Bin Barka Evaluation:36

“زنقة بن بركة”
للكــــاتب العراقي
محمود سعيد:
عين مشرقية تحدّق في الواقع المغربي.
ياسين النصير.
(1)
بطل محمود سعيد في رويته “زنقة بن بركة” على الموقع المغربي من خلال عين وحياة بطل مشرقي، جعلنا نحيا أحداثاً بعضها مألوف لما يقع، كالقتل والسياسة والحياة اليومية وبعضها يروي كجزء من مخيلة التاريخ السياسي القريب. وبما أن كل ما يحدث، المعاش منه والمتخيل يتجاوران معاً على أرضية فنية ابتدعها مخيلة راوٍ أراد أن يبتعد بعض الشيء عن الأحداث ليرويها، وأراد أن يقترب منها ليشارك فيها فما كان منه إلا أن خلق لنا تصوراً متقدما عن بنية المخيلة الأدبية – في فن الرواية- وهي تصوغ من نثار الحياة اليومية قصة من قصص الواقع العربي، فكانت الأطر الجنسية المشبعة بها أحداث الرواية تتجاور مع الأطر السياسية كفعل تجتمع فيهما التجارب والمواقع، ومن خلال نماذجه المميزة التي طبعت مرحلة ما بعد الحربين بطابعها التحرري، وأعني به رجال حركة التحرر العربية وأحزابه والتي قادت فصائلها نهضة تحررية على مختلف المستويات، كشف القاص لنا عن أرضي قلقة مزدوجة، فقد تحول بعض رجالاتها بعد الخيبات السياسية إما أي اليمين خلاصاً مؤقتاً دائماً، وإما إلى الجنس والخمرة، تعويضاً شرقي المعالجة.
ولذلك تعتبر انطلاقة محمود سعيد على واقع ملتبس بمثابة الكشف علن تداخلات الصوت الاجتماعي. بين الفردي والجماعي، تارة يصبح راوية فيروي لنا أحداثا بعين محايدة، وتارة يصبح مشاركاً فعالاً فيكشف عن عمق المأساة الازدواجية التي يعيشها، والبطل من هذا النوع إشكالي هو نتاج واقع عربي مشوه الإنتاج والثقافة، وفي الوقت نفسه نتاج فكر متقدم يريد تغيير بنية هذا المجتمع فيصطدم بممارسات ورؤى فكري مسلحة. وحصيلة الأمر اكتفى معظم المناضلين والكثير من التيارات التقدمية بكونها استطاعت أن تخلخل بنية العقل العربي السلفي والقديم وأن تطل من خلاله على البنى المشوهة التي تفرزها مقومات التعليم والثقافة والفكر وحصيلة ذلك كله أن بقي المجتمع كما هو -ولكن بحركة أكثر اعتدالاً- إلى الأمام.

(2)
لقيت هذه الرواية اهتماماً من قبل القراء والنقاد، لربما محاولة مؤلفها تقديم تقنية تجمع بين بنية الرواية التقليدية، من خلال رواية أحداث سبق وأن عاشها جيل بكامله، مما مهد لها أن تكون صوتاً شمل المؤلف به ليس المناضلين السياسيين، وإنما عامة الناس الذين تشكلت حياتهم في مناخات متشابهة، فكانت النصوص أصواتاً يمكن أن تسمع في كل بقعة عربية، وتلقى ما لقيه الراوي هناك في المغرب، إضافة إلى هذه البنية التقليدية، وهي غالباً ما ترتبط بالحس البكائي. قدم المؤلف بنية الرواية الحديثة من خلال الدمج بين الراوي والمؤلف فكشف بوساطتها عن الواقع النفسي لمدرس عاش في المغرب العربي سنوات الخيبة والابتعاد، فاصطفى لنفسه نخبة تقترب منه أو تبتعد تبعاً لملابسات الواقع. والذي أصبح الجنس فيه مجساً كاشفاً ليس عن أفعال الجسد فقط وإنما عن أفعال الروح والمواقف الأدبية. والبنيتان تقدمان معاً تصوراً لا واعيا عن الطريقة التي تعامل القاص بها مع تراكيب نصه ومنها:

