هجاء الواقع .. ترجيح طوباوية المخيل

احمد محمد أمين- السويد

 
قراءة في رواية ” الضالان ” لمحمود سعيد 

جريدة النهار . بيروت، لبنان.الخميس 14 تشرين الأول 2004

بعض الكتابات الإبداعية تتخطى مداها المألوف ، وتعد أثرا بالغ الأهمية ، كونها نتاج جهد رصين . وبعض المبدعين ينتجون أعمالا كثيرة ، لكن عملا واحدا يصعدهم إلى الذروة .وقد لا ينتج المبدع سوى عمل أو عملين إلا أن أحدهما يمتلك خصوصية التميز . من هنا تتميز رواية محمود سعيد الجديدة – الضالان- بهذه الصفة ، ذلك أنها تجيء أشبه بمرثية تنعي زماننا البئيس ، زمن العولمة الشرسة، تهمس وتعبر بشاعرية عن أوجاعنا وغربتنا، بدءا بالعالم الثالث وصولا إلى الغرب الرأسمالي . ففي ثنايا الرواية يغلي وضعنا الإنساني المكتظ بالدكتاتوريات التي تنيخ على كواهلنا وبمباركة الغرب ،تسرق وتوغل في اضطهادنا وسحق آدميتنا،وتنوء الملايين بكوابيس الفقر والتصفيات الجسدية . ويستبيحا الجهل والأمية والتخلف والمرابون واللصوص والمنظمات المافوية ،لهذا يهاجر من تسعفه الظروف بلاده إلى الغرب لعله يجد في جنته الموعودة ملاذا آمنا وزمنا مختلفا وافر الرزق .بيد أن هذه الأمنية تصدم بكم من الصعوبات ، فالمهاجرون لا تمنحهم المنافي سوى الفقر والعزلة والموقع الاجتماعي المتدني.كل هذه المآسي تجري على أقدامها خلل ” الضالان ” لكنها تجري همسا وبنبرة حزينة هادئة موحية ،كما تتناول أمراض المجتمع الغربي حيث أن ماقتة النظام الرأسمالي تسحق اناسها وتأكل أنساغ الفقراء ،ثمة تتسع دائرة الجريمة عبر تسيد المافيات وتجار المخدرات والرقيق الأبيض، وتعمل نهارا جهارا بمباركة السلطة .لذلك هرب عمر المهاجر العربي الذي لم تتحقق بغيته ولم يحصد سوى الخيبة.هرب من جحيم المادية المدنية  إلى أحضان الغابة : إلى البراءة والعزلة ليعيش كما عاش روبنسن كروزو في منفاه البعيد.واسبغ محمود سعيد على الغابة سمة الأمان والجمال ، إنها جنة اليائسين والمضطهدين فجردها من اللصوص والمافيات والرهبة التي تلفها،وحده يغشاها يحظى بآلائها متناسيا ضواريها وكائناتها الحشرية.. أن العالم الذي رسمه في روايته-عالم الغابة- حلم طوباوي لا وجود له إلا في متون مخيلة المبدعين ،يجاوره ويحاذيه عالم المدينة التي تفترس أبناءها دونما رحمة ، فأين هي تلك الجنة الموعودة التي تمنح الإنسان  الأمان والسلام ليستقر فيها ويحظى بكرمها اللامحدود ؟ الغابة عالم مجازي افتراضي حلمي اخترعه خيال الكاتب ليدفن فيه أوجاعه وهزائمه وإحاطاته . له حضور غير عادي من حيث استغراقه في وصف جنباته ظلا وضوءا وأطيارا وأغاريد ترميها حناجرها. وكأني بالغابة شخصية محورية ثالثة تزاحم شخصيتي عمر وكاثي . بل أن جل مسروداته وأوصافه اسبغها عليها ،وبدت أشبه بالعروس جاثية بجوار المدينة العملاقة التي تغلي كالبركان وتأكل أبناءها ،فلم يفتح لنا أبواب شيكاغو مثلما أولجنا إلى رحم الغابة ، بل لامس حواشيها ، ومر بهامشية بأناسها . فلم يك لأصدقاء عمر وكاثي حضور فاعل في المتن الروائي . كانوا أشباحا يظهرون ويختفون ،فلا يكترث بهم إلا عند الضرورة.. كانت المدينة الجاثية عن كثب لصق الغابة مطمورة ومستقرة في الظل إلا في استثناءات قليلة ، فيما استحوذت الغابة على كيان الرواية متقدمة على سواها. ومن مكمنه يرينا الكاتب أوجاع المجتمع الرأسمالي وهي موجودة تتشابه في كل مدائن الدنيا الأوربية والأسيوية والأمريكية ، وليست سمومها حكرا على شيكاغو.ومثلما يهان فيها الإنسان ويذل ويسحق يعاني مثلها الملايين في كل مكان . وما يتعرض له المهاجرون من تعسف وضيم في أمريكا يصيبهم مثله في القارات الأخرى ..