“الدنيا في أعين الملائكة”

رواية من أجل استعادة الجمال المفقود

                              فاطمة بوزيان

 تتخذ الرواية لنفسها ألف وجه وترتدي في هيئتها ألف رداء وتتشكل أمام القارىء بأشكال مختلفة لكنها تظل عالما سحريا جميلا  بشخصياتها وأزمانها وأحيائها وأحداثها وما يكتنف ذلك كله من خصيب الخيال وبديع الجمال ، وسواء كانت  رواية تاريخية  تؤرخ لمرحلة ما أو كانت سيرة ذاتية ،أو كانت كل ذلك  فهي لاشك  تمتح من الواقع والخيال ، وهي أيضا عالم شديد التعقيد، متناهي التركيب متداخل الأصول  وبسبب سحر جمالها احتلت الرواية في النصف الثاني من القرن العشرين  صدارة المشهد حتى قيل الرواية ديوان العرب، حيث لا نلقى جنسا أدبيا أحظى  لدى القراء بالقراءة والمتابعة والنقد كجنس الرواية،  وكثيرا من الإبداعات الروائية  تحول إلى السينما يشاهدها ملايين  النظارة  في معظم أقطار العالم (1) ورغم أ ن الرواية المصرية خاصة روايات نجيب محفوظ احتلت صدارة  المشهد الروائي العربي  غير أن الباحث لا يعدم أن يجد روايات متميزة لروائيين كبار في كل البلاد العربية   فعلى سبيل المثال ثمة أسماء متميزة في العراق مثل فؤاد التكرلي ، مهدي عيسى الصقر، و محمود سعيد الذي سنخصص هذه الدراسة لروايته الدنيا في أعين الملائكة.

إضاء ة حول المؤلف محمود سعيد
 رغم أن التعريف بالكاتب مهمة التراجم والبيلوغرافيات إلا أن ما يبرر هذه الإضاءة هو  الخصوصية التي تميز سيرة الكاتب ومسير ته وتنوع المجالات التي يكتب فبها بين المقال والقصة والرواية ،وبين الأدب الموجه  للصغار والأدب الموجه للكبار،  فمن خلال تتبع مسيرة الكاتب الإبداعية يتبين أنه بدأ حرفة الأدب قاصا حيث نشر   سنة 1956 قصة البندقية المشئومة  وفي سنة 1957  نشر في بغداد مجموعة قصصية بعنوان بورسعيد وقصص أخرى  ثم سرعان ما تحول إلى الرواية حيث نشر سنة 1968 الإيقاع والهاجس وفي سنة 1970 روايته المتميزة زنقة بن بركة  التي حازت جائزة الإعلام في العراق ولقيت اهتماما كبيرا من طرف النقاد ،ثم رواية  أنا الذي رأى، ثم رواية هل انتهت الحرب، أو نهاية النهار، بعد ذلك أصدر محمود سعيد عدة مجاميع قصصية ليعود إلى إصدار رواية الموت الجميل سنة 1998  ثم رواية قبل الحب بعد الحب سنة1999،  بعدها رواية الضالان وفي سنة 2006 رواية الدنيا في أعين الملائكة .
  الإطلاع على سيرة محمود سعيد تستوجب الوقوف عند عدة إشارات:
أولا: أن مؤلفات محمود سعيد كانت دائما عرضة للمنع والرقابة والحذف والإتلاف مثل رواية: قضية قديمة. التي صدرت عن إتحاد الأدباء العراقيين ثم أتلفت بعد انقلاب سنة 1963 بسب مواقفه السياسية وتعرضه للاعتقال أكثر من مرة.
ثانيا: إن بعض مؤلفاته ضاعت بعد حريق المكتبة الوطنية إثر الغزو الأمريكي للعراق  في سنة 2003
ثالثا :  صرح الكاتب بفقدانه مخطوطات أربع روايات  بسبب عدم استقراره في العراق.
رابعا: بسبب مواقفه السياسية نشر محمود سعيد الكثير من الأعمال الادبية والمقالات بأسماء مستعارة مثل رواية أنا الذي رأى. التي  نشرت سنة 1995  عن دار المدى سوريا باسم مصطفى علي نعمان.
 خامسا : رغم افتتان  الكاتب بالرواية إلا أن إهتمامه بجنس القصة مترسخ لديه مما يؤشر على أن القصة بالنسبة للكاتب لم تكن جسرا فقط للنشر أو قنطرة  للعبور  إلى كتا بة  الرواية
  يقيم محمود سعيد حاليا في شيكاغو ويمارس الكتابة بشكل احترافي يومي وهذا واضح من توالي إصداراته سنة بعد أخرى ،وانتظامه في النشر رغم ظروف اغترابه وقد ترجمت الكثير من أعمال الكاتب إلى الإنجليزية والإيطالية، ومن خلال تتبع كتابات محمود سعيد على الشبكة العنبكوتية يتضح انفتاحه على العالم الرقمي  ورغبته في الاستفادة من مزايا النشر الالكتروني أيضا مثل نشر قصصه في موقع أمزون
AMAZON
 يقول عنه الروائي عبد الفتاح صبري: محمود سعيد كاتب عراقي يرحل في إثره الوطن أينما حلّ على أرصفة الغربة.

