هاجس الناس: فيما حدث ويحدث في رواية ;الإيقاع والهاجس

  

                                                         خضير عبد الأمير

 بين يدي رواية الكاتب محمود سعيد الجديدة “الإيقاع والهاجس” وجدتُ فيها بعد القراءة موضوعة طويلة وفكرة متشعبة تمتد من الداخل: داخل الذات إلى محيط المجتمع، ومن خارجها إلى أحداث متقاربة ومتباعدة تنشد إلى بعض لتكوّن رواية محمّلة بهموم العقود الماضية وليست فترة منتصف الستينات فقط، فهي تتواصل إلى عقد ابعد تخميناً وإلى مواقف مؤكدة على مرحلة سكونية متمثلة في وجود البطالة والفقر والجوع والبحث عن عمل وإلى غير ذلك من مواقف أخرى تمليها تشعبات الحياة اليومية تحت ظل ثوابت لا تتغير ولا تتواصل مع تطلعات الجيل الجديد ولا مع طبقة المجتمع النازع أصلاً نحو التقدم.
 إذن هي العودة إلى تناول الواقع المتمثل بكدح الإنسان وبحثه عن موطئ قدم في هذا العالم المزدحم. وسواء اختلفت الرؤية إلى الواقعية وإلى مناهجها أو إلى المناهج الأخرى في الكتابة أو في تناول الموضوعات، فإنها لاشك تبقى واحدة لكونها تتمثل في البحث عن وجود الإنسان وعن ما يحيق به من إشكاليات ومضار. ومحن وتكونات لم تخطر له على بال، نشأت كلها في محيط اجتماعي وطبقي انطلقت منه كتابات صحفية وأعمال شعرية وروائية وقصصية وقد توزعت تلك الأعمال وخاصة في الرواية على موضوعتين. الأولى:
 الإحساس بالفكرة لكونها صغيرة وقصيرة النفس وقد ينصب التكوين الروائي على البناء الخارجي لها، مثل الأسلوب وتكثيف صوره واستعمال المفردات الشاعرة وصياغتها لتشمل جانباً من الفكرة والجوانب الأخرى تبقى في مجال قلم الكاتب حيث يأخذ بها نحو وجود ما يبرر مثل ذكره الأجواء المحيطة ووصفها وإدخال عاصر الطبيعة أو استعراض لبعض المسميات والتسميات وتطابق بعض ما هو ملائم ومتمثل بين الموقفين، أي الهروب نحو الأبعد من أجل توسيع مجال الرؤية في الحدث – الفكرة- البسيطة في كتابة الرواية. وأمامنا الأنموذج في الجديد من الإصدارات الروائية أمثال: رواية نهايات صيف لموسى كريدي، وأشواق طائر الليل لمهدي عيسى الصقر.
 الثانية : اعتماد الروائي بالدرجة الأولى على الفكرة التي هي بناء الحدث الرئيس وعلى تشعباته وانطلاقه منه إذ تتوزع إلى أحداث متفرعة لا يكاد من خلاله أن يلتفت – الروائي – إلى تكثيف جوانب الأسلوب وإنما تأخذ به الأحداث وهو بدوره يضع لها الأسلوب الملائم لها، وعادة ما تكون هذه الصفة هي الغالبة في الكتابة الروائية وقد فعل الروائي على خيون في روايته الجديدة “بلقيس والهدهد” وإلى حد ما استطاع عبد الخالق الركابي أن يطابق بين الموقفين في روايته “سابع أيام الخلق” وناطق خلوصي في روايته “منزل السرور”. إلا أن رواية محمود سعيد “الإيقاع والهاجس” حققت الموقف الروائي النازع إلى بناء مضمون مكثف مليء بالأحداث وتراكماتها وتأثيرها على حيوات مجتمع تنشد بين أفراده علاقات حب وكراهية، تقارب وتباعد تواصل أو انقطاع، كلها تتكون لتنصب على وجود الإنسان الموقف وإلى تفجير الإحساس بما هو حقيقي ثابت أو بما يجب عليه أن يكون خلافاً لما هو كائن وظاهر للعيان.
