زيطة وسعدان: ثالث الثلاثة من رواية (ثلاثية شيكاغو) لمحمود سعيد

شكيب كاظم 
 حين تجلب الطيبة خيبات

في الجزء الثالث من ثلاثية شيكاغو الروائية والتي تقع في ست مئة وثلاث وثمانين صفحة التي كتبها المبدع العراقي المغترب محمود سعيد والموسوم بـ(زيطة وسعدان) نجد ان سعدان هذا، هو المعادل الموضوعي لـ(سعدي) في الجزء الثاني الموسوم بـ (اسدورا) وهو (عمر) في الجزء الاول من هذه الثلاثية المعنون بـ(حافة التيه) الروائي محمود سعيد لا يكرر نفسه، لكن تجد في هذه الشخصية شيئا من سعدي وعمر، شاب عراقي تفرض عليه قساوة الحياة العراقية الهجرة الي الولايات المتحدة؛ شيكاغو تحديدا واذا كان الدكتور واثق في الجزء الاول الشخصية الايجابية المثقفة والناصحة فاننا نجد في الجزء الثالث الدكتور موفق.
استعان الروائي محمود سعيد بـ(زيطة وسعدان) كما استعان بالجزءين الاولين من الرواية بتيار الوعي وانثيال الافكار لربط عملية السرد التي تأتي علي لسان سارد مركزي يحدثنا بضمير الغائب ولا يكاد يختلف هذا الجزء عن الجزءين السابقين من زاوية اكتظاظه بصور الجنس، وهي صورة منتزعة من واقع الحياة الامريكية، فضلا علي محاولات بطل الرواية (سعدان) الزواج بعراقية شابة خريجة جامعة مثقفة وجميلة لكنها تبوء بالفشل كما باءت محاولات عمر وسعدي، في الجزءين الاولين.
وكما قلت سابقا ان المصادفات هي التي تحدد مسارنا في الكثير من مناحي الحياة، فلولا هذه المصادفة الصاعقة التي وضعتها الاقدار في طريق سعدان، صاحب سيارة الاجرة الليموزين، بان تستأجره ذات الجمال المدوخ الصاعق سيدة المجتمع المخملي (نيكول هيوم) والتي ما كان يعرف عنها شيئا سوي اسمها، تستأجره الي تلك الحفلة والعطر الصاعق الذي دوخه والذي كان يعد العدة للسفر الي دمشق للقاء بامه واخته ولاجراء مراسم العقد والزواج لكن نيكول وقد حطمت عقله بعد ان وجد فيها شيئا من اهتمام اذ طلبت منه لبس ملابس حديثة ما كان سعدان هذا العراقي الطيب قليل التجربة باجواء الحياة الامريكية الصاخبة خاصة طبقات الاثرياء والمجتمع المخملي، ما كان يعلم سعدان هذا، ان نيكول كانت قد اتخذته وسيلة لاغاظة عشيقها المدعي العام الذي لم يرضخ لشروطها، التي علمناها اخيرا بعد ان طوحت الايام بآمال سعدان وتطلعاته غير الواقعية، شروطها ان يعلن طلاق زوجته، كي ترغب مواصلة العيش مع هذا الموّله العاشق ولعل اكثر ما افجع سعدان البرود الذي قابلت به نيكول الاعتداء الذي اطار بلبه، وهو الذي تدخل دفاعا عنها ازاء تحرشات تعرضت لها لا بل الافجع عتابها له علي تدخله دفاعا عنها (اضافت نيكول لائمة: ما كان عليك ان تتدخل. اخطأت.
– لكنه ضايقك
نظرت اليه بحدة: وليكن! لا عليك ابق بعيدا
قالتها بشكل قاطع. احس معها بوطأة الخزي تتضاعف. فعل ذلك لاجلها وهي غير راضية! صَدَقَت. كان عليه ان لا يتدخل. يستأهل) ص216. ص217
ولانه لا يعرف خفايا هذه الحياة المخملية فانه طوح باكثر من فرصة للتعرف علي سيدات ثريات يعانين وحشة ووحدة، وبحاجة الي شاب يمضين معه سويعات من الهناءة حتي انه كان يطوح ببطاقات التعريف التي قدمتها له اكثر من سيدة من سيدات هذا المجتمع الغامض، كان يطوح بالبطاقة في صناديق القمامة
(الا تعتقد ان الجو بارد؟
