في السرد أزمنة الشهوة بين الاعتقال والاغتصاب قراءة في رواية “الطعنة” لمحمود سعيد الأقلام

الأقلام/ 2011/ العدد الثالث

د.رسول محمد رسول

 أمضى محمود سعيد”ولد في مدينة الموصل” نحو خمسين عاماً من حياته كاتبا في السرديات الروائية، والقصصية، حتى وصل تعداد إنتاجه الإبداعي إلى أكثر من عشرين رواية ومجموعة قصصية. وفي خلال حياته بالعراق تعرض سعيد إلى القمع والتهميش ومنع من نشر بعض نصوصه السردية حتى غادر العراق في منتصف ثمانينات القرن الماضي شطر منطقة الخليج العربي، لكنه وفي عام 1999، غادر  المنطقة الخليجية والعربية كلياً متوجهاً صوب الولايات المتحدة الأمريكية ، لكنه يظل يدين ممارسات العنف التي تمارسها الأنظمة الشمولية على الإنسان والمجتمع.
 خطاب الإدانة هذا نجده متجلياً في نصوص سردية عدة منه روايته الطعنة ، إدانة القمع والتهميش، والتجسس، والاغتصاب والقتل المجاني، والحروب الدموية الفاشلة سواء التي شنها العراق على الغير أو دول الغير على العراق، وهذا في أقل تقدير ما يشي به خطاب الرواية، لكننا معنيين بالعلاقة بين الخطاب والواقع في هذه الرواية، رغم أن الخطاب يسرّب الواقع على نحو أو آخر، بقدر اهتمام دراستنا هذه بتمظهرات البنية العلاماتية في أحد برامجها الذي توافرت وحداته القرائية على مزيد من تسريد تمظهراته العلاماتية، وعلى نحو لافت، أي تمظهرات التواصل والأهواء.
 يأخذنا الفضاء الزمني للرواية إلى عام 1991، اما الفضاء المكاني فاصفى الناص مدينة البصرة Texture، جنوب العراق، أبو الخصيب، سوق الجمهورية، منطقة الجمهورية، شارع الجنينية العريض، شارع دينار الرئيسي، تقاطع السينالكو، وغيرها. المدينة التي ذهبت منها آليات الجيش العراقي إلى الكويت وعادت عبر أراضي البصرة أيضاً، إلى مواقعها مدمرة ومهزومة، ومقهورة. مدينة البصرة التي شهدت من بين مدن عراقية أخرى انهيار سلطة الدولة فيها مؤقتاً، المدينة التي عاشت شرائح مجتمعية عدة فيه أنواع مروعة شتى من قمع السلطة وقهرها، وهتكها لقيم المواطن في الحرية والعيش الآمن وحفظ أعرضهم، ناهيك عن اغتصاب نسائها لنزوات وإشباع غرائز.
 هذا ما تجود به فضاءات النص، إلا أن فضاءات أخرى ميّزت رواية (الطعنة) لمحمود سعيد، كفضاء مجتمع الرواية، وفضاءات أخرى  أراد خطاب الرواية قولها. وفي هذا الإدطار، بدت النخبة الأكاديمية المثقفة، والمستقلة سياسياً، في مدينة البصرة قد مثلت مجتمع الرواية، النخبة التي تعيش قهر السلطة السياسية، وبطشها، وملاحقتها، وتجسسها، وانتهاك أمن وخصوصيات أسر تلك  النخبة، فقد ورد فاعلون كثر في هذا المجتمع الذي شارك في احداث الرواية، منهم: د.ودود، ود. خضر، ود. شاكر نوري، ود. رحيم، ود. زكريا، والدكتور عميد كلية الصيدلة، والأستاذة أمل. ناهيك عن زوجات هؤلاء الأساتذة، منهن المدرسة، ومنهن الموظفة في مكان ما. وكان كل من د. ودود، والدكتور عميد كلية الصيدلة، والأستاذة أمل ضحايا السلطة، فهم فاعلون حاضرون بقدر ما هم غائبون.
 أما المدارات المركزيةTopics Central  فمنها مدار القهر السياسي والسلطوي والذي تمارسه الدولة المحلية ويمارسه حزب البعث الحاكم تجاه هذه النخبة وغيرها من شرائح المجتمع، ومدار اختفاء الدكتور ودود، أستاذ الرياضيايات، ومن ثم مدار اغتصاب زوجته حسن من جانب شخص مسؤول في دوائر الأمن والمخابرات والحزب في مدينة البصرة، وبالتالي حبلها منه ببنت غير شرعية ستسمى لاحقاً بـ”شامة”، ومدا العجز النفسي الذي كان يداهم الدكتور خضر جراء ما تعرضت له شقيقته، وبازاء ما تعرض له نسيبه الدكتور ودود. فضلاً عن مدارات مساعدة أخرى مثل: مدار قوى التحالف على العراق، وخسائرها المنظورة في عام 1991. ومدار خيانة بعض الدكاترة لزوجاتهم، وغضب زوجاتهم عليهم، ومدار الجنين غير الشرعي في رحم حسن، ومدار التجسس على النخبة الجامعية المستقلة سياسياً  من خلال زرع أجهزة تنصت ببيوتهم في أثناء غيابهم. ومدار هروب السلطة البعثية من مدينة البصرة، ومدار دخول قوات عراقية شعبية منظمة، كانت تعيش في إيران “المقاومة الإسلامية” ومدار إعدام المسؤول الحزبي والأمني الذي اغتصب حسن. ومدارات أخرى صغيرة تبدو مساعدة في إحداث الرواية. هذا ويتضح لي هنا أن مدار اختفاء الدكتور ودود، واغتصاب زوجته هما الأكثر مركزية في توليد الأحداث في الرواية، لكني أميل إلى دراسة مدار الاغتصابRavishment topic  أو Rap topic كبرنامج As program يستدعي بالضرورة، برنامج اختفاء الدكتور ودود، وبقية البرامج الفرعية الأخرى التي دخلت في بنائه من قريب أو بعيد، بل حتى عنوان الرواية “الطعنة” يبدو دالاًً على هذا المدار/ البرنامج، خصوصاً وأن ملفوظ “الطعنة” ورد في أحد الوحدات القرائية بعد اغتصاب حسن: ماذا حدث لك؟ ما الذي احدث ذلك الجرح  العميق في وسطك؟ ذلك يعني أنه حصل على ما أراد عندما فقدت وعيك! إنها الطعنة التي يتباهى بها الرجال! ما اخزى ما حدث! “ص116”
 على أن دراستنا لمدار الاغتصاب: كبرنامج، هنا ستتوسل المهج السيميائي semiotics method الذي يبحث عن جملة العلامات المسرودة في ذلك المدار/ البرنامج وفق علاقات الأهواء والتواصل، العلاقات التي أنتجت بنيتها العلاماتية، لكون ظاهرة الإغتصاب هي ظاهرة ثقافية ترتبط بالأهواء والرغبات والغرائز الفردية، وهذا ما نجده في تمثيلات محمود سعيد لها في روايته هذه.
 ما يتعلق بهذا البرنامج، سعى الناص إلى التلاعب بزمن الأحداث، فبدأ مسار الرواية السردي وحدث الاغتصاب قد مضت عليه شهور، بل أنجبت حسن ابنتها، غير الشرعية “شامة” وكان فعل الاغتصاب قد جرى أيام كانت السلطة البعثية قائمة، بينما تبدأ الرواية أحداثها من أيام انتهاء حرب التحالف وتحرير الكويت عام 1991.
 منذ منتصف سبعينات القرن العشرين عاشت حسن مع زوجها الدكتور ودود، وسعدت به خمس سنوات، وشقيت اثنتي عشرة سنة، “ص19″، وتم الاغتصاب بعد أسبوع على اعتقاله “ص24” وكانت مأساة هذه السيدة مزدوجة المعاناة، فغياب زوجها لا يقل ألماً عن واقعة اغتصابها، خصوصاً وأن ملامح زوجها الدكتور ودود، هي ملامح فارقة، فهو أقصر من أخيها، متوسط القامة، شعر ملفف لا يتجاوب مع التمشيط، يلوح بدائياً نافرا، بشرة سمراء غامقة، وجنتان بارزتان، (ص20)، بينما ملامح المغتصِب الجينية كانت تختلف كلياً، وهذا ما شكل أرقاً للمغصوبة حسن، فولدها وديع ابن وجها يشبه والده، فهو يختلف من حيث  الخلقة، عن اخته غير الشقيقة، “شامة” ابنة المغتصِب، والفروق في الخلقة لها مجال تداول مجتمعي كان يؤرق حسن التي قبل بواقع الحال رغم أنها أرادت التخلص من الجنين غير الشرعي لكن شقيقها خضر رفض ذلك، وطنت نفسها على الشقاء بعد اختفاء زوجها، وتعرض ذلك الإختطبوط اللزج لها، وما أعقب ذلك من جرح عميق في جسدها وروحها، ثم حملها المفاجئ، الخز الكبير الذي كاد يدفعها للانتحار أو الجنون لولا تدخلك. (ص17)
 بدأ مشروع الاغتصاب لدى المغتصِب “الرفيق الكبير” (ض47) على أيام كانت أسرة الدكتور ودود متآلفة الوجود، لكن زيارة لهذا الرفيق، إلى المدرسة التي تعمل بها حسن، كانت البداية الحقيقية لذلك، فلقد زار الرفيق الكبير المدرسة وطلب من المديرة ترشيح بعض المعلمات لإلقاء محاضرات في المنظمات الحزبية، وكان يوجه نظراته الشغوفة إلى حسن نظرات الرفيق الكبير الشبقة سهام جارحة. (ص47)
 في هذا السياق، كانت حسن قد أخبرت أخاها ودود عن الموضوع فرفض ذلك، وتبادلا الحديث عن مصير اللواتي قبلن بالعمل كمخبرات للحزب، فقد أصبحن بعد مدة عاهرات مقنعات بغطاء الوطنية (ص49) ولكن، وبعد أيام، تم اختطاف زوجها ودود، لتمر أيام أخرى “ص51” حتى جاءها تبليغ من “مديرية التربية” بالبصرة بالمثول فيها، لتذهب هناك، وتنتقل بين المكاتب حتى آخر الدوام من دون جدوى، وتلك كانت أولى لحظات الألم والتوتر التي عاشتها في ظل أمل اجتاحها بأنها سترى زوجها المختفي ودود أو سيخبرونها عنه شيئاً، ولكن من دون جدوى (ص52 وما بعدها) باستثناء ما همست بإذنها امرأة في الخمسين من عمرها كانت بالمديرية قائلة لها: “انحني للعاصفة، لماذا تجنين على زوجك وطفلك؟ (ص59).
 كان همس تلك السيدة قد فكّ شفرة الحالة  بعد أن أخبرتها صديقتها بلقيس لاحقاً، أن تلك السيدة كانت مرافقة للمسؤول الكبير، (ص64). وبعد أن ظلت تبحث عن زوجها في السجون ومواقف الاعتقال والمستشفيات من دون جدوى، أخذت حسن إجازة لمدة ثلاثة أيام بقصد الاستراحة، إلا أنه، وفي اليوم الرابع تمت عملية اختطافها هي أيضاً. وهنا يترك النص فرصة وصف عملية اختطاف حسن إلى راوٍ عليم بما جرى، راوٍ متوار Covert narrator. أما عملية اختطافها فقد تمت وفق المراحل الآتية:
 المرحلة الأولى: الخطف بالشارع:
 بعد إجازتها وبينما كانت ذاهبة إلى بيت شقيقها خضر استوقفتها بالشارع سيارة رباعية الدفع، لتبدأ رحلة خطفها إلى مكان غير معلوم بعد أن أخبرتها ثلاث نساء كن بالسيارة، أنها يمكن أن تقابل زوجها: “نحن وحدنا نعرف مكان زوجك، ألا تريدين أن تريه؟ لا تخافي، اركبي معنا. ماذا سنفعل لك؟” (ص65)، لكن الأمر ليس كذلك، فما إن دخلت بالسيارة حتى “أحاطت المرأة ذات الشعر الأحمر كتفيها بقوة شلت يديها، بينما عصبت الشابة ذات الملامح المنغولية عينيها، بقطعة قماش أبيض، ووجدت نفسها تصرخ في صندوق مظلم، ثم شُق فمها بقطعة قماش ثخينة، عقدت بقوة خلف رأسها (ص66)، حتى أيقنت أن كل الحركات السابقة كانت مدروسة بعناية، (ص66)، ليستمرّ حال الاختطاف هذا حتى وصول السيارة إلى مكان الرفيق الكبير، لتتم عملية الاغتصاب.