 إن موضوعة رواية “الإيقاع والهاجس” هي البحث عن موطئ قدم في هذه الحياة، من خلال وجود الإنسان في مجتمعه أو في دواخله السفلى، أو في حياته التي انصبت عليها تراكمات متفاوته بين الإيمان بالفكرة وبين تسبب الواقع وأفكاره التي لا صلة لها به وعادة حامل الفكرة يصيبه التعب وقد يؤدي به إلى الضياع، إذن يمكننا أن نقول أن الإيمان بعملية تطور الإنسان عن طريق الإحساس بوجوده في هذا الواقع يؤدي به عادة إلى حالة مشتتة، محاصرة، ضائعة، أو مخيبات الأمل فالتراكمات كثيرة وخاصة تلك التي تتلاعب بها الذات والانصياع إلى أنانية النفس وتحولها إلى جشع واستغلال من خلاله حاجة الضعيف إلى العيش، كلها معوقات متقاربة أو متباعدة أو متداخلة ببعضها وفي جميع تفصيلاتها الطويلة تتكون رؤية لعائلة تعيش في مجتمع الخمسينات لا الستينات “وهذا افتراض” وإن حدثت فإنها تكون مجتزئة من مواقف كثيرة أهمها فكرة الرواية العراقية التي تؤكد حركة الواقع وتستقي من تفعيلات أحداثها فهي تحصل في كل وقت من تلك الأوقات إلا أن سكونية تلك الحركة في رؤية العقد الخمسيني وما بعده أي الستينات تشير إلى أنها ملائمة لحالة البحث عن عمل أكثر. ربما تعّرض أسلوب الكاتب إلى ما سيحصل وليس إلى الذي تحصل وأن الإغراق في تفاصيل المأساة يؤكد على نظرة متخيلة كتلك الحركة الواقعية في مصير عائلة عراقية مسالمة تتعرض لضغوط مجتمع ولضغوط أكبر، فهي في حالة ضياع. الفكرة ضائعة بضياع حالة الإنسان السلبية في موقف أو مواقف لا تصل إلى درجة السلب، فالتجارب تكاد أن تكون واضحة للعيان. إن الضياع الذي يعيشه الرجل الأول في الرواية واسمه “حسن” لا يكاد يتوافق مع أفكاره المستنيرة ولا مع موقفه من الآخرين. صحيح أننا نراه بلا حول ولا قوة ولا رؤية نافذة متمثلة في كيفية تغلبه على واقع يحاصره، إلا أنه بدا خيالياً أو أقرب إلى تصورات السذاجة منه إلى رجل يستطيع التفكير، وعليه أن يواجه مرحلة تمتص منه كل رغبة في الهدوء والاستكانة والتمثل في أخيلة مستقبلية يثيرها الوهم في رأسه.
 انصبت الرواية على طرح الأفكار والأحداث، فهي غنية بالحركة مليئة بالمواقف الصعبة التي تجسّد تفصيلات حياتية ويومية، فهي تؤكد وجود الأمكنة وتمنحها صفات وتضع بداخلها علامات وإشارات من خلال سكن الناس وتعاملهم مع بعضهم، وعلى عنصر الزمن الذي يتحول إلى مفتاح لكل الأسئلة مثل: متى، وأين ، ولماذا. وهي حالة بحث عن مصدر للرزق، هذا البحث تحول إلى رؤية أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع مع إضفاء عناصر جديدة تكاد تكون المعادل لذلك الجفاف الأسود الذي ينغل في صدور الناس. إن عنصري المكان والمكان شيئان ملازمان لأي حدث روائي تفرض فيه تفصيلات وعلاقات الواقع بالإنسان من خلال وجوده داخل المدينة أو القرية، في الأرض الخلاء أو في المجمعات السكنية إضافة إلى اختلاط العنصر الزمني كما أضفتْ ومن هنا تكون هذه الإشارات