قراءة في نصوص الزمان: العظّايات الأميركية المتوحّشة

        حسين سرمك حسن
يتذرع الكثيرون من المنافحين عن مذهب الفن للفن، ممن يخلعون الفن والنص الإبداعي عن حاضنته الإجتماعية، ويبعدون المبدع عن هموم المجتمع الذي يعيش فيه بدعوى أن لا مرجعية للفن والعمل الفني إلا الفن والعمل الفني نفسيهما، وبذريعة مفادها أن الشروط الفنية والجانب الجمالي والألق النفسي المطلوب للنص الإبداعي سوف يضعف كثيرا، لأن المبدع سوف يلجأ إلى المباشرة، ويتخلى عن الكثير من المستلزمات اللغوية والتصويرية التي تجعل الفن فنّا لا انعكاسا “آليا” للواقع الإجتماعي . فالمفترض في الطبيعة أنها هي التي تحاكي الفن بعد أن يحاكيها ابتداء في مراحل الخلق الأولية. ولكن المبتدع المقتدر لا تقف أمام إمكاناته الخلقية الباهرة مثل هذه الحواجز المزعومة، فهو وبالتحامه الصادق والملتهب بقضايا الإنسان المعذّب يوفّر شحنة الإنفعال العزوم هذه في تأجيج الفعل النفسي لأفكاره وتصعيد الأثر الجمالي – المؤلم عادة هنا – لصوره ورموزه . والقاص والروائي “محمود سعيد” هو من هذا النمط من المبدعين. فقد قدم أعمالا تعالج الهم الإنساني العراقي اليومي والتاريخي من دون أن تضعف الاشتراطات الفنية في نصوصه ابدا . وفي قصّته “العظّايات الخضر” المنشورة في ملحق “ألف ياء” الزمان الغراء- العدد 3566 في 13/نيسان/ 2010- يقدّم الأنموذج المحكم على ما طرحناه. ففيه يعالج- وقد تكون له الريادة في هذا الإطار بين الكتاب العرب- محنة تعذيب المعتقلين العرب في معتقل “غوانتنامو” كما تشير القرائن في القصة بصورة غير مباشرة. ولا أعتقد أنني قرأت نصا سرديا عن هذه الجريمة الأميركية المروّعة التي يخشى الكثيرون من الدول العظمى إدانتها بصورة مباشرة. لقد اقترفت هذه الجريمة ومازالت أمام أعينهم الرعديدة بلا رفض مباشر برغم الاحتجاجات العابرة والخجول. لكن الجسارة الصادقة تأتي من المبدعين عادة، وليس من السياسيين عليهم لعنة الله. والقرائن الغير مباشرة نثرها محمود في نصّه ببراعة ليجعل سمات المكان المقصود واضحة من أنها معتقل “غوانتينامو” برغم عدم ذكر الإسم بصورة مباشرة. فالمعتقل الذي تعمل فيه المترجمة العراقية “زينب” يقع على بحر وتحيط به مزارع قصب السكر وغابات جوز الهند. وهو معتقل أميركي بأمرة الجنرال “ديفيد ميلر” –المشرف الأصلي هو الجنرال “نورمان ميللر” الذي أرسل لاحقا إلى معتقل أبي غريب للإشراف على تعذيب المعتقلين العراقيين في الفضيحة الشهيرة التي حاول البعض من المتواطئين تصويرها وكأنها من بعض التفاحات الفاسدة- بعض الجنود الشاذين- التي لا تخلو منها اية سلّة. والتحقيق يجري مع مواطن مغربي هو “أحمد الطويل”- تاجر السجّاد- المتهم بتهمة الإرهاب التي جعلتها أميركا روتينية في الحياة الإنسانية حتى وصلت درجة الإبتذال، في حين أنه اعتقل على الحدود الأفغانية الباكستانية في مهمة بريئة كان يوصل فيها السجاد الذي تبرع به أثرياء “بيشاور” لتجهيز بضعة مساجد تابعة لمدينة “جردي” الأفغانية أعيد بناؤها إثر غارة أميركية دمرتها بالكامل. ولكن الإحالة اللامباشرة (الرمزية) الأهم هي الإشارة المتكررة إلى تلك العظّايات الخضر التي ملأت أرضية المعسكر بصورة مخيفة أرعبت “زينب” وهي تشاهدها أول مرة: (حدّقت بالأرض لأول مرة. ما هذا؟ ارتعبت. أمامها أرض مليئة بعظايات خضر، تلمع نقط فسفورية خضر على ظهرها. لم ترها من قبل، أعينها السود ساكنة جاحظة، لكنها تلمع . أهي ميتة أم نائمة؟ أتنام وهي مفتوحة العينين؟ أم تراها مستيقظة؟ ارتعبت. لا لن تنزل إلى الأرض قط). لكن لماذا لم تر زينب هذه العظايات وبعددها الهائل الذي غيّر لون الأرض المحروقة بالشمس إلى لون أخضر؟ والجواب هو أنها التحقت بالمعتقل ليلا ، واغتصبت في الليلة نفسها، على يد العسكريين الأميركان، وأمضت أيامها الأولى في المستشفى لمعالجة جراحها. لم يأبه أحد لشكواها وبكائها. حتى الجنرال ميللر أظهر استجابة لاإنسانية وداعرة عندما أظهر لها صورة (لضابط ضخم لم تره قط يحملها هي نفسها بين ذراعيه كطفل، يحملها مستسلمة، مغمضة العينين. سألها الجنرال : أهذه صورتك؟ لا يستطيع أن يحملك بين ذراعيه لو لم تكوني موافقة، لا يشك بذلك أحد. الصورة لها . لم تتذكر إلا وهي تثرثر مع زميلاتها وتشرب الكولا. ذلك وحده في دماغها. إذن كيف حدثت الصورة؟ ). لقد اغتصبوها بصورة مدبّرة. وقاموا بتصويرها لابتزازها. وقد جرت العملية القذرة على جميع زميلاتها المترجمات اللائي جئن معها على طائرة الشحن التي أقلتهن من ديترويت. فقد اكتفين بالدموع عندما كانت تسأل كل واحدة منهن خلال زيارتهن لها في المستشفى: هل حصل لها شيء مماثل؟. لقد اغتصبت وهي غائبة عن الوعي بفعل المادة المخدرة التي وضعت لها في شراب الكولا لكي لا تعرف من هو مغتصبها، فتصبح بالتالي فريسة شك متصل ومؤرق بأن أي واحد من جنود المعتقل يمكن أن يكون هو الفاعل. وهذا ما حصل مع الجندي الأميركي الأشقر الذي التحق بهما، هي والجنرال ميللر، وهما في طريقهما لاستجواب السجين المغربي: (إبتسم الجندي لها حينما اقترب. التقت عيناهما برهة. انقبض قلبها. لاح لها شبح الاغتصاب الذي مزق أعضاءها. جعلها تفقد في المستشفى أكثر من اثني عشر باوندا. لم تدري لماذا نظرت إليه ثانية. يبتسم الجندي ابتسامة واسعة. ما معنى ذلك؟ أساهم بالجريمة؟ لم تستطع أن تستشف شيئا من ابتسامته. أهو بريء أم بارع إلى درجة أنه جعل الابتسامة تبدو محايدة؟). وبالمناسبة فهذه النتيجة من معطيات البحوث النفسية الأميركية؛ أن تكون الضحية تحت رحمة الجلاد المتخفّي والمشخصن في أي ممثل له أو رمز يتضمنه إلى الأبد. هنا يصبح الجلاد “شبحا” أو “روحا” ملعونة تتمظهر في أي صورة، وتطارد الضحية في أي مكان. وزينب التي اغتصبها العسكريون الأميركان الخنازير ولا تعرف من اغتصبها منهم، صارت تحت سيطرة جلادها بلا رحمة. وخلاصة الموقف الوحشي لجلادها هذا كثفه القاص البارع في رمز العظايات حين قال لها الجنرال مطمئنا، وهو يلمح انراعبها من العظايات: (لا تخافي. لا تؤذي إلا إن وطأتِ عليها. وتركتِ الفرصة كي تعضّك، آنذاك تترك أثرا كالوشم في جلدك لا يزول حتى الموت). وزينب تتحمل قسطا من مسؤولية الدوس على ذيل “العظاية” الأميركية الخبيثة. لا يشفع لها أن حياة ابنتها الصغيرة البريئة (عمرها سنتان) مهددة بالسرطان الذي صار يفتك بعظام جمجمتها. فيمكنك- كقاعدة أثبتتها دروس الحياة الإنسانية- أن تطلب العون من الشيطان ولكن ليس من الجيش الأميركي. لقد جعلوها تدفع الثمن (لا شيء من دون ثمن كما قال لها الجنرال ميللر) ولكنهم جعلوها تدفع الثمن مقدما. لقد اغتصبوها ليلة التحاقها بعملها الوعد كمترجمة في المعتقل. والأنكى من ذلك أن الجنرال هذا شرح لها أبعاد الصفقة بكل سفالة ومن دون أدنى احترام لمشاعرها الجريحة:                                            (فاجأها الجنرال: كم ستتسلمين سنويا بموجب العقد؟                               ظنته يريد تغيير الحديث. دمعت عيناها. حدّق بها بقوة. قالت: مائتين وعشرة آلاف دولار.                                                                                     -المدرّسة في الثانوية لا تتسلم أكثر من خمسة وثلاثين ألف دولار في السنة. راتبك يعادل ستة أضعاف المدرّسة. لكل شيء ثمنه. أليس كذلك؟                                       استنتجت ما لم تكن تتصوره مطلقا. بدأت دموعها تنهمر . ظلت ساكتة. أضاف الجنرال: ذكرتِ في أوراقك أن ابنتك تحتاج إلى عملية مهمة.                                    هزّت رأسها مؤيدة.                                                                                 -سيكون لها ذاك بتضحيتك).                                                                      لقد مزّقوا شرفها شرّ ممزق، وصوّروا العملية كدليل للإبتزاز مستقبلا. وهنا يحضر رمز العظايات المقيتة : (أغمضت عينيها. لن تنظر إلى هذه العظايات قط. ستنظر إلى السماء. لم يذكروا لها في العقد أن عليها أن تسير وسط وحوش لم ترها من قبل؛ وحوش مقززة كهذه العظايات).
