الضّــالان: رواية محمود سعيد

 ياسين النصير

يمنحك النص الجاد فرصة لأن تتأمل من حولك العالم، لاسيما ونحن في بلدان الهجرة كل شيء يحمل غموضه رغم ضيائه وعلنه، فما نعنيه بالعالم هو المتغيرات التقنية، والتقاليد الجديدة والإنسان الذي يشبه أبي وأمي وأخي وابني ولا يشبههم، والبيئية التي تبدو أمكنة توازن بين الجنة والحلم، وما تكتبه الصحافة عن أحداث اليوم وتناقضها، وما يذيعه الإعلام من متابعات لأخبار العالم، وما تتعلمه في المحيط من لغات، وما تشاهده في الأسواق  وتراه في جولاتك، وما تحس به في حياتك اليومية، وما هو ثابت فيما حولك وما هو متغير، والكيفية التي يحلون بها مشكلاتهم في دوائر البوليس، والطريقة المنهجية في بناء ما يسمى بالمستقبل دون أن ينسى الأحفاد جدودهم. هذا هو العالم الذي يحيط بنا صورة تتجلى ظاهراتيا أمام أعيننا نعيشها دون أن نعرف أنها تتكلم من خلالنا،وتتعدد رؤيتنا لها بتعدد المواقف التي نمر بها يوميا. كل ما نعرفه عن هذا العالم أنه موجود وفي كل مرة نعايشه يتجلى بأشكال معرفية جديدة، فلا تستطيع تتبعه أو الوقوف في نقطة واحدة وبالضرورة له متشابه في موطننا ولكن المختلف هو الجوهر، ولذلك توجب الاستعارة الشعرية من هنا ومن هناك والتدليل بها على ما نراه وما هو مخزون فينا.فالنص التي يؤلفه الحدث  هنا هو الكلام وليس الأفعال  الممتلئ بها،لأن الناس وحدها من يستنطقها الكلام الذي تنتجه. فالعالم من حولنا  ليس كله جديدا، كما يبدو ولا كل ما عندنا قديم كما يقال عنا. فأنت في رؤيتك المنهجية لهذه الجدلية تصبح بالضرورة جدليا لتلاحظ أولا، وتسأل ثانيا، ثم تخلق الجواب ثالثا، ولكن ماذا تلاحظ ففعل الملاحظة في النصوص الأدبية هو الإنتاج نفسه، وعندما يتعدد قراؤه تتعدد الملاحظة وهذا ما أحالتنا إليه رواية الضّالان من أنها نتاجنا في مجتمع آخر. أما فعل السؤال فهو فعل المعايشة البصرية للظاهرة نفسه  ومن ثم التداخل بين أن تكون كاتبا أو ناقدا، وهذا ما يجعلني أن أؤكد أن رواية ” الضّالان” رواية متميزة بحق لقدرتها على إثارة الأسئلة المنفتحة على تجربة غير مغلقة.أما الجواب أو الحلول فليس ثمة حل أو جواب بل زيادة في الأسئلة كي تنفتح الدائرة على احتمالات أخرى مفسحة المجال لتأويلات جديدة وقراءة أكثر التصاق بالوجود، أعني وجود فعل الضلالة نفسه . فأي نص  أدبي أو فني من نتاج أدبائنا العراقيين هنا عندما يملك جزء من الإجابة عن الوجود يعيد إليك توازنك الذي فقد بالاغتراب. فما يصلنا من نتاج أدبائنا العراقيين في الداخل أكثر من الشحيح، بل هو الفقدان بعينه. لذلك تجد في أي نص يمتلك ملامح النص الحديث  راحة فكرية وأملا في كتابة مقال نقدي حتى لو كان ضد النص. هذا ما حدث لي مع رواية محمود سعيد ” الضّالان” التي نشرتها دار الآداب عام 2003، نص يمتلك أجوبة عن أسئلة مثارة ومنها إن لم يكن أهمها: كيف يمكن لكاتب أن يكتب نصا بشخصيات  مختلطة الجنسيات: أوربية بالتجنس وعراقية مهاجرة، عن حياة أوربية هم شركاء في بنائها دون أن يقع في النمطية والافتعال؟. وعندما تنتهي من قراءة الرواية لا تشعر أن الشخصيات كانت أوربية أو غير أوربية بل هي مجسات عالج الكاتب بها رؤيته النقدية للحياة التي مروا بها. وضمن هذه المعالجة النقدية يمكن أن تتحول النصوص الجيدة إلى ملفات علم الاجتماع والتاريخ كما يشير إلى ذلك لوكاتش دون أن تفقد سمتها الأدبية والفنية، فالكاتب كتب تجربته عن الحياة ورؤيته لما يمكن أن يفعل في مثل هذه الحالات كتب حدثا مصنوعا بالكلام وكتب عن شخصيتين هما خلاصة لتجارب مجموعات كاملة من البشر وكتب عن أمكنة وأزمنة لا توجد إلا من خلال النص وإن كان لها متشابه في الواقع فالواقع المعطى خارجيا يبتعد كثيرا عن معايشة الشخصيات له فهم يفعّلون حياتهم خلال الكلام الذي ينتج وليس العكس أننا في حياة نص وليس في حياة شخصيات.إذ يمكنك ان تستعير مرة ثانية شخصيات أخرى ولكن لن تستطيع استعارة النص نفسه.