متمثلة لحركة الواقع والناس وحركة الأشخاص أي الشخوص الروائية وهذه الإضافات تحدد عوامل فنية أهمها النظرة إلى حركة الواقع هل هي كائن داخل الرواية أو سيكون، هل الواقع برمته رؤية متمثلة أو مفترضة، مثل هذه الأسئلة تدور في ذهن القارئ وهو يتوغل في قراءة ممعنة. في حالة بحث فوق الفكرة أو تحتها. في أثناء تمثلها للحدث وتشابكها لتكتمل في الشكل والحوارات وعند تقطيع الجمل وتكون معانيها وتكامل أفكارها وإيصالها لما هو أساس فيها.
 ومن هنا تتحدد الرواية بمأساة شخص تنعكس على مأساة عائلة متكاملة: وجودها في كل مكان تلفه تطورات اجتماعية مبهمة متداخلة تتحول تلك المأساة إلى عملية بحث متعددة الطرق والاتجاهات وهي بحقيقتها رحلة البحث عن عمل. ثم تتكوم المآسي، تتحول إلى وقوعات هائلة الصدى عند تلك العائلة وعند الآخرين وتكون استمراريتها هي البداية.
 إن أكثر الروايات العراقية التي صدرت منذ مرحلة الخمسينات والستينات وما بعدها كانت تقترب من تلك الوقائع تلامسها فقط، إلا أن “الإيقاع والهاجس” اقتربت من مسميات عقد ستيني أو ربما هي فرضية مداها عمق الأربعينات والخمسينات، حاول الكاتب أن يقّرب الرؤية لتكون بمواجهة القارئ الذي يستطيع برؤيته الثاقبة أن يتذكر ذلك العقد بسنواته النار وما أفرزته من أحداث كانت رداً مباشراً على نكسة العرب في حزيران وغيرها من الأحداث المصيرية.
 فمثل هذه التصورات أراها تدخل جميعها في تكوينات وتداخلات رواية “الإيقاع والهاجس” للكاتب المقتدر محمود سعيد الذي استطاع أن يؤكد نبل هذه التداخلات التي منها ما هو رؤيوي، ومنها ما هو فوق مستوى الرؤية كما يعدّ الرسامون في خطوطهم، والكاتب فنان يستطيع أن يتميز من خلال حبكة مع بعضه، بين الأفراد وظروف العيش، أي بين الإنسان وقدره، وبين الموقف والآخرين، تلك هي أخيلة مقتدرة: كما هي كما هي خطوط فات آواها الآن، إلا أنها مؤكدة على قيمة التفاعل بين الذات والآخرين، إن حركة الرواية الأخيرة مغرقة في الخيال الخمسيني الفذ المقبر، وإن الكاتب محمود سعيد قدرة كتابية وذاكرة مفعمة بالنشاط الحساس وكلها تتفق وتتوافق وإمكانية الكاتب المرحوم غائب طعمة فرمان. وتصورات الرؤية الموقف عنده، فغائب يكتب عن حركة الواقع المنسابة أي ما تتركه السياسة على وجود الآخرين، الواقع الثاني أو الثالث لها، الأحداث الروائية عنده مفرزة من كل تلك التناقضات الكبيرة والصغيرة، وعند محمود سعيد هي السياسة نفسها، أو فرزها الثاني الذي يبقى متشابكاً ولا فكاك له من تلك الشباك، فجميع الشخوص من الضحايا، ولا يستطيع أن يوحدهم سوى وقع الحزن العميق أو المأتم ا لذي تتوافق نفوسهم عند وقوعه وتصبح النظرة إليه تماماً كالإحساس بالهاجس الذي تصاعد فجأة وحاول الكاتب أن يصل إليه عن طريق تجمعات الناس في تلك الأزقة المتقاربة، وعن طريق الأمطار التي جرف تيارها كل أضار الشوارع والأزقة والدروب الضيقة.
83- الأقلام- العدد/ 8-10 لسنة- 1996.

 

 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s