وقفة على عبقرية اللغة العربية:                                                                  —————————–                                                                   قلت في مقالات ودراسات ومحاضرات كثيرة إن اللغة في اللحظة الإبداعية تنسرب معانيها بصورة لاشعورية، منطلقا من أن لاشعور المبدع هو شعوره، وأن القسم الأكبر من فعله الخلاق يتحكم به اللاشعور من خلال آليات اشتغاله في التكثيف والنقل والتصوير والترميز منطلقين من أطروحة مركزية ترى أن عمل اللغة يشبه عمل الحلم. وانسراب تلك المعاني يأتي كحزمة مكثفة في الغالب. لقد اختار محمود سعيد عنوانا هو “العظّايات الخضر” واضعا بصورة مسبقة أن يستثمر دلالاتها الضمنية محكومة بالمعاني التي تحملها حركة الأصوات (الحروف) التي تكوّن جذرها متسترة بأغطية الحدث المركزي. ولو عدت إلى الجذر (عظا) الذي منه اشتقت كلمة (العظاءة)  لوجدت أن (عظاه) عظواً: اغتاله فسقاه ما يقتله. ويُقال: لقّاه الله ما عظاه: ساءهُ. وعظاهُ صرفه عن الخير. وكلها معاني تعبّر عن الأفكار المحورية والثيمة المركزية والتداعيات النفسية التي صممها القاص لنصّه جاءت مكثّفة- وكأننا نشهد نتاج عمل حلمي في جذر مفردة واحدة- على ساحة النص “الشعورية” بعد أن اختمرت طويلا في أعماق لاشعور المبدع. 
عودة :                                                                                       ——–                                                                                            وقد قلت مرارا إن على الكاتب أن لا يشرح ولا يفسّر، ويكتفي بالإيحاء والتلميح المبتسر لكن العميق فنيا خصوصا حين تاتي اللمحة الموحية في مكانها المناسب. لقد ترسخت في أذهاننا الطبيعة الرمزية للعظايات كتجسيد للمناخ المعادي المحيط بمكان عمل زينب من جانب، وكتمثيل لوحشية العسكريين الأميركان الذين تعمل معهم من جانب آخر. لكن الكاتب، وبعد الحوار المُحبط الذي طرح فيه الجنرال وجهة نظره المغثية الداعرة عن مبلغ الخدمة الذي ستتسلمه زينب سنويا كمقابل لضريبة دفعتها مسبقا ممثلة في عرضها المهتوك، ينقل لنا تداعيات زينب (من المؤكد أنهم أخذوا لها صورا أخرى وأوضاعا أخرى أشد قذارة. تذكرت كلام الجنرال حول العظايات. يبدو أنهم تركوا العظايات كي تكون رمزا واقعيا لكل من يعمل هنا، تترك عضّة العظايات أثرا كالوشم لا يزول حتى الموت). وقد شرح لنا القاص المعنى المضمر لهذا الرمز فأفسده. ولكنه يبقى محقا في أن عظة العظايات تبقي أثرا كالوشم لا يزول حتى الموت. وعظة العظاية الأميركية ليست في الجسد.. أو على الجسد . إنها معتادة على أن تعض البشر في مكان آخر لا يشفى حتى بعد الموت إذا جاز التعبير. إنها تعض الروح، وندبة الروح تبقى مهتاجة ومستعرة كالجمرة في أعماق الذات. يمكن أن تجرى لندبة عضّة العظايات الحيوانية عملية ترقيع جراحية. لكن لا يوجد أي علاج لندبة عضّة العظايات الأميركية “البشرية”. ولن تكتفي العظاية الأميركية بعضة واحدة. إنها معتادة، بل مدمنة، وبفعل النشأة التاريخية للمجتمع الأميركي وبفعل التركيبة السيكولوجية السادية العميقة للشخصية الأميركية، على أن تسحق الضحية بعشرات العضات التي يتراكم تأثيرها ليجعل هذه الضحية اشبه بالزومبي؛ الجثة التي تعود إلى الحياة بلا روح. وعضاتها من نمط الشدائد الفاجعة التي لا يسلم من تاثيرها أشد البشر تماسكا وقوة. والآن جاءت عضة أميركية جديدة ومضاعفة برغم أن زينب لم تبرأ ولو جزئيا من عضة الأمس/الإغتصاب. هذه العضة الجديدة تمثلت في الأمر الذي وجهه إليها الجنرال ميللر لحضور جلسة استجواب الشاب المغربي (أحمد الطويل) المتهم بالإرهاب. لم يشفع لها قولها الصادق للجنرال إنها راجعت التقارير والأشرطة. الأولى وهي مكتوبة من قبل المحققين تؤكد على أنه اعترف لكنه لم يكشف عن أعوانه، في حين أن الأشرطة التي بصوت الأسير، تشير إلى أنه كشف كل شيء وبلا تناقض عدة مرات، وأنه بريء، ولم يعد الموضوع بحاجة إلى استجواب جديد. لكن الجنرال مقتنع بثبات بأن أحمد يكذب وأن عليه أن يقول الصدق وأن عليها هي أن تستجوبه بحضوره (أعتقد أن المترجمين لا يُسلّمون ملفات المعتقلين لدراستها أبدا، وأن واجبهم ينحصر في ترجمة الأسئلة من وإلى الأسير فقط- الناقد) . وقد جيء بالمعتقل الآن ليمثل “مظهره” عضة مضافة بعد عضة مستترة تتمثل في