة جمال جاذبة لا تقاوم . مدت يدها . ربتت برقة علي شعر بيار . عندئذ أمسكت بيار براحتها ، ثم وضعتها علي فمها . فتشربت دينة حرارة قلبها . قبّلت أصابعها واحدا ً واحدا ً وعضت برفق الشاهدة فكتمت دينة ضحكة لذيذة . ثم نهضت بيار قليلا ً وقبّلتها في رقبتها بحرارة ومدت يسراها حول صدرها فشدته اليها . أحست دينة بسعادة عميقة . تنفست بارتياح . أغمضت عينيها . زايلها الاشمئزاز الذي كان يعتريها عندما كانت بيبي تقبّلها . تركت بيار تفعل ما تريد ” ( ص 234 ) . ومن فرط انشداد دينة الي بيار انها دعتها للمجيء اليها في بابل وقد كان لها ذلك فتواصلت حميمية اللقاء الجسدي بينهما هناك الي الحد الذي جعل دينة لاتستمريء الزواج حتي بعد أن ماتت بيار التي ظل اسمها محفورا ً علي جدار المخبأ الذي انتقلت اليه ، وهو المخبأ الذي ورد ذكره في الفصل الاستهلالي للرواية .
لقد استخدم الروائي تاريخ العراق القديم قناعا ً يخبيء تحته فلسفته ورؤيته لأحداث ذلك التاريخ بعين معاصرة ويستلهم تلك الأحداث ويضعها أمام بصر وبصيرة القاريء ويستحضر شخصياتها للتذكير بها وبما حل ببابل في مسعي تحذيري تجلت دلالته في المقطع الأخير من الرواية الذي يصف مغادرة دينة بابل لآخر مرة ، فقد ” طافت هي ومن معها بابل والدموع تملأ عينيها ، فقد كانت ثاني أحب مكان تغادره مكرهة بعد قرية حمّور . حين اقترب فجر اليوم الموعود بدأت القافلة الكبيرة السير ببطء . كان الوقت ربيعا ً أيضاً . وما إن اجتازوا بغداد في طريقهم الي المخبأ حتي سمعوا بزحف الموت والخراب والظلام نحو بابل ” ( ص 594 ) . وهكذ يعود الروائي بقارئه الي بداية الرواية وحديث سارد الفصل الاستهلالي عن المخبأ في ربط ذكي بين الماضي والحاضر . لقد قدّم محمود سعيد عبر روايته هذه رؤية للماضي منظورا ً اليها بعين الحاضر ، مع ما يُحتمل لهذه الرؤية الجريئة أن تكون مثار جدل واسع واعتراض ، لكنه لا يمكن أن ينتقص من قيمة الرواية بأي شكل من الأشكال !

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s