أنا الذي رأى. رواية تفضح صمتنا

عبد الفتاح صبري
“أنا الذي رأى” رواية تنقلك من العالم المسطح حولك، عالم البراءة والغفلة وأيضاً عالم التستر بأوراق التوت الصغيرة إلى عالم ما بعد الأسوار العالية.
 هذا العالم الخفي تفضحه الرواية بسرد عالي التوتر ينقلك وبسرعة مكثفة بين الأمكنة لتبرز سطوة المكان وقدسيته في غياب مؤطر للزمن، فمن ناحية ينعدم الإحساس به ومن زاوية أخرى يتماهى في المكان  الذي يتصاعد منه صنوف القهر والعذاب فيبرز إحساس الاغتراب القسري عن الوطن مهما كان تعلق الإنسان بهذا الوطن وترابه وأرضه وأمكنته، فكلما ازداد التعلق ازداد الاغتراب في أعماق الأماكن البعيدة.
 من هذا المنطلق حرصت الرواية على فضح هذه المعادلة الغريبة، عشق الوطن مساوياً لمصادرة الحق في كل شيء الحلم والواقع، الكلام والحياة أحياناً، ولكن من يملك حق المصادرة وحق النفي وحق التعذيب وحق القهر، إنها السلطة المسكونة بالرعب والخوف من كل شيء، ومن زاوية أخرى فكشفها عن هذه، أيضاً تفضح صمتنا وسكوننا في مواجهة هذا العنف المؤسس ضد حب الوطن والمكان هنا ارتبط بالإنسان من خلال دلالتين:
 الأولى: العنف والقهر والتعذيب. “لماذا لا تستجوبني هنا..؟” ص12.
 ولكن لكونها أماكن بذاتها وبعينها يتم فيها ما تريده الأجهزة والمؤسسات من الفرد.
 “كنا داخل كراج كبير للسيارات، سرعان ما أغلق الباب وراءنا مسلح باهت الملامح، وبغلق الباب الضخم انعزلنا عن العالم العادي ودخلنا عالم الأسرار الرهيبة.. ص13.
 وفي داخل هذه الأمكنة البعيدة جداً رغم أنها في عمق المدن، تمارس فيها أبشع أنواع العذاب والقهر.
 “كان اللحم قد تآكل، لا بل قد انقصّ كما لو دارت حوله سكينة حادة وقد جمدت الدماء حول القيد بعد أن غطست تحت الجلد. الخ” ص34.
 الثانية: دلالة الملاذ الآمن.
 فالمقهور دوماً يبحث عن نقيض الحالة ولو في المخيلة أو الذكريات بعيداً عن المكان الذي يمارس فيه وعليه القهر والإذلال.
 “ماذا تفعل الآن هي وعمار وعبير..؟ الخ.
 ” أرجعتِ إلى البيت الآن أم مازالت تطوفين الشوارع تسألين الخ. ص34.
 هذا التنوع لدلالة الكان مرهون بحال البطل الذي سيلاقي عذابه في تلك الأماكن، هذا القهر يحثه بالبحث من خلال منولوج التداعي أحياناً أو من خلال الاسترجاع للماضي كي يبحث عن لحظات من الطمأنينة مع أحبائه أو ذكرياته أو أماكنه الحميمة.
 هذا الاستلاب للإنسان كونه إنساناً ربما يكون حالة خاصة يرويها الراوي السارد ولكن الواقع المعاش يحيلها إلى التعميم فيجد القارئ المتلقي ذاته في متن العمل، وذلك عائداً لتخلفنا من ناحية وعدم إدراكنا لأهمية حرية وعزة الفرد من ناحية أخرى. إن القهر والاستلاب الذي يواجهه الفرد في مجالات حياته اليومية نظراً للشخصية المتسلطة المسيطرة على مفردات العمل في كل مناحيه. ومن هنا تبرز أهمية هذه الرواية التي تظهر مدى ما يعانيه الإنسان إذا مارس حقه في الكلام والفهم والوعي.
