الموت الجميل – عزت عمر

رواية محمود سعيد
مستويات سردية
متعددة والراوي يفرض نفسه

 علاقة  محمود سعيد بالزمان تشي دائماً بقدرته على تذكر التفاصيل. أو بإعادة إنتاج الذكرى إلى نص قد يقترب بهذا الشكل أو ذاك من الوثيقة التاريخية. ولكن ليس كتاريخ لوقائع جرت في الزمان والمكان المعنيين. وإنما كنص أدبي يتضمن حكاية ترتبط بشكل صميمي مع لحظة تاريخية جرت هنا أو هناك. وكلما ازداد وعي الكاتب بالمكان والزمان كلما أصبحت حساسيته الإبداعية أكثر دقة، سواء في بناء نصه، أو في إمكانية التحليل الموضوعي والاستشراف المستقبلي.

 ضرب من الجنون.

محمود سعيد في روايته الجديدة “الموت الجميل”. لا يدفع بنا نحو لحظة استرجعها للتو من تاريخه، وإنما يفتح لنا بعضاً من جراح المغترب لشخصيتيه الرئيسيتين: الراوي وإسماعيل الذي فقدته أسرته في ليل غامض. فيبتدئ الراوي في رحلة البحث عنه. ليفتح لنا في كل لحظة بوابة من أبواب الجحيم لشخصيتين مغربتين تعيشان حالاً خاصة. قد لا تشبهان حالات غيرهما من المغربين الذين نأوا عن وطن مال إلى البطش بأبنائه. وإيذائهم نفسياً وجسدياً، وهذه حال فريدة من لا يعرفها إلا من عاشها بتمام تفاصيلها الباعثة على ضرب من الجنون. جنون اقتضته لحظة تفكير مجنونة، لبطل الرواية إسماعيل، الرجل العالم، السكير، الماجن، الباحث عن موت يخلصه من كل تلك الكوابيس التي ترتاده عن وطن وأهل. “والموت الجميل” في هذا المستوى هو شكل من أشكال العبث غير المكترث بقانون الوجود، أو هو لحظة احتجاج على واقع لم يختره بنفسه. وإنما كأي كائن فوق هذا الأرض المثخنة بالجراح. لم يستشر لحظة مجيئه إلى الحياة إن كان يريد هذا المجيء أولاً. وهو رغم كل ذلك كان أعدّ نفسه لمهمات أكثر نبلاً، وأكثر شرفا.
علاقة إسماعيل بالزمن باتت علاقة نسيان. يريد أن يستهلك نفسه بما ينسيه زمناً فجائعياً هناك. زمناً مملوءاً بالخيبة صادر عليه أفراحه ومسراته، أما الراوي/الشخصية الثانية، فإنه سيكون بمثابة الشاهد على الحياة المليئة بالصخب واللهو للبطل الباحث عن موته سيرافقه في رحلة متعبة ، يرتادان خلالها أمكنة جديدة، ولكنها شاحبة ومظلمة رغم مسمياتها الباعثة على الحلم، “فندق العروبة”. “محلة  الشفاء”. منتجع الفردوس”. “بار الأحلام”. وغير ذلك من أمكنة قادت الراوي إلى خطاب الأسى الذي أصدره إلينا، ليكشف النص عدة أزمنة، يمكننا تحديدها كالآتي:
زمن السجن، زمن الوالي، زمن أوربا، زمن الغربة، زمن القهر والاستبداد.

شعور دائم بالقهر.

فتتكاثف هذه الأزمنة وتتشابك مع بعضها، لتكشف لنا معاناة البطل خلال مسيرته الهاربة. وكأي بطل تراجيدي أمضى حياته كلها هرباً من واقع ما، سيدمن هذا الهروب في لحظة اصطدامه بالسلطة في بلده. رغم أنه كائن غير منتم لأي تنظيم معارض، ولكنه لسوء حظه يعيش زمن القسوة والإرهاب. ولابد من أن يأتيه الدور شأنه في ذلك شأن جميع الناس ولهذا سنراه هارباً من مكان إلى مكان، وحتى في مغتربه سيمضى حياته هرباً من زوجته التي لم تكافئه بما يرغب، وها هو الآن يستعد للهروب من الحياة ببعديها: العملي والميتافيزيقي، بالاتجاه إلى الاستغراق الكلي في اللهو والمتعة الرخيصة، لاستبعاد المشاعر المملوءة بالرعب التي تكتنف حياته.
ويتساءل الراوي قائلاً: لماذا لا ينسى الإنسان ما يؤلمه؟ بالطبع الشراب سينسيه كل همومه! ومن هنا سنرى اندفاعته الكبيرة نحو حياة الصخب ناشداً الموت، وهو رغم تسميته لموته الخاص بـ”الموت الجميل” إلا أنه حال خلاصه من الرعب الذي ينتابه كلما تأمل شريط حياته المليء بالأسى، وها هو أشرف على السبعين، وفقد الأمل في كل شيء يمكن أن يحدث، وينجيه من واقعه هذا.
الراوي، كشخصية مشاركة في الحدث هو أيضاً كإسماعيل لا يبدي تعاطفاً أو انفتاحاً على المغترب سواء من حيث المكان أو السكان، وهو في كثير من الأحيان يخرج عن إطار الشخصية القصصية ليتحول إلى الكاتب ذاته، فيقدم بعض التحليلات أو أحكام القيمة التي تحد من تنامي وتطور الحدث. وهو إلى جانب ذلك غالباً ما يبرز سلوكيات إسماعيل الطائشة، بل أنه قد يتحمس لبعض النزوعات الذكورية الشرقية العتيدة. وخصوصاً موقفه من المرأة، فيدهشنا اعتباره أن المرأة وجدت إرضاء للشهوة الجسدية، وعندما تتعطل مهمتها هذه. فإنها ستتحول كائناً آخر. وبالإضافة إلى هذا الدور البائس على الصعيد الإنساني. فإن دوره في صوغ الحدث هامشي ومليء بالانفعال الذي تتحكم فيه مشاعر البغض والكراهية، يقوده إلى ذلك واقع زمكاني ضاغط. زمان الوالي هناك، وزمان المغترب هنا. وفي الحقيقة، إن وجود الراوي كشخصية رئيسية في الحوادث ليس له ما يبرره سوى أنه سيكون خليفة إسماعيل في النظرية الغامضة التي أفنى إسماعيل عمره في تربيتها. وهي باختصار. إمكان معرفة أصل وفصل كل شخص من خلال نظرة خاطفة إليه. وفي المحصلة النهائية فإنها ستقنع الأجيال بالمساواة والعدالة، و”ستقضي على كثير من الحروب والمشاكل العنصرية التي تفرق بين البشرية، وخصوصاً في هذا الوقت، حيث يتأجج الصراع العرقي في أكثر من مكان في العالم”.

