قراءة: رواية “الإيقاع والهاجس” وجغرافية القمع الأبدي

        

عقيل الناصري

 منذ أمد بعيد، بعيد، بعد تاريخ تكويننا وعمق جذور سيد الشجر، كنت أجمع هواجس الروح لتجلس جلستها، و”الإيقاع والهاجس” واخضرار الروح الندية المناهضة للقمع والكبت وجغرافيته، لتجلس والكلمات الناصعة المحاورة للحقيقة التاريخية، ولتذود عن كوامن نقائها. ذلك القمع الذي عاش في الوجدان والضمير الإنساني العربي بعامة والعراقي بخاصة. لقد كتب عن القمع في شرقنا الأوسطي وتم تناول أبعاداً منه، وإن جاءت مجردة من جغرافيتها، كما لو أريد بها إدانة لكل أنواع القمع بغض النظر عن زمانه ومكانه، لكن رواية “الإيقاع والهاجس” لمحمود سعيد والتي تناولت هذه الظاهرة ببعديها الزماني والمكاني، وحددت أبعاده وكوامنه وإن هي خضعت لذا القمع، حيث انتظرت ولادتها العسيرة كما قال المؤلف لنا، منذ عام 1968 بعد أن منعت من النشر ولم ترَ ذاتها إلا قريباً، إنها الولادة التي تشير بالاتهام لكل سلطات القمع بغض النظر عن ماهيتها  ومكوناتها.
 قرأتها عدة مرات لأغوص في الكثافة المبسطة للمفردة، للحث، لحبكة التسلسل لإيقاعاتها في خضم غابية الهواجس اليومية، للبحث عن المستقبل، إلى استعجال معرفة النهاية حتى إذا بلغتها وختمت الرواية، حتى تهطل عليك الأسئلة مراراً، وكمٌ كبير من الاستفهامات المنطقية عن السبب وكومنه، عن الدوافع ونموها، عن المؤثرات السمعية والشخصانية التي أثرت على هذه النفوس البائسة مادياً، لكنها تحمل في طياتها ثباتاً ورسوخاً عجيباً، يعجز المرء في معرفة كنهه ومصدره! هذه القوة الروحية التي تحركهم ما مبعثها، سمعة العائلة وانتماؤها السياسي؟ أم الإصرار أمام صعوبات الحياة التي أوجدت لحمة مشتركة من هذه النفوس المطحونة بالعوز؟ أم من قوة المثل التي ضربتها الأم التي تحمل واقعاً مادياًن نفسياً عالي التوتر، وتحمل طهارة عجيبة رغم وساخة المكان الاجتماعية، والذئاب التي تحوم حولها أم قوة مثل الأب وامتحان الضمير واختيار الموقف الصعب بين الخضوع لجبروت القامع والانصياع إلى راحة الضمير والمبدأ والموقف الفلسفي العام؟
أية مصائر تلك التي ترسمها رواية الإيقاع والهاجس،حيث تضع القارئ في قلب الصورة وفي دوامة حل هذه الإشكالية وتريد منه أن ينفرد بالعزف الوتري، بل المشاركة في سمفونية الحياة الاجتماعية من خلال ركض الجميع نحو المستقبل، نحو اطمئنان الذات المادية – الاجتماعية، نحو البحث عن ملاجئ ومنافذ ومسارات هي في الوهم وكأنها أمانٍ مكتوبة بالحبر السري على حائط حياتنا الوهمي.
 الأب يبحث عن عمل، عن دين سابق، عن إقرار الذات. يصمد. الأم تصّر على طهارتها، على جدلية التفاعل مع الحياة في معادلة التناقض بين الصفاء الروحي وجغرافية القمع، بين الاستلاب والاغتراب وبين الكفاح لإثبات الذات. الطفلة، الزهرة التي تحتضن المرض المزمن وتحلم في أبسط متطلبات الطفولة وتذوب أمام الأم والأب والأبناء، أي توتر أشد على هذا المنظر، مسرح الواقع للكتل البشرية. الأبناء يدخلون الحياة بإصرار ويقارعون سفالات الظلم الاجتماعي عبر أدوات رمزية أو عبر محاولات مشخصة، يستمدون الإلهام لا من المدرسة وإنما من جامعة الحياة، من أمهم، ويشتدون عوداً ويتناشدون الألفة والمحبة وينتزعون حقهم بقوة الإرادة، وليس بالعطف و”الخطية”
 الرواية تبحث عن إحدى إشكالياتنا التاريخية، إشكالية القمع الذي يزخر فيه مجتمعنا منذ بزوغ الحضارات الأولى وإلى ما نحن عليه مروراً بأزمان قمعية، تجعل القارئ اللبيب يقف أمام مشهد متعاظم التراجيديا. وإن الراوي رست حالة مثلت نكسة الجمهورية الأولى في العراق. كما أنه أراد رسم العلائق بين القامع – المقموع، عبر التاريخ الطويل من خلال إحدى لحظاته.
 وأخذت الرواية تبحث عن مصير الثاني من خلال إشكالية الموقف المنسجم والضمير والروح الإنسانية المفعمة بسمفونيات الحب، الحلم، الفكر، الحرية، العشق، العزلة. مفردات جميلة اصطدمت بصخرة القامع وقسوته وحلاقته، هي ذات صورة “خريف البطريق” و”الديكتاتور” و”الشرق الأوسط الآن” وإن كان كل منهم بحث في الذات القامعة وتطورها اللاقويم، بينما سارت الرواية في معرفة إيقاع حياة المقموع الداخلية وحلمها المنشود/ المهزوم في انسيابها مع السجين الآخر والمحيط ومن ثم البحث عن ذلك في العائلة وصمودها. في الصورة/ الفيلم، في مفردة الأنا/ الكل. وحاولت رسم صورة جماعية للعائلة ولدور الأب، البطل جماعي، كل حسب دوره، الابن نفذ ما عجز الآباء عن تنفيذه متأثراً بالأفكار التي سادت آنذاك، الآخر بحث في المشاركة في لقمة العيش، الأب والبحث عن المجهول والانتظار المرتقب للعمل.
 لكن لو عدنا إلى تحليل هذه البطولة، إن جاز التعبير، وأعطينا دوراً لكل منهم فسوف تقف الأم بدون منازع بطلة للرواية، حيث لعبت دورها السياسي ونالت عواقب الاستلاب بما لا يطاق. حتى بلغ الفقر بها إلى الانزواء الروحي/ الاجتماعي في جحر من جحور المنبوذين اجتماعياً، ومع كل ذلك صانت طهارتها وأسقت فولاّ صفائها ووصلت غايتها في الحفاظ على العائلة وكانت مشتتة بين الفقر، الإقامة في منطقة مشبوهة، محاصرة من أفاقين يريدون افتراسها، وصمدت وكان الأمل في العيش الكريم واليوم القادم يرفرف ويطير مع مفردات الكلام اليومي.
 الرواية هي أداة تشهير بالقمع رغم الإدانة الواضحة لانقلاب 1963، وبالتالي ساهمت في تاريخ هذا العام، عام نزوح الجراد على الحقول والأحلام الوردية التي عاشها العراقي. كما أنها رصدت حالة اجتماعية سادت الواقع العراقي منذ ذلك التاريخ ولحد الآن، حالة التشرد والقمع والتفكك الأسري، فرسمت الواقع في حراكه وجدلية تفاعله وتناغم إيقاعه. إنها صرخة لا للقمع ولجحافل الموت الزاحفة على الأماني والأحلام.
 مجلة الجسر. السويد. شباط 1997.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s