 في هذه المرحلة، بدت جسدية حسن كجسدية أنثى معتقلة، متهمة، مطلوبة للعدالة بجرم مشهود. وكانت الخرقة التي عصبت بها عيناها، والخرقة الأخرى التي كمم بها فمها علامات جسدية واضحة على تلك الجسدية المهانة، لكن الناص زاد المشهد المسرود بشاعة عندما وظف العلامات الشميّة Olfactory signs ليؤكد وساخة الذوات الأنثوية التي مارست فعل الاختطاف “ها هي تسمع بوضوح دقات قلبها المضطربة” وأنفاس تلكما المرأتين اللتين تجلسان عن يمينها وشمالها، كم كانت أنفاس تلك المنغولية الضخمة نتنة، أنفاس أشد نتانة من رائح جثة ميتة. (ص89). أما علامات الاضطراب Disturbance  أو حالة القلق الانفعالية التي تتميز بالشعور بدم الأمان Anxiety ، وهي الحالة التي صارت تسم شخصية حسن بعد حادث الاغتصاب بل منذ اختطاف زوجها، فكانت موازية للحدث كدقات القلب، والشعور بالاختناق، والشعور الخوف، والحيرة، والإحساس بأنها في قعر بئر مظلمة، لا تدري إن كانت ستخرج منها أم لا، هل ستستأنف حياتها، وأحلامها، وطراز معيشتها أم لا، أصبحت شظايا زجاجة مكسورة. (ص88)
 المرحلة الثانية: مرحلة الترويض والترهيب والابتزاز التي مارسها الرفيق الكبير مع حسن.
 انتهت مهمة النسوة الخاطفات عندما سلمن حسن إلى الرفيق الكبر، وهنا بدأت عملية ترويضها لكي تمنح الرفيق ممارسة انتعاضية تشبع نزوته الحنسية، النزوة التي ربما كانت سبباً في خطف زوجها، وبالتالي مساومتها لإطلاق سراحه، وهو ما قاله الرفيق لها.
 لقد ضخ الناص كل ممكنات الوصف من أجل استجلاء مشهدية الترويض، فالمكان مغلق ليس فيه سواهما، وبدأ الرفيق بفك لفائف العصبة والتكميم، وكانت رائحة أنفاسه مختلطة بعطر قوي (ص91). يبدو واضحا، أن العلامة العطرية الموظفة هنا ذات دلالة ترتبط برغبته بالممارسة الجنسية، لكنها قفزت ثم توقفت خائفة، مترددة، فانفجرت ضحكة الرجل: لا تخافي (ص91)، لكن حسن مسحت جسدية الغرفة، بعينيها، وادركت أن الأثاث الموجود هو أثاي منزل وليس مقر أمن، خصوصاً وأنها لاحظت ملابس الرفيق فوجدتها عبارة عن “بجامة” مخططة بالوردي والأخضر، تحت روب حريري ذهبي زاهٍ. (ص92) وهي ألوان تشيع منها رائحة الرغبة بالانتعاض، فاستنتجت بأن مروضها لم يات بها إلى هذا المكان كمسؤول أميني فقط، بل كغاوٍ للنيل منها جنسياً، ومن ثم ليبتزها انتعاضياً مقابل إطلاق سراح زوجها، لكن الواية ستنتهي من دون ظهور الدكتور ودود على مسرح الحياة.