أنه عربي وابن جلدتها: (وجدت بعد ثوان أمامها على الأرض العارية السجين، توقعت أنه هو أحمد المغربي الذي يتوجب عليها ترجمة أقواله؛ بذلة السجن الحمراء المتكونة من قطعتين، ساعدا السجين مشرعتان كالمسيح مصلوبا. ساقه الأولى مربوطة من رسغ القدم الأسمر العاري بزنجير من حلقات لامعة مثبتة إلى مسمار كبير في أرضية المقطورة. أما الأخرى فكانت مجذومة (مقطوعة- الناقد) القدم، يغطي جورب أبيض ما تبقى من الساق ، مثبتة من البطة ومن فوق الركبة بزنجير آخر إلى مسمار مماثل في الأرضية. حدّقت في الكرة التي يفترض أنها تكون الرأس. لم تجد فيها أي ملامح بشرية. هناك لفافة كبيرة حمراء تمتد من الجبهة حتى المنخرين، وكمامة أخرى تكمم الفم، وثالثة تغطي الأذنين، لم يكن في الجثة التي أمامها ما يمكن أن يدل على أن هناك كائنا بشريا سوى منخرين، لا يبدوان إلا إن وقف المتطلع إليهما من الأمام. أهو إنسان؟ ربما تمثال أُدخل في ملابس سجين، أو تجويف من النايلون منفوخ، إن كان بشرا فهو ليس بعملاق . لا يبدو قويا جبارا كما تصوره التقارير. من يدري ؟).                                                                   إن من يتأمل بدقة الوصف الذي يقدمه محمود سعيد للكيفية التي أُلبس بها السجين أحمد المغربي بذلة السجن، وهي الطريقة التي ابتكرها الأميركان كزي لسجناء غوانتنامو، فسيمسك بحقيقة نفسية خطيرة تتمثل في (العدوانية الفائقة) التي تسم السلوك الأميركي، ونقصد بها استغلال أي فرصة تتوفر لتدمير الضحية بأقسى الصور. فبشهادة حتى المراقبين العاديين لم يكن معتقلوا غوانتنامو بحاجة لمثل هذه التحديدات والكمامات والقيود الحديدية والزناجير والمسامير .. إلخ فكيف بأسير ميتور الساق!!. (وبالمناسبة فإن أحدث أدوات التعذيب القائمة على الأسس العلمية تُصنع في الولايات اتلمتحدة المدافعة عن حقوق الإنسان!!). لكن هذا السلوك السادي يستند إلى معطيات علمية وظّفها العقل الأميركي المفعم بالعدوان. فهذه التحديدات ومعها البقاء في غرفة مظلمة تماما لا يصلها أي ضوء أو صوت، والتدخل في قضاء حاجات المريض (تبوله وتبرزه)، وقطع الصلة بالعالم القائم خارج الغرفة نهائيا.. وغيرها؛ هدفها هو جعل السجين في حالة تامة من “الحرمان الحسّي- sensory deprivation” يصبح فيها السجين في حالة اعتماد كامل على جلاده في بقائه وفي تفصيلات حياته اليومية. إعادته إلى مرحلة الطفولة الاعتمادية المطلقة، لتشكيل سلوكه من جديد. وتكتمل العملية بـ “السيطرة” على حواس المريض (بصره، سمعه.. ) وما يستلمه من محفزات عبرها. وما يلبسه أحمد المغربي لا صلة له على الإطلاق بالناحية الأمنية، بل بتدمير شخصية وإرادة الضحية حدّ الخراب النهائي. وإذا كان جسد ونفس احمد المغربي قد حُطم أمام أنظار زينب العراقية التي هاجرت من البصرة إلى الولايات المتحدة، وحصلت على عمل كمدرسة للغة الإنجليزية، فإن نفس الأخيرة قد دمّرت إلى الأبد ليس بعملية الإغتصاب الوحشية والمدبرة والغائمة المصدر حسب بل بعملية التعذيب الوحشية التي لم تشهدها في حياتها المهنية والتي استهدفت ما يسمّيه العرب والمسلمون بـ (العورة)؛ تعذيب حيواني المضامين هدفه ليس إهارة الأسير عبر الألم الجسدي الذي لا يُحتمل فقط ولكن تدمير كرامته وتقويض احترامه لذاته من خلال كشف عورته والتلاعب بها باستهتار أمام أعين امرأة من قوم الضحية، الأمر الذي سيضاعف مهانة أحمد. ولا يمكن بأية حال من الأحوال تجاوز الوصف الفاجع والمدمّر لعملية التعذيب التي تعرّض لها أحمد المغربي على ايدي جلّاديه الأميركان والتي صاغها القاص بصورة معبرة ومؤثرة جدا :                                       (الجندي بيده اليسرى أنزل اللباس الداخلي، والسجين يتحرك يمنة ويسرة من دون فائدة.. بان أعلى فخذيه المشعرين وجزء من إليته اليسرى .. ازدادت حركة السجين شدة وعصبية. عندئذ سحب الجندي اللباس من الجانبين نحو الركبة، فخرج صوت السجين أشبه بأزيز مخنوق من تحت المنخرين. أنزل الجندي أصابعه الغليظة. أخرج عضو السجين. بدأ هذا ينتفض ويرتجف بشكل غير إرادي. كان الجندي يمسك به بإبهامه وإصبعين فقط ثم سحبه إلى الأعلى بقوة جعلت السجين يتأوه، لكن الكمامة أخرجت الصوت جافا مخنوقا. أصبح الحبل حبلا ضعيفا ممطوطا بطول خمسة عشر سنتمترا. تناول الجهاز الإسفنجي. فتح ظلفتيه المقورتين في الوسط، أطبقهما عليه. انتفض السجين مرة أخرى. لفّ الجندي الجهاز بشريط لاصق أسود ملحق به ثم رمى به فوق العانة الفحمية الكثيفة. ضغط على زر وسط السلك .. أخذ الجهاز يصدر صوتا قويا كالأزيز.. يرتفع ينخفض.. وأحمد يهتز معه مرتعشا كأنه جزء من الجهاز.. وكمامة الفم تنتقع بروال يخرج من فمه مع صوت مخنوق متحشر .. نهضت زينب. صعد القيء إلى حنجرتها.. أصبحت خلف الجنرال.. قذفت بعض السوائل على الأرض.. السجين مازال يتفتت من اهتزاز الجهاز القوي، وربما من الألم الفظيع، ترى إلى متى سيصمد؟ وإذ وصل عقرب الساعة إلى نقطة الصفر، هتف الجنرال: هذا كافٍ. إبدأ. فتح الجندي ضلفتي الجهاز، تناول العضو مرة أخرى، جسّه. كان قد اكتنز قليلا . بات في سمك الإصبع مع تغير لونه إلى حمرة فيها شيء من السواد. كان السجين لايزال يرتجف بقوة، بينما أمسك الجندي بحشفة العضو بأصابع يده اليسرى وشده إلى الأعلى ثانية، تناول العصا القصيرة السوداء باليمنى، وبلمح البصر وجه ضربة صاعقة إلى العضو جعلته يتأرجح يمنة ويسرة والدماء تنز من الجهة التي وجهت لها الضربة، فيما طفق السجين يهتز ويرتجف بشدة، يزفر ويشهق بقوة كالثور الذبيح، وكمامة الفم تتبلل باللعاب. كرر الجندي الضربة مرات عديدة. حتى تدفقت الدماء من العضو في غير مكان. لا بل تناثرت قطرات الدم في شتى الاتجاهات. وقعت بضع قطرات على وجه الجندي الأصلع، لوّثت الأخرى سرواله، بينما كوّنت باقي القطرات شبه دائرة إهليلجية على جسد السجين والأرض. شهقت زينب.. لم تدر متى توقف الضرب لكن جسد السجين لم يتوقف عن الحركة. كان يرتفع، ينخفض، والشهيق يشتد، والرأس يتحرك يمنة ويسرة. ومن تحت الكمامة سمعت صوت أسنانه يصطك بخفوت. إلتفت الجندي نحو الجنرال وسأله: هل نعيد الكرة؟. حدق الحنرال بالدماء تبلل لباس السجين الأبيض والسروال الأحمر، والأرض. قال: لا. هذا كاف. عندئذ تناول الجندي صندوق الإسعافات الأولية. رش على العضو من قنينة أشبه بقنينة العطر سائلا أبيض كثيفا. بدا أن ذلك يؤلم السجين فأخذ يشهق بقوة. عندئذ أخذ الجندي يلف العضو بالشاش الأبيض الذي كان يتبقع بزهور حمر، حتى إذا انتهى، أخذ يمسح الدم بعناية.. ثم أعاد اللباس الأبيض المطرز بالدماء إلى مكانه. كان شهيق السجين وزفيره قويا كأنه يريد أن يفارق الحياة… كان الجندي مستغرقا في عمله بتؤدة، وكفاءة مهنية).
وقفة :                                                                                           ——–                                                                                         كان المسؤولون النازيون يدافعون عن جرائمهم في الحرب الثانية في محاكمات نورمبرغ بالقول المتكرر أنهم إنما كانوا يؤدون واجباتهم بمهنية عالية لا علاقة لها بأية معايير غير أداء الواجب على أتم وجه. (وكان الموظف النازي الألماني ينظر إلى الضحية وكأنه ينظر إلى موضوع وحسب؛ حركة مادية خارجية ومادة استعمالية خام خاضعة للإجراءات. وكان يتم تدريب المشرفين على عمليات الإبادة المختلفة على التحلّي بالبرود والتجرّد للحفاظ على الحياد وكفاءة الأداء. وقد أوضح المواطن النازي “جوزف كرامر” أنه سمّم ثمانين امرأة بالغاز في أثناء خدمته في أوشتفس. وحينما سئل عن مشاعره، صرح ببرود أنه لم تكن لديه أية مشاعر على الإطلاق، وقال للقضاة: “لقد تلقيت أمرا بقتل ثمانين من النزلاء بالطريقة التي قلتها لكم. وبالمناسبة هذا هو الأسلوب الذي تدربت عليه”، فهو يرى نفسه باعتباره موظفا فنّيا وحسب، ملتزما بالتجريد الإجرائي، ولا يصدّع مخّه بالقيم الأخلاقية أو بالمطلقات، فهذه مجرد ميتافيزيقا) (1) وكانت هذه هي مشاعر الطيار الذي ألقى القنيلة الذرية على هيروشيما. بل بالعكس كان فرحا ومسرورا وفخورا. وهو أيضا حال الطيارين الأميركان الذين أحرقوا بغداد في عام 1991 حيث أرسل أحد الطيارين رسالة إلى أمه يقول فيها: ماما جعلنا بغداد تشتعل كشجرة الميلاد!!               إن الفلسفة المادية التي تقود المجتمع الأميركي هي الوريث الشرعي للعنصرية النازية. وقد تربى وتدرب مسؤولوها وخصوصا في النخب السياسية الحاكمة وأجهوتها العسكرية على أداء واجباتهم من دون أدنى التفات إلى أي شروط إنسانية أو أخلاقية. ولهذا تجد المسؤولين الأميركيين يقتلون ويكذبون وهم في السلطة ثم يتحولون إلى مواطنين صالحين خارجها. صرّحت مادلين أولبرايت بأن من الضروري الاستمرار في الحصار حتى يقتل العراقيون بأكملهم لإسقاط النظام العراقي السابق. وذلك في الصالة الرئيسية للأمم المتحدة .. ثم اصبحت تتباكى على العراق بعد الاحتلال!! وليم جيمس فيلسوفهم الذرائعي تحدث بشكل مباشر عن أهمية السفك الصوفي للدم. وتشومسكي المفكر والمؤرخ الأميركي قال بصراحة إن الأميركان أبادوا (120) مليون هندي أحمر من أجل إقامة دولتهم المشؤومة الجديدة
