“الموت الجميل” وسقوط المثقف

قراءة في رواية “الموت الجميل” لمحمود سعيد
        عبد الفتاح صبري


كدأبه يستمر محمود سعيد الروائي العراقي في منهجه لكشف عورات القبح الطافحة على أديم الوطن والإنسان والتي تشكلت بفعل الإنسان ذاته ..ذلك المتسلط الذي يفرض قهره وهيمنته من أجل بسط نفوذه واستلاب الآخرين، بدأ ذلك المنهج في روايتيه” أنا الذي رأى “و”نهاية النهار” وكذلك في مجموعته “طيور الحب ..والحرب.”
 وللموت دلالته عند محمود سعيد فهو يعني الحالة الموازية لتسلط قوى غاشمة على المقدرات ولذلك نلمح حالة الموت ممثلة بمنظور فلسفي يختلف عما ورد في كتابته السابقة، في هذه الرواية يحاول أسطرة الموت وتأطيره وإعادة اكتشافه كحالة ميتافيزيقية طبيعية ولكن في عمق المأساة ، كيف يكون حال الإنسان المتشظي لحظة الموت؟ كيف يقترب من  نهايته وهو في قمة شقوته وتعاسته البشرية الناجمة من تجاوزه آثار تسلط القهر على مقدرات الإنسان في أشكال متباينة.
 وفي كل أعمال محمود سعيد دائماً هناك أحداث موت وقتل أو تذكر لموتى أو قتلى، لكننا نجد هنا الموت مجسداً بشكله الفعلي والحسي، بشر غابت عنهم الروح وغيبت أجسادهم في الثرى أو بين الأنقاض ..ولكن أيضاً يجد ثيمة الموت عنده في أعماله بصور أخرى نراها في موت القيم وغياب العدالة وحضور الظلم ووجود القمع والقهر وغياب الحرية، إنه حضور الفوضى والقبح والكذب والخداع ، هو موت للجمال وقيم الحقيقة والصدق، ولقد اقترن الموت دوماً في أعماله بالحضور القوي للسلطة بمعناها الواسع المتعاكسة مع آمال الإنسان وتوجهاته البشرية في حب الحياة والحرية والبحث عن آفاق إنسانية للعدالة والرخاء والرفاهية، لأن ذات السلطة وممارستها أحد أهم أسباب التشرد في المنافي بعيداً عن الحلم والتراب والوطن حيث يتولد القهر وتتعملق حالة الاغتراب الإنساني الناجمة عن غياب وتراجع قيم الروح وطغيان قيم المادة.
 ويتأصل هذا المشهد وتتوالى صوره في أعمال محمود سعيد وتبرز في أشكال وألوان متعددة نراها مولدة للألم الإنساني الذي ينهض في فضائه الروائي بأعماله السابقة وفي هذا العمل الذي بين أيدينا يبرز القمع كوسيلة وركيزة للسياسي وحاضنة لثقافة القهر والاستلاب حتى صار الإنسان مسخاً يعيش حالة تتعرض فيها إرادته للاغتصاب والتشويه.
 وفي “الموت الجميل” يقترب المؤلف أكثر من ذي قبل من ذات الإنسان ومن مشاعره الداخلية، فإذا كان في السابق اهتم بوصف الحالة من الخارج فإنه هنا يحاول سبر كنه الذات المستلبة والمقهورة بفعل الاغتراب القسري آلذي يحياه الإنسان من الداخل، حاول رسم صورة بانورامية لإنسان أرصفة المنافي وكيف تحول في النهاية إلى مسخ تتجاذبه أنواء وأشواك الغربة بكل قبحها وبكل آثارها المدمرة للعلاقات الإنسانية وللذات الإنسانية، والموت أحد الحقائق الكونية والميتافيزيقية التي يتوقف أمامه الإنسان خاشعاً متأملاً متأنياً ولذلك كانت لها طقوسها المتنوعة عبر الزمان أو المكان أو الاعتقاد وفي حالتنا يشكل الموت خارج أسوار الوطن وهماً إنسانيا إذ أنه يكتسب بعداً مأساوياً ورمزاً للاغتراب على درجة عليا من المأسوية والضحك والجد والهزل والتعقل والسخف، على هذه الاتكاء بدأت مأساة “الموت الجميل” والذي حاول محمود سعيد أن يجمل حالته، حالة الموت لإنسان مقهور مستلب مرمي في أحضان الغربة واليأس، حاول جاهداً أن يتغلب على قهره بالنسيان عبر أقانيم فانتازيا الوهم الذي تصوره تهويمات الشراب، أما الهروب في هذه الحالة فلن يكون إلى الأمام أبداً ولكنه هروب عبثي في دائرة مغلقة حد الإغراق، واجهتها الإدمان والنسيان والسهر أو الإغراق في أضواء اللعب، هروب أشبه بمحاولة يائسة للانتحار البطيء ، ليس حلاً أو حتى محاولة للتأمل الجدي في أبعاد المأساة التي يحياها بطلا الرواية المغتربان عن الوطن وعن نفسيهما أيضاً.