إضاءة حول الدنيا في أعين الملائكة
   صدرت رواية “الدنيا  في أعين  الملائكة “عن دار النشر ميريت سنة 2006 ،في كتاب من القطع المتوسط و تمتد  الرواية على حيز  314 صفحة ، تتكون من ثمانية عشر فصلا  تحمل على التوالي العناوين التالية: سلم، الغادة الفاتنة مادلين ، ماري وجميل ،الحب مرة أخرى، شفق مريم فخر الدين، شعاع ،نور،حمو وسامية جمال، لازم  الحب  المظاهرة، القصاب فاروق، غصوب وغضبان، حاجم وسبيكة والحب في ليل طويل، الملا الكتاب، ست خديجة والجزرة، الانقلاب الأهم ،الشهدي ملاذ الخائفين أسف
عتبات الرواية
     تشكل العتبات بنية خارجية مباشرة ومؤطرة للعمل الإبداعي تشي منذ البداية بالمناخ العام للكتاب وتجنيسه ، ولقد سبق لجيرار جونيت  في دراسته عن العتبات أن حدد جملة من الضوابط كأسماء المؤلفين، المقدمات، العناوين ، الاهداءات،، والعتبات  ملحقات تساعدنا على فهم خصوصية النص الأدبي، وتحديد مقاصده الدلالية والتداولية ودراسة العلاقة الموجودة بينها وبين العمل. وهي محفل نصي قادر على إنتاج المعنى وتشكيل الدلالة من خلال عملية التفاعل النصي. لذا فللعتبات الدور التواصلي الهام الذي تلعبه في توجيه القراءة، ورسم خطوطها الكبرى، لدرجة  يمكن معها اعتبار كل قراءة للرواية دونها بمثابة دراسة قيصرية إختزالية من شأنها إلحاق ضرر كبير بالنص، وتشويه أبعاده ومراميه ،للعتبات  إذن وظيفة جمالية تتمثل في تزيين الكتاب وتنميقه، ووظيفة تداولية تكمن في استقطاب القارئ واستغوائه. (2) من هنا اعتنى محمود سعيد بعتبات روايته بحيث تواجهنا في أعلى الغلاف كلمة: رواية التي تؤشر على جنس المتن وتميزه عن باقي الأجناس السردية   ثم عنوان” الدنيا في أعين الملائكة” ثم لوحة الغلاف بريشة أحمد خالد وكلمة الكاتب في تصدير الرواية، وبين كل هذه العناصر الكثير من التآلف والتناسق من أجل تحقيق قصدية معينة،  تتوضح لنا كلما أوغلنا في قراءة المتن  الذي يعمل على تأكيدها وتوليدها  .

