“طيور الحب.. والحرب” علاء اللامي

لمحمود سعيد
ولوج الحرب شبه المحرمة
علاء اللامي
“1”
يكاد شيخنا الفتى محمود يلخص عبر سيرته التي هي في الآن ذاته سيرة إبداعه. يكاد يلخص: قصة الثقافة العراقية الديموقراطية، والإبداع الجميل المنحاز دون لبس للإنسان وحرياته والخائض غمرات الموت والبلادة والتجهيل والقمع والتذرير، وكافة مفردات الظلام والإظلام التي تبعثرها يميناً ويساراً عصابات محلية محترفة رفعها الغرب إلى مصاف الحكومات. والفتاء الذي عنينا هو فتاء الروح المبدع والمغالب قساوة الأرقام وتحديدات المتناهي. أليس معجزاً – بمعنى تاريخي ما، أن يواصل كاتب شيخ صعود جلجلة الإبداع المنافح وحصيلته الرقمية الباردة تقول:
 سنة 1957 نشر مجموعته القصصية الأولى “بور سعيد وقصص أخرى”.
 سنة 1963 صادر انقلابيو شباط له روايتين وأتلفوهما.
 سنة 1968 منعت له رواية الإيقاع والهاجس.
 سنة 1970 منعت السلطات نشر روايته “زنقة بن بركة”.
 سنة 1993 نشر الكاتب تلك الرواية خارج العراق.
 سنة 1994 اشترك في مسابقة الرواية التي قاد لجنة تحكيمها المحايدة الأديب الراحل جبرا إبراهيم جبرا فحاز على الجائزة الأولى عن تلك الرواية ولكن السلطة تذكرت أن الرواية الفائزة سبق أن منعت، فحجبت الجائزة عنها.
 سنة 1996 حازت روايته “نهاية النهار” أو “هل انتهت الحرب؟” على جائزة المجلس الأعلى للثقافة.
 سنة 1997 نشر مجموعته القصصية “طيور الحب .. والحرب” موضوع قراءتنا هذه.
 أليس معجزاً –بعد هذا كله- أن يأتي آخر عناقيد الشيخ “طيور الحب .. والحرب” مفعماً بالنضارة الفنية، والإخلاص الذي لا يصدر إلا عن وجدان مشاعي راكز، لقضية إنسان على صعيد المضامين؟ سنحاول تلمس أوجه ومبررات أو مسببات ما أسميناه – إعجازاً- من خلال هذه القراءة –التحية- في مجموعته القصصية الجديدة والتي قال عبرها كلماته ولكن، وهذا هو جوهر الموضوع في رأينا، ليس على طريقة الكتبة النرجسيين، في فقاقيعهم الملونة والغزيرة ذات الورق الصقيل والأغلفة المعتنى بها، أين يقول قائلهم كلماته وينشي، بل أن محمود سعيد يقول كلماته الحاسمة والجميلة، ويمشي به صعوداً إلى الجلجلة إن استدعى الحال وهو مستدعىً في كل الأحوال.

                                          “2”
 تعتمد قراءتنا لهذه المجموعة القصصية على دوائر مفهومية أولية وآليات ملاحظة تقوم على الذائقة الكاشفة لجماليات النص بعيداً عن أي تنطع لتأصيل نظري لمنهجية نقدية جديدة، نائية أصلاً عن اهتمام كاتب السطور في الراهن على الأقل. إنها بكلمات أخرى، خلاصة شديدة الخصوصية ومتواضعة واقعاً لا إدعاء في الكتابة الأدبية وفي قراءة نقدية للنص ذي السمات السائدة والمعروفة. وقد تتداخل وتتقاطع تلك الدوائر والآليات فيما سيترى من ملحوظات بهدف الكشف والتفكيك وإعادة إنتاج هيئة جديدة للمقروء نقدياً ضمن السياقات المعطاة في اللغة والمضمون. آخذين اللغة ضمن مثلثها الحقيقي لكن المهمل في النقد والكتابة المعاصرين عراقياً والمكون من أضلاع ثلاثة: التركيب “نحواً وصرفا”. المدى البلاغي. عمق الأسلوبية المعتمدة. مع الإشارة إلى أن ثمة أمية بلاغية هائلة تسوط النص المهيمن، يستعاض عنها –البلاغة- غالباً بحذلقة أو تشدق بتصيد المفردات الخلابة ذات الرنين دون الالتفات إلى المدى البلاغي، أو عمق الأسلوب ضمن حركة النص ونموه صوب تخوم الإنجاز.

“3”
 أخذت المجموعة اسمها “طيور الحب.. والحرب” من قصة بهذا الاسم ضمن القصص الست عشرة التي احتوت عليها، والواو ليس عاطفاً الحرب على الحب إنما هو واو المعية، بمعنى أول مفاده: إن الطيور هي طيور الحب فقط. ولكنها تعيش زمن الحرب. سواء كانت حرب الثماني سنوات بين النظامين الحاكمين في إيران والعراق أو حرب عاصفة الصحراء الأمريكية التي تلتها وأتمت ما لم يتم. لقد ظلت هذه الحرب شبه محرمة أو لنقل ظلت عذراء تقريباً فلم تغامر في ولوج عوالمها الأقلام العراقية المنفية لما يترتب على هذا الولوج من اعتبارات سياسية ومواقف ذات أثمان مرتفعة “بالمعنى الوجودي””1″ بلاغياً: ثمة فسحة تسمح لقراء ثانية في العنوان بالإمكان الدفاع عنها أيضا، وتقول بأن الواو ليس للمعية بل عاطف وسوف يتغير المعطى الأول تغييراً جذرياً لتكون الطيور والتي هي طيور حب بدءاً قد تحولت إلى طيور حب وحرب”2”. وإذا ما تعمقنا في هذا الذي قد يحسبه البعض مجرد ثرثرة، نجد أن ثمة مدلولين وماهيتين لكل من القراءتين.
دخل محمود سعيد تلك العوالم التي وصفناها قبل هنيهة بشبه العذراء دخول المتمرد الشجاع الرافض. محطماً في تجواله “رقصته” كثيراً من الأصنام مجتاحاً العديد من الخطوط الحمراء، والصوى التي ظلت في حرز حريز زمناً طويلاً، فقد خص كاتبنا حرب الثمان سنوات بالقصص التالية:
*الأحمر والأسود: وموضوعها إعدام رافضي الحرب ومعاناة ذويهم المطالبين رسمياً بتسديد ثمن رصاصات الإعدام.
*دماء: تحكي لنا عن طبيب جراح عراقي يغرق في دماء الجنود والمدنيين إلى أذنيه في واحد من مشافي البصرة محاولاً إنقاذ من يمكن إنقاذهم، ثم يجد نفسه أمام جسد ابنه الجندي الذي مزقته شظايا قذيفة إيرانية.
*طيور الحب.. والحرب: قصة قصيرة مشبعة بأنفاس عمل روائي مجهض يحكي لنا عن معاناة أهالي البصرة والجنود المدافعين عنها تحت وطأة جحيم القصف الإيراني الرهيب.
*ضفيرة العروس: قصة حب صاعق في اهوار الجنوب، بين مهندس مجند من أهل الموصل والحسناء الجنوبية “نسمة”.
وتنتهي قصة الحب هذه بمجزرة يوم عرسهما، فلا يترك القصف المدفعي للعاشق سوى ضفيرة المعشوقة المضمخة بالدماء والوحل. وسنعود لهذه القصة بعد قليل. أما حرب عاصفة الصحراء الأمريكية فقد قدم لنا عنها الكاتب عملاً مهماً ومدهشاً في جرأته: “كلهم أعداء”، هذا هو اسم القصة التي تروي لنا تفاصيل سلب وتجويع وإذلال الأسرى العراقيين وترك الجرحى منهم ينزفون حتى الموت، تحت وهج الصحراء ومحاولات الضباط الخليجين و”العرب” إجبار هؤلاء الأسرى تحت التهديد بالقتل والدفن أحياء على تقبيل أحذية الجنود والضباط الأمريكان، وتصوير تلك المشاهد اللاأخلاقية، التي عرض بعضها في وسائل الإعلام. في هذه القصة دافع محمود سعيد دفاع الأسد عن كرمة الإنسان العراقي وفضح في عمل ذكي ومرهف دناءة الأعداء الأمريكان وعبيدهم وستكون لنا عودة لهذه القصة.
أما عن حياة العراقيين والعراقيات في ظل الحصار الأبدي الذي يقرضه الغرب الإمبريالي بقيادة أمريكا فنقرأ قصة “صباح مر” وفيها يقرر الكادح العراقي “أبو رجاء” بيع إحدى كليتيه ليطعم أسرته بثمنها ومواقف الزوجة الشجاعة “أم رجاء” الرافض لتلك الصفقة العجيبة. ومن الأجواء نفسها تأتينا قصة “العشيقان” حيث تقرر بائعة الباقلاء الفقيرة، بعد أن ضيق عليها أعوان النظام الخناق ومنعوها من فرصة إطعام طفليها عن هذا الطري ، تقرر أن تلقي بنفسها في نهر دجلة هرباً من الحياة إلى الموت ، وبعد أن يتم إنقاذها من الغرق تطاردها الشرطة بتهمة العمالة لجهة معادية دفعتها لهذا العمل أو أن لها عشيقا قام بذلك الدور فتعترف بأن لها عشيقين لا عشيق واحد ثم تكشف الأحداث بعدئذ أن العشيقين هما فلاها الجائعان!
ما تبقى من قصص المجموعة يدور ضمن مدارات ليست بعيدة عما سلف ذكره وإن اختلفت همومه في التفاصيل واختلفت تقنيات الأداء. أما الآن فسنصحب القارئ في جولة نقد واستمتاع في ثلاث قصص من قصص المجموعة وقع عليها الاختيار لأسباب سترد في حينها، ولنبدأ بقصة: “ضفيرة العروس”.

“4”
 هي واحدة من قصص حرب الثماني سنوات كما سبقت الإشارة. الراوي فيها ضمير الغائب، وهو الراوي نفسه في جميع قصص الحربين والحصار، أم القصص الخفيفة وذات المنحى الإنساني العام، الرقيق وشبه الأهتيامي/ الرومانسي/ فالراوي هو ضمير المتكلم. أول دلالة يمكن مقصوداً أو غير مقصود، هو إضفاء مسحة توثيقية تاريخية على البنية العامة للسرد. إضافة إلى أن ضمير الغائب يحل للراوي العديد من المشكلات الفنية البنائية والتسويغية –التبريرية بمعنى ما- في الانتقال المكاني في بناء النص وسرد أحداثه وتفاصيله. لقد بلغت مهارة الكاتب ذروتها اعتماد بنية سردية يمكن تسميتها بالخط. وأحيانا الخطوط المتقدمة بشكل متداخل في قصة أخرى، أقل أهمية مضمونية من هذه وهي قصة “رسالة إلى وفية” أما هنا فنحن نشهد تمريناً أولياً ناجحاً على هذه التقنية غير السهلة في البناء والتقطيع، ولا يقلل من جوهر هذه الملاحظة كثيراً – علمنا أو عدمه بأن “ضفيرة العروس” كتبت قبل “رسالة إلى وفية” أو العكس، فنحن نتكلم على حصيلة استخدام تقنية ما وليس علة الاستخدام في ذاته.
 تبدأ القصة قبل قليل من نهايتها الحديثة “قبل قليل من سقوط القنبلة كان حسين يدور حول الصريفة..” قد تكون تلك القنبلة هي التي دمرت الجبشة”4″ وما عليها من بشر وحيوان ونبات. أقول: قد تكون تلك القنبلة أو التي تلتها قد فعلت ذلك، ولكنها أيضاً، وفي الصمت العميق الذي تلاها، فجرت المشهد على اتساعه وأعطت الراوي بداية ما سميناه خط السرد المتقدم والمتداخل. يستعيد “حسين” المهندس المجند والقادم من مدينة الموصل، مشهد وصوله، ولكن على لسان الراوي الذي يجنح أحياناً إلى المزج بين صوتين: صوته الخاص والمحايد شكلاً وصوت بطله “حسين”. عائداً في الزمان إلى ما قبل شهر من الآن “القنبلة” ويتذكر كيف استقبله ضابط الصف المتوحد مع زجاجة العرق ونقيق الضفادع ودوي الراجمات والقنابل. إنه: أبو كاظم ملك تلك الجبشة أو الجزيرة التي تتوسط ساحة حرب حقيقة لكنها شبه وهمية، بسبب طبيعة المكان. مهمة أبي كاظم والمجند الجديد مراقبة أي محاولة تسلل قد يقوم بها الإيرانيون في مكان يستحيل منه وإليه وفيه أي تسلل. أكثر عبثاً من هذا. إن القذائف والقنابل العراقية والإيرانية تتساقط على الجبشة المذكورة والمنطقة المحيطة بها.
 بطلانا يدركان عبثية وهذيانية تلك الحرب العقيمة، وهكذا يترسخ البعد الرمزي العميق للمكان، لنقل الملحوظة الأخيرة بكيفية أكثر تحديداً: إن الاستخدام الرمزي للموضع الوسطي في المكان الجغرافي يساوق أبعاد وطبيعة إدراك المقاتلين الرافض لحرب حكومتين، بدأتها الأولى لتخوض حرباً ضروس ضد شعب خارج لتوه من ثورة شعبية آلت إلى نظام ثيوقراطي” فيم بعد ، نيابة عن الغرب، وأصرت الحكومة الثانية على مطّ واستمرارها لتحرق الأخضر واليابس طوال سنوات جحيمية إضافية أخرى. وهكذا يتقدم خط السرد بين قنبلة وأخرى، بأناة ورشاقة لا تخلو من دعابة وطرافة عراقية محببة ولكنها تصل أحيانا إلى شيء من فجور واستفزاز يفوه به ضابط صف تعتعه العرق ورائحة الموت والوحدة، يبلغ خط السرد مشهد رؤية المجند حسين الموصلي، لم ينسى أبو كاظم أن يصرح بدهشته لهذا الاسم “حسين” في لمحة ذكية ومعادية للطائفية من قبل الكاتب مع أن تلقيب “حسين” باسم مدينته من عندياتنا، وقد ورد المعنى ضمناً في السياق.قلنا إذن أن خط “السرد يتداخل” يبلغ مشهد رؤية حسين للفتاة ذات العينين الصفراوين والبشرة البيضاء كالحليب المبتسمة بعفوية “كحيوان شديد الندرة” ونلاحظ أن الكاتب غالباً ما يستخدم كاف التشبيه كما في هذا المثال –وغيره وفير- استخدم الشعراء لا كتاب القصص، وهنا يتداخل خط السرد مع بعضه – التفصيلي- ونسمع سقوط قنبلة أخرى تعيدنا إلى مستوى السرد الأول، إلى حيث بدأنا. تمر دقائق ونعود إلى التقدم مراقبين تأجج جذوة ذاك الحب العاصف ويتخذ حسين قراره بالزواج من الفتاة –نسمة- متابعين تلك المشاهد الآسرة من طبيعة الأهوار العراقية، أناسها، حيواناتها، نباتها، هواؤها. ثم نرافق حسين وصاحبه العسكري في زيارة إلى أهل الفتاة لطلب يدها وموافقة أبيها المشروطة بأن على “حسين” أن يهرب بحبيبته بعيداً عن الحرب. لقد أكلت الحرب ثمانية عشر شخصاً من أفراد تلك العائلة خلال هجوم سابق. وقفة أخرى مع دوي قنبلة جديدة، ويتساءل حسين:
-تراه هجوماً جديداً؟
نعود بعدها وقد توحد البعد الزمني لما سميناه خط السرد لتتابع الساعات والدقائق التي ظلت تفصل حسين عن حفلة الزفاف غير أن تيار التصعيد والتوتر النفسي ما انفك يشتغل نامياً بإصرار حتى لحظة الاختلاف بين الرجلين. نعود إلى حيث كنا، كما يقترح أبو كاظم، أم نتقدم صوب الفاجعة؟ نشير عرضاً إلى أن أبا كاظم يلمّح إلى أن القصف ليس إيرانياً، معادياً. يحسم حسين الموقف ويلقي بنفسه من زورق أبي كاظم إلى مياه الهور ماضياً إلى هدفه سباحة، فيتبعه صاحبه، لنترك الكاتب يوقع لنا بكلماته المنتقاة، المنظومة بدراية، الواعية بشيء من الصرامة نهاية قصته الحزينة هذه والتي سيشم في كلماتها كل من عانى أهوال تلك الحرب رائحة شيء احترق في داخله!. كتب محمود سعيد: “ثم لاحظه يقفز في الماء ويصرخ: وجدتها، وجدت نسمة. أبو كاظم، وجدت نسمة. دفع أبو كاظم المشحوف بقوة. دار حول الجزيرة مخترقاً الأجساد لميتة للأسماك والضفادع والجنادب والسلاحف، وما تبقى من هشيم البيت، يبحث عن حسين، وجده يرفع جذيلة كستنائية تميل إلى الاصفرار، لا يزيد طولها على نصف قدم، يقطر الماء منها، وهو بملابسه وسط الماء، فاغراً فاه، وقد تجمدت الكلمات وماتت المعاني في عينيه”.

      “5”

     كلهـم أعداء.
يأخذنا القاص في قصة “كلهم أعداء” إلى واحد من تلك المخابئ التحت أرضية التي حفرها الجنود العراقيون. نجد أربعة جنود عراقيين جرحى وجثتين لجنديين قتيلين. في واقع الأمر، فإن الكاتب لا يصرح بمعلوماته، لكأنه يكشف سراً أو حزمة من أسرار ولكن بحنكة ودهاء حافظ الأسرار في المعابد الوثنية القديمة. إنه يلغم طريقك الاستنباطي لمعرفة حقيقة ما جرى للعراقيين في تلك المذبحة الرهيبة بالأسئلة والتساؤلات المربكة ونحن نرجح لذلك ثلاثة احتمالات:
الأول، واقعية نواة القصة التي نهض عليها النص سيما، وقد سمعنا العشرات من حكايات تلك الحرب على ألسنة من أفلتوا من الدفن أحياء بجرافات الأمريكان، سمعنا مثلا حكاية ذلك الجندي العراقي الشاب، والذي ما زال حياً يعيش عيش المتشرد في عاصمة عربية، وكان هذا الشاب قد أخفى تحت ملابسه قاذفة آر بي جي حين عاد وآلاف من رفاقه منسحبين سيراً على الأقدام إلى العراق فطاردتهم طائرة هليوكوبتر على ارتفاع منخفض. وفيها مجموعة من الجنود الكويتيين والمصريين، يشتمونهم ويعرضون بشرفهم بأفحش الأقوال، فما كان من صاحبنا إلا أن صوب القذيفة الوحيدة إلي تلك الطائرة وحولها بمن فيها إلى رماد وشظايا متناثرة في سماء العار العربي.
 الاحتمال الثاني الذي نرجحه هو توفير المناخ الملائم للحدث الدموي الحزين عن طريق التقتير في الأضواء الكاشفة لجلال الموت ورهبة المشهد، والشح في الكلام المقال لحساب الكلام الآخر الآتي دون ريب بعد إنهاء القارئ من تناول أسرار النص.
 أما الاحتمال الثالث فيتـعلق بخصوصية وتنوع التقنيات التي يبتكرها أو يستعيرها الكاتب في السرد وبناء المكونات الداخلية لعمله قبل الشروع في إشغال – اللمسات الأخيرة. والحقيقة، فالكاتب كان قد بدا لي وأنا في خضم قراءتي الأولى لهذه القصة، وكأنه يكتبها وهو يكزّ على أسنانه غيظاً وحزناً وألماً. إن الاستدراك الخير نبهني الآن إلى أن الاحتمالات الثلاثة الفارطة ليست منعزلة، أو منفصلة عن بعضها ومن الممكن الآخذ بها جميعاً كاحتمال واحد ذي ثلاثة اوجه.
 تبدأ قصة. – كلهم أعداء – بوصول سيارة جيب عسكرية إلى ملجأ الجنود الجرحى والقتلى تقل ضابطين “عربيين” لا يصرح لنا الكاتب كعادته باسم بلدهما، تاركاً للقارئ أن يستنبط ذلك مـن أسئلة الجنود الجرحى وأجوبتهم لبعضهم:
-أهو كويتي؟ .. قل لي ، أهو كويتي أم أمريكي؟
– لا هذا لا ذاك. عربي.
أكد العميد: عربي نعم.
غير أن مفردتي “هيك” و”خيو” اللتين تفوه بهما أحد الضابطين تشيان بالإجابة التي لا يبدو أنها تهم الكاتب، فقد أراد وصم رمز النظام العربي الذي شارك في القتلين: القتل الداخلي العميم والمسكوت عنه عربياً وعالمياً بحق العراقيين، والقتل في عاصفة الصحراء الذي اتخذ سمة المهابدة”3″ والثأر مثلما فعل “حنى بعل” القرطاجني حين أفنى خمسين ألف مقاتل روماني في معركة كوناي. والتاريخ لا يحب المزاح. يسلب الضابط ما بحوزة العراقيين، وحين تعزّ النقود لا بأس من سلب حلقة الزواج الذهبية من أحد الجرحى، والنزول إلى الملجأ لتجريد الميتين من خواتم وحلقات محتملة أخرى، مع وعد من الضابطين بإرسال الماء والطعام لهم. يرحل الضابطان بعد أن يعطيا الجنود علماً بلاستيكياً أبيض لينصبوه على الملجأ رمزاً لاستسلامهم ولكن الكاتب يكشف لنا عن سرٍ جديد: لم تكن تلك الأعلام البيضاء. التي وزعت على المواقع العراقية سوى علامات ترشد المدفعية الغربية في تصويب قذائفها نحو الأسرى والجرحى، تتدخل المصادفة الحسنة وتيار هواء عجيب فيحمل علم الاغتيال الأبيض بعيداً، مبعداً معه القنبلة الأمريكية. تصل سيارتان أخريان. ربما  للتأكد من نجاح خطة القتل بالأعلام البيضاء؟ هذا ما لا يصرح به كاتبنا الكتوم مباشرة. تقلان ثلاثة جنود أمريكان وضابطاً عربياً سيدلك قلبه للقاف همزة حين ينادي العراقي قاسم ب “اسمع يا آسم”، على البلد الذي جاء منه. أحد الأمريكان يحمل كاميرا تصوير ضخمة ويطلب شيئاً من الضابط “الناطق بالعربي”. الضابط يطلب من الجرحى العراقيين أن يقبلوا حذاء الجندي الأمريكي لتصوير ذلك المشهد ومن ثم نشره على أوسع نطاق إعلامياً بهدف ثلم سمعة وشرف المقاتل العراقي.
يرفض العراقي: إنني أسير حرب يجب أن يعاملني باحترام.
يرد الضابط “العربي”: لكنه منتصر.
بعد قليل ينتقل الأمريكان وضابطهم إلى ملجأ عراقي آخر وجدوا  فيه جنداً أصحاء. وستكون صورة الهمجية الأمريكية وانحطاط النظام العربي حادة القسمات.
يدرك كاتب السطور أن الحوصلة التي قدمها لقصة “كلهم أعداء” ليست من النقد القصصي في شيء، إن لم تنته بالنص المحوصل إلى هيئة أخرى ليست جديدة أو مغايرة. بل مكملة لنهايات الخطوط التي تركها الكاتب تنساب مع دماء جنوده وأسئلتهم المرة مع هذه المجموعة القصصية شديدة الجرأة والقسوة. هدم محمود سعيد الأسطورة المتفشية في الراهن، والقائلة بأن العراقيين يموتون بصمت كالأسماك. أو في الأقل من القليل أثبت الكاتب أن ثمة عراقيين ممن ظلوا على قيد الحياة بمحض المصادفة قادرين على الصراخ. وتقديم شهادة مريرة ولكنها شهمة ضد الموت الأمريكي وليذهب الأدب المتكادم والدائر على لبّ خوائه الذاتي إلى الجحيم.

“6”

العشيقان.

 بعد حربين- قصتين من حربين – حل الحصار الإمبرايلي على العراق، -على الشعب لا حكامه طبعاً – كحرب ثالثة بلغت تأثيراتها الفتاكة نخاع الرضيع ودفتر الصبي ورغيف العائلة. جاع العراقيون كما لم يجوعوا من قبل، “جوع وثلاثة أنهار” “5”إن سؤال مظفر النواب الاستنكاري هذا الوارد في أحد قصائده القديمة يتحدث عن جوع آخر، جوع طبقي فرضته على الناس العصابات المسلحة التي تحولت إلى حكومات. أما الجوع الذي يكتب عنه وعن مآسيه محمود سعيد فهو إن شئنا الدقة، تجويع يمارسه الغرب الإمبريالي ضد شعب خبره جيداً طوال ثمانية عقود تقريباً، وعرف قسمات مستقبله لو أنه تُرك حراً يتمتع بخيراته في ظل نظام ديمقراطي عادل. بكلمات أخرى: إن الحصار/ التجويع/ ليس إلا حرباً انتقامية ذات دلالات وأغراض وقائية حيث تتخذ حرية وسعادة شعب العراق معنى الطامة الكبرى تاريخياً على مصالح الغرب اللصوصية، وعلى استقرار محمياته النفطية. لقد أطلنا الوقوف عند هذا الشأن السياسي بدرجة أولى لعلاقته المباشرة بالنص موضوع قراءتنا. لقد غابت –للأسف الشديد- الرؤية الموضوعية التي يرتكز إليها الحدث أو مجموعة الأحداث، ومن تعبيرات هذا الغياب تركيز الكاتب على تفاصيل القمع الداخلي وعدوانية شرطة وأعوان النظام وهما أمران لا ننكرهما، ولكن من حقنا التساؤل عن سبب إهمال الكاتب وعدم إشارته ولو تلميحاً في قصة من أجواء الحصار لفارض الحصار والمقاتل من أجل استمراره حتى آخر طفل عراقي. صحيح أن الكاتب ليس مطالباً بتقديم برنامج سياسي عن الحصار في قصة قصيرة ولكن من الصحيح أيضاً الحرص على التوازن المعقول بين المكونات الرئيسة للفكرة موضوع النص وعدم إهمال ركن بهذه الأهمية من أركانها.
 فنياً: اعتمد الكاتب التقنية السردية التي أتينا على ذكر تفاصيلها في قراءتنا لقصة “ضفيرة العروس” مع توضيح مهم، هو أن الطبقة الأولى أكثر غموضاً هنا، فهي توحي أولاً بترابط تسلسلي للأحداث،ولكنها في العمق تحتوي على مستويات أو خطوط أخرى نجح الكاتب في لحم نهاياتها ولم يترك بين تضاعيفها أية ثغرات أو نترات مخلة ببنيتها الشاملة.
 تبدأ القصة بمشهد الأم الكادحة بائعة الباقلاء وهي تعتلي جسرا من جسور بغداد وتهم بإلقاء نفسها في نهر دجلة. لقد قررت الانتحار بعد أن منعها شرطي الحكومة “ناصر ذو الشارب المتدلي إلى رقبته” من آخر فرصة لإطعام طفليها المعوقين عن طريق بيع حساء الباقلاء وحطم عدتها البسيطة. هناك قصتان صغيرتان وردتا في متن القصة الأشمل تعطيان القارئ صورة أكثر وضوحاً عن مأساوية القيامة العراقية الراهنة. تتذكر بائعة الباقلاء صديقتها “نشمية” التي باعت آخر ممتلكاتها وهي بطانية، واشترت بثمنها دبساً وزيتاً وسماً لقتل الفئران، وطهت لأطفالها الثلاثة وجبة دسمة وقاتلة. ماتت “نشمية” وأطفالها بعد تلك الوجبة وكان موتها دافعاً آخر لصاحبتها بائعة الباقلاء.
 القصة الثانية عن جندي يرى ابنه يفتش عما يسدّ رمقه به في كومة من النفايات فينتحر الأب برصاصة واحدة سددها إلى رأسه. إن القيمة الفنية لهاتين القصتين لا يمكن تعويضها بأي شيء آخر، لقد تحولتا من استدراكين لهما وضيفة شبه توثيقية لحوادث واقعية يتناقلها العراقيون إلى شحنتين معنويتين لن يتمكن القارئ من نسينانهما أثناء أو بعد الانتهاء من قراءة القصة. لقد لونا، بعبارة أخرى، سماء النص باللون الوحيد الممكن: لون الموت.
 تفاصيل القصة الأخرى تدور ضمن الحدث المنتظر والناشئ عما سبقه. تلقي المرأة نفسها في النهر ويتم إنقاذها ونقلها إلى المشفى لتخضع فيما بعد إلى تحقيقات وملاحقات الشرطة تنتهي بهجوم المرأة على أحد رجال الأمن جاء لتفتيش بيتها برفقة عسكر آخرين وتجدع أنفه. نود التوقف قليلاً عند جزئيتين وردتا في هذه القصة: الأولى تؤشر إلى وعلى الوجدان المشاعي العميق للكاتب الذي جسد لنا ج في حوار قصير بين رجال السلطة – الكيفية التي تنظر بها الحكومات إلى الفقراء.
 أجاب القميء: نعم.
 -لكنها فقيرة.
 – ولو.. كل الخونة فقراء معدمون. كيف يصبحون عملاء إن لم يكونوا فقراء. لو كانوا أغنياء لما استطاع أحد شراءهم. ص 127.
 هذا المنطق الشرطوي لا يقتصر على رجال شرطة من الحجم الصغير، بل يتعداهم إلى الوزراء ورؤساء وزراء يحسدون معارضيهم “من النوع العميل” على ما هم فيه من بحبوحة خارج البلاد، ولا يجدون غضاضة في التصريح بذلك على شاشات التلفزيون الفضائية.
 الوقفة الثانية، وبها نختم هذه القراءة لقصة “العشيقان” هي تلك اللقطة الجميلة والذكية التي رسم من خلالها الكاتب خريطة يمكن أن نسميها “خارطة العراق الممنوع” كتب يقول على لسان بائعة الباقلاء وهي تعتلي الجس وتتأمل جمال القصور الرئاسية “الذي يطرز الأفق على امتداد مئات الكيلومترات، وحتى حدود الجبال الممنوعة من التسلق في الشمال وبحيرات الوسط الممنوعة على الناس صيداً وعوماً وتنزهاً في الغرب والطرق الفسيحة حيث المستنقعات المجففة في الجنوب والممنوعة من الحياة والسكن والتنفس. ص”120”
 وأخيراً ماذا بشأن لغة المجموعة.؟
 ألمحنا في بداية هذه المقالة في نظرتنا إلى اللغة الأدبية، وكيف ينبغي لنا التعامل معها ضمن ما أطلقنا عليه مثلث التركيب والبلاغة والأسلوب. ولقد أطرينا بملاحظة أولية لغة الناثر، في مجموعته موضوع نقدنا واعتبرناها من القليل الجيد والمتميز، إنما المحاصر بصخب وطنين النص السائد والذي لا يقول شيئاً ذا بال، أو بعبارة المثل السوداني “يتكلم ساكت” . إن للموضوعية شروطها ومتطلباتها الأكثر جدوى ونزاهة من إطراء عابر تعكسه عين الرضا أو بتبخيس صادر عن عين ساخطة كم جاء في بيت المتنبي العرب.
وعين الرضا عن كل عيب كلـيلة
ولكن عيب السخط تبدي المساويا.
 فما هي إذن حدود ومسوغات تقييمنا الإيجابي إجمالاً للغة صاحب “طيور الحب.. والحرب” وما مبررات أو الإحالات إلى النص المنجز، وبغض النظر عن كونها إحالات لصالح أو لغير صالح النص، التي تجعل تقييمنا سالف الذكر أقرب إلى الموضوعية. كممارسة لا كرغبة ذاتية؟
مهما يكن من أمر، فإن الحقيقة الأولى والتي لا سبيل إلى الموضوعية، كممارسة إلى إنكارها، هي أن كاتبنا لا يشكل حالة قطع تامة ومكتملة مع السائد، بل لأنه، ولأسباب خاصة قد تكون في مقدمتها البداهة والسليقة اللغوية والتحصيل الدراسي الحي والمناسب لمجاله الإبداعي، حافظ على نقاط القوة في النسيج اللغوي المستعمل والمطوّر نقدياً باستمرار، ولكن ما سلف لا يشكل بحد ذاته عامل حصانة ومنعة من سلبيات ما هو سائد. الناثر أياً كان، لا يتخير لغته، كما يتخير صانع التحفيات أخشابه وأدواته، ولا هي تسقط عليه أو إليه دفعة واحدة بهذه الدرجة و تلك من الاكتمال. لهذا كله جاءت لغة محمود سعيد بتوصيفها السابق، مضافاً إليه ما جاءت به البنية من أشنات هنا ونتوآت هناك، من لمعات خلابة هنا واستعمالات رشيقة  غير مطروقة هناك. ضمن هذه الحركة الدائبة في بحثها عن الجميل الصحيح والصحيح الجميل.
يسعنا النظر بشيء من التشاؤم إلى مئات النصوص الأدبية التي لا تحمل من صفاتها إلا الاسم الواهم الموهم لا لشيء إلا لأن كاتبيها يريدون للقارئ الناقد أن يصدق دون وجهة حق بوجود جزالة وسلامة لغويتين، لا وجود لهما، وبلاغة تقف على قرنين من الحذلقة وأسلوبية غدت مملة لكثرة ما ليكت، وصالت، وجالت. أسلوبية  هي أشبه بأسلوبية النثر المترجم حرفياً من بعض اللغات اللاتينية في مواضيع شديدة التعقيد كالفلسفة وعلم النفس وسواهما. الأكثر مدعاة للأسف هو وجود شباب موهوبين كثر، لكنهم لا يهتمون في قليل أو كثير بصقل أو تطوير لغتهم فيذهب إبداعهم هباء، كما يذهب هباء إبداع التشكيلي الذي لا يهتم بألوانه وخطوطه أو النحات بمرمره ورخامه، في الوقت الذي يبذل البعض مهم الكثير من الوقت والجهد والمال في “ملاحقة” لغة أجنبية ما، قد يفلح في إتقانها ولكنه لا يتعب نفسه في دراسة أو استعادة دراسة لغته الأم ومادة إبداعه وكأن اللغة العربية تحصيل حاصل كالشهيق والزفير.
بعد هذا الاستطراد “المتساهل”، وعلة التساهل فيه معرفتنا بالحساسية المفرطة التي تنطوي عليه ذوات البعض من مثقفينا، تلك الحساسية الشبيهة بحساسية الكنيسة الأنجليكانية التي قال عنها كارل ماركس “إن الكنيسة الأنجيليكانية السامية، مثلاً، تغفر الهجوم على ثمانية وثلاثين بنداً من بنود قانونها الإيماني التسعة والثلاثين، ولكنها لا تغفر إطلاقاً الهجوم على جزء واحد من تسعة وثلاثين جزءاً من دخلها النقدي”، بعد هذا الاستطراد تعود إلى لغة “طيور .. الحب والحرب.” التي يمكن وصفها وبمجرد الانتهاء من قراءة الصفحة الأولى منها، بأنها تحترم قارئها ونفسها. لا تدفن نفسها في رمال الخواء شبه المترجم ولا تحيط نفسها بسلاسل التقعر والحذلقة الطنانة العتيقة. ولكنها لا تخلو أيضاً من الكثير الذي يجب أن يشار إليه على صعيد أسلوبي أو بلاغي. أما على صعيد التركيب فنحوها سليم إلى درجة معقولة مع بعض الهنات في الصف كتفضيل “المكوث” على “المكث” وتعديته للفعل الثلاثي الأجوف “مات” بتضعيف عين الفعل “نمموّت” وهو ضعيف والقوى “نميت”، وربما وجد الكاتب مسوغاً معقولاً لذلك بالقول أن الفعل المذكور ورد في جملة حوارية عامية مفصحة، والعراقيون يجعلون الفعل المذكور متعدياً في كلامهم كما فعل الكاتب، ولكن المشكلة تظل قائمة لأن الحوار لم يكتب باللهجة العامية لعرب العراق.
أمثلة كثيرة يمكن الإشارة إليها أو إلى شيء من الخلل البلاغي والأسلوبي فيها نقتصر على ذكر بعضها: المساواة ضمناً في أسلوب تشبيه بين الشعر والزغب. تقديم الظروف على كل ماعداه من مكونات الأسلوب. تشخيص غير القابل للتشخيص كما في قوله: “مازلت أشعر بعناقه الأخير يشدّني بقوة”. استخدام أفعال ومشتقات في غير موضعها البلاغي الصحيح كقوله ” أفقدت الاندفاعة توازن الإيراني” و”المويجات الهادرة” على التوالي. والكاتب كثير الاستعمال للمفردات العامية ذات الأصل الفصيح، وهذا أمر محمود لا يجرؤ على الإقدام عليه إلا من كان لديه جديد يبدعه، من ذلك ردن الدشداشة، الأثول، الرقي، الزبالة، الفيء “بمعنى الظل”. وفي ثنايا النصوص تنبت صور بلاغية وتعبيرات رائقة معبرة كثيرة منها، مثلاً، يصف عيني امرأة قائلا: “إنهما سبورتان مكتوبتان لا تعرفان الكذب”، أو يسمي معرفاً  الدماء بقوله “عصير الحياة القاني” وقوله “شفتاها بتلتي جوري..” وكثير غير هذا.
نودع القارئ بالقول: إن وطنية كاتبنا وإنسانيته التي أحببنا نعتها بالمشاعية منحازتان أولاً وثانياً وثالثاً و… للإنسان. إنه الإنسان الحقيقي الجريح، الجائع، المزدرى، العاشق، السائحة دماؤه على رمال الصحراء، الجادع أنف الجلاد، لا إنسان المقولة المصعدة إلى ضباب لا متناه. لم يبذر محمود سعيد جهده في تقديم نثر يتغزل بالسمك المسقوف، ورائحة الكباب، ولبن أربيل وما شابه ذلك من مفردات تلك “الوطنية” الصادرة من الأمعاء، والتي لا تعنيها في شيء اعتبار آلاف العراقيين رعايا أجانب، أو احتساب شط العرب نهراً إيرانياً والفرات نهراً تركياً أو دوليا. إن وطنية وإنسانية هذا المبدع هما أجمل بسملة للنص العراقي المقاوم والجميل.
 لندن، القدس العربي 28/تموز/ 1998
  

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s