محمود سعيد في روايته (نطة ضفدع) اجواء قاسية تدفع لمغادرة الاوطان واستذكار للحرب الاهلية اللبنانية

شكيب كاظم

الخميس 08-03-2012
اعاد قراءة رواية (نطة ضفدع) للروائي العراقي المغترب محمود سعيد والصادرة طبعتها الاولى عام 2011، عن دار الغاوون للنشر والتوزيع ببيروت، اعادت لي صور ادب الحرب الاهلية اللبنانية التي اندلعت في شهر نيسان من عام 1975، وانطفأت جذوتها باتفاق الطائف عام 1989، فهي فضلا عن تصويرها لحياة اثنين من المهاجرين الهاربين من العراق، وتحديداً من مدينة الموصل، بدايات سنوات الحرب العراقية الايرانية، توقا الى مدن الحلم، وبحثا عن حرية مفتقدة، ومايتعرضان اليه، نور الدين وصديقه ذنون من مخاطر ومطبات ومفارقات ، لعل من امثلها في الذهن خوفهما الشديد من هذا الشاب الذي كان يسير خلفهما كأنه ظلهما، وماينتابهما من هواجس ومخاوف ، كونه عيناً للجهات الامنية، وانه مكلف بمراقبتهما او القاء القبض عليهما، حتى هم نور الدين بدفعه من القطار، الذي كان يواصل سيره بغية التخلص منه، لكن صديقه ذنون يمنعه من اقتراف هذا العمل المتهور ، ليظهر لهما، وقد نزل معهما في الفندق نفسه الذي نزلا فيه، انه هو الاخر هارب من العراق وانه لايعرف شيئاً في هذه المدن السورية التي لجأ اليها، ويطمح الى مساعدتهما ، بعد ما سمعهما يتحدثان باللهجة العراقية ، ما ان انتهيا من عملية تسجيل الاسماء حتى تقدم الرجل الاسمر الى موظف الفندق وبلهجة عراقية مضطربة: انا ايضاً عندي بطاقة شخصية – تكرم خيو.
يحدقان به برهة، ثم ينفجران بقهقهة قوية ، يهتفان بوقت واحد: مادمت عراقياً فلماذا لا تعرف نفسك؟
يبتسم الرجل ، ينظر الى نور الدين وذنون ومسحة خجل تغطي ملامحه: التردد لاشيء اخر رايتكما في القامشلي في المطعم ، تتكلمان اللهجة العراقية ، قلت نعم الرفيقين، اريد الوصول الى دمشق كنا ثلاثة جئنا من البصرة ، اعتقل اثنان في بغداد هربت ، تركت حقيبتي في الفندق، التقيت شخصاً في الكاظمية، اتفقت معه ان يوصلني الى الحدود بخمسين دينارأً ظل الشك يلازمني، اطمأننت حين رايتكما، علمت انكما تتجهان للغاية عينها ، تبعتكما.
اطمأننت انت لكنك قتلتنا من الرعب (…) قهقهوا جميعاً.. ص53 ، ص54.
اعادت الى ذاكرتي المطبات التي تعرض اليها الراوي المركزي في رواية (عراقي في باريس) الرائعة للروائي العراقي المغترب صموئيل شمعون، اني اطمح ان يقرأها محمود سعيد، التي تحاذي المنغصات، وسوء الظن الذي حاق بنور الدين وزميله وصديقه ذنون، وانتهت بركلات وصفعات وشق في اعلى صيوان اذنيهما اذ من مفارقات الحياة وتعاستها، ان يعتقل الراوي المركزي في رواية (عراقي في باريس) في اكثر من بلد عربي، وكل بلد يحسبه جاسوساً للبلد الاخر ، تعتقله احدى المجاميع المسلحة، ايام الحرب الأهلية اللبنانية ولاننا – دائماً- نحسب الاخر عدواً ، لا لسبب ، فانه يعتقل لاتهامه كونه عيناً استخبارية متلصصة للفلسطينيين ، غير انه – عبثاً- يحاول افهام معتقليه ، انه رجل يهوى السينما والافلام، وانما غادر بلده العراق، طامحاً بالذهاب الى عاصمة السينما الامريكية ؟ هوليوود، اذ يسأله معتقله- وتاتي هنا المفارقة – عن السينما الفرنسية ومخرجيها ، واضعي الموسيقى التصويرية لها، ممثليها ، ممثلاتها الجميلات، واذ كانت بضاعته عن السينما الفرنسية قليلة مطففة، فان ذلك يزيدني شك معتقله به، وحنقه عليه، فيوقع به اشد الاذى والتعذيب ، صارخاً به : يا ابن الشرموطة، كيف تريدني ان اصدق انك تحلم بالعمل في السينما ، ولاتعرف جاك لوك غودار، ولم تسمع بالنوفيل فاغ ها؟ لقد اعطيتك فرصة اخرى وفشلت فيها ايضاً.
لكنه ، بطل الرواية هذه ، ومن اجل ان يزيل التهمة عنه، يدلي بما يعرفه عن السينما الامريكية، صارخاً بصوت عال: انني اعرف كل شيء عن جون فورد، جون واين، هنري فوندا، جيمستيوارت، كاري كوبر، مورين اوهارا.. ويظل يسرد عليه معارفه بالسينما الامريكية، مما يزيل الريبة فيه وتاتي المفاجأة بان يطلق سراحه!! نورالدين وذنون الهربان يطمعان للحصول على جواز، يتيح لهما السفر الى مدن الاحلام، ولانهما لايعرفان احداً، ولايملكان الوثائق الكافية، والمال اللازم للحصول عليه ، فلم يبق امامهما سوى زج نفسيهما في احدى المنظمات لكنها وهي المدججة بنظرية المؤامرة والاختراق ، تعاملهما معاملة مرتابة قاسية، ولانهما معتقلان، ولايحملان رسالة تزكية من احد، ولم يذكرا من ساعدهما على الهرب، اذ ان كل القادمين من العراق معهم رسائل تزكية من احزاب ، او شخصيات، او اسماء من تكفل بتهريبهما، فهما الوحيدان اللذان جاءا من غير مساعدة او رسالة، هذه الحفلة التحقيقية، التي تشوبها اجواء الريبة والشك، انتهت بنور الدين وزميله ذنون بعد ان اشبعا ركلاً وضرباً وصفعاً، باحداث شرخ في اعلى غضروف صيوان اذنيهما، مع موجة من الشتائم المقذعة للبدن (افتحا اعينكما اولاد (…) ، اولاد المخانيث، ايها المجرمون، ايها الخونة، انظرا جيدا . دماء لم تجف بعد على الحائط. اعدمنا البارحة خائناً جاسوساً مثلكما (…) هذا درس لكما،  لكل جاسوس، يامخانيث .. ص98.
ولان الريبة تنفث سمومها في كل مجال ، بسبب النزاع والحرب ، ولان الانسان متهم حتى تثبت تهمته لا براءته، فلا براءة في اجواء القتال، ما كان شأنهما، وقد ذهبا للسباحة في البحر، مع الجانب الاخر بأفضل مما جوبها به في ذلك الجانب، ولانهما غريبان لايعرفان تضاريس المدينة، وانقسامها على نفسها ، حسب النسب السكانية المتقاتلة، فقد زجا نفسيهما بمصير مماثل، ولكن مع الجانب الاخر والمختلف.
((قبل ان ينهي نور الدين كلامه بادر بلكمة على عينه اليسرى طرحته على الرمال، (…) بادر اخر فوجه الى ذنون لكمة مماثلة على انفه (…) فيما تناوب الباقون على لكمهما في الوجه والصدر (…) فتشا حقيبتيهما الصغيرتين، اخرجا كل شيء (…) من حسن حظكما انكما لاتحملان ما نشك به والا قتلناكما هنا كالكلاب، ارجعا، من حيث اتيتما)) ص131 ، ص132.
