Bin Barka Evaluation:5

رواية الجنس
والرسم البارع للتفاصيل.
زنقة بن بركة لمحمود سعيد.
إسكندر حبش.
قليلة هي الأعمال الأدبية الإبداعية المنتمية إلى المشرق العربي التي حاولت أن تنظر بعمق إلى مجتمعات المغرب العربي، وإذا كانت الرواية المشرقية حاولت منذ بداياتها، أن تنظر إلى المجتمعات الأوربية الغربية وأن تحاورها، وأن تتأثر فيها وأن تتلقى صدمة “الحداثة” التي أوجدتها الفروقات الواضحة بين هذه المجتمعات المختلفة، إلا أنها بقيت تحاور مجتمعاتها البيئية بالدرجة الأساسية، أي كأنها نوع من المقابلة والمقارنة بين هذه المجتمعات المختلفة، إلا أنها بقيت تحاور مجتمعاتها البيئية الدرجة الأساسية، أي كأنها نوع من المقابلة والمقارنة بين هذين القطبين، هكذا نقرأ “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم، و”الحي اللاتيني” لسيهل إدريس، و “طيور الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح وغيره الكثير.
وإذ كانت الرواية المغاربية ذهبت في أحيان كثيرة إلى كتابة علاقتها بالغرب الأوربي. فذلك عائد في الدرجة الأساسية إلى العامل التاريخي والتاريخاني، إلا أنها أوجدت مناخاً وحيزاً كبيرين في كتابة مجتمعها، مع التأكيد على خصوصيتها العربية، بالرغم من أن بعض كتاب هذه الرواية “المغاربية” “الجزائر- تونس- المغرب” جنح إلى الاستيهمات “الأكزوتيكية” واقعاً في الفولكلور المحلي، الذي يطالب به الآخر، أي الأوربي.
علاقات المجتمع.
من بعض هذه النقاط جميعها، يدخل الروائي العراقي محمود سعيد إلى عالمه الروائي، الذي يلتقط تفاصيله ببراعة في كتابه”زنقة بن بركة” ليرصد لنا تحولات شارع في المغرب- وتحديداً في مدينة “المحمدية” – كما يرصد لنا تحولات أهله ومشاغلهم واختلافاتهم وتنوع شخصياتهم.
الزنقة باللغة المغربية، هو الزقاق أو الشارع الضيق في الحي ومن هذه الزنقة، نخرج مع الكتابة إلى علاقات المجتمع المغربي بأسره، لكن الكاتب هنا يذكرنا بشكل ما بنجيب محفوظ حين تحول الزقاق عنده إلى كتاب تاريخ مصر ومجتمعها بأكمله. لكن محمود سعيد لا يكتب هذا التاريخ بمعناه الشامل، وإنما يكتب تاريخاً يتحدد العام 1965، أي بعد فترة الاستقلال وهذا التاريخ الذي يكتبه، يأتي من خلال عين شرقية، وليس من خلال عين مغربية، أيرغب الروائي في ذلك. أن يظهر لنا حياده في التقاط التفاصيل والكتابة عنها بتجرد كلي؟ ربما كان الروائي العراقي يختار بطله المشرقي، ليس من العراق، وإنما من لبنان، وكأنه بذلك يزيد ويعمق الغربة بين الروائي والراوي، وكأن هذه الغربة تصبح المسافة الضرورية، والهامش الذي يعطي الحرية الكافية للكتابة.
هذا اللبناني يصبح معروفاً باسم “سي الشرقي” وهو يعمل هناك كمدرس لغة عربي، يستأجر غرفة في بناية “الصيني” المسيو بورجيه، “وهو ذو جذور فرنسية مشتركة” وفي هذا المبنى يبدأ بنسج علاقاته مع جيرانه وأصدقائه، لتكشف لنا، لوحة بانورامية، عن عينات بشرية، ليست في النهاية سوى عينات تمثل أفكاراً وحالات اجتماعية.
هناك “سي الحبيب” المناضل المغربي، الشرس، ضد الجمود والثبات، حياته النضالية هذه أكسبته خبرة وحنكة استطاعت فرض احترامه على الجميع، وهي بمعنى آخر جعلته كقديس، لا يشرب ولا يبالغ في تصرفاته، بل جعلته ينزوي ويبتعد عن المجتمع بشكل كبير. وما سكنه في هذا المبنى إلا وليد الصدفة، إذ حاول الفرار من المغرب إلى المشرق بعد اصطدامه بالجمود -بعيد الاستقلال- لكنهم ألقوا القبض عليه ولم ينقذه من حبل المشنقة سوى النوبة القلبية التي فاجأته.
تفاصيل غريبة.
هناك أيضاً “سي صابر” الذي تحولت غرفته إلى مكتب للمدرسة وإلى مكتب لشؤونها، والذي كان همزة الوصل – الفعلية – بين “سي الشرقي” وجيرانه. وكلما تقدمت أسئلة القص ومشاهده كلما تعرفنا إلى أشخاص آخرين، كسي القادري وسي البقالي وسي الجزائري وغيرهم، من الذين يشكلون تلك اللوحة الفسيفسائية، والمتينة البنيان، عن مغرب ما بعد الاستقلال، وفي خضم تلك الشخصيات المتقاربة/ المتباعدة في آن، والمتعاضدة تبرز الشخصية الأساسية، أو لنقل بطلة الرواية، إنه رقية التي تدخل إلى الراوية بعد مجيئها إلى البناية لزيارة قريبها “سي الجزائري”. في البداية انتظرته في المقهى، وهي ترتدي ملايتها ونقابها، حيث لا يظهر أي تفصيل من تفاصيلها. فيطلب صاحب المقهى من “سي الشرقي” إيصالها إلى قريبها، لأنه جاره في لطابق ذاته.
وحينما لم تجده تقرر رقية، أن تسكن عند “سي الشرقي” وكن قرارها هذا بمثابة قدر، جعل الأمور تختلط في رأس هذا اللبناني، الذي يجهل “عادات” تلك البلدان لكن المفاجأة تزداد حين يكتشف أنه أمام امرأة فائقة الجمال، فيقع في حبها، من النظرة الأولى. ولم تبادله الحب، ولم تمارس الجنس معه، لأنها وقعت بدورها بغرام “سي الحبيب”.
تفاصيل غريبة بعض الشيء أو لنقل غرائبية لا تزيدنا إلا حيرة. ونحن نكتشف سحر تلك البلاد وسحر علاقات أفرادها ببعضهم بالبعض الآخر لكن هذه الغرائبية، لا تقع للحظة واحدة في “أكزوتيكية” كذلك لا نشعر ولا للحظة بمبالغة الراوي، في الجنوح إلى استيهاماته، بل تبدو التفاصيل، كثيرة الواقعية، ومكتوبة بطريقة التصوير الفوتوغرافي، حيث لا تستطيع الصورة أن تخدعنا، أو أن تضيف تأويلات غير موجودة في الأصل، ومن خلال شريط الصور هذه يتبدى لنا كم أن المجتمع المغربي واقع في تفاصيل الجنس والشهوة، فالرواية -في جزء كبير منها – ليست سوى رواية الجنس والعلاقات الغرامية بين الجنسين. لكننا بالتأكيد لسنا أمام عمل “بورنوغرافي” إباحي، بل أن الجنس هنا، ليس سوى أحد أشكال هواجس الكائن البشري، وأحد أشكال هواجس استمراريته في الحياة، وبذلك تأتي الخمرة لتشكل معه متعة إضافية تضاف إلى هذا القطب.
إزاء اعتراف “سي الشرقي” بحبه الرقية، وفي مقابل اعترافها له أنها لن تدعه يمسها في يوم من الأيام نجد أنفسنا أمام علاقة صداقة، غير مألوفة، في مجتمع عربي، وإن لم يتوقف “سي الشرقي” –للحظة واحدة- عن التفكير فيها، حتى جميع النساء التي التقى بهن في نزهاته مع أصدقائه لم يشكلن سوى مرآة، ليعود ويكتشف فيها صورة رقية التي سلبت عقله. ولكنها في عالم آخر فهي تعرف جميع أماكن المتعة واللهو، وأخذته معها ليكتشف مجتمعاً مغربياً آخر، يعيش ليلاً خلف جدران المنازل، برغم من حبها لسي الحبيب، الذي أوقعته في نهاية الأمر في شباكها.
