“الإيقاع والهاجس” رصد للمتغيرات أم استشراف للمستقبل؟

حسب الله يحيى

محمود سعيد يبحث عن الأحداث
ويسند لها البطولة المطلقة
                                                          

تعتبر رواية “الإيقاع والهاجس” لمحمود سعيد من الروايات التي تنتمي إلى حركة المجتمع، تلك الحركة التي ترسم الخطى المستقبلية الباحثة عن التغيير الحقيقي مستهدفة الوصول إلى حياة حرة كريمة خالية من العسف والقهر واللاعدل.
ومن خلال سرد روائي مكثف لأحداث خلال فترة الستينات في العراق وما رافق تلك الأعوام من متغيرات سياسية واجتماعية سريعة. نتبين أن الروائي يحقق للأحداث بطولة روائية على العكس من روايته السابقة “زنقة بن بركة” التي جعل منها رواية شخصيات، جاعلاً الأحداث في موقع غير أساسي.
وتبدو الأحداث في “الإيقاع والهاجس” أحداثاً بسيطة يمكن معالجتها في قصة قصيرة، إلا أن محمود سعيد توقف عندها بتأن. فعبر مدرس مفصول من وظيفته، خرج من السجن بسبب حسه الوطني. نواجه محنته مع أسرته وهو يعاني من غربة حادة بينه وبين أقرب الناس إليه- أولاده وزوجته ومعارفه.
طفلته التي اعتادت على سطوة الشرطة، تعتقد بأنه أحدهم، الزوجة التي انطفأت فيها الأنوثة. لا تجد ما يبرر لقاءه بها. الصديق الذي اقترض منه نقوداً غاب ولم يعد يجده أبداً. الناس الذين يريد التعامل معهم، يحس بأنهم يريدون استغلاله أو الشك في أمره عندما يريد بيعهم بعض حاجاته.
بعض البسطاء الذين سجن دفاعاً عن قضيتهم تغيرت مواقفهم حتى المكان الذي يسكن فيه صار عرضة للتغيير وبات مكاناً مثيراً للشبهات.
كما أن دعي العدالة “المحامي” كان يستغل جهل الزوجة وعاطفتها مدعياً بأنه كان يعمل للإفراج عن زوجها.
هذه المتغيرات جميعاً، كان لها دلالتها وتأثيرها على “حسن” هذه الشخصية الوطنية الواعية التي تنشد الاستقامة عملاً وسلوكاً. إلا أن كل الأشياء التي حدثت وكل المتغيرات لم تسهم في تحقيق نقلة جديدة في مهمات العمل السياسي والاجتماعي.
وعلى الرغم من عدم إدانة هذا التوجه المحوري في الشخصية الروائية الرئيسية “حسن” بعد كل هذا. وبشكل واضح ومباشر إلا أننا نصل إلى محصلة يبدو أن الروائي يقف إلى جانبها وينتمي إلى مبادئها وهي النقلة الثورية للابن “أسعد” الذي رسم المستقبل بمواجهة العنف بعنف متقابل. ففي الوقت الذي كان أحد المسؤولين يقوم بفصل الوطنيين من أعمالهم ومنهم والده، بادر أسعد إلى مواجهته مواجهة حاسمة وقتله، ومع أنه واجه حكماً بالموت بعد هذه العملية، إلا أنه ظل متماسكاً، معتداً بموقفه الوطني، كما لم نجد له إدانة أو أي موقف سلبي من قبل الأب والأسرة جميعاً، بمعنى أن ما جرى هو موت إيجابي، يقدم تضحيات باتجاه تصعيد قيم الحياة الأفضل. بينما كان القتل العمد سلبياً. وهو بمثابة تحذير ضد أولئك الذي يقفون على الضد ممن يعشقون الحياة الحرة الكريمة.
وهذه السطور لا تقدم تلخيصاً لأحداث رواية: “الإيقاع والهاجس” وإنما نسعى لرسم تصور وفهم لطبيعة تلك الأحداث وكيف عالجها المؤلف معالجة واقعية متأنية.