تتحدث الرواية عن شخصيتين:
الشخصية الأولى فتاة جميلة في العشرينات من عمرها أسمها كاثي يصفها الراوية بأنها آية من الجمال،والجمال في الرواية قوة غامضة ومبهمة وبنية مهيمنة تفتح نوافذ للسرد كلما وجد القاص ضرورة أن يتكلم عن شيء سري وغامض ومجهول في كاثي، شأنه شأن الغنى أو التسول أو الفقر أو السلطة..الخ ولذلك تحول الجمال إلى فعل مولد للقص وقدرة على توليد طاقة من الكلام المجهول بالنسبة للقارئ لاحظ ما سردته كاثي عن علاقتها بالرجال وأمها.فالكاتب وحده  يقرر متى يكتب عن الجمال ومتى لا يكتب. لذلك لم يوظفه القاص لقول مجاني أو لابتذال جسدي. وفكرة الجمال لا حقيقته منحت الراوي لأن يوسع من التداعي فقد جلب لها مشكلات مع أصدقائها الذين تركتهم، وتحول إلى قيمة مادية للقواد جور جورج بحيث عندما تركته تبعها متحملا كل المخاطر كي يعيدها إليه، فالقاص يعود مرارا لهذه القيمة كي يطعم سرده بمستويات قص لا تخص حامله بل دلالته وهذا ما وجدنا أن الجمال لم يأت على لسان الفتاة قط، بل على لسان الشخصية الثانية التي يتلبسها الراوي- القاص. فالجسد  في النص ثروة غير مكتشفة، أو قارة سابعة كما يصفه الشاعر حسب الشيخ جعفر، يعاد إنتاجه فنيا كلما كانت هناك زاوية رصد جديدة في مواقع  متغيرات السياق. لذا فكاثي ليست امرأة واحدة بل هي نساء: فهي شابة أولا، وجميلة ثانية،ولها جسد فيه مسحة مكسيكية- يونانية ثالثا، وهاربة من حياة العهر رابعا، ومنفتحة على التجربة دون تحفظ خامسا، و منفلتة يمكنها أن تتحول إلى ما يغاير حياتها سادسا، وثمة سابعا و….مائه فيها أيضاً. وكل هذه الصفات ذات بعد ثقافي وظفها القاص لصالح مفهوم “الضّلال ” بعض هذه الصفات طبيعي أتى من تقلبات الحياة، كالغربة والتعلم ، وبعضها مكتسب  كالمخدرات ومعاشرة السوء أو السكن في غابة أو الصدفة التي ساقت كاثي لتلتقي بعمر. والكاتب في اكتشافه لشخصية كاثي وما تتمتع به من اغتراب جسدي وثقافي يضع أولى خطواته على فهمه للحياة الغربية خلال الشخصية القصصية وليس خلال تجربته فقط وغالبا ما تصلنا هذه الحياة غير دقيقة عبر كتب ومرئيات إعلامية وصحافية. كل هذه المجالات منحت كاثي طاقة لتقليب الموضوع والغوص في أعماق الحدث والكشف عما نعلمه وما لا نعلمه فيها وفي ما حولنا. فالهروب وإدمان المخدرات ومنح الجسد لأي عابر يملك نقودا ثم الفطنة والذكاء الفطري والقدرة على الهرب والتخفي والاندماج بالطبيعة والعودة لسماع صوت وتغريد طائر الكوكتيل واللعب بالكلمات والبحث عن نفسها، كلها ممكنات وجودية منحتها الشخصية لنفسها كي تكون نموذجا قصصيا. يكفينا أحياناً منظار واحد لنرى بعض ما يحدث، ولكن عندما تتعد المناظر تتعدد الشخصيات وتتسع دائرة الرؤية والحياة معا.ً فكاثي تمتلك مقومات الجماعة يمكنها أن تمنح السرد أبعادا جديدة ومستويات قص تتناسب وثقافتها وتجربتها المتسعة رغم صغرها.  وهذه ثيمة قلما يلتفت إليها الكتاب الذي يكتبون عن أحداث وتجارب في الخارج في اختيار الشخصيات، عليك هنا أن لا تختار ما تعودنا عليه من نساء عراقيات أو عربيات قليلات التجربة وغير قادرات على السير معك ميلا واحدا دون أن يتعبن ولا يتوقفن عن الكلام.
