Bin Barka Evaluation:6

السرد الروائي عندما يلعب على وتر الجنس المسيس.
الكتاب.زنقة بن بركة.
المؤلف: محمود سعيد.
بيروت 1997. جريدة الحياة.
انطوان أبو زيد.
يحكي محمود سعيد في روايته “زنقة بن بركة” بصيغة المتكلم، حكاية شخصية نموذجية شابة، دعاها الروائي “سي الشرقي” وكان الأخير حمل على الإقامة في مدينة المحمودية، المغربية، هرباً من تسلط أرباب الحكم في بلاده العراق، وتتكشف له الأحداث إبان إقامته في المدينة عن مشاغل وأهواء، وتفاصيل غدت له النسيج الروائي المتنامي على امتداد الرواية حتى بلوغ ختامه الروائي مع مقتل “السي إدريس” واحتضار “السي حببيب”.
ومؤدى الحكاية أن صاحبنا السي الشرقي لما كان نازلاً ضيفاً في دار السي الحبيب، النقابي العصامي والمناضل اليساري المضطهد من قبل السلطة، كان وفد عليه الكثير من الناس سائلين عنه ومقاسمينه معاناته. ذات يوم أقبلت امرأة لتحيته “السي الحبيب” وكانت متدثرة بجلباب نسائي ومحجبة فاضطرها تعب السفر إلى النزول في دار السي الجزائري قريبها التي صودف أنها لصيقة بالدار التي يقيم فيها السي الشرقي، دون وجل، حينئذ تبدأ تواليات من الحوافز والأحداث لتشكل مدار الرواية، إذ يتعلق السي الشرقي، برقية ذات الجمال الباهر ويزيده تعلقاً بها تجرؤها وتحررها رغما عن الجلباب إلا أن الحوارات والأحداث اللاحقة سرعان ما تبدي له أن رقية هذه متعلقة بالسي الحبيب مغرمة به مع أنه عاجز عن الخوض في العشق حرصاً على سمعته النقابية الناصعة.
ولا تلبث أن تنفتح أمام “السي الشرقي” سبل التحرر الجنسي، على هيئة لقاءات مدبرة يجريها له أصدقاؤه مع فتيات “متحررات” وفي حلقات طرب ومجون بزوايا خفية من مدينة فاس أو المحمودية نفسها . بيد أن حبه لرقية المتمكن في نفسه كان يحمله دوماً على مبارحة الشلل هذه، والانصراف إلى سعيه العبثي، وبالمقابل وجدت رقية ماضية في لهوها الحر، أنى كان ، مع احتفاظها بحبها العذري “للسي الحبيب”.
وفي هذه الأثناء يتعرف “السي الشرقي” إلى السي إدريس” وهو أحد النقابيين الذين كانوا تدربوا في العمل النقابي على يد “السي الحبيب” إلا أن الاغراءات المادية أفسدت خلقهم فباتوا موضع تحقير من قبل “السي الحبيب” وكان السي إدريس، صرف همه إلى مشاريعه الزراعية والصناعية، مستغلاً العمال الفقراء، ومنطوياً على كره حيال النساء والمجتمع. حتى أنه أسر إلى “السي الشرقي” في إحدى السهرات الماجنة أن كل النساء سيخضعن للمال. وأنه بوسعه أن يشتري أياً منهن حتى “رقية” التي طالما اعتد الراوي بشخصيتها الفريدة وتمضي الأيام فيكشف له أحد معارفه عن صلة إدريس برقية، إذ رآها تمر بداره إحدى الأمسيات وهو يهمّ للقائها. وبينما راح السي الشرقي يلوك مرارة خبيثة يبلغه خبر مصرع “السي إدريس” واحتضار النقابي “السي الحبيب” تحت وطأة ذبحة قلبية ألمت به. وفي الحوار الأخير الذي جرى بينه وبين “رقية” تكشف له الأخيرة عن أن “السي إدريس” الذي ظنت أنه اغتيل على يد الراوي، إنما كان عنيناً وأنه من الظلم الإدعاء بأنها أقامت معه صلة عشق ناجزة. وتختتم الرواية بإصرار “السي الشرقي” على رفض العرض المفاجئ بالارتباط به الذي أصرت “رقية” على إبدائه له، لكونها بنظره، انحدرت إلى الدرك الذي يستحيل بعده اعتبارها جديرة بالحب أو الثقة.
