شحاتة موقع بص وشوف

سارة محمد

هي رواية للكاتب العراقي “محمود سعيد” صدرت عام 2007 عن دار الهلال، قبل أن تقرأ هذه الرواية لا بد أن تعرف أن كاتبها استغرق أكثر من خمسة عشر عاماً كي يستطيع نشر روايته منتقلاً بين البلدان العربية لمحاولة إظهارها للنور.. حتى يتحدث في روايته عن فترة حكم البعثيين للعراق ونظام حكم “صدام”، لكنه لا يأتي بذكر اسمه واضحاً، لكن بصفات من نوعية “الطاغية” و”النرجسي”.. وهو ليس من نوعية الكتّاب الذين يلعنون حكامهم الظالمين بعد رحيلهم، كما في كتب عديدة نشرت بعد احتلال العراق ومقتل “صدام”؛ إذ إن “محمود سعيد” كتب الرواية في الثمانينيات، أي في أوج حكم “صدام” وبعد خروجه من السجن مباشرة، وانطلق خارج البلاد لنشرها في شجاعة نادرة، فلو تم ضبطه بالرواية لكان عقابه تقشعر له الأبدان أكثر مما ذكر داخل فصول الرواية من هول ما شاهد خلف القضبان!..
تبدأ الرواية بمقدمة طفيفة عن حياة البطل الذي يعمل مدرسا في البصرة بالعراق، وهو أب لطفلين وزوج صالح يسير بجوار الحائط -كما يقال- لا يتحدث أبداً بالسياسة، ولا يشاغب، ولا يعارض بل صابر على ما يحدث في بلاده من قهر وعسف.. ذات يوم جاءه أحد البعثيين لينضم إليهم، فرفض بلباقة قائلاً لزوجته إنهم يستطيعون إفساد حياته لكنه لن يمكّنهم من إفساد روحه ومن هنا بدأ الأمر؛ إذ جاءه بعض المخبرين أثناء عمله وحملوه إلى المخفر، وبدأت فصول مأساته بالضرب والتعذيب والهول الذي لا يتحمله أي إنسان.. يروي الفظائع التي كانت تحدث في تحقيقات الشرطة والتجاوزات؛ حيث يقوم المحقق بدور الجلاد ويرد بدلا من المتهم كذلك، بينما المتهم لا دور له في هذه المسرحية السوداء سوى أن يُضرب!.. كان لديه أمل يزداد وهناً كل يوم بإمكانية خروجه عند اكتشاف خطأ إلقاء القبض عليه وهو لا دخل له بالسياسة، خاصة بعدما كانوا ينادونه في التحقيقات بـ”مصطفى علي عثمان” بينما اسمه “مصطفى علي نعمان” وكلما أوضح لهم الخطأ زادوا من تعذيبه قائلين إنه “لا يهم”!
يسرد لك الأسباب المفزعة لاعتقال المواطنين الذين أغلبهم مثله لا دخل لهم بالسياسة، فهناك تهم غريبة كمن تسقط لوحة أرقام سيارته ومن يعمل بصياغة الذهب!.. ومن يفر من هذا الجحيم للخارج دون أن يعود بعد فترة زمنية محددة فإنهم يأتون بأهله كرهائن حتى يعود صاغرا لبلده! وكأنه لا فرار لأحد من هذا الجحيم.. ومن ألقي القبض عليه لتفوهه بعبارات تنتقد الوضع في البلاد فسمعها أحد المخبرين المندسّين في كل شبر والذين قد يكونون أقرب الناس لك فأحد الرجال ألقي القبض عليه بعد أن وشت به ابنته الصغيرة عندما سمعته ينتقد حال البلاد في بيته مع زوجته!!..
بعد مرور شهور طويلة على بطل الأحداث تعرض فيها لأبشع أنواع العذاب قرورا علاج خطأهم ليس بالاعتذار إنما بتلفيق التهم له كي يصير متهما عن حق!.. فأخذوا يلفقون له الصور مع بعض المعارضين والأنصار الذين هم بمثابة الطاعون للسلطة ومن درجة رعبهم منهم يعزلونهم في زنازين خاصة بعيدا عن المعتقلين ويسمعون أصوات التعذيب تشي بما لا يتصوره أحد فكان يتعجب البطل من الهول الذي يتعرض له هؤلاء إذا كان ما هم فيه من جلد بالسياط وحرق وكهربة للأجساد يعد أخف أنواع التعذيب!
في إحدى فقرات الكتاب عن الحاكم يقول: “إنه أول من ابتكر أكثر من 1000 وسيلة لتأليه نفسه أوعز للأقلام المأجورة بكتابة قصة حياته ومُثّلت حياته الشخصية بفيلم أمر بطباعته في لندن وكلفت كل صوره الدولة ستين ألف دولار.. وأقام المهرجانات للشعر للتغني باسمه وأعطى لكل مشترك فيها ما لا يحلم به أي عراقي في حياته”.. لا تعليق على هذه الفقرة سوى: (أين رأيت ذلك من قبل؟!!)
يستمر في وصف ما يحدث له خلف القضبان لعام كامل لا يدري فيه ما تهمته، ويرى خلاله آلاف العراقيين الأبرياء خلف القضبان قائلا: “لم يكن أحد يخرج حيا إلا القلة وأنا منهم.. في أحد الأيام أنزلوا شخصا كاد يلفظ أنفاسه بعد أربعة أيام من التعذيب. وبعدها بثلاثة أيام مات”..
عاد “سعيد” أخيرا إلى أهله في البصرة بعد مرور عام وأكثر خرج عام 1981 وكتب روايته في نفس العام وخرج بها إلى خارج البلاد إلى الأردن للعمل ولنشرها بعد أن سُدّت أبواب الرزق أمامه.. كان يخفيها بين طيات ملابسه كي لا يراها حرس الحدود أثناء التفتيش.. قائلا: “أقصى ما يخشاه العراقي أن يضبط ومعه شيء مكتوب ضد الوضع السياسي القائم ومن أراد أن يذهب جلده للدباغ فليُضبط ومعه شيء مكتوب! لذا كان أهلي كلما قبض عليّ يحرقون كل ما كتبته حتى المسوّدات”.
فشل في محاولاته العديدة لنشر روايته في الأردن ولبنان وسوريا وروى بعض الفضائح الخاصة بدور النشر حيث كان أحد الكتاب المغمورين يترجم الروايات العالمية ويتم وضع أسماء أساتذة الجامعة ممن يدفعون الثمن لدور النشر على الترجمة! حتى وصل الأمر أن وضع اسم بائع فلافل على الترجمة!.. حاول الذهاب للجزائر للعمل ولنشرها لكن طائرته تم إيقافها ومنعوه من دخول الجزائر وكان معه عرب آخرون وطفل فرنسي وتمت معاملتهم بكل قسوة حتى فزع الطفل وانطلق في البكاء وتم ترحيلهم لبلادهم دون إبداء أسباب!
استطاع “محمود سعيد” أخيرا أن ينشر روايته لأول مرة عام 1995 كأول رواية تصف بشاعة الحكم في زمن البعثيين، وكان ذلك بمثابة انتحار إرادي للكاتب في ذلك الوقت.. وختم “سعيد” روايته متسائلا: “متى تصبح الدول العربية بلدانا سوية؟!”.. وإن كان حال العراق الآن بعد الاحتلال الأمريكي قد ازداد سوءا وانتقلت آلة التعذيب من يد “صدام” إلى يد الأمريكان فإنك ستزداد مرارة بقراءة تلك الرواية، وستعيد نفس السؤال: متى حقا نصبح بلدانا سوية؟
الكت  

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s