عنوان الرواية :
  إن العنوان هو الذي يوجه قراءة الرواية، ويغتني بدوره بمعان جديدة بمقدار ما تتوضح دلالات الرواية، فهو المفتاح الذي به تحل ألغاز الأحداث وإيقاع نسقها الدرامي وتوترها السردي، علاوة على مدى أهميته في استخلاص البنية الدلالية للنص، وتحديد تيمات الخطاب وإضاءة النصوص بها.  فهو كما كتب كلود دوشيه CLAUDE DUCHET” عنصر من النص الكلي الذي يستبقه ويستذكره في آن، بما أنه حاضر في البدء، وخلال السرد الذي يدشنه، يعمل كأداة وصل وتعديل للقراءة”. (3) ومن ثم فإن عنوان “الدنيا في أعين الملائكة” قد يجسد المدخل النظري إلى العالم الذي يسميه، إنه جملة مكثفة تثير الكثير من الأسئلة وفيها جمع بين عالمين متوازيين لا يلتقيان: عالم الدنيا كعالم أرضي موسوم بالتناقض والصراع وعالم الملائكة كعالم علوي موسوم بداية بالسمو والمثالية، عالم الدنيا المعلوم وعالم الملائكة المجهول، والملائكة في الرواية  حسبما يتضح من المتن  كناية عن الأطفال، تقول سمية في رسالتها إلى محمود :” تزوج سترزق بفتاة تشبهني ستراني في عينيها ستراني في أعين الأطفال كلهم ،كنا ملائكة وكانت الحياة في أعيننا أجمل من الجنة “، وهذ ا التركيز على الطفولة والجمع بين الضدين سيتكرر في لوحة الغلاف حيث يلتبس فيها التجريدي مع الواقعي :”النصف الأعلى لرضيع عار تتلقفه أنامل بنفسجية وينتشر على الجانبين اخضرار متدرج ،الحيز الذي يعلو رأس الرضيع تتوزع فيه دوائر تتدرج من الأكبر إلى الأصغر حتى التلاشي، اتخذ الرضيع وضع جانبي كأنه مستند على يده أو كأنه يخفي عيناه المغمضتان، لاشك أن اللوحة تحتمل عدة قراءات متعددة  إنما قد يكون الرضيع مجاز الملاك والدوائر مجاز البراءة التي تغادرنا حلقة حلقة، ولعل الأنامل  البنفسجية إحالة على الدنيا و يدعم  هذه التأويلات مضامين الرواية والعبارة التي افتتح به الكاتب روايته في تصدير الرواية :
 “يولد الطفل ملاكا ثم يتشيطن يوما بعد يوم حتى إذا غادر الدنيا غادرها وهو شيطان صغير”
 وهو تصدير يلمح إلى ما سيأتي في المتن، ويحدد هوية الملائكة كصفة مستعارة لكائنات من دنيانا ،إذن م اهي الدنيا التي يتحدث عنها محمود سعيد في هذه الرواية؟ وماهي ملائكة هذا المتن الروائي ؟

النسق السردي في الرواية وشخوصها :
    النسق السردي في الرواية يأخذ شكل سرد خارجي تطابقي، يسرد فيها السارد تفاصيل من طفولته بضمير المتكلم، وسرد خارجي عن الآخر بضمير الغائب ، في فصول يقود فيها عملية السرد سارد محوري هو محمود الذي يأخذ شكل شخصية جاهزة تحكي عن الذي كانه في طفولته بالموصل، من خلال رسم بورتريهات مستقلة لمجموعة من الشخصيات وأحيانا يرسم البورتريه لمراحل معينة من تلك الطفولة: مرحلة الكتاب / مرحلة المدرسة ، من هنا لا يأخذ السرد خطية: بداية وسط نهاية، إذ يمكن التلاعب بالفصول دون أن يتمزق الخيط الرفيع الذي بلم شتات الفصول.

