Bin Barka Evaluation:7

مع تجربة
محمود سعيد.
في رواية:
زنقة بن بركة.
باسم عبد الحميد حمودي.
كان ممكناً أن تصدر رواية “زنقة بن بركة” لمحمود سعيد ببغداد في السبعينات لولا تعنت بعض ذوي الياقات البيض في مديرية الثقافة العامة آنذاك، ورفضهم – بشتى الأعذار- أن ينافسهم على “المجد” روائي شاب من الموصل عاش في البصرة وعشقها ثم اغترب بعد ذلك في “المغرب” الشقيق ثم في الإمارات العربية ليكتب هذه التجربة الروائية الطافحة بالشخوص الحيوية وبالصراع “الذكي” والماهر الذي أداره الراوي بين أقانيم الصراع المضادة “الخير والشر، الحب، الكراهية، المقاومة، السلطة، الانتهازية، الثورية” وخلال كل ذلك تتساقط عبر الدرب فضلات الصراع أو النواتج الموضوعية عنه مثل “قب” الصامت الشاهد ومثل غيره ولكن لا أحد يضيع عن لعبة الصراع فلكل دوره المرسوم بدربه تأخذك معها إلى النهاية.
صدرت الرواية عن دار الكرمل في عمان في العام الماضي بجهد كاتبها ووصلت بغداد لتتلقفها عناية السادة النقاد كان أولهم الأستاذ الطاهر وهذا “على ما أظن” هو المقال الثاني وهو مقال قصير يقدم كتحية لمؤلفها.
***
مؤلف الراوي وراويها الأساس اختار له اسم “سي الشرقي” داخل هذا العمل الذي يبدأ في مدينة المحمدية وكان “خالاً أسود في وجه المحمدية المشرق، ساقاً أعجف دون غضون.. غريباً حقيقياً يحلم بالسعادة والحب في أراضي المجهول”.
لكن هذا الخال الأسود لم يعد كذلك وهو يدخل لعبة المحمدية الكبير التي تبدأ بدخول “رقية” فتاة الدار البيضاء الساحرة إلى عالمه، لكن دخولها يظل على مبعدة من المتعة الجسدية وإلى متعة الروح أقرب ذلك أنها تحب رجلاً تقاعد –قهرا- عن النضال واختار المحمدية منفىً إجباريا له وهو “سي الحبيب” الذي يخشى الجنس والشراب كما يخشى الحكومة والسياسة معاً.
من جانب آخر كانت رقية تريد الدخول إلى عالم الحبيب ممثلة للحياة الجديدة التي تؤمن بالحب عالماً مختلفاً عن عالم الحاد الستيني “جيد، رديء، أسود، أبيض” وكان يشاركها هذه النظرة وهذه الممارسة إبراهيم، العامل الزوربوي الاتجاه الذي يعيش مع عائشة في عمارات العمال وأكواخ القش عيشة رضا بالواقع ورفض له في آن.. داخل هذه العوالم، والشخوص، مدن وقرى، عواطف وخمود، عالم سفلى مدمر وعالم ظاهر العيان، بشر أكلهم الجوع والجنس وما عادوا يعرفون من الدنيا سوى ليلها ونهارها وبشر شبعوا منها وزينوا شبعهم هذا بالأنس الدائم.
وإذ تنتهي فصول الرواية بمرض الحبيب بعد ملازمة رقية له وانتقاله إلى المستشفى واستطاعة إدريس أن يقتحم براءة رقية وأن يغريها بما يغري به النساء من وسائل وأن يقتل إدريس بعد ذلك ويشتبه بالشرقي الذي كان يدون مذكراته التي تحمل أراءه عن كل فرد ممن يعرفهم ومنهم الشرقي، لكن الحقيقة لا تظهر لكل إنسان سوى الشرقي الذي أدرك أن “قب” قد قتل إدريس نتيجة محاولته إسقاط رقية. وكانت رقية من جانبها متأكدة أن الشرقي قد قتل إدريس دفاعاً عنها وإذ تلتقيه في المشهد الأخير وتقدم له ذاتها يرفض لأنه لا يستحق جائزة على تضحية قام بها غيره من اجل الحبيب الذي رقد في المستشفى بين الموت والحياة وهنا تكشف له رقية أن إدريس الانتهازي الثري كان عنيناً وأنه كان مدعياً.
وتنتهي هذه الرواية الجميلة وقد تعطلت مجسات الصراع فيها. الشرقي يغادر إلى عالم آخر بعد أن مارس في الساحة الروائية دور الفاعل والشاهد معاً والحبيب، الثوري السابق في حالة شلل كامل أخذته الحياة في تداخلاتها إلى تعطيل أجهزته الحياتية. وإدريس رمز القوة الجديدة ميتاً سقط بعد ادعاء بفحولة كاذبة، وظل مسرح الرواية يدور خارج المتن لأناس آخرين جديرين بالحياة يعملون فيه ويحبون ويختصمون ويعيشون مواجهين كل محنها.
“زنقة بن بركة” عمل عراقي روائي ممتاز، رواية عن الألم العربي المستمر، صنعها على نحو مدهش محمود سعيد لتكون علامة في الرواية العربية المعاصرة.
ولمزيد من المعلومات عن كاتبها نقول أنه نشر أول قصصه القصيرة في جريدة “فتى العراق”* الموصلية تحت عنوان “ليل وطفل وقبر” في 21 مايس 1956، وفي عام 1957 طبعت له الشركة الشرقية مجموعته القصصية الأولى التي ظهرت في بغداد تحت عنوان “بور سعيد وقصص أخرى” ثم انصرف الرجل إلى ما ينصرف إليه الناس، في هذه الأرض وهو يكتب ويختزن وينشر روايته الأولى قبل عام وفي الجعبة روايات أخرى نتمنى لها لظهور والنجاح مثل “زنقة بن بركة”.

جريدة القادسية. بغداد. 17/10/ 1944.
*- البندقية المشؤومة هي أول قصة قصيرة فازت بالجائزة الأولى في مسابقة جريدة فتى العراق: 1955. أما القصة التي ذكرها الأستاذ باسم فهي الثانية.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s