والشخصية الثانية لرجل عراقي من البصرة في الثالثة والستين من عمره  أسمه عمر هارب هو الآخر، هربه الأول من نظام فاشي لم يذكره الراوي، وهربه الثاني من حياة المدينة الأمريكية ” شيكاغو” التي بدأت تضيق بعد أحداث 11 أيلول على الأجانب، وخاصة العرب، سبل العيش. شخص تجربة، وحكمة، ومقدرة على تفهم ما حوله، ينعته أصدقاؤه بصياد الشابات وها هي كاثي تأتي إليه دون أن يذهب إليها،ومسبقا فالقاص يختاره لذلك،مما يعطينا مدى لأن تكون القصة مغايرة للسياق المألوف عند الرجال،وفي الغابة حيث يقتعد وينام ويعيش، يعود بنا القاص لمكونات الإنسان الأساسية: العودة إلى رومانسية الريف.
شخصيتان فقط: عمر ينتظر السفر إلى السويد بعد أن جمع مالا يكفيه لشراء تذكرة، أملا في أن يجد بلدا لا تمييزا عنصريا فيه ويضمن كرامة الإنسان في العيش وفي المرض. وكاثي تهرب من قواد اسمه جور جورج بخمسين دولار أخذتها من آخر مضاجع لها وهو رجل كهل لم تتفق معه على إيصالها لمكان ما بل يلقي بها في الطريق بعد أن يضاجعها. الهاربان يقصدان بقعة غير مألوفة بالصدفة، وكأنها يخضعان لقوة قدرية غامضة كي تجمعهما، فالهرب لوحده الثيمة المنفلتة من العقل لذا يكون المكان الصدفة هو ما يجعل للهرب معنى غامض وبعد ذلك يفرض المكان الغامض على الشخصيات سلوكياته فعمر الذي يعيش في غابة بعيد عن أعين الشرطة هو جزء من مكون اجتماعي كبير ومألوف في أميركا، يحتمي  بخيمة ممتلئة بعدد الأعزب، يدعوها قصرا. ويتنقل في عربة صغيرة يسميها سيارة. ويعيش متخفيا في رحم الطبيعة- الغابة-  دون أن يجد في ذلك الحيز الواسع – الضيق أي فرصة لأن يبقى كما فرغبة التجديد جزء من وجود الكائن. شخصيتان تتحرك كل باتجاه مختلف. ووسط الغابة- الرحم- التي تعيدنا إلى بداية تكوين الأشياء يلتقي الضّالان الهاربان من هيمنة القوى الغامضة والسرية والمستغلة. ويبدءان خلق حياة جديدة يفترضها المكان وليس لها مقدمات. فالفتاة رغم  معرفتها بـ” جور جورج” الذي يلاحقها كي يعيدها إلى بيت الدعارة، تجد في الخلاص منه فرصة لأن تغيير سلوك حياتها ولكن ما تزال مشدودة إلى قيد المخدرات الذي ربطها جور جورج به يوميا، وإلى قوته وسطوته ومحسوبيته لدى شرطة المدينة لذا فهو سوف يتبعها لا محال فهي ترفض سلوكا معينا وهو هيمنة جور جورج ولكن في الوقت نفسه  تبقى خاضعة لقوى  خلقها هذا السلوك وهو المخدر الذي دأبت على تناوله يوميا كي تعيد توازنها الذي افتقدته،ووسط هذه الحال المتأرجحة حولها إلى كائن تتحكم فيه الأوقات الخاصة بالمخدر والجنس البضاعة. ومع ذلك تصر على الهرب منه دون أن تتخلى عن عادتها. أما جور جورج وهو يلاحقا قافزا الممرات والأشجار والطرق الملتوية، يسعى من خلال إعادة الفتاة للطبيعة التي خلقها لها لكي يكون منسجما مع أخلاقية المدينة، وأي خروج على هذه الأخلاقية المألوفة يعني تمردا يستوجب العقاب لذا فهو يطاردها بمدية وبقدمين وبقيافة القواد وبإرادة قوية جاعلا من حالتها حالة من يتمرد على سياسة القبيلة التي جمعها في بيوت للدعارة ومن مختلف البلدان: الروسيات والبرازيليات والأمريكيات وغيرهن. إلى أن يوقعه عمر في بركة ماء ثم يهدده بمسدس بلاستيكي فيولي هاربا وهو يتوعد كاثي  ورجل الغابة بالانتقام. وبالفعل يعود جور جورج في آخر الرواية لينتقم من عمر بضربه ضربا مؤلما ثم يهرب.