 كان فزعها منه أول علامة تمرد عليه، فراحت تتأمل ملامحه، وتوصلت إلى أنه “الرفيق الكبير” الذي زار مدرستها من ذي قبل، فاجتاحها شعور بالخوف، بل بدأ قلبها ينبض بقوة، رعب فظيع مقترن بخزي لا مثيل له. (ص92)، لكنه بدأ برنامجه التحرشي بأعصاب باردة فتقدم منها، مدّ يده ليلمس خدها، لكنها تراجعت، انفجر ضاحكاً، التماعة عينيه الكستنائيتين تفضحان رغبة واضحة عميقة، قال: لا ترجعي أكثر، ستسقطين على الدرج، فالتفتت مذعورة “ص92″، وصارت علاقة التوتر أكثر حضوراً في ذات حسن، “سيطر عليها الغضب، كادت شرايينها تنفجر، قلبها مازال يدق بقوة والنار تشتعل في خديها” (ص92) لكنه لجأ الى التواصل اللساني بدلاً من اللمسي: “خداك أجمل تفاحتين في العالم، و”لست أمرأة عادية، أصبحت آلهتي، أنا أعبدك منذ أن رأيتك بالمدرسة، لم استطع أن أنساك”، و “أنا أبوس يديك”. لكنه عاد من جديد إلى التواصل التحرشي لمساً، وذلك عندما أمسكها من كتفيها، وحاول أن ينهضها، انفلتت من بين يديه، وعندما انتزع منها حقيبتها الصغيرة التي كانت معلقة على كتفها الأيمن “ص93″. وفي ظل هذا التواصل راحت الانفعالات والمخاوف، والاهتزازات الجسدية الراجفة، تهيمن عليها حتى استحال جسدها إلى كائن بشري يغزوه التوتر من كل جانب.
 كانت تلك صفحة من صفحات مرحلة الترويض، أما الصفحة الثانية فيها فكانت أشد باساً على حسن، خصوصاً عندما أدخل الناص العامل الصوتي Audio octant كشفرةcode ، وهو دال إيقوني: Icon، استحضر لديها زوجها الدكتور ودود في هذه اللحضة الحرجة، وذلك عندما أخذ ا لمشتهى/ المبتز يردد عبارات ترويضية كان يستخدمها زوجها في أثناء ممارسة الجنس معها، ما يعني أن سرير الزوجية كان مراقباً من جانب الأجهزة  الأمنية، وكانت الأحاديث الحميمة المصاحبة للممارسة الجنسية بين الزوجين خاضعة للتسجيل الصوتي، وهو الاستنتاج الذي فك شفرة Decoding العبارات التي يرددها الرفيق الكبير في لحظة الترويض الثانية كورقة ضغط على حسن. أما العبارات فهي: مليون بوسة قليل، خليني أرضع: (ص94) و”يللا عيني، دعين المس اللوزة،” (ص95) و”ستبرد الدنيا، لا يدفئنني سوى صدرك”، و”نعم جوعان سأتغدى بك”، “ص97″ و”دعيني أرضع” “ص99” ومن ثم انحنى الرفيق الكبير، وفتح جهاز التسجيل، لينساب صوت ودود: “دعيني أرضع.” صوتها: “أنت وابنك ترضعان من نفس الثدي”. “ص99”
 المرحلة الثالثة: إيقاع الاغتصاب.
 تراوح الترويض في المرحلة السابقة بين الإغراء والترهيب، خصوصاً بعد أن استنتج الرفيق الكبير أن حسن متمردة على رغبته، وأنها لا تريد أن تلوث شرفها بقذارة نواياه، فراح يدخل في جو ما يبغي، نزع فانلته رماها وراءه “ص98” ومد يديه كلتيهما: “تعالي، أنت نار الحب”، “ص100” لكن حسن صرخت: لا، لا، لا، لن تسرق مني حياتي الخاصة، “ص100″، وبأزاء هذا الرفض راح الرفيق يتوسل إليها بأنه محروم من الحب، وهذا مؤشر ربما على حالة مرضية، فقد انحنى على قدميها، وأخذ يقبلهما، “ص100″، وهو الأمر الذي جعل حسن تسترخي، بل وتتعاطف: انتهى لهاثها، مدت يديها، أنهضته، قالت له: دعني أذهب. “ص101” لكنه عاد إلى سخافته، قهقه، لمعت عيناه، عاد ذلك الممتنمر، نظر إليها باستياء، صرخ: وعلى ماذا أحصل؟ “ص101”.
 كان سؤاله هذا دليل رغبته العارمة، بل كان دافعاً للتحول شطر المرحلة الأشد قسوة عليها، فازداد تهيجاً وراح يمد لوامسه المقززة، دفعته، أمسك بأعلى صدريتها، “زي المعلمات الموحد في أثناء التدريس” جذبها بقوة، أحست انها كالريشة بين يدينه، ومن ثم حاول خلع ملابسها، لكنها افلتت منه، فهاج توتره أكثر والطريدة المتمردة بين يديه، ويحاول الانقضاض عليها، لكنه لجأ إلى العنف اليدوي والصوتي، هتف وهو يهوي بباطن كفه على وجهها، وبقوة لم يسيطر عليها: قحبة، سقطت الضربة على رأسها، داخت، ترنحت، فقدت القدرة على التمييز “ص103” ومن ثم كرر ملفوظ “قحبة” ثانية، وصفعها بكل ما يملك من قوة مرة أخرى على وجهها، دوختها الصفعة، صرخت، فهو على وجهها بصعفة أقوى من الأول، فقدت قواها، أحست بجسدها بين يديه، وهو يصعد الدرج، ويقبلها في خدها قبلة إثر أخرى على خديها، جبهتها، ثم فمها. “ص104”.
 في كل مشهدية التوتر تلك، راحت حسن تفوق من الإغماء، بل راحت تبحث عن أداة جارحة للانتقام لكنها، وفي أثناء مقاومتها له ارتطم رأسها بكه، فسال الدم من أسنانه ليزداد غضبه أكثر، ويرميها مرة أخرى بملفوظ: قحبة “ص106)، بل أمسكت بمزهرية كريستال لتضربه، وليكرر الملفوظ ذاته “قحبة” (ص107)، وبينما كان يمتطيها، رفسته، وعاد ملفوظ “قحبة” للواجهة “ص!07″، وفكرت أن تضربه بالمزهرية، لكنه قرأ ما في بالها، ففاجأها بلكمة قوية على وجنتها، صكت أسنانها، دارت قبل أن تسقط إلى الخلف، تلقت الأرض بيمناها، ألم شديد قطع أصابعها، ثم تفجر شيء ما في رأسها، داخت، الم محرق بين فخذيها، ولمسات أصبابع يد رقيقة، ما هذا أهو ودود؟ أهي تحلم؟ “ص107″.
 في ظل غياب وعي حسن تمت عملية الاغتصاب، وكما رأينا فإن هذه العملية انتجت علاماتها التوترية على نحو حرص الناص على تسريدها بدقة، كما ان المقاومة  المتبادلة انتجت أهواءها passions لدى الطرفين: خوف،تحدٍ، ألم، شعور باليأس وبالخزي، والتوسل  المتبادل، والعنف الجسدي المتبادل الذي ما كانت عملية الاغتصاب لتتم من دونه، وهو العنف الذي أحال جسدية حسن إلى جسدية، غائبة عن الوعي، جسدية مستسلمة لرغبة جنسية ذكورية، هائجة وعارمة.
 سعى الناص في تمثيل برنامج الاغتصاب إلى التخفيف من مساره المباشر، فبمجرد أنه لجأ إلى صوت المسجل، يكون بذلك قد وظف ما هو إيقوني في مفاقمة الحدث، وبمجرد أنه لجأ إلى المحفزات النفسية كالتوسل المتبادل والاستدراج المتبادل، وإن كان عكسياً، فإنه ضخ مدارات فرعبة بدت كعوامل عكسياً، فإنه ضخ مدارات فرعية بدت كعواملAct as  مساعدة أثرت مشهدية الفعل الاغتصابي بمعنى أن محمود سعيد، وهو الناص في الرواية، أراد لهذه المشهدية أن تكتسب طابعها المعقد إيجاباً، خصوصاً وأنه ترك لتقنية الإسترداد Flashback أن تلعب دورها التحفيزي في الحدث لمنح توتريته بعض الاسترخاء، ومن ذلك مدار التذكير بـ”فدعة” ابنة الحارس “ص101″، ومن ثم غرق حسن في لحظات اللاشعور في أثناء السيطرة الكاملة للرفيق الكبير على جسدها، وإيقاعها بفعل الاغتصاب، والانتقال الجميل في سرد الحدث عندما استيقظت من إغماءتها لتجد نفسها بين ولدها “وديع” وأخيها خضر بالمستشفى، ما يعني أن فعل الاغتصاب وقع، والأنثى المغتصَبة رميت خارج منزل الرفيق، لتجد نفسها في المستشفى مضمدة الجراح، ولتجد جسديتها مهانة، مخدوشة الثنايا، مرضوضة العظام.