أياً يكن من أمر الشخصيات الثانوية التي ترد في سياق الرواية، أو القضايا الشعارية الكبرى التي لا يني يلمح إليها الروائي إلماحاً على لسان الشخصيات، فإن رواية زنقة بن بركة” تنضح بمادتها الأولية العظمى وعنيت بها الجنس. وليس يعني هذا الأمر أن الروائي محمود سعيد كان مغرقاً في الإباحية البحتة سعياً وراء أوسع القراء من محبذي هذا النوع، إنما وجدت الروائي وقد وجّه كل طاقته الحكائية وموهبته في ربط الأحداث وتنسيلها وتنويع النبرات في فيها وتضمينها التعليقات التي تنم عن منطلقات فكرية يسارية وإنسانية، جهة الموقن بأن الرواية يمكن أن تكون المجال الرحب لفضح الظلم السياسي الذي يمارسه الحكام حيال المناضلين النقابيين أمثال “السي الحبيب” على أن يكون الجنس ذلك الوعاء الموضوعاتي الذي يجوز – من المنطلق الأسلوبي- تحميله فيضاً من التمرد والتفلت “أو التحرر” من كل قيد اجتماعي. حتى ليبلغ بعض الشخصيات الإدعاء بأنهم، في تحررهم الجنسي، إنما ينقضون على مرتكزات النظام القبلي والعشائري، وأنهم يسهمون في بناء التحضر () إلى ما هنالك من ادعاءات تحررية تنتمي بنظري، إلى أصداء ذلك المد التحرري والسياسي والخلقي الذي بلغ أوجه عندنا في الستينات، فسرت موجاته في صلب الدرب سيرورة النار في الهشيم، وما لبث أن استكان لما أبت المقاصد الثورية إلى كنف المجتمع الأهلي، راضية مرضية.
ليس من المستغرب في الفن الروائي، أن يعمد الروائي إلى انتقاء مادة تأليفية ما توافر لديه من معيوشه واطلاعه ومن ثقافته، بل أن هذا الأمر نافل لمشروعيته، أما أن يجعل الروائي من الجنس بطلاً يتهاوى تحت ضرباته الإقطاع “عبر السي إدريس” وتكاد تفنى دونه شخصية نموذجية مثالية “السي الحبيب”، ويرتفع به صرح التفلت من الروابط والموانع الأخلاقية “شلل الرباط والشاطئ” فمرده إلى انطلاق الروائي من ثيمة “موضوعة” كبرى مفادها أن في الجنس قدرة درامية تفوق بمفاعيلها أي قدرة أخرى، أياً يكن نفاذها إلى وقائع الحياة وتفاصيلها الدقيقة، تحقيقاً لما قال فرويد أو أدلر أو لاكان وغيرهم. ورب معترض على ملاحظتنا بقوله أن للمؤلف حرية مطلقة في أن يختار زاوية النظر التي يشاؤها مطلاً على الواقع، ونافذة إلى عالمه الروائي المصنوع على مقاس رؤيته إلى العالم. بيد أن هذا الاعتراض سرعان ما يزول عندما يدرك المرمي الحقيقي من تصويبنا: وهو أن العمل الروائي. على خلاف الأنواع الشعرية الأخرى ، يقتضي من مؤلفه نفاذاً مسبقاً إلى الأعماق الحقة التي يكون عليها المعيوش من لحظات حياتنا، لا أن يكتفي منها بالسطحي على أنه البعد الأول والخير من المشهد المنقول، ولئن كان صحيحا أن العديد من روائي الغرب والشرق أمثال هنري ميلر وفيليب روث وتانيزاكي والبرتو مورافيا، وغيرهم اتخذوا موضوعة الجنس على رأس مادتهم الروائية، فإنهم ارتقوا بمعالجاتهم إلى ما فوق الفضح العادي والإدعاء المحض بالتحرر، حتى ملامستهم شغاف النفس الإنسانية بكل نزعاتها وتطلعاتها وأحلامها وخيباتها وتمزقاتها وشواغلها المثالية، حتى ليصير الجنس مع هؤلاء محض حجة لمغامرة الغوص على الدرر الأدبية واستخلاص صورة الذات النموذجية استخلاصاً من رميم الوقائع والرغائب الجنسية المتناثرة والطافية عل سطح الكلام الروائي.
أما الروائي محمود سعيد فله ملء الحرية أن يجول ويصول على صهوة الجني المزخرفة بكل تلاوينه الممكنة – الممكنة لا الأكيدة – ولمحبذي تحرره ملء الحق في أن يروا ما يرون وإن بمنظار حسير.

الحياة اللندنية. 1977.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s