زمن الرواية الواقعي ثلاثة إلى أربعة أيام ولكن زمنها الحقيقي هو عمر الشخصيتين وتجاربهم التي ترد في السياق بطريقتين الكلام المباشر والتداعي. كان اليوم الأول من الرواية مكثفا غنيا تركز على كشف هوية الشخصيتين عمر وكاثي اللذين لم نعرف اسميهما إلا في اليوم الثاني، هي فتاة ملطخة بأوحال الطرق والذاكرة وهو رجل يحاول أن ينقي نفسه من أدران مجتمع لا يعرف إلا القتل وفي مكاشفة علنية وتنامي مشاعر التقارب ينامان معا دون أن يمس أحدهما الآخر. فالشابة المتعرية الآن جمال فطري في غابة من أعين متفحصة لرجل كبير خبر الجسد والجمال  وملتزم بأخلاقية الرجال الذين يبدون مساعدة للغير دون مقابل. لكن الفتاة التي وجدت نفسها في حماية وعطف تبدأ هي بالحركة تجاهه فتوقظ فيه كل صبوات العمر تحت دش من ماء معلب وصابون يطرق شعر العانة وممرات الجسد السرية. بعد اليوم الأول تتفتح الرواية على ممرات المدينة والنفس فنكتشف أنفسنا أننا في جمالية سرد غني وفي حالة من الشد لوضع يكشف في أبعاده عن رغبة حقيقية في أن يوصل الشخصين قصتهم لنا بيسر وبساطة فنية. في اليوم الثاني يبدأ عمر بتنفيذ طريقة يخلص فيها كاثي من المخدرات وذلك بتأجيل اخذ الجرعة ساعتين وسط مشاريع إلهائها واشغالها بسياقة السيارة وتعليمها فن السياقة على أمل أن تعمل لحسابها ببيع الآيس كريم للتخلص من هيمنة جور جورج والعهر معا.وفي تضاعيف هذه الآمال المتنامية تبدو الشخصيتان في وهج لقاءات وأحاديث مكنت القاص من ان يقلب شخصي دواخل وخوارج شخصياته، في اليوم الرابع  يجد عمر نفسه في عمل مركب يكتب قصة لصديقة الذي سيبيعها في البحرين لفتاة تتعد بنشرها ويعيش مع كاثي في صخب من الحب والحوار المتقلب ، وفي سياق النص نجد القاص ينفجر لغة وحالات في مواقع كثيرة قافزا بالسرد من حال الفردية إلى الجماعية ومن أميركا إلى العراق ومن الطفولة إلى الشباب معيدا علينا تراكيب الشخصيات التي تفصح بحب عن نفسها كما لو كانت تتبرأ من أجرام حياتي تلبسها دون إرادته فعمر يتعهد بتخليص كاثي من المخدرات وبالفعل ينجح في أربعة أيام ولكن دون أن يقطع المخدرات عنها وكاثي تستجيب للنغمة الغنية بالعمل والمساندة التي لمستها من عمر لتخليص حياتها من كوابيس العجز والاتكال ثم تبدأ بعد أن نجحت في السياقة وفي فتح محل لبيع الأيس كريم بالتفكير بزميلاتها .
ليس المهم تركيب الأحداث فالنص الروائي الجيد ليس بحدثه إنما بالطريقة التي ينفذ بها الحدث ولذا يمكننا أن نضع أحداثا أخرى وشخصيات أخرى في القالب الفني الذي صنعه القاص لروايته لنجد أنفسنا أننا إزاء عمل جميل آخر، من هنا تبدو الخبرة لدى محمود وقد تنامي وكبرت وتبدلت طرائق سرده القديمة التي كان فيها الحدث يقوده إلى السرد في حين هنا نجد طريقة السرد هي التي تقوده للحدث.