الجملـة الاستهلاليـة.
تعد هذه الجملة من نجاحات الرواية، حيث تحولت الكثافة الأسلوبية لها إلى أفعال مركزة تحمل غموضاً فنياُ، وكنا نعرف أن الجملة الاستهلالية لعمل فني ما، وبخاصة الرواية، إما أن تأخذ فصلاً كاملاً، إذا كانت الرواية من فصول عدة، وبه ينثر المؤلف كل نوى عمله الفني، وإما أن تأخذ بضعة أسطر أساسية، ثم يصار إلى ابتداء كل فصل بجملة استهلالية فرعية أخرى، وهذان الأمران لم يحدثا في جملة “زنقة بن بركة” لأن الرواية لم تبنِ كيانها على طريقة الفصول المتتابعة أو المتداخلة والمركبة كما لم يكن تكويها السياقي يعتمد تتابعاً تأريخياً، أو مكانياً، وإنما بنيت هذه الرواية على طريقة البوح العلني، والانثيال الشعوري، وكأنها قصة قصيرة طويلة فجاء استهلالها مقتصراً ومركزاً، وجاء متنها سياقاً سردياً باتجاه واحد. فكانت جمله مبنية بناءً جيداً، قلما يوفق به أدباء عراقيون آخرون واستهلال الرواية القصيرة يلائم والمزاج النفسي عدداً من كتاب الرواية في العراق لاعتماده الطريقة التحويلية من القصة القصيرة إلى الرواية القصيرة. وما يجعلنا نحكم نقدياً أن هذه الرواية هي قصة طويلة “نوفل” هو مركزية بطلها. ومحورية أحداث حوله، ومحدودية الفترة الزمنية، وطابع المكان المديني المعروف، فنجده يلخص كل ذلك بأسطر قليلة.
” تحدد العطلة عندي من خلال حدث يبدو في الأقل أكثر أهمية من المعتاد . ولقد نسجت الصدفة ما جعلني أحس بأيام ذلك الصيف المتوتر الذي قضيته في المحمدية “فضالة” عام 1965بأني أباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوّق أحلام كل شاب.
الزمن الذي يستنطقه الاستهلال هو العطلة الصيفية” أما تاريخ العطلة فهو عام 1965 ، أما الزمنية العمق من الاثنتين فهي “تجربة العمر المثيرة” والعمر هنا نقطة تحول كبرى في ا، الذي يحدث هو خلاصة لما حدث ومن خلال تدرجات الزمن هذا نجد أن القاص يوطنه ضمير “الأنا” حيث الفاعلية تصبح أكثر حسية وصدقية لاسيما وأنها مشفوعة بكلمات مثل “مثيرة” و”أباشر” و”حس” وتزوق أحلام الشباب.
أما المكان الذي يستنطقه الاستهلال فهو “فضالة” في منطقة أوسع هي “المحمدية” وكلا المكانين الخاص والعام، يحتويان معاً الحدث الذي يبدو انه أكثر من المعتاد، كما أوضحت الرواية أنهما يمتلكان عمقاً مكانياً في التاريخ وفي الحاضر. ومن خلال هذه الأمكنة نسج القاص لغة للمكان شاملة وإن تحددت ببقع ، كما سنرى عند التحليل.
ويوضح الاستهلال أن الحدث تجربة عمر مثيرة مما بدا له ولنا أكثر من المعتاد، وهو حكم مسبق حيث “الاعتيادي” و”اللاعتيادي” يحددان أهمية الرواية. إلا أن حدثه هنا مشفوع “بالصدفة” التي نسجت المباشرة المثيرة، وقد تكون هذه الصدفة حافزاً لتوسيع المخيلة التي لم نجد لها حضوراً كبيراً فاعلاً، مما حدا به إلى الإكثار من وثائقية الحدث ويومياته ووقائعه وانعكاساته، فكان ليس حدث “قضاء العطلة الصيفية” إلا مجساً يكشف به تاريخ الكان، وملابسات العمل والاتجار والموت والتحقيقات والحب الملتبس والمداخلات الصغيرة.. مما ولد تلقائية كانت السبب الفني في امتداد قصة قصيرة طويلة لتصبح رواية.
وعموماً فالاستهلال الناجح يضعنا من خلال لغة الإبهام والغموض والترقب والشد في حال من التأمل، وهذا الفعل هو الذي قاد بطل النص إلى أن يوسع من دائرة أفعاله، وكأنه يبحث عن الكلية التي تحياها منطقة يكتشفها بمجس الجنس والسياسة، فاستقصى وقائعها ووقف على تداخلاتها، فالأيام القليلة المكثفة الحضور تعني أن أبعاداً تاريخية وثقافية وسياسية كامنة فيها، وأن مصائر الناس العاديين الذين يتحكم بهم “سي إدريس” مثلاً كفيلة بأن تؤدي به إلي القتل، إننا سنعيش مع الكاتب فعلاً تجربة عمر مثيرة وفي “عطلة صيفية” وفي منطقة “فضالة” من مكان أوسع “المحمدية” ومن خلال عين الراوي، المؤلف، أو المؤلف الذي يتمرأى بضمير الراوي.
كل هذه العناصر المتضافرة توضح لنا أننا بصدد رواية قصيرة وليست رواية طويلة مركبة وإن كان حجمها 302 صفحة.

(3)

لا نقف مع الجملة الاستهلالية عند حدود البنى البيلوغرافية عن المكان والزمان والشخصية والحدث، وإنما تقودنا لغتها المقتصدة إلى مخابئ النص فهي نقدياً “الجملة” التي ما من شيء يحدث في النص إلا وله نواة فيها، والنوى الكاملة احتمالية، تمثلت بالمفردات اللغوية: تحدد- خلال أهمية- معتاد- نسجت- جعلني- أحس- أباشر- مثيرة- تزوق- أحلام كل شاب.
ولو دققنا النظر نجد هذه الحزمة من الألفاظ تقسم إلى ثلاثة أقسام- تحدد وخلال ومعاد، وأحلام وهي كلمات حيادية.
و- نسجت ومثيرة وتزوق، كلمات تشير إلى فاعلية المحيط والآخرين.
و- جعلني وأباشر وأحس والشباب، كلمات تