أنا الذي رأى “السجون ازدحمت … أيوجد بعد إنسان يمشي في الشارع؟

         رينيه الحايك
صدرت عن دار المدى للثقافة والنشر في دمشق رواية “أنا الذي رأى” للكاتب العراقي مصطفى علي نعمان، وأحداثها تدور داخل السجون العراقية.
 تبدأ الحكاية صباح يوم الاثنين. يتوجه فيه مصطفى نعمان للخروج بغية دفع ألفي دينار1 ولقاء المقاول للاتفاق معه على التفصيلات النهائية التي سيكون عليها البيت الذي اشتراه ليستقر فيه مع عائلته.
 لم يخطر في بال مصطفى نعمان أن ذلك النهار الربيعي يخبئ له مفاجآت غير اعتيادية، وحين تعطلت سيارته في الطريق أقفل أبوابها واستقل الباص، وفي المعهد حيث يدرس، كان في انتظاره رجلان جاءا يسألان عنه. وحين أخبرا مصطفى نعمان أنه مطلوب للاستجواب، سألهما بدوره لم لا يستجوبانه هنا؟ أشارا عليه بضرورة أن يرافقهما تنفيذاً للأوامر. بادئ الأمر ظن مصطفى نعمان أن المسألة لا تعدو كونها خطأً أو تشابهاً في الأسماء. في مديرية الأمن وفي الكاراج بالتحديد حيث اقتيد رأى سيارته المعطلة وسط حشد هائل من السيارات، وهناك فوجئ بأحد رجال الأمن المدنيين يقترب منه ليعصب عينيه، اشمأزت نفسه من قطعة القماش الذرة التي أراد أن يلفها رجل الأمن حول عينيه. وكان مصطفى نعمان غير دارٍ بما سيحصل. وكانت لا تزال فيه بعض القوة فاعترض واقترح أن يشقّ قماش قميصه لتعصب عينيه. أخيراً انتزع رجل الأمن ربطة العنق التي يضعها مصطفى وعصب عينيه بها. ثم وضع الأصفاد في يديه المضمومتين إلى خلف.
 في الاستجواب الأول ما إن سُئل عن اسمه حتى أمره المحقق بالاعتراف. وسأله عن أشخاص لم يكن مصطفى نعمان قد عرفهم أو سمع حتى بأسمائهم. وفي السرداب كانت تصله أصوات الاستغاثات كأنها قادمة من بعيد. لم يخطر في بال مصطفى نعمان إلا أن هذا التوقيف مؤقت ولن يتجاوز الساعات في أسوأ حال. إذ سيتضح حتماً لرجال الأمن أنهم أخطئوا الرجل وأن المطلوب هو آخر غيره. مع مرور الساعات كان يتذكر مثلاً ما حصل لجاره الذي اختفى والذي طاف مع زوجته على المستشفيات ومراكز الشرطة للتفتيش عنه إلى أن وجد جثة مقطعة في ثلاجة المستشفى. أتكون التهمة الموجهة إليه مرافقة زوجة جاره في تلك الليلة المشؤومة؟
 أسئلة كثيرة كانت تراوده ولا يجد سبباً وحيداً يجعله قيد الاعتقال “ماذا يمكن أن يجعلني متهماً؟ لم أكن أتدخل في السياسة. كنت فقط أكره الحزبيين وزوجتي تبعية. وألتقي أصدقائي بشكل اعتباطي. ربما تكلمنا في السياسة. لكن السياسة لم تكن محوراً للحديث. الحياة وحدها بما فيها مجمل حديثنا. “ص24”.
بعد أن بات في السجن مقيداً إلى موقوف آخر، لا يسمع إلا أصوات التعذيب والألم، اقتيد مع عدد من المعتقلين من البصرة إلى بغداد. فالسجون لم تكن لتتسع إلى هذا الكم الهائل من المسجونين. فأسباب الاعتقال كثيرة، إضافة إلى أنها لا تستثني شيخاً أو طفلاً أو عاجزاً أو مريضاً. فكل المواطنين متهمون “خصوصاً غير البعثيين” وهم متهمون على الدوام ويستحيل إثبات براءتهم. كانوا ينقلونه من سجن إلى آخر من مدينة إلى أخرى وحين يسأل عن سبب لاعتقاله لا يجد واحداً. على أية حال، لم تكن مخيلتهم لتبخل عليهم بأسباب توجب السجن. فقد صادف مصطفى نعمان أعداداً هائلة من الموقوفين منهم أساتذة في الجامعة، أو سائقو سيارات خاصة أو عمومية تهمتهم أن أحد رقمي السيارة قد سقط عنها، ما أسهل أن تنتقم من أي شخص هنا. اخلع رقم سيارته بأية كلبتين. “ص88″
في السجون، يتعرف مصطفى نعمان إلى الكثير من المسجونين ولم ينج بالطبع بعض الموالين للنظام الذين تجرؤوا على إهانة أو على إغاظة من كان له يد أطول من يده، فزجوا هم أيضاً في المعتقلات التي يواجه فيها الموقوفون إضافة إلى التعذيب، العطش والجوع والمرض وعدم النوم.
تكفي الدعاية أو كلمة قيلت بين الأصدقاء لتكون مبرراً واضحاً لسيل من الاتهامات تنهال على صاحبها. أحد السجناء طالب في كلية الطب، قال لصديقيه مازحاً حين رأى نظافة الكلية: إن هذه النظافة المفاجئة لابد من أن تشير ربما إلى زيارة تفقدية من قبل الرئيس. فأجابه أحد صديقيه أن ذلك غير ممكن بغياب الترتيبات الأمنية التي قد تسبق زيارة كهذه إذ أن الرئيس يخشى الاغتيال. كان ذلك الكلام سبباً ليس لتوقيف واعتقال الطلاب الثلاثة بل سبباً لاعتقال عائلاتهم وأبناء عمومتهم وخالاتهم، ولم ينج من الاعتقال كل زملائهم في كلية الطب.
زرعوا الجواسيس في كل مكان داخل الأسرة الواحدة حتى الكثير منهم يشي باخوته الذين يساقون إلى حبل المشنقة ويفتخرون بعدها بأداء واجبهم الوطني ويُقلّدون الأوسمة وينالون التهنئة.
مصطفى نعمان مواطن عادي حصر اهتماماته بعائلته بابنه بابنته بزوجته وبعمله، ابتعد عن السياسة وتجنب النقاشات حتى بين الأصدقاء لكن ذلك لم يكن كافياً ليجعله يعيش حياة عادية. لذلك قرر وهو في السجن أنه إن أطلق سراحه لن يعتقل في المرة التالية من دون أن تكون هناك تهمة توجه إليه، مادام الإنسان طليقاً فهذا يعني أنه سيعتقل يوماً، ولهذا صممت إذا ما اعتقلت في المستقبل فلن يكون ذلك من دون سبب، لن أسلم نفسي كالخروف من دون سبب” “ص147”
اعتقل وسجن مصطفى نعمان طوال سنة وثلاثة أشهر، دخل شخصاً عادياً همه أن يؤمن مستقبل عائلته ويبني منزلاً لها، وخرج شخصاً آخر: “كانت الفرحة المرتقبة بلقاء عائلتي بعد أكثر من سنة وثلاثة أشهر أكبر من طاغية، لكن ما يقلق الضمير، وينغص علي فرحة اللحظات المرتقبة طعنات تحزّ وجداني وأعماقي، أ بعد هذا أ يمكنني أن أشعر بالسعادة من دون تنغيص وقد رأيت الآلاف تتحطم سعادتهم لا لشيء؟”
هذا الكتاب يعتبر شهادة صادقة عن معاناة شعب من نظام يبتكر يومياً فنوناً جديدة في إذلال الناس وسحق كرامتهم. وكاتبه ربما لم يكن هاجسه بناء رواية، حتى على الغلاف لا نجد ما يشير إلى كون الكتاب رواية أو شعراً أو نصوصاً. وبدا أن هاجسه الأول نقل تلك التجربة بصدق، ربما لتكون صوتاً يرتفع ضد الظلم، وقد عبّر عن رغبته تلك إذ ذكر في الخاتمة: “وومض في ذهني سؤال، ماذا لو اطلع الناس على بعض هذه الحقائق؟ أ سيكون للنبأ ما لحصاة في بئر عميقة فلا تحدث إلا صوتاً أشبه بالأنين في عالم صاخب، طغت فيه أصوات المدافع على كل الأصوات الخيرة والطيبة والمسالمة التي تحلم بغد مشرق حنون؟ أم ستكون بلسماً لجراحات المعذبين. “ص 146”

 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s