التفت. امرأة في نحو الخامسة والاربعين. شيء من بدانة تشعل الاثارة ولا تشوه الجسد. تقف قربه وترشف من كأس في يدها. سمراء جميلة التقاطيع، اقصر منه. انيقة. عاد اليه شعوره بالخزي تري اتتكلم معه لتجبر خاطره ام مصادفة ثم تأكد انها تعنيه: نعم؟
– اظنه ابرد من العام السابق
– هو كذلك نعم ابرد
– اهم بالخروج ثم اتردد
(…) اشربي كأسك كله مرة واحدة. تسخنين: ثم اسرعي. تشعرين بالدفء
ضحكت: سأجرب وصفتك
شربت كأسها كله مرة واحدة: ستشعرين بالدفء بعد دقيقتين.
– سنري
نظرت الي الساعة: لابد انها وحيدة: تبحث عمن تكلمه. ليندمج معها بالكلام (…) اخرجت من حقيبتها بطاقة تعريف: لياناكاستن.
صافحته: الا تحب الرقص.
– لا
– حتي انا. افضل التمشي. السينما. الاوبرا. الطبخ
(…)
– أتسكنين قريبا!
– لا. العنوان موجود في البطاقة
– ضحك لم اقرأها…) ص218. ص219
(اتلعب معي؟
التفت. مشدودة القوام. حلوة التقاطيع لا اثر للتجاعيد في وجهها. علي شيء من امتلاء مقبول. ربما في الخمسين لا اكثر! لا يدري. المكياج الماهر يخفي كثيرا من الحقائق.
– ماذا ألعب؟
– ليّ الذراع
(…)
امسكت بكفه. عصرتها. ثم سلمته بطاقتها؟
– أأقدم لك شيئا تشربينه؟
– لا. دع ذلك ليوم اخر
قالت ذلك وغادرته. مع تحديقة عميقة. تناول منها البطاقة وهو يبحث عن نيكول. رماها في القمامة من دون ان ينظر اليها..) ص107. ص108
سعدان في رواية (زيطة وسعدان) شخصية طيبة تحاول تقديم المساعدة للناس، سواء أكانوا عراقيين يعيشون في المهجر، ام من جنسيات اخري تعيش في شيكاغو حتي انه جعل شقته ملاذا للمفصول حتي يجد عملا، وللزائر حتي يسافر الي مدينته ولمن اختلف مع زوجته او عشيقته وكثيرا ما تبرع بايصال من يعرفهم الي اماكن عملهم او لهوهم لكنه من الجانب الاخر شخصية متأرجحة متذبذبة لا يكاد يستقر علي حال فهو شخصية هوائية تفشل قراراته ابسط المعوقات والصعوبات، انه بسيط اقرب الي السذاجة لكنه من الجهة الاخري مبدئي صارم واخلاقي رصين هو يرمي ببطاقات هؤلاء النسوة الثريات الباحثات عن المتعة في اخريات شبابهن في القمامة، لانه لايجد فيهن شيئا بالرغم من المال الذي قد يغدقنه عليه، الامر الذي يجعل صديقه الحميم يثور بوجهه ناعتا اياه باقذع النعوت.
(هتف هيثم محتدا. غاضبا: لانك زبالة يا سعدان، قضيت علي مستقبلك بتصرفك يا غبي: كيف ترمي بطاقتيهما بالزبالة؟
قلت لك ايها القرد ابدأ بالتدريج. خطوة. خطوة (….) من يعمل عملك لا يمكن ان ينجح في الحياة.) ص243
واذ نتوالي النكبات علي سعدان: فشل مشروع زواجه وتبخره. اختفاء نيكول هيوم الصاعق من حياته، وارفضاض محبوباته عنه الواحدة تلو الاخري، بسب تأرجحه، وعدم رغبته في الزواج والانجاب وتحمل مسؤولية طفل يعيش في هذا المجتمع المنفلت لا يستطيع تصور ابنته تعاشر رجلا خارج نطاق الزواج، هذا التصور الذي نغص عليه عيشه، وادي الي تحطمه وربتما موته، فهو بعد سلسلة الهزائم يقرر العودة الي العراق، اذ لم يعد له مكان في امريكا، لكنه الروائي الحاذق محمود سعيد، الذي يلعب علي ثيمة النهايات المفتوحة في روايته، قد جعلنا نستعيد ذكري وداع صديقته كلاسيا المكسيكية له، وقد ازمعت الرحيل لبلدها لزيارة اهلها، تودع لديه نوعا من الزهور البرية ((اشارت الي زهرتين صغيرتين حمراوين ناريتين فاتنتين محاطتين باشواك بيض ذوات لمعان يتألق كفسفور حليبي متفرد جميل جدا، تلاصق كلا منهما زهرة صغيرة وردية شفافة هشة من دون شك. همست وهي تشير الي شوك الوردة الحمراء النارية وكأنها تخشي كلماتها: لا تلمسه انه سام (…) ابتسمت اشارت الي احداهما: هذه زهرة الحب المقدس عندنا. سأهديك واحدة.