عودة :                                                                                                ——-                                                                                          ولهذا كانت زينب مندهشة وسط بكائها وسيل دموعها وهي ترى الجندي الأميركي الجلاد يعيد ترتيب ملابس الأسير أحمد ويضمد قضيبه بكل دقة واهتمام وبضماد مطرز بالورود الحمر- يا لبراعة محمود سعيد وهو يمزج دوافع الموت بالحياة- هو الذي كان قبل لحظات يمزق هذا العضو الهش المسكين بعصا الصدمات الكهربائية بكل عنف ووحشية حتى أن رشاش الدم لوث وجهه وملابسه!!                          إن هذا الفعل الوحشي كان يجري على الأسرى العراقيين في أبي غريب بصورة روتينية أشرف عليها الجنرال “نورمان ميللر” مسؤول غوانتنامو نفسه. والطريقة التي يصب فيها الجلاد الأميركي التعذيب على العضو الذكري للأسير بهذه الطريقة ستجعله عاجزا جنسيا إلى الأبد ولا يحتاج لجولة أخرى تجعله “خنثى” كما كان الجنرال يهدده. لقد تمّ “اغتصاب” هذا الأسير العربي مثلما تم اغتصاب المترجمة العربية زينب من قبل.  ولكن طول مرحلة التعذيب المدمرة هذه لم يكن الأسير يقول سوى سؤال واحد وجهه إلى زينب هو: آلّلا . اشحال من درّي معاك؟ ومعناها: يا سيّدة. كم طفلا عندك؟ وبعد أن عرف أنها عراقية من لهجتها غيّر صياغة سؤاله بالقول: آ العراقية. آللّا اشحال من درّي معاك؟. وهو سؤال محيّر بالنسبة للجنرال، أثار أعصابه، وجعله يعتقد أن أحمد يتلاعب به وبمسار التحقيق، ودوّخ زينب لأنها لم تستطع معرفة سبب تكراره هذا السؤال وسط الآلام الفظيعة والتعذيب الهمجي. وقد زاد تشوّشها عندما بدأ الأسير مع تصاعد شدة آلامه المهولة يوجه سؤاله هذا بصوت جميل وعذب تتصاعد نبرته المؤثرة كلما اشتدت ضربات كفّيها اليائستين المرتعشتين على صدره، وهي تلح عليه بأن يعترف ليتخلص من فظاعات التعذيب ووضع قضيبه في الجهاز مرة أخرى حتى يتآكل كما كان الجنرال يصرخ به. بل إن إعادته السؤال كانت تشتد وبإصرار وكأنه لم يُعذّب ولا يسمع تهديدات الجنرال البشع.  لم تستطع زينب تحديد الدافع الأساس لهذا السؤال على الرغم من أن الأمر بسيط جدا. فلابد أن أسيرا يسأل مستجوبه العربي عن عدد أطفاله له صلة بجانب إنساني مشترك بينهما. وهذا ما حصل فعلا. فقد أرسل الجنرال في طلب زينب بعد أن مات الأسير بسبب التعذيب وطلب منها التوقيع على شهادة وفاة تشير إلى أنه انتحر بالرغم من (المعاملة الممتازة التي تجري مع الموقوفين وفق معايير مبادىء حقوق الإنسان، والتصرف القانوني المسؤول).
 # وقفة على وصف الشخصيات:                                                                   ——————————–                                                            اعتاد الكثير من كتاب القصة –خصوصا من يكتبون النصوص السردية الكلاسيكية- على أن يصفوا مظهر وسلوك شخصياتهم قبل أن يدخلوها إلى مسرح القصة، وكأنهم يريدون من القاريء أن يتعرف جيدا على “وجوه” هذه الشخصيات ليسمح لها ذهنه القرائي بالدخول والتحرك على أرضية النص. لكن محمود سعيد كسارد محترف سار على قاعدة عدم تقديم أي وصف “تعريفي” مجرد. إنه يصف أي ملمح حين تكون هناك ضرورة لهذا الوصف ممثلة في التعبير عن أفكار شخصياته ودواخلهم وفي إثراء التعبير النفسي عنها. فعلى سبيل المثال لم يصف عيني الجنرال إلا عندما دخل الأخير مع زينب إلى مقطورة الاستجواب وناداها باسمها بعربية سليمة فخففت هذه الملاحظة التافهة من سخطها وألمها. لكن عيني الجنرال أحبطتا ما توقعته, وعبنا الفرد هما مفتاح عالمه الداخلي وهما الشاشتان اللتان تُعرض عليهما انفعالاتها وطبيعة سرائره، وهذا ما تناقضه عينا الجنرال الجامدتين: (نظر [= الجنرال] مرة أخرى إلى زينب باهتمام. في زرقة عينيه شفافية غريبة، كما لو أنهما من زجاج أزرق باهت، زرعتا في عينيه في عملية جراحية؛ زجاجتان تنفذان إلى أعماقه).
#الرشاقة في العبارة والإيجاز في الحوار:                                                           —————————————–                                               ويدرك محمود أيضا أن القصة الحديثة يجب أن تبنى بعبارات رشيقة بعيدة عن الترهل ، مثلما ينبغي أن يجري الحوار بين الشخصيات بصورة موجزة وبليغة توصل اكبر عدد من الاأفكار بأقل عدد من الكلمات (وهذه سمة الإنسان المتحضّر أيضا). ولعل من الأمور التي ساعدت على ذلك هو أن القاص لم يتناول أي مكون من مكونات المكان ولا أي متغير من متغيرات الزمان إلا بالقدر الذي يسهم في كشف انشغالات أشخاصه وصراعاتهم النفسية المحتدمة وما يُسقط منها على تلك المتغيرات لإثراء انفعال القاريء بها. فقد وظّف القاص حركة متغيرات الطبيعة لتعزز المناخ الإنفعالي المحيط ببطلة القصة من خلال تلوين حركتها بلون الوضع النفسي القاتم لزينب وانجراحات مشاعرها البالغة والعميقة: (ثمة شيء ما ذو رائحة كريهة ينبعث من مكان ما، اشبه برائحة بيض فاسد، لا بل سمك نتن. أهي المجاري أم زنخة البحر؟ أم يخيل لها؟ أذلك من تأثير صدمة الإغتصاب التي جعلتها تمكث عشرة ايام في المستشفى لا تتناول سوى السوائل؟) .. كانت تنظر بعيني فاجعتها بعد أن مزقت شرفها مخالب الذئاب “البشرية” فلا تستطيع إلا أن تجد كل شيء من حولها كئيبا أدكن وكأن الطبيعة من حولها قد “اغتصبت” بدورها فصارت مثكولة مثلها. وهذه الإنفعالات المٌسقطة تتضاعف بفعل موجات معذّبة من الندم والشعور بالذنب الموجع: (آلام وسطها تشتد حتى لتدمع عيناها رغما عنها.. حدّقت بالسماء. لماذا تبدو في الضحى باهتة الزرقة؟ ثمة غيوم بيض بعيدة في طريقها للذوبان. تمنت لو لم ترتكب تلك الحماقة الكبرى، فتطلب العمل معهم… لاحت من بعيد النوارس.. يا لها من نوارس! إنها دكن تميل إلى السواد. أكل شيء يختلف في هذا المنفى عن العالم؟ حتى النوارس! أهي دكناء أم يخيل إليها لمصيبتها). 
# عودة ختامية :                                                                                            ——————                                                                                لقد وقّعت زينب على شهادة وفاة مزّورة لأسير قُتل بسبب التعذيب الوحشي فجعلته منتحرا بسبب طيشه وتمرده وغروره. أليس سلوك هذه المترجمة مماثل لسلوك الجلاد إن لم يكن أسوأ منه؟ لقد حاول الكاتب ببراعة أن يمدّ وشائج نفسية بين زينب والأسير المظلوم أحمد، تُلهب تعاطفنا معها، خصوصا وأنه قد مهد لهذا التعاطف من خلال اخبارنا- في استهلال القصة- أنها في محنة لأن طفلتها ذات السنتين مصابة بسرطان الجمجمة. لكن هل سينقذ مبلغ المائتي ألف دولار مريضا بالسرطان؟ وهل أن السبيل الوحيد لإنقاذ الطفلة هو المساهمة في “قتل” الأسرى بالتواطؤ والكذب والاستجواب في جلسات التعذيب في معسكر غوانتنامو؟ هل أن إنقاذ طفلة يوازي العمل مع وحوش معروفين مسبقا من قبل العالم كله وأبسط إنسان يعرف ما الذي فعله هذا الوحش الأميركي بالبشر منذ ظهوره على أرض المعمورة قبل ستة قرون؟ من الوشائج التي وصلها القاص بين محنتي زينب والأسير أحمد هو أنه ذكّرها بأخيها الذي لم يكن يحمل الإسم نفسه (أحمد) حسب بل يشبهه في الملامح القليلة التي رأتها خارج الكمامات الخانقة. ومنها أيضا أن زينب كانت “تتعذب” عذابا مقابلا وهي تشهد تعذيب أحمد وفي موضع مماثل هو أعضاؤها التناسلية التي كانت تحرقها كلما تحركت أو جلست بسبب جروح فعلة الإغتصاب. حتى قطرات العرق التي كانت تسيل من جسدها بغزارة بسبب حرارة مقطورة التحقيق كانت تسبب لها آلاما شديدة في وسطها. ولكن حتى شدة الاغتصاب الفاجعة لن تزيد لدى القاريء العراقي خصوصا سوى المزيد من الحنق والنقمة على هذه المترجمة التي أسهمت في قتل إنسان علمت تماما أنه بريء من تهمة الإرهاب وأنه تعرض لظلم فظيع من تعذيب ومهانة على مدى ستة عشر شهرا (اعتقل في 15/أيلول/2001 وقُتل في 4/أيار/2003 ) قضاها محاصرا محطما بعيدا عن زوجته وطفلته الوحيدة التي تبلغ الآن من العمر سنتين، أي أنها بعمر طفلتها. لكن ذروة التعاطف تصل مع ختام القصة حيث “يلف” الجنرال القذر وجود الأسير/متعلقاته (أمانات الشهداء كما كنا نسميها في الحرب كعسكريين) بكل بساطة ويضعه في الخزانة: (وضع الجنرال الكيس في جرار خزانة حديد رمادية إلى يمينه. ثم نظر إلى زينب. قال بصوت هادىء: سأرسل إليك بعد الغداء لنستجوب سجينا آخر. خرجت ونظرات الطفلة ترسل سهاما نارية تحرقها في محيط غرفة يتلاطم فيها صدى صوت ابيها وهو يغني: آالعراقية. اشحال من درّي معاك ؟).
لكن النقمة على هذه المترجمة الخائنة المتواطئة، ومن ورائها كل مترجم يتعامل مع جيش وحوش وقتلة كالجيش الأميركي ويحضر (رغم أنفه أو بموافقته) جلسات تعذيب الأسرى وهو واجبهم الأصلي مع جيش الإحتلال، وسيصبح قتلهم واجبا وطنيا وهذا هو أول إجراء قام به الثوار الفيتناميون في مقاومتهم للغزو الأميركي. وما قامت به المقاومة الفرنسية والجزائرية وغيرهما.  وبالنسبة لهذه المترجمة ستصبح المشاركة في جرائم قتل الأسرى عملا روتينيا يوميا ليس لأنها ابتلعت إهانة شرفها وتمزيقه ومن يبتلع هذه الإهانة سيكون مستعدا لتقبل إهانات خيانية أكبر وأشد حسب، ولكن لأن مصيدة “التضاد العاطفي- ambivalence” التي يقع فيها الفرد في مثل هذه المواقف يكون واحدا من أهم سبل حلها وأشدها خطورة هو “التماهي مع الجلاد المعتدي- identification with the aggressor” ليصبح هذا الشخص ملكيا أكثر من الملك وأكثر “حرصا” على أداء واجبه بمهنية وتجرّد. وستسارع زينب- وللأسف أنها لوثت هذا الاسم المبارك- بعد الغداء لتسهم في قتل أسير آخر وتزوّر سبب قتله. وستتألم “المسكينة” وتلطم وتتقيّأ. وسيخرج علينا من يقول: ماذا تفعل، مجبورة؟ طفلتها مصابة بالسرطان!! لقد شاهدت هذه المترجمة أقسى أشكال التعذيب من خلال كيّ العضو التناسلي لشقيقها العربي المظلوم بالصدمات الكهربائية حدّ الموت، وسترجع بعد الغداء لجولة أخرى. وهذا بالضبط ما تريده الفلسفة الأميركية المادية كممثل للفلسفة الغربية: أن يؤدي كل فرد “دوره” بعيدا عن أي اعتبارات أخلاقية أو دينية، ويضطلع به بل يتقنه بصورة مهنية هادئة وباردة. هذه نتيجة طبيعية لفلسفة التسوية (فلسفة ما بعد الحداثة) التي تساوي الإنسان بالطبيعة والمادة والتي تستنير بها حركة العولمة والنظام العالمي الجديد المسلح. وهذا ما عبر عنه سلوك الجندي الأميركي الذي كان يؤدي واجبه بـ “انفصال عاطفي – emotional detachment” خطير وغريب وكأنه آلة مسيّرة، وهذا ما عكسه أيضا موقف الجنرال الذي لا يمكن أن يراقب بهدوء وبعينيه الزرقاوين الجامدتين إجراءات التعذيب البشع للأسير إلا إذا اعتبره جزءا من الطبيعة وهبط به إلى من قداسة الإنسان إلى مرتبة الحيوان، ولهذا كان يعلن عن أن هذا الأسير ليس إنسانا بل هو حيوان وحشرة. وهذا ما لا تريده وبصورة مناقضة تماما الفلسفة الشرقية (ومنها الإسلامية المتنورة) من تضامن بشري واعتبار الإنسان كائنا مقدسا خارج الطبيعة (الإنسان ثغرة في النظام الطبيعي وليس جزءا منه كما يريد الأخ دريدا إقناعنا) يتميز عنها ويتعالى عليها بشعوره بالمسؤولية تجاه قيمه وتجاه الآخر (ولهذا وضع هنتنغتون الإسلام والكونفوشسية كأول عدوين للولايات المتحدة والغرب في الوقت الراهن والمقبل). وقد عبر القاص عن هذا الموقف من خلال سؤال/ نداء الأسير المغربي المتكرر للمترجمة: آ يا العراقية. إشحال من درّي معاك؟ ولكن بلا رجاء.
هامش :
(1)الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان – عبد الوهاب المسيري- دار الفكر – بيروت – الطبعة الرابعة – 2010.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s