 الشخصية المحورية  في الرواية:
  هو السارد نفسه اسمه محمود نصادفه في كل الفصول يظهر في بعض الفصول كشخصية رئيسية: الملا “الكتاب”، ست خديجة والجزرة، وفي فصول أخرى كشخصية ثانوية: مثل فصل حمو وسامية جمال ، أو دور شاهد على الإحداث في فصل: حاجم وسبيكة والحب في ليل طويل ،أو فصل: مادلين الفاتنة. نتعرف في كل فصل إلى جزء منه حتى إذا انتهت الرواية تكون في ذهن القارىء صورة محمود وسيكولوجيته، فهو في الفصل الأول المعنون بـ:” سلم” طفل في التاسعة من عمره  يدرس في الكتاب، ويعمل مساعداً لأحمد المكلوب الذي سنعرف لاحقا انه شقيقه   في دكان لبيع القماش، يأخذ الأثواب منه إلى منزل مادلين الخياطة وفي الطريق سيتعرف إلى سلم الفتاة الرقيقة والفقيرة، فتنبت بينهما صداقة حميمة لكنها فجأة تختفي هي وأمها المريضة قبل أن يهديها ثوب العيد الذي ضحى كثيرا لأجل إحضاره لها، رقة سلم وفقرها واختفاءها المفاجىء سيخلف في نفس محمود إحساساً مريراً بالخيبة والأسف وسيخصص الكاتب الفصل الأخير الذي يحمل عنوان أسف  للحديث عنه حيث يقول محمود:” من أهم الأمور التي آسف لها إلى حد الآن شيئان :
أولا إنني لم أستطع مساعدة سلم وأمها، وأعزو ذلك إلى غبائي الشديد فلو كنت ذكياً بما فيه الكفاية لنقلت أخبارها إلى أبي في اليوم الأول، وهو طبعا هنا كان يعول على والده لمساعدة سلم وأمها، وأسف محمود نابع من رهافة مشاعره وقدرته على ممارسة النقد الذاتي وبعد نظره، فهو يتوقع أن سلم لابد وأنها تعرضت لمصير سيء في بلد يخلو من الرعاية الاجتماعية. سيتضح لنا من الفصول المتعاقبة أن محمود شخصية  محبوبة من طرف الجميع ذكورا وإناثا، أحبته الطفلة اليهودية سميّة ومادلين المسيحية وأسرتها، مثلما أحبته مدرسته الست خديجة وأحبه الطفل اليهودي سامي بسبب اجتهاده في المدرسة وانتصاره للحق واستعداده لتقديم المساعدة، يركّز الكاتب على طفولة محمود في سوق” العتمة ي” أما باقي أخبار محمود سنعرفها فقط من جمل مقتضبة يستلزمها السياق مثل: زواجه وسفره إلى المغرب وتعرضه إلى الاعتقال ،وهو إجمالا شخصية خجولة لامحة لها ملامح ملائكية.
 