ول(الضالان) بناء فني متماسك لم بستغرق في تفصيلات المجتمع الشيكاغوي بل عرفنا به بعبارات مقتضبة ذات إيحاءات ودلالات وبنبرة هامسة، كونها شاخصة للعيان. وبمحاذاة الغابة والمدينة كان يجري عالم ثالث مثل مياه الساقية استقدمه محمود سعيد بشاعرية من سدم الغياب والنسيان وخلل تداعيات وتراجعات إلى ألما وراء ، ابان لنا صورا لماضي عمر وكاثي . وماضي بقية الشخوص بلمحات سريعة، أكد خلال ذلك الخلل الذي عرا المصير البشري هنا في القارة الأمريكية، وهناك في بقية أصقاع العالم . وكلا المصيرين مر وحاد مثل الشفرة تقطع أعناق الفقراء .لقد ضم الكاتب هذه العوالم الثلاثة جنبا إلى جنب، تجري أحداثها متصاعدة بإيقاع درامي حميم ، حريصا على توازنها وتناميها بهارمونية آسرة .وإذا كان لوذ عمر بأفياء الغابة وظلامها وتوخي الأمان فيها يندرج تحت طوباوية المخيلة –أي انه عالم افتراضي مجازي- فان مهمة عمر في تصحيح مسيرة كاثي تبدو ضربا من الفنتازيا، هي لعبة لا تناسب حجم عمر ، كيف يستطيع ،وهو المنفي المهاجر الضايع المشرد داخل غابة منسية،أن يعيد كاثي إلى الصواب وهي معجونة ومصنوعة ضمن وضع إنساني منحرف شائك ، فارغة مثل طبل لا تثق بنفسها ولا بالآخرين، والثقة التي وضعتها في عمر ثقة موقتة سرعان ما يعروها الفلتان واللامبالاة ،عمر هو نفسه مهزوم ومنسحق ومحاصر، فهل في وسعه إنقاذ هذه المشردة الضالة من أزمتها ؟ لقد أجاب الكاتب نفسه عن هذا التساؤل،حين سمى روايته : الضالان ،كلاهما (عمر وكاثي ) ضال يحتاج إلى معجزة في زمن العولمة الضارية ..وكأني بعمر دون كيخوتة آخر بنفس الأوصاف أعاده الكاتب من أعماق القرون ( رجل تخطى الستين برفقة فتاة في العشرين يحاول إصلاح العالم وتحقيق توازنه ) لكن الطواحين التي هو بصدد محاربتها ذكية تدير مؤسساتها عقول شيطانية تمتلك المليارات في تنفيذ مخططاتها ومآربها ،وليست مهمتها محصورة في سحق المجتمع الأمريكي،بل تتخطى حدودها إلى ما وراء المحيطات والقارات . فتوقع بضحاياها فوق كوكبنا مزيدا من التجويع والترهيب والإبادة . وعمر وحده يخوض حربا ضد مؤسسة الطواحين العملاقة ذات النواجذ التكنولوجية الرهيبة التي تسحق أماني الإنسان وتطلعاته وتعطل إبداعه وحريته وقوته اليومي ،عمر نموذج مثالي عشوائي هش ” يداوي الناس وهو عليل ” أن خرج من ظلام الغابة سيعود إليها عاجلا أم آجلا ، وان نجح افتراضا ، وهذا محال ،في إنقاذ كاثي فمن ينقذ الملايين من أمثالها من مصائرها المتردية والموجعة ..عمر بطل دون كيخوتي هزيل يخوض حربا لا يستوعب حجمها ولا مداها ،فإذا كانت المؤسسات الأكاديمية العلمية التي تتمتع بإمكانات مادية وتقنية وعقلية تعجز في تقويم سلوكيات النماذج البشرية المنحرفة من أمثال كاثي ، فهل بوسع هذا الدون كيخوتة المعاصر أن يعيد إلى  عالمنا الضال توازنه وعقله الذي افقده اياه هذا السعار الاقتصادي العولمي ، تدير أواره عقول شيطانية محترفة خارقة الذكاء والقدرات التي لا تعد ولا تحصى . الضالان مرثية هذا الزمن الفاجع تجاوز فيها محمود سعيد حدود روايته المتميزة الأولى : زنقة بن بركة ، فقد امسك بزمام ثلاثة عوالم(الغابة والمدينة والماضي البعيد ) أقام بنيتها وكرس لها طروحات واقعية وتعبيرية وفنتازيا ورومانسية وانطباعية بإيقاع شعري جميل تتخلله أوصاف عميقة ودقيقة للغابة وللسلوك والمشاعر : الحب والكراهية .. الضالان رواية حداثية تعتمد تقنيات وجماليات الفن الروائي الكلاسيكي آنا وتتجاوزها آنا آخر ،تكتظ بهموم وجودية كونية دونما صراخ وضجيج . أخيرا لنا أن نتساءل : من كان بطل الرواية حقا ، أهو عمر أم كاثي أم الغابة أم الوصف الشعري لجسد الغابة وجسد كاثي ؟ تساؤل سيظل يثير زوبعة من الجدل لا أول لها ولا آخر .                         
 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s