– ستفصلينهما عن السامة؟
– لا. لا تنفصل انهما متلازمتان عليّ اهداءهما كلتيهما. انها هدية الحياة والموت. من يخن الحب عليه ان يموت. يتسمم ويموت لكن عليك ان تقسم انك ستحتفظ بهما (…) ثم حدقت به: لا، لن اعطيك اياها ولن تقسم. اخاف عليك. انت لا تؤمن)). ص68. ص69
ويحتفظ سعدان بالوردتين في دفتر صغير يسجل به بعض الملاحظات، ونسي سعدان الامر، وما مر علي خاطره هذا الامر، ولعل الكثير من القراء لم يقفوا ازاء هذه الثيمة او هذه الفذلكة ولعلهم نسوها، او لم ينزلوها منزلتها الصاعقة والمهمة جدا في عملية السرد الروائي الذي يجيده محمود سعيد، حتي اذا استقر في نفسه هذا الامر، وبعد صفحات طويلة من السرد، اراد محمود سعيد ان يختبر ذكاء قارئه، وهل هو حاذق في لملمة وقائع الرواية، والربط الدقيق بين حوادثها مهما ضؤلت وصغرت؟ يفجر في وجه قارئه حادثة قيام صديقتيه السابقتين ياسمين واولكا الروسية اللبوة الشقراء التي تمزق من يضاجعها اشتهاء وحبورا، بعد ان تزوجتا، وانجبتا، ياسمين ولدا، واولكا الروسية الساحرة بنتا، جاءوا مع زوجيهما ليريا الطفلين ابويهما الحقيقي، الذي بذر بذرته في رحميهما وازاء حث اصدقائه علي الاسراع في استقبال الضيوف، وهم لا يعرفون من هم وماذا يمثلون لسعدان، سوي انهم اصدقاؤه، يحدث الذي لم يكن في الحسبان، ويبرز الي الذاكرة تحذير كلاسيا المكسيكية له من وخزة الزهرة السامة، التي تقتل من يخون العلاقة الحبية بين اثنين وتظل النهاية المفتوحة التي يشتغل علي ثيمتها الروائي محمود سعيد بفن واقتدار تظل تطل علينا نحن قراءه تري هل سيموت سعدان الذي وخزته شوكة الزهرة المسمومة لتشكل نهاية لخيباته وتأرجحه وعذاباته ام سينقل الي المستشفي سراعا وهناك يجري له ما تحتاجه حياته، فيعود يواصل خيباته وانكساراته ولذاذاته؟
(فجأة تذكر محفظته. بدأ يبحث عنها (…) وجد دفترا (…) فتحه وجد وردتين جافتين (…) لم ير الوردة. لا شك انها سقطت علي الارض. انحني ليأخذها (…) احس بما يشبه غرزة دبوس حاد في اصبعه (…) عندئذ تذكر كلمات كلاسيا: (زهرتا الحب المقدس (…) من يتمتع بالحب عليه ان يراعيه لا يخونه ابدا ومن يخن الحب عليه ان يدفع الثمن غاليا، ان يموت يتسمم (…) ان نكثت قسمك ستموت. كاد يضحك. غرزة شوكة تميته (…) لطع قطرات الدم النازف من سبابته، ثم ضغط علي موقع الغرزة بابهامه ثم تناول ورقة كلنكس وضعها فوقها (…) اخذ الصداع يشتد ضغط علي جبهته بكلتا يديه (…) صداع قوي (…) رأسي ينفلق (…) هتف رياض وهو يمسك بورقة الكلنكس: من اين جاء الدم؟ نظر سعدان اليه بعينين ذابلتين. لكنه لم يستطع فتح عينيه ثم هوي بجبهته علي منضدة المطبخ) ص246. ص255

10/2011/ 15

http://www.azzaman.com/index.asp?fname=2011\10\10-14\699.htm&storytitle=
10/2011/ Issue 4022
الزمان: 14/10/2001

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s