محمود سعيد ركز على إيقاع الحملة السردية الواضحة، واقترب من اللغة المحكية في كثير من الأحيان، وإن كنا نتبن بعض الومضات الشعرية في جملة مثل: شع لسان من الشمس ضعيف يضرب الباب والشباك”.
كما رسم نموذج شخصية “حسن” المتفائلة دوماً مع أن كل شيء منطفئ أمامها.
“لم أر شيئاً يسر، أسعد تارك للدراسة، وقد كان قاب قوسين أو أدنى من الجامعة، هالة مريضة، وأنا كالمشلول، مع ذلك فإن متفائل جداً، نعم متفائل، وجودي معهم خير من عدمه، لابد أن أطور حياتهم إلى الأحسن”.
وإذا نظرنا إلى “حسن” ضمن الصورة المكبرة، للتوجهات السياسية في الستينات نجدها تقترب تماماً منه، الأمر الذي أدى إلى سلسلة أخطاء لا مبرر لها، وتضحيات كبيرة كان يمكن ألا تقع، وقد تنبه “حسن” إلى حقيقة نفسه: “كنا نعمل من أجل سعادة كل الناس الفقراء، الحفاة، الجياع، كنا آنذاك سعداء ولكن آلام الآخرين تحزننا، وتدفعنا للنضال، أصبحنا الآن أشقياء كأولئك الذي كنا نعمل من أجلهم، فهل ننتظر من الآخرين أن يناضلوا لإنقاذنا”.
ويؤكد من جديد في مواجهة نفسه: “كلما فكرت في تصرفنا قبل السجن لا أجد مجالاً للندم، ولو عادت تلك الأوضاع إلى سابق عهدها لسلكت السلوك نفسه، وسأبحث أيضاً عن خيط يعيدني إلى الشبكة التي كنت جزءاً منها والتي مزقتها العواصف”.
هنا تكمن إشكالية “حسن” مع نفسه وعمله وسلوكه وانتمائه والروائي يقدم وجوده وفق ما هو عليه، لا وفق ما يريده له. الروائي يزرع حقائق حياته ويريد منا أن نقف منها موقفاً آخر. أو في الأقل موقف تأمل ومراجعة لها، إنه يدعونا لدراستها، باعتبارها تشكل توجها سياسيا كاملاً، والرواية كلية تعالج هذا المناخ معالجة وصفية تسجيلية، كونها تمثل مرحلة تاريخية كان الروائي شاهداً موثوقاً به على طبيعتها.
وعلى نحو آخر يتأنى الروائي في الصفحات الأخيرة من روايته، حيث يقدم وصفاً داخلياً لوقع الأحداث على “حسن” بينما كان قد أهمل مثل هذا الوصف في أحداث سابقة لها وللشخصيات الأخرى، الأمر الذي جعل وجود تباين في طبيعة الأداء النصي في بداية ووسط الرواية وبين نهايتها.
كذلك يقدم هواجس الناس التي كانت تحرص على أن تمد عملية استشهاد “أسعد” بقيم مادية ومعنوية واضحة، وهو موقف وأضح تبنى على أساسه مواقف فعالة، وترسم من خلالها خطى لعمل ثوري حقيقي، كانوا يندفعون نحو النعش، يتلقفونه بحيوية مقدسة، حتى أنهم لم يتركوه يحمل سوى ثوانٍ معدودة كان جزءاً منه، من فؤاده، من روحه فأصبح في الجنازة ملك الجميع”. وحتى السطور الأخيرة، عندما تساقطت الأمطار مزيحة كل الأوحال، و”غسلت الإسفلت وبلاط الأزقة، واستمرت تهطل، والجميع يزداد ويزداد..” نتبين أن موقف الروائي كان إلى جانب الفعل الثوري الذي مارسه “أسعد” ومثل هذا الموقف هو الذي يرسم المستقبل المنشود.
إن رواية محمود سعيد: “الإيقاع والهاجس” شاهد حقيقي على مرحلة تاريخية لستينات العراق، كتبت بإيقاع هادئ مركز وحوار متقن متأن. ومن ثم انتقل هذا الهدوء إلى إيقاع تميز بالسرعة والعمق معا، وكان أكثر حضورا وأهمية وأدق في التأثير على المتلقي، مما حول هذا الإيقاع الواعي إلى هاجس مندفع إلى الأمام.
دبي/ البيان. 3/1/1996
مجلة الجيل/ لبنان/ 8-1996  

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s