ومضات ضوئية.

إسماعيل الذي غاب هذه الليلة، مضى في تنفيذ مشروع الموت الجميل، محققاً بذلك خياره الوحيد الذي له مطلق حرية فعله، طالما أن الخيارات الأخرى جميعاً أغلقت بوجهه، وهو لذلك، وبضرب عبثي، سيسعى إلى قتل نفسه بالطريقة التي أرادها وحلم بها منذ زمن. والراوي في رحلة البحث عنه سيخبرنا عن أسرار هذا الموت الغريب، والسبب الباعث عليه، بطرائق سردية مختلفة، بدءاً بتوقيت لحظة تفجير الحدث مع رنة الهاتف الليلي، ثم في اختيار الشخصيات التي دخلت الحدث بشكل هامشي، أو أساسي، والكل ارتبط مع إسماعيل بارتباط لا يخلو من عاطفة. وعلى هذا الأساس فإن إسماعيل سيكون شخصية مركزية يتمركز حولها الحكي، سواء عبر رهينة الزمن، أو عبر اللحظات الاسترجاعية التي جاءت عفوياً على طريقة الومضات الضوئية، سعياً من الكاتب للخلاص من نمطية السرد الكلاسيكي.
ولكن ما يسجل على الراوي. حضوره القوي في سائر مفاصل الرواية وهو بالإضافة إلى ذلك يؤدي دور العارف بمجريات القص، وهو بهذا الحضور الدائم سيهمش الشخصيات الثانوية، فلا يتيح لها إمكان التدخل في سيرورة الحدث. أو الاعتراض على ما يحكي على لسانها، بمعنى أن تتطور وتتفاعل مع الحدث. والسبب في ذلك كما أشرنا هو تماهي دور الراوي بالروائي العارف دائماً، وسيسعى تالياً إلى فرض رأيه على القارئ بهذه الشخصيات، وباستثناء إسماعيل والراوي فإننا لم نعرف أي شيء عن الشخصيات الأخرى، ماذا يحبون، ماذا يكرهون، ماذا يلبسون والأغاني التي يسمعون، أي طبيب يفضلون. الخ.
 وربما يعود السبب في ذلك. أن الراوي/ الكاتب كان منشغلاً إلى حد ما ببناء مجموع الحوادث المرتبطة بحياة وموت إسماعيل، الأمر الذي أنساه إمكان تطوير الشخصيات الأنثوية التي رافقت مسيرة القص الذي انطلق من نقطة معلومة إلى نهايته الطبيعية ولاسيما أن زوجة الراوي بدت إلى حد ما امرأة عاقلة وتمتلك رؤية مختلفة كلياً عن رؤية زوجها أو رؤية إسماعيل نفسه، أما زوجة إسماعيل فلم تكن حاضرة إلا عبر الراوي الذي وصفها بأبشع النعوت نظرا لحماسه لإسماعيل ومن دون أن يمكنها من الدفاع عن وجهة نظرها في قضية تمس وجودها الإنساني ذاته.
 وهذا بالطبع ينطبق على مختلف الشخصيات الغامضة التي دخلت حيز النص من دون أن نعرف شيئاً عنها، وأعني بذلك شخصيتي “الرفيك” و “فاضل أبو عمر”.
 ولكن إذا كان بالإمكان دائماً تسجيل الملاحظات على الرواية، فإنه لابد أيضاً من تسجيل ما هو لها، وعلى العموم، فإننا سنلحظ أن الراوي محمود سعيد سعى منذ البداية إلى أن يقدم للقارئ رواية بعيدة عن نمطية الروايات الكلاسيكية عبر جملة من  المستويات السردية التي وظفها أحسن توظيف، من أجل أن  ينتمي عمله الجديد إلى تقنيات الرواية الحديثة وقد نجح في ذلك.
¬¬¬¬—–
الاتحاد الثقافي. أبو ظبي. 24/12/1998.

 

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s