قد تكون شخصية رقية، إحدى أجمل الشخصيات التي كتبت في الرواية العربية، لا نبالغ بذلك، فهي بالتأكيد تشكل وترسم صورة حقيقة عن هواجسنا جميعاً صورة فريدة نجح محمود سعيد في صوغها بشكل لن نجده بسهولة في المستقبل.
وبين هذه الحكايات يشدنا الروائي إلى قصة أخرى حين يظهر”سي إدريس” وهو أحد الذين ساعدهم “سي الحبيب” للسفر إلى أوربا كي “يحقق ذاته” فيعود مليونيراً، بعد أن كون ثروته عن طريق ممارسة الجنس مع الجنسين، ولم يجلب له عمله هذا سوى احتقار “سي الحبيب” له وسوى إصابته بالعجز الجنسي فأصبح يحتقر “المرأة” ولا يجد فيها سوى صورة “العاهرة” التي تركض خلف المال.
الروية المرصد.
احتقار “سي الحبيب” له “إدريس” جعله يقرر الانتقام منه عبر محاولته قتله، وعبر جعل “رقية” إحدى جارياته، أي كان يرغب في “شرائها” ولكي يستفرد ب”سي الحبيب”- عدوه- يستطيع النجاح في إبعاد “سي الشرقي” عن المبنى، في إحدى الليالي، وفي إيقاع رقية في كنوزه، ووفي بعث برقية للمناضل تقول إن والدته مريضة، وعلى عتبة الموت. فيصاب “سي الحبيب” بنوبة قلبية أخرى، جعلته فاقد الوعي بما تبقى له من العمر، وتحدث المفاجأة، حين يتم اغتيال “سي إدريس” في منزل “سي الجزائري” فيتهم “سي الشرقي لكنه يخرج بريئاً. إذ كان في تلك الليلة ساهراً مع قائد الشرطة.
من قتل “سي إدريس” لا أحد يعرف، والرواية تبقى الإجابة عن هذا السؤال مفتوحة لشتى الاحتمالات.
ربما ليست رقية لأنها تعتقد أن “سي الشرقي” هو القاتل، لغيرته، ولحبه لها. “سي الحبيب” -عدوه- كان في المستشفى، سي صابر، وإن كان يملك نسخة من مفتاح المنزل إلا أنه كان في مدينة أخرى.
من قتل “سي إدريس” لا أحد يعرف، وإن كان موته يشكل نهاية لخط من الثراء ولنمط من البشر تتحول المادة عندهم إلى القانون الوحيد الذي يتحكم بكل شيء.
“زنقة بن بركة” رواية، ليست سوى مرصد ينظر منه الروائي، إلى عشرات الحالات والشخصيات، في “زقاق مغربي” لنكتشف نحن المشارقة، عالماً مجهولاً يقع في سحره وغرائبيته وحنانه وآلامه وآماله وتعبه وسروره، أي يقع في حياته الحقيقة، تلك الحياة التي تأسرنا منذ الكلمة الأولى ولغاية الكلمة الأخيرة، بقدرة على القص تبعد عن القولبة وعن الأفكار المسبقة والجاهزة.
على صفحة الغلاف الأول، الداخلي من الكتاب نقرأ الجملة التالي: إن هذه الرواية فازت بجائزة أفضل رواية عراقية للعام 1994، “طبعة دار الآداب الأولى هي الطبعة الثانية في واقع الأمر”. وأعتقد – وهذا رأي شخصي – أنها أيضاً افضل رواية صدرت في العام للعام 1996. فمعها نكتشف روائياً له حضوره المميز في الرواية العربية.
جريدة السفير. بيروت:13/11/1996

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s