رواية نطة الضفدع لمحمود سعيد

د. فاروق أوهان 

بانسيابية بسيطة، كأنك تحدث نفسك يأخذك محمود سعيد إلى عوالم مملؤة بالخيبات، ومعها يمزج الفرح بالانكسار، ومن خلال دقة متناهية في متابعة توصيفاته في الألوان، والمواد، والطبيعة، يسحرك تتابعه، وتغوص في ثنايا الموصوف فلا يخلو تعريفه بشخص من تشكيل إهابه بنوع ملبسه، ولونه، وصفاته الجسدية الظاهرة، أما المرأة فلها نكهتها الخاصة لدى المؤلف، وبخاصة لو أمالها لتكشف عن نهديها، وساقها، وكثير ما يستفز المؤلف القارئ بجماليات الجنس الراقي، ويعري النفس المستأنسة معها، والشريدة عنها، ولا يخفي نوازعها حتى في أزماتها، فالجنس مثل غرائز أخرى كالجوع، والعطش لدى المؤلف، لا يخشى الكشف عن مفاتن الجسد، لأنه موقن بأن ما يعرضه ليس إلا الواقع، وبجمالية واقعية، فلا حياء مادام ما يقدم فيه الراقي من المعاناة، والاحتياج حتى الهياج؛ ولكن بلا ابتذال وإثارة رخيصة، فما أجمل وصف نورالدين وهو يتلصص على فاتنة تمارس الجنس، وهو يراها من نافذة تخفي أجزاء كثيرة منها، وكأن المؤلف يصور الحالة، والمعاناة قبل التركيز على الجنس، حالة تحصل لكل فرد، حتى وهو يتضور جوعاً، ويخاف أن يموت بين لحظة وأخرى، ورغم حالة نور الدين المزرية، واليائسة، بل والجوع والظمأ، فإن منظر النافذة يسترعي اهتمامه فينسى كل شيء ما دام دمه قد فار، ولا يهدأ حتى يفرغ شحنته، وعند الجد تكون غيرة نورالدين أقوى من غريزته، وفي خياله يرى دينة أجمل من كل نساء الأرض، فيسترجع مشاهد السليقة مع ابتة الجارة لخالته،
 رحلة نورالدين وذنون لم تكن سهلة كما رواها المؤلف ظاهرياً، وإنما استبطن محمود سعيد الهواجس، والخوف في مشاعر مخفية، تبرز في بعض الأحيان بين مماحكات الصديقين، أحدهما يشجع الآخر، ويفكر عوضاً عن الآخر، فتليها القفزة لموقع آخر، وموقف مغاير، ولكنها كلها تدور في محور واحد بين الهروب، والسعي للاغتراب، والمنافي الاختيارية، ومع هذا يستسهل كلاهما ما حصل لهما سواء لما عبرا الحدود العراقية، وحتى خشيتهما من متابعة الظل الذي اقتفا أقرهما في القطار من قامشلي إلى حلب في قطار طوروس، ومع هذا لم يلاقيا مشاق حتى وصلا بيروت. إن تدرج الأحداث، وسيرورة الشخصيات لم تأت محشورة بل بكل عفوية، وكأننا نشاهد حال أي مهاجر، ولربما أي مسافر، يتعرض له الكثير من المواقف، والمقالب؛ والمؤامرات، ويرى أشخاصاً كثر، بمختلف الأعمار، والمستويات، والمهارات، فنحس بانعكاس تداعيات لا تحصى في حواراتهما، وفي تقلب الأمور حولهما. إنهما يريانها هكذا لأنهما غريبان، ولكن الواقع في نظر من حولهما مستقر، بل وممل حتى وهما يُتحفزان مما يحصل لهما عندما تنفجر قنبلة، أو يسمعان صليل الرشاشات، بينما يبرر من حولهما الوضع عادياً، في حالات متباينة، بما فيها معرفة الواقع على حقيقته سواء أكان ذلكن نيراناً أو حتى رائحة العشب، والتراب الممزوجان بالبارود.
 يبدأ الضياع لدى المؤلف من رسمه للهرم الذي قاعدته دجلة، عند مدينة الزهور “الورود” وقمته مع هامة منارة الحدباء التي تنذر بالسقوط منذ قرون، وهو ضياع يترسم في ثنايا شابين يريدان النجاة من نيران الحروب التي دوخت الشعب العراقي منذ الاقتتال المحلي بين الأخوة، وحتى الحرب الطاحنة مع إيران، فكل من كان يلتحق بالجندية لا يضمن تسريحه في وقته المقرر، وإنما عليه الانتظار لسنين حتى ييأس، وتنتهي آماله، شابان قررا التحدي بالهجرة التي تخيلاها نزهة، لم يمارساها بل سمعا عنها، مغامرة ظناها نزهة، لما سمعاه من أخبار من اغترب، ووصلت أنباء عن وصوله لدنيا الغرب، وجناته، والأهم هي الهوية، ووثيقة السفر “الجواز”، ذلك هو محور سعيهما، وتقبلهما لكل المظالم، والمواقف، وحتى الاهانات.
 فمنذ الخطوة الآولى لاحقتما الخيبات حتى وصلا بيروت، فرأيا الخيبة الكبرى في اكتشاف حقيقة المطاحنات بين جبهات “الكفاح ضد إسرائيل”، وكأنها تمارس الخيبات العربية على رقعة بلد صغير ابتلى بحروب دامت عقد ونيف، وقاسى من التشرذم، وتبعات التصنيفات، والاحتراب على لا شيء، ولعل ما صوره المؤلف في تقاسم الجبهات لبيروت بالذات، لم يكن سوى إبراز لضياع العرب، وخيباتهم حتى وهم يحتربون، ولا يعرفون مع من، ولمن، ولماذا، يتقاتلون على المواقع بلا غنائم، ويفخرون بكثرة الضحايا، وينتشون لنصرتهم على إخوانهم بينما العدو الخارجي بكافة أشكاله يمارس لعبة إيغالهم بالحرب، ودفعهم لكي يغوصوا فيها أكثر فأكثر، في وحول ودماء،، وأشلاء تتناثر بلا مستقر، أو قبر.
 من هنا عقد المؤلف مقارنات بين ويلات الشعوب العربية في كل بلد، ورغم اختلافها في التفاصيل، لكن لكل منها بؤسه المميز، ومعاناته الخاصة من سلطة بلده، لهذا لا يفرق المؤلف بين تلك السلطات، وبين أمراء الجبهات، فهي أنموذج لتلك السلطات، أما الانفلاتات خارج سياق الأخلاق العامة والمتعارف عليها، فقد ساعدها استغلال ظروف الحرب، فبدت طبيعية، وكأن الفوضى هي القاسم المشترك في كل الأماكن حتى في الملاهي،
ومع هذا لا تسترعي الحرب بخرابها اهتمام الناس ربما لتعودهم على الحالة، وسعيهم للتعايش معها، وكأنها أصبحت جزء من حياتهم، وصار الدم، والنار مختلطان في الواقع، وفي الأحلام، واعتاد الناس على ممارسات لم يكونوا يعرفوها من قبل.
 في هذه الظروف تظهر جدلية المسألة عمن هو المسؤول، ولمن يكون الانتماء ولـِمَ كل هذا الجزع، والخوف، ولماذا يُفقد الناس، ويموتون من غير علامة استفهام.
 رغم كل هذه التداعيات يظل أمل البطل نوالدين معلّق بالحصول على جواز سفر لكي يضمن الحرية، ومع أنه تنفسها لعدة مرات، مرة عند عبوره الحدود في ربيعة، ومرة في الشام، وأخيراً في بيروت، لكنها كلها كانت حريات قياسية بالنسبة للقيود التي تحيط الفرد العراقي، ليس كحدود مرسومة فقط، بل كنوع من أنواع الاستعباد الذي تمارسه السلطة على الشعب العراقي بحجج مختلفة، كلها تنضوي تحت الوطنية، وتحرير فلسطين السليبة، بالرغم من ملل الآذان والقرف والإحباط.
 تحاط كل هذه الأجواء بنسيج المؤلف المعتاد في رواياته، فهو لا يترك سانحة، إلا ويضع لها بصمات بتأنٍ، وتفاصيل، يكسبها نكهته الخاصة: للغيوم ألوانها، وللشجر روائحه، وللناس قسمات، وسمات، وقامات، وحرف، وعندها كلها، ومع طقوس محمود سعيد المتأنية في السرد، والوصف، واسباغ الحالة على الجو، وتوظيف الشكل لمضمونه المناسب في كل طقس، لهذا تأتي توصيفات قسرية، لا جمله معرفية فجة، تأتي نسمات تنساب من خلال الموقف لتدعم الحالة المصورة، وخصوصيتها، فيعتري القارئ هاجس في داخله يقول وهو يستمتع بالقراءة: هذا الواقع أعرفه، وهذه الحالة أعرفها، أهي بهذه البساطة، ما أسهله من أمر أن يكتب أحدنا سيرته، ولكن هيهات فالقلم يستعصي على الكثيرين ممن لو حاولوا وضع القلم على الورقة فتعجز العبارات عن القدوم والتواصل؛ فيسقط في إنشائية، وكأنه يكتب رسالة لنفسه، أو لذويه. تلكم ملكة الإبداع التي يعرفها الفنان في كافة الفنون الأدبية منها، والفنية، وهي لا ولم تأت بعفوية وسهولة، ولكنها بالموهبة أولاً، وبالجد، والمثابرة، ولطالما ترن في أذني مقولة تشيخوف البارعة؛ بقوله: إن ميزة الكاتب ليس بعدد الصفحات التي يكتبها، وإنما بتلك التي يمزّقها، فكم مزّق كتاب القصص من مسودات، ورموها في النهر غير آسفين، لأنها لم تصل لذروة المعنى الذي ارتأوه، وبالشكل الفني المناسب للمضمون؛ هكذا يسحرنا محمود سعيد في رواياته؛ قصيرة كانة مثل نطنه الضفدعية، وطويلة مثل بنات يعقوبه؛ فلا الأولى تشعرك ببرقية الرسالة، ولا الثانية بالملل.
 ويبقى أن نقول أن نطّة الضفدع طبقت على عكس المساق التاريخي؛ فهي هنا خطوة إلى الأمام، وخطوتان إلى الوراء، ربما لكي نرى إلى حال العرب في وضعهم الراهن، وأبعد.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s