 والعمل الروائي “أنا الذي رأى” يؤكد لنا في تقريرية بحثية حالة هذا المواطن البسيط وأيضاً من خلال الدور المعرفي، فالراوي السارد لا يقول فقط ما يريد أن يقوله صاحب العمل ولكنه أيضاً يضفي علينا جواً من العقلانية تقودنا إلى تصديقه حينما يوثّق نصه بالشخوص الحيّة والرموز والحوادث مما يستلفت الانتباه نحو مصداقية تطلّ من المتن تحوم حول السرد وتسري فيه ومن خلال حبكة فنية يشدك التوتر إلى الانتقال الهادئ من مدينة إلى أخرى ومن قبو إلى آخر ومن مكان إلى آخر سواء بالفعل المسرود ضمن العمل أو من خلال منولوج التداعي الذي يلجأ إليه الكاتب ليضيف لنا الراوي السارد همهمات نفسه وطموحها وتوقه كإنسان وبشر يبحث عن الخلاص.
 والرواية مؤسسة على رؤية فكرية ترتكز على القهر والاستلاب، فدوماً همّ الإنسان هو حريته وانطلاقه في دروب الحياة بدون عوائق أو حدود ولكن نظراً لأن النظام الذي جبلت عليه الحياة الحديثة بمؤسساتها ونظمها وتقاليدها جعلت ذات الإنسان مقموعاً بآلية تلك المؤسسات ولكن السؤال الأهم والذي بحثت فيه الرواية بعمق هو حرية الإنسان في الاعتقاد والاعتناق في مبادئ وقيم ومثل تتماهى في شخصيته ومكوناته.
 والرواية توغلت وبحثت بعمق عن حالات القهر الفردية والجماعية التي تمارس لإذلال الإنسان وأظهرتها في محاولة لفضح سكوننا على هذه الممارسات البشعة “فقالوا عني أني مجنون، هناك رأيت، كانوا يزرقونه حقنتين يومياً ثم أخذت صحته تسوء.. الخ. ماذا يعطونه؟ ! الله أعلم. الخ. ص76. “بعد ثوانٍ قليلة بدأت أصوات الاستغاثة صرخات من الأعماق..الخ.”
 إن حالة القهر والاستلاب التي صارت مؤسسة في ثقافتنا حتى صار الإنسان يعاني من حالة التهميش وكذلك الضعف أحياناً في محاولة للتقوقع واتقاء الشرور المتقوقعة من هذه الحالة تعود للجذور الأولى للشخصية العربية التي عانت من الضبط الاجتماعي الذي مورس عليها، وكان الشرط السائد هو الانحياز إلى هذه الضوابط التي استمرت وتنوعت وتعددت أشكالها حتى بعد نمو المجتمعات وانفراط عقدها التقليدي وانخراطها في المجتمع المؤسسي ولكن مازالت تسري الروح التسلطية من خلال القوانين والصياغات المكبلة للحرية والتي أجبرت الفرد على الصمت والإحساس بهشاشته “أنا إنسان مسالم بسيط لا أخيف قطة، الخ.” “كان صديقي مجرد جار طيب لا أكثر ولا أقل. لم يكن بيننا زيارات، كان مؤدباً هادئاً نحيف القامة.. الخ”.
 إن شخصية السارد الراوي هي التي امتلكت زاوية الفعل من خلال الرؤية المتتالية لما يدور حوله من حوارات سواء المفروضة عليه أو التي ابتدعها هو مع زملاء في المكنة المختلفة وأحياناً من خلال المنولوج الداخلي لكي تستطيع الرواية الربط بين الشخوص وأزمنتها وبالتالي لم تحتوِ البنية الفنية على شخصيات يتمركز حولها العمل ويتنامى بها ولكن جاءت الحكايات عبارة عن مشاهد وقصص مسموعة أو مصنوعة من خلال شخصيات تتكرر بمسميات مختلفة حسب الأمكنة التي ترتادها الشخصية الساردة الرئيسية والتي تمحورت حولها الرواية وكانت هذه الشخصيات موجودة خلف الحجب وأستار الأقبية ولكنها أبداً غير بعيدة عن الذات فهي في الحقيقة معاشة في الحياة لأنها أصلاً ومن خلال الحكي انتزعت من بيننا ومن الشوارع والمنازل، إن تقنية السارد الراوي تأتي منسجمة مع مثل هذه الروايات التقريرية ولكن أحياناً نلاحظ أن الراوي يمارس دور العارف بمجريات الحوادث مما قد يؤثر في نوعية الشخصية الساردة واستقلاليتها عن صرح العمل الروائي.
__
جريدة البيان. دبي. 10/10/1995

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s