الشخصيات  الرئيسية
          اهتم محمود سعيد بالشخصيات اهتماما خاصا ورسم لكل شخصية بورتريها في فصل مستقل، كأنه أراد أن يحقق بيوغرافيات متعددة حتى تكاد  تكون الشخوص مركز العالم الروائي،  كأنه يتمثل مقولة “أسكار تاكا”: الشخصية دائما احد أهم الأبعاد الأساسية للرواية، واستطاعة التعامل معها لوحده يكاد أن ن يكون كافيا لإنجاز تاريخ هذا الجنس” (4).
 ولقد تعامل الكاتب بذكاء مع شخوصه فهي من التنوع بما يكفي لاضفاء روح التشويق، كما أن دقة رسم ووصف الشخصيات توهم بواقعيتها وهي إجمالا باستثناء شخصية أحمد المكلوب وحاجم، شخوص تتميز برهافة المشاعر، ونتمثل فيها دهشة وبراءة الطفولة، بغض النظر إلى تعدد ديانات الأبطال: مادلين  من أسرة مسيحية ، سامي وسمية من أسرة يهودية ، محمود ، نور، شفق ،الست خديجة، شخصيات مسلمة. ورغم تفاوت الشخصيات في مستواها الاجتماعي والثقافي إلا أنها متوازنة سيكولوجيا قادرة على الاعتذار والغفران ( اعتذار غصوب لأستاذه بعد سنوات) أميل إلى التسامح والتعايش، مسكونة بروح الاكتشاف ومطبوعة بروح الشرق وسحر فنونه ،الرقص، الصور، الأفلام، مجلات الشرق، فرق كرة القدم :الزمالك والأهلي، والاهم أن الكاتب جعل لها علامات وألقابا وأسماء معبرة تتوافق مع طباع وصفات الشخصية أو على نقيضها  تماما:
–  شفق التي تماثل اسمها في الرقة والجمال
– ضياء الذي يناقض اسمه لأنه غدر بمحبوبته مادلين، فبعد أن تسلمه نفسها يسود حياتها ويخون وعده في الزاوج منها، فتنتقم من نفسها وتصر على الانتحار.
– شخصية زبالة “والد حاجم” التي تغير اسمها إلى “عمارة” لكنه بالرغم من ذلك يظل زبالة على مستوى التصرف ،لأنه يستغل عمى زوجته سبيكة، ويحضر أصدقائه ليغتصبوها في ليل طويل .
– الطفل شعاع الذي تنجبه شفق ويظل بعد موتها عزاء العائلة لكنه سرعان ما يموت كأنه شعاع أشرق فجأة ثم انطفأ .
-غصوب العملاق الذي يقول عنه السارد “كان اسما على مسمى اغتصب من الحياة قوة تفيض على بضعة أشخاص”
– شخصية الشهدي التي تماثل الشهد في لذة سرودها وحكاياتها وهي شخصية شاهدة على حكايات كثيرة ووقائع مهمة من تاريخ الموصل.
إذن هي شخوص لها جاذبية خاصة ركز الكاتب على صفاتها الجسدية والنفسية وميولاتها الفنية وهي علامة على مجتمع الموصل في النصف الأول من القرن الماضي /الزمن الجميل القائم على التضامن بين الجماعة واحترام رجال الدين وتقديس العلم/  وتبدو هنا شخصية الملّا الذي يحمل اجازة تدريس القرآن كنموذج.

فضاء الرواية وتيماتها البارزة
    لايكتسي الفضاء المكاني والزمني أهميتهما فقط من كونهما متلازمين في كل عمل روائي، بل ان ما يستدعي الإشارة إليهما هو أن الكاتب العراقي اختار أن يكون مسرح روايته فضاء الموصل، وعلى وجه التحديد سوق “العتمة ي” وأمكنة أخرى  في الموصل، لكنها تشكل وحدات فرعية في حين يظل سوق” العتمة ي” هو المركز الذي تتفرع منه الأمكنة ثم تصب فيه ومع أن المكان في أي رواية هو فضاء متخيل لا يمكن أن يكون تسجيلا واقعيا للفضاء الواقعي ولكنه تخصيص لهذا المكان المستحضر والمضاف إلى المكان الحقيقي  يعاد تشكيله حسب رؤية ومشروع المؤلف،  فينتقي المسافات والزوايا ويوزع فيها الشخصيات والأشياء والأفعال ، إلا أن الكاتب يوهم القارىء بواقعية المكان من خلال الإشارة في الحواشي  الى الخلفية التاريخية لسوق “العتمة ي” ومن خلال وصفه الدقيق لهندسته ومعماره وشرحه لمعاني كلمات متداولة في الموصل، وهو بذلك يحاول أن يجعل المكان حيا له مرجعية جغرافية وتاريخية بحيث لاتقتصر وظيفته على المساحة التي تتحرك فيها الشخوص والأشياء، بل يشكل مركز تجاذب نفسي واجتماعي وعاطفي وثقافي، وربما أختار الكاتب أن تكون له وظيفة الشاهد أو ذاكرة الفضاءات الحقيقة  في زمنها الماضي من أجل الاستدلال الضمني على ما طالها من تغيير سلبي  في الزمن الآني /العنف الطائفي، كما لو أن الكاتب  يلمح  إلى حسرته عن موصل اليوم مقارنة بموصل النصف الأول من القرن الماضي 1945-1955 وهو الزمن الذي يؤطر أحداث الرواية، رغم أننا لا نقف على تحديد دقيق له، لكن ثمة إشارات توجهنا إلى تحديد تقريبي له، إنه زمن ظهور فريد الاطرش وسامية جمال ومريم فخر الدين، ومع أن الكاتب يبدأ الرواية من زمن ماض ويختتمها بالزمن الحاضر لكنه لا يحافظ على خطية هذا الزمن فهو زمن لاتعاقبي خاضع لمنطق الحكاية ينطلق من الحاضر إلى الماضي أو من نقطة ما من الماضي إلى الحاضر، خاضع للتأخير أحيانا والتقديم أحيانا أخرى، يتفرع إلى وحدات صغرى : الصباح ،المساء أو شامل لفصول: الصيف ، الشتاء ، مختزل لمراحل: الطفولة، الشباب، أو مركز على مرحلة واحدة : زمن المدرسة ، زمن الدراسة في الكتاب ، ولاشك أن هذا الاختيار يضمر حنين الكاتب إلى ذلك الزمن وهروبه ومن زمن العراق الآني :عراق الاحتلال والطوائف والدماء، انه إحالة وتحسر واستقدام زمن مضى وانقضى لكنه بقي زمن الماضي أو الزمن الجميل.