مقتل يوسف ابو الخلود، الفلسطيني الضاج بحب الحياة، والذي لاينسى نصيبه منها على الرغم من اجواء المعارك وازيز الرصاص وانفجار القنابل وروائح البارود، يوسف الذي هيأ لزملائه تلك الليلة الضاجة بالانس والحبور في بار الصياد، التي افسدها ذلك المقاتل الثمل المبتذل، وهي مفارقة ينص عليها الروائي محمود سعيد، مفادها ان الحركات السياسية، غالباً لا تدقق في سلوك المنتمين اليها انها غالبا تبحث عن الكم والعدد ، لا النوع والامكانات، لذا كانت تضع نفسها موضع النقد والمساءلة من عناصرها وخصومها على السواء، مقتل يوسف ابو الخلود، الزارع زوجته واطفاله الثلاثة في مخيم بالاردن، والذي لايستطيع زيارتهم الا بضع مرات في السنة، واحياناً مرة او مرتين، بسبب مشاكل السفر التي لاحصر لها في الطريق، والباحث عن الامتاع والمؤانسة، هنا في بيروت ، على الرغم من اجواء الحرب، مقتله بقصف يذكرني بمقتل اسعد في الصفحة الاخيرة من رواية (الشياح) للروائي العراقي الرائع المهاجر اسماعيل فهد اسماعيل التي اتمنى لو يقرأها محمود سعيد، فانها عمل روائي مبهر استمد اسمها من اسم حارة الشياح الشهيرة ايام الحرب الاهلية اللبنانية.
(( لعله لم يمت)) فزعها يصطرع مع اصرارها ، يجب عليها ان تتأكد: اسعد لايزال حيا. اطلاقة اخرى في البعيد (..) وزحفت خطوة . جسم اسعد يكاد يلامسها (..) الصقت اذنها بصدره . الصمت (..) عليها ان تبدأ زحفها عائدة. رشقة اخرى من المدفع الرشاش، واحست كما لو انها تعرضت لركلة عنيفة في ظهرها ، وشيء ساخن جداً _ كمثل حجر الفحم – ينفذ في لحمها ، فالتفتت غير مصدقة . لا احد يقف خلفها. الركلة الثانية باقوى ، فتداعت )) ص166 ، ص167 من رواية الشياح لاسماعيل فهد اسماعيل. طبعة دار المدى الطبعة الثالثة 1996.
واذا كانت فائزة قد قتلت عند جثة اسعد، وقد زحفت نحوه املاً في انقاذه، فان  نور الدين ينجو من الموت، وقد هرع نحو صديقه الفلسطيني يوسف ابو الفوز، طامحاً لمعرفة مصيره او اسعافه، بعد تلك الرشقة من القصف.
((… يقترب منه نور الدين  (..) اخترقت عشرات الشظايا الصغيرة جسده . رأسه . صدره. اطرافه. ملابسه منقوعة بالدم. لكن جسده مازال دافئاً . ابهذه السرعة تنتهي يا يوسف ؟! ابهذه السرعة تغادرنا؟ اكل تلك الحركة والعنفوان والصخب تختفي وبسرعة البرق!؟ لالا يمكن ان يكون مات! صوته مازال يحوم حولهم، يترجع صداه في كل مكان: الانسان اجمل حيوان على سطح الارض، ويذبح كل يوم ، يرفعه على صدره كالطفل. تنهمر الدموع من عينيه. تسقط يد يوسف ، تتارجح ونور الدين يسير به نحو مدخل العمارة . تهرع احدى النساء، تجلب شرشفاً ثخيناً ، تغطي الجثة))
ويا لمصيرك المأساوي يا ابن الانسان ، اذ تتحول بعد ان تفارقك نسائم الحياة الى جثة، لقد اضحى يوسف ابو الفوز عاشق الحياة .. جثة..!

http://www.altaakhipress.com/printart.php?art=10282 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s