حافة التيه: جملة لا تتثاءب

عوّاد ناصر

بعد أن أكملت الجزء الأول (حافة التيه) من ثلاثية الكاتب محمود سعيد فكرت ملياً، قبل أن أشرع في الإشارة إليه، في هذا العمود: هل يتأتي لقارئ محترف، أو حتي ناقد عليم أن يتخذ حكماً عادلاً حيال جزء من رواية ثلاثية الأبعاد، لم يقرأ جزءيها الآخرين بعد؟
بسّطت الأمر علي نفسي واعتبرت أن جزءاً أول من ثلاثية هو مقدمة قصة طويلة، أو فلنقل فصلاً روائياً ضافياً يحمل، لابدّ، خواص وصفات بقية الأجزاء المنتظرة، علي اعتبار أن نوع السحابة يشي بكرمها من المطر المنتظر، لنعرف هل هي سحابة مثقلة بالعطاء أم غيمة هشة، عابرة، كالنديف الخلّب.
.. وبالعودة إلي عطاءات سعيد الروائية السابقة يتعزز شعور القارئ بأن هذا الكاتب عند وعوده الجمالية، والرهان علي المنتظر منه رهان رابح.
منطلقات سعيد، في هذا الجزء، تؤسس لبنية روائية ملحمية سداها تفصيلات الحياة اليومية، ربما غير المرئية، ولحمتها البحث في المصير الإنساني في عالم عنيف، يخوض فيه الصغار والكبار حروبهم، وكلها خطرة، قدر ما يتعلق الأمر بدراما الوجود الفردي أو الجماعي، وكل في سعي إلي تحطيم عدوه الماثل.
يكتب سعيد وهو يحدق بالوجود بعينين غاضبتين، لكن غضبه من النوع الذي يتولدّ من شعور هائل بالرحمة.. وثمة أسباب كثيرة للغضب حتي لوكان “ألم الضرس” الذي تعاني منه (كاثي) الأمريكية، مدمنة المخدرات التي خدعها مواطن أمريكي آخر هو القواد المحترف (ج جورج) لتعمل معه (قحبة) ولم تتخلص من سطوته إلا علي يدي، العراقي البصري (عمر) عن طريق المصادفة في إحدي غابات شيكاغو، والمزمع علي مغادرة أمريكا إلي السويد.
تنمو العلاقة بين الإثنين (عمر وكاثي) بتجريد إنساني مدهش: بعد ست وسبعين صفحة من التوتر والفرار والجوع والتخطيط لتغيير الذات والآخر و (التيه) والغزل والجنس والشعور بالذنب (هو في ستيناته وهي في عشريناتها).. بعد تلك الصفحات كلها تقول له: “كم أنا سخيفة، لم أعرفك بنفسي ولا أعرف اسمك”.
كم تبدو قابلية الإنسان هائلة للتصرف بشاعرية حتي ولو وضع في الجحيم. تقول له، وهما علي وشك حافة التيه: (سأري أصابعك الطريق إلي جنوني” وبالمناسبة هو بيت شعر كامل العروض (بحر الكامل).
لكن ثمة عبارات نمطية، فقدت بريقها البلاغي تمنيت أن لا توجد في النص، مثل: “لا يلوي علي شيء” أو “حلمتان كحبتي الكرز تنتظران القطاف” وغيرهما مما يرد ضمن أسوأ عاداتنا اللغوية.. علي أن هذه الملاحظة العابرة لا تشكل مأخذاً علي مجمل الفن التعبيري في لغة سعيد، في هذا الجزء، أو في بقية أعماله التي قرأتها مثل (بنات يعقوب) و (أنا الذي رأي) فهو يتميز بغة سردية شابّة، ذات إيقاع متوتر، قصير، مشوّق، لا يتثاءب.
بخلاف ما قيل بشأن شخصيات الرواية كرهط عراقيين يعيش في غيتو مغلق، رأيت الشخصية الرئيسة (عمر) مثلاً علي غاية الروح الإيجابي الذي يتفوق فيه علي آلامه ومنفاه في شيكاغو وهو بأخذ بيد تلك الفتاة “رائعة الجمال” التي زلت بها خياراتها ليغيرها من داخلها بقوة المثال (يساعدها في إيجاد عمل – بيع الآيس كريم وتحصيل رخصة قيادة سيارة).. ثم أن علاقة حب بين عراقي (ستيني) وفتاة أمريكية شابة تتعدي طابعها الشكلي إلي عمقها الأخلاقي لهي علاقة قيم شخصية ومواقف مبدئية لا علاقة غرامية قامت علي أساس “أول نظرة”.
وإذ أتوسم بكاتبنا الرائع تقبّله لاختلاف التذوق، عنصراً نقدياً جمالياً، أهمس له (كيف أهمس علي صفحات جريدة؟) بضرورة التخفيف من أدلجة الفن، علي أهميتها، لو وصلتني بأن “نقاوم” بالحب لا بالحرب علي الحرب (MAKE LOVE NOT WAR) علي أن الأمر يعود له في نهاية المطاف، وهو ليس مجبر علي الموافقة بشأن هذا الرأي، ولا علي القارئ، أيضاً، أن يأخذ به أو يتبناه.
إن ابتكار سطر جميل، جمالاً محضاً، كاف لئن يزيح مجلدات من الخطب الرنانة.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s