 المرحلة الرابعة: العار، وضياع الزوج والشرف.
 جاء تسريد عملية الاغتصاب ضمن سياق تذكري، أو استردادي، كما أشرت سابقاً، فقد ولدت حسن طفلتها غير الشرعية، وأسمتها “شامة” وكبرت هذه الطفلة، بعد أن حاولت إجهاضها، لكن شقيقها خضر رفض ذلك خشية الفضيحة، وعندما ولدت “شامة” كانت مختلفة الجينوم الشكلي، فهي لا تشبه شقيقها “وديع” وكان ذلك عبئاً نفسياً مضافاً لمأساة الاغتصاب.
 في السقوط المروع للنظام البعثي بالبصرة، راحت حسن وشقيقها خضر يبحثان عن أوراق تحقيق اعتقال الدكتور ودود بالأبنية الأمنية وفي المقار  الحزبية، لكنها، وبدلاً من إيجاد شيء عثرا على أحد البعثيين الذي القت الجماعات الانتفاضية الثائرة على النظام البعثي القبض عليه بالبصرة، وعندما دخلت حسن إلى مكان اعتقاله تعرفت إليه بأنه هو الرفيق الكبير الذي اغتصبها حينذاك، لكن مناضلين إسلاميين عراقيين من الذين دخلوا البصرة قادمين من خارج الحدود، ومن مخابئ لهم داخل العراق، أنزلوا فيه العقاب فأعدموه حتى الموت ليشفى غليل حسن، لكن زوجها لم يظهر، ولم تعثر عليه لا حياً ولا ميتاً.
 كان برنامج الاغتصاب المسرود كمدار مركزي في الرواية حافلاً بالعلامات التواصلية Communicational signs  العلامات التي فرضها سياق الحركة، والرغبة، والرفض، والمجابهة، والاستدراج، والتراخي والتوسل، والتهديد والوعيد، والعنف الجسدي. كما أنه كان حافلاً بتوظيف بعض العوامل المساعدة، كالعوامل الإيقونية مثل جهاز التسجيل، والصوت المسجل، والمزهرية، والعوامل المساعدة الأخرى كالصدرية والحقيبة، والدم والإزار، والأرض، والدرج، أو السلم، وغير ذلك مما دخل في هذا البرنامج.
 رافقت فعل الاغتصاب أيضاً جملة من الأهواء Passions التي اجتاحت الطرفين، المغتصب، والمغتصَبة، كان الخوف المقرون بالرفض سيد الأهواء لدى المغتصَبة، وكانت الرغبة الذكورية الهائجة سيدة الأهواء لدى المغتصِب، لكن برنامج الاغتصاب حفل بأهواء أخرى تمهرت بحسب وتيرة الحدث الجزئي، خصوصاً الأهواء التي ولدها المغتصِب، فهو يتوسل تارة، ويثور كالنمر تارة أخرى، والمغتصَبة كذلك تحاول التراخي توسلاً مرة، لكنها تستشيط غضباً مرة أخرى.
 لقد كان فعل السرد، كما عمل به محمد سعيد، في كل برامج الرواية، فعلاً تشخيصياً يلتقط حرارة الزمن وهو ينهش الجسد والنفس والأشياء المحطية به بلا رحمة. لذلك كان نظام التوترية  Tense   الذي ضخه الناص بمشهدية الاغتصاب مجدياً من حيث استجلاء مظاهر الأهواء ذات الطابع  التوتري، وهو النظام نفسه خلق علاماته الجسدية لدى الطرفين، ظهور الدم في فك المغتصِب،والكدمات في وجه المغتصَبة، والجراح بين فخذيها “انظر ص 110-111” ولعل جسدية حسن وهي الراقدة بالمستشفى خير دليل على ذلك، ليس هذا وجهها، مشوه، غريب، لا تعرفه، شاش كثيف يلف جبهتها، يخفي جزءاً من شعرها العلوي، وجنتها اليسرى مزرقة، ينفخها الورم، يصعد حتى ليكاد يسد عينها التي بدت فتحة صغيرة، طويلة كاللوزة اليابانية. “ص111”.

 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s