 والموت هو الحقيقة التي ابتغاها محمود سعيد ليوازي معها بؤس الوطن وإنسان هذا الوطن في تشكيلة مفارقة من اللحظة الأولى في زمن الرواية ، لحظة اكتشاف الموت وما بينهما، إذ يبدو الزمن في النسق التالي طويلاً يتسع للقهر، للآلام، لأنسنة الحياة، وفي هذه المساحة يبدو الفضاء الروائي ما بين أماكن المنافي وأماكن الوطن الأم والتي تبدو في الذاكرة أو تبعث كمكان في ذكريات الألم أو يبهت حسب حوادث الرواية وتداعي أبطالها وشخوصها وأيضاً يبدو في شكل الشخوص وسلوكها إنساناً باهت الملامح شائخ السلوك كما أرادته السلطة المتحكمة في مصيره وإنسانيته لصالح أقانيم تخدم وتؤطر لذاتها، بيد أن فكرة المؤلف الروائي الذي ما زال متأثراً هو ذاته بحالة الاغتراب المفروضة على الإنسان اتسعت لتصنع شخوصها وأطرها في ذات السياق في محاولة لتعرية الأوضاع المتردية الشخصية في “الموت الجميل”.
  تبدو الشخوص مهشمة ومهزوزة الإرادة ويبدو جلياً في عدم اتساق الشخصية وسلوكها بين ما تضمره من فكر وأمنيات وبين الحالة الخارجية لها نتيجة تسلط الآخر عليها ولقد أسس الروائي لشخصياته مبكراً وقبل الولوج إلي عمق الدراما ، الشخصية ما قبل الرئيسة في العمل وهي المساندة للبطل واللسان السارد، نجدها مستلبة مقهورة متدثرة بالأكاذيب، والخوف في حياتها ، وتجلى ذلك في البداية في حوارها مع الزوجة حيث يصور لنا الحوار مع الحوادث الأخرى كل هذه الصفات والسلوكيات التي تتعمق كلما أوغلنا في العمل نحو النهاية  ليقود إلى الهروب والسهر والملذات والشراب ، محاولة الهروب التي لا يمتلك سواها، والتي لا يفكر في التخلص من حياته هو بل من الآخرين الذين تسببوا في حالة التردي الأبدي .
 وهنا تبدو مفارقة الشخصية التي استسلمت لقدرها وهانت عليها الحياة في مقابل صلف الآخر المتحكم أياً كانت نوعيته .
 إن الإشكالية الفكرية التي تقدمها “الموت الجميل” تتعلق بخواء الروح وغيبوبة الوهم وضياع الأحلام إلى تصدم المهاجرين والمنفيين في مدن الملح والحلم الكاذب ، الحلم المدمر سواء أكان النفي قسراً أو اختياراً، إنه اختيار الشكل البديل، الاستكانة ضمن ظروف أكثر بشاعة وأكثر قهراً لإنسانية الإنسان ولذلك جاءت الشخصية في الرواية متسقة مع هذا الاضطراب الذي يسوس آليات الحركة في المجتمع، فجاءت إما شخصية متسلطة بملامح قاسية طالما أنها في مركز القمع أو سلطة أو شخصية في معرض الانقياد مقهورة مستلبة مهزوزة وبالتالي مؤودة أحلامها ومن هنا نجد أن الشخصية الرئيسة في الرواية ” إسماعيل ” إذا ما حاولنا تتبع خريطة الشخصية سنجد علامات فارقة تساهم في جلاء هذه الصورة التي أردنا إيضاحها لشخوص هذا العمل ومتواكبة مع الهدف الفكري للعمل الروائي ” “الموت الجميل” ” فهذه الشخصية مستسلمة لحالة النفي وأدمنت الهروب من واقعها بالشراب حد الإدمان كما أنها تحاول التعبير عن اغترابها بالهروب إلى ساحل النسيان الأخرى كلعب الورق والسهر في أماكن اللهو والشراب ، هذا الضعف الإنساني الذي يبحث عن ملاذ ليهرب فيه أو يتوارى خلفه بعيداً عن مسببات القهر والاغتراب تنم عن شخصية ضعيفة لا تواجه ولا تستطيع الإقدام والمواجهة وهذا أيضاً ما تريده السلطة صاحبة أدوات القهر ، إن تنامي الشخصية في هذا الإطار أسس له من بداية الرواية فبدأ أول ملمح له سكيراً حد الإدمان:
  لا يرفع كأسه عن المنضدة..
 ينحني على الكأس يرشف بهدوء وهو مغمض عينيه ، متمتعاً بكل جوارحه لا بالطعم فقط بل بلذة الارتشاف ، ونغمة الصوت ، الابتسامة تغطي تقاطيعه ، يرفع رأسه تقطر البيرة من شاربيه الفضيين..
 تستمر الرواية في سبر أغوار الشخصية ، تصمه بالغريب وهذا بالطبع يولد أحاسيس وسلوك الضعف والخوف..