  ويكفي الروائي الجيد لحظة زمنية غنية ومشحونة ليسرد ما دار في سنة فالخبرة التي عليها الأستاذ محمود سعيد تمكنه من أن يلعب بالزمن لعبا فنيا فمثلا لم نكتشف علاقة كاثي بأصدقائها وتجاربهم في المخدرات والكيفية التي قتل فيها صديقها إلا في الصفحات الأخيرة من الرواية رغم وجود إشارات قليلة لعلاقاتها بالآخرين. وفي حمى التداعي كشفت كاثي مرة أخرى صورة أمها التي تركتها وهي طفلة وإذا بها سناتورة مدمنة وقد كشفت الصحافة حياتها فقررت هي وصديقتها الذهاب  إليها ولكن عدلتا لشحة النقود. فكاثي تشعر أنها صاحبة تاريخ، وأن جذرها المشوه بالمخدرات هو جزء من بينة الدولة والنظام الأمريكي، لذا فهي ليست غريبة وتاريخها الشخصي طبيعي وجزء من بنية مجتمع، القاص لم يبلغنا دفعة واحدة بشخصية الأم الغنية، بل أختار لها مواقيت فنية غالبا ما تكون كاثي في لحظات تحول وتغيير في سياق حياتها مما يجعل الماضي عامل دفع للتغيير والسرد تحول في مجرى الأحداث،.
يكفينا لإقامة بيت الرواية شخصين وعالم غرائبي وحياتي مفترقة، والباقي لإكمال بناء البيت الروائي.هذا ما تنبئ عنه كتابات الأدباء العراقيين في الخارج فبالرغم من امتلاء الحياة بكل ما هو جديد نجدهم يفقرون مخيلتهم ويشحبونها بما يملكون دون أن يمتحنوا خبراتهم بما تجود به الأرض الجديدة، هل ثمة اغتراب فني في هذا أم أن المخيلة العراقية لم تجد نفسها بعد رغم المآسي التي تحملها؟ المخيلة النشطة هي التي تعيد للنص روحه المتدفقة. يوم كانوا يكتبون  وهم في العراق عن العراق أو الجزائر أو مدن الحلم الأخرى، كانوا لا يستعيرون إلا الواقع العراقي الغني فيضيفونه على الواقع الآخر المستعار. بينما نجدهم وهم في الخارج شاحبو المخيلة لبعدهم عن موطن الإبداع والغرابة. لا شك أنها مشكلة بحاجة إلى دراسة وعمل وتفحص دقيق وإلا عدنا من حيث ابتدأنا نلتقط حدثا من هنا ومن هناك ثم نسيجه ونؤطره بما نعرف فقد نسمي الحالات بأسماء  مفترضة أو واقعية ثم نعيد ترتيب البيت من جديد وفق سياق آخر. الرواية العراقية بالذات وبعد أن مر العراق بما لم يمر به بلد آخر في العالم منذ ستين سنة عليها أن تخلق بيتها الروائي الجديد من مناخ وجغرافية المزاوجة الغنية لا المزاوجة الخدرة والقشرية، عليها أن تتحرر من كتب التاريخ ومدوناته وإعادة صياغتها وفق سياق النص القديم، وعليها أن تتحرر من البهرجة التي تنجتها خانات وموانئ ومدن وبارات ونساء أوربا، عليها أن تغور في أعماق الإنسان العراقي الذي بدأت دماؤه تختلط بدماء أخرى فتتغذى وتتضاد معا. عليها أن تتحرر من هيمنة القرية والبلدة وتندمج في كيان المدينة وسياقاتها وأخلاقها وأسواقها وتبدلاتها وتغيرات نسيجها اليومي، عليها أن تكون مليئة بالمخيلة وبالوقائع دون أن نعيد فيها سرد ما مر، أو تذكر ما حدث. وإذا كانت الرواية التي يكتبها أدباء يعيشون في الخارج قد بدأت بالتحول واقتناص الجميل والنادر، فالمجال أكثر رحابة لأن ترى أن ما يحدث في عالم اليوم ممتلئ بالغرائبي رغم علمه، وبالسحر رغم واقعيته، وبالديني رغم إلحاده، وبالإلحاد رغم جوامعه وكنائسه. لذا فالرواية القادمة إذ تكتب نصها الجديد عن أرض وناس العراق لا تجعل منهم أفكارا مجردة من واقع، أو لغة  يصنعها القاص لقصيدة،أو نصوصا منكفئة إلى الداخل النفسي وتدير ظهرها للمجتمع . 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s