الحب والموت في دنيا الرواية:
 لا يخلو أي فصل من فصول الرواية من أنفاس الحب بكافة أشكاله وصوره  كما لو أنها تؤكد أن الحب هو الأصل والكراهية استثنا : محبة الصغار لبعضهم (سلم ومحمود) ، المحبة المتبادلة بين الجيران وبين التجار في سوق “العتمة ي” وبين أفراد عائلة محمود، ولأن الحب لا دين له ثمة قصص غرامية ومشاعر جياشة بين شخوص من ديانات مختلفة مادلين المسيحية وصداقتها لمحمود، سمية اليهودية ومحمود المسلم ،
  الحب في الرواية تصده التقاليد، فيتحول إلى ألم مميت وأحيانا ينتصر لنفسه وينتهي بالزواج “غصوب وابنة عمه”،  لكن الملفت في الرواية أن للموت مساحة كبيرة في مصير الشخوص كما لو أن الكاتب يتمثل مقولة هيدغر” الكائن في اتجاه الموت” أو مقولة: الطيبون يرحلون سريعا “موت مادلين، موت شفق، موت ابنها شعاع ،موت زوجها قانت ،موت سهام، موت عبد الوهاب، موت سمية ،،،
إنه موت فجائعي يداهم شخصيات قي قمة الطرواة/ الطفل شعاع أو في أقصى العنفوان /عبد الوهاب ،شفق، مادلين  ، سهام ،،،
 يضع الكاتب الموت دائما في مواجهة الجمال والحب، وهو ما يجعل منه فعلا قاسيا ومؤثرا في سيكولوجية المتلقي، وكأن قدر الملائكة أن تعيش فقط في زمن محدود خاطف وقصير مثل زمن الطفولة.
 يكتب محمود سعيد بلغة واقعية دقيقة لكنها لغة متينة وشفافة يبرع من خلالها في وصف الشخصيات والفضاءات  بطرائق تنم عن احترافيته وقدرته الفائقة على التوغل في مخزون الذاكرة وأعماق الشخوص سالكا مسارا ارتداديا نحو الماضي ومراتع الطفولة ،من هنا تشكل الرواية استعادة ملتبسة بالحنين للذي كان، ولعلها محاولة تعويضية  لمواجهة قبح الحاضر.

الهوامش:
(1) في نظرية الرواية ، تأليف عبد الملك مرتاض سلسلة عالم المعرفة عدد ديسمبر. 1997.
(2 )  لماذ النص الموزاي ، د جميل الحمداوي ، مقال منشور في مواقع الكترونية متعددة          
(3)   صورة العنوان في الرواية العربية :مقال د ،جميل الحمداوي
 (4)   محمد أقضاض ، كتاب لعبة النسيان دراسة نقدية، منشورات البوكيلي 1995

 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s