 كما أن العوز المادي الناجم عن هذه الغربة له تأثيره في الشخصية وسلوكها:
 نحن غرباء، الغريب الذي لا يملك فلساً لا يساوي فلساً..
 استهانة إسماعيل بفكرة الموت إلى حد الاحتفال شيء جديد في الأدب المحلي أو العربي أو العالمي ينبع من فكرة جديدة ليس لها علاقة بالموت ذي النزعة الإيمانية أو الفلسفية، فلهوه في الحياة وتمتعه بها يتنافى مع هذا المعطى، كما أن هذا السبب بالذات لا يحيل احتفاليته بالموت إلى استهانته به لذاته من وجهة نظر عدمية كنهاية طبيعية لحياة وضيعة دنيئة، بل إن تلك الاحتفالية الرائعة بالموت هي نوع من حب خالد أسطوري للحياة لا يفسر إلا بإعادة خلقها وتجديدها المستمر.
يستمر التأسيس المركب للشخصية الرئيسة في “الموت الجميل” حتى يؤدي هذا الاقتحام المستمر إلى تشريح داخلي يختلط الحلم فيه باليقظة، والوعي باللاوعي، فتبدو جوانبه، متصارعة وانكساره الداخلي واضحاً، من ناحية نفسية يبدو اللجوء لدى نفس الشخصية إلى الالتهاء بنظرية الأجناس نوعاً من الهروب أيضاً ومحاولة اكتشاف الذات أولاً عبر تهويمات هذه النظرية التي لا تتكئ على صدقية علمية، الأمر الذي يوغل هذه الشخصية بالتشظي بين الممكن والواقع السراب، يبدو الوطن في طياتها صورة بعيدة عن الحلم والألم وتبدو المنافي أماكن انتقال من عذاب إلى عذاب.
 ومن هنا يمكن أن نقول أن “الموت الجميل” هي إعلان واضح لا لبس فيه على سقوط المثقف تحت عباءة الصوفي الحديث الذي لا ينقم على الحياة بل يذوب في حبها وعبادتها، ويطوعها حسب طاقاته.
 لكن هناك ناحية أخرى ترتهن كتابات محمود سعيد الروائية والقصصية، ترتهنها بحالة كشف التسلط التي تهيمن على الوطن .. وبالمقابل كانت حركة المقاومة من المثقف في مواجهة السلطة تتشظى إلى حالتين:
 إما القهر داخل السجون والمعتقلات والقتل..” ظهر ذلك في أنا الذي رأى و”نهاية النهار” و”الإيقاع والهاجس”، أو التشرد والنفي والاستسلام للسلطة كما في “الموت الجميل” بعيداً عن الوطن، وهي حالة من حالات الموت أيضاً، وإن كانت تختلف عنه.
 يحمل العنوان ” “الموت الجميل” ” سخرية من السلطة ، الحياة، الثقافة والمثقف، الوجود ، الموت نفسه ، الخلود، الفناء، الموت. في كل الحالات موت قبيح بمعناه الجسدي .. لكن السخرية تكمن في الموت بعيداً عن أقبية السلطة وبهذا يكون أجمل.
 الموت بهذا الاستسلام وهذه القناعة وبعيداً عن ميدان المواجهة فيه استهزاء بحالة المثقف الراهنة ذلك الهارب من الواقع والصراع إلى حمأة تهويمات الشراب واللعب ومحاولة اكتشاف نظرية الأجناس التي لا تعني سوى الهروب من الواقع، والتي لم تفد صاحبها الذكي الألمعي في دفع النفي عنه، أو أنه لم يستطع توظيفها لصالحه، فظل بعيداً عن الوطن الذي نراه في خلفية السرد وفيما وراء النص.
 إن موت البطل في أرض الغربة هو انتحار للمثقف الذي أراده الكاتب في “الموت الجميل”، والذي هو قراءة في جدلية واقع الوطن الذي يدور بين القمع والنكوص، أو بين الواقع والشعار، والمثقف المناضل في “أنا الذي رأى” مهزوم سلفاً، بعيد عن المشاركة في صنع انهيار السلطة وهزيمة النظام وسقوط الشعار هو نفسه الذي حاول رسم نوع من الفنتازيا لسقوط المثقف في “الموت الجميل” حينما حاول الهروب بعيداً والنضال من خلف الأسوار فسقط في تهويمات الجدل بين الممكن واللاممكن بجانب سقوطه الجسدي والروحي في تفاهات الحياة وملذاتها الرخيصة في مقابل معاناة شعب كامل تحت الحصار وفي داخل إطار السلطة المحلية وأيضاً في إطار السلطة الجديدة المتمثلة في النظام العالمي الجديد.
 كان الموت البطيء والجميل ينهش بكل سخرية جسد المناضل حتى تحقق السقوط الكامل بالموت الحقيقي..ليترك السلطة كما هي تتحكم ، تعتقل، تقتل،تسيطر ..
دار المدى .دمشق: 98.
القدس العربي. 1996
عبد الفتاح صبري، كاتب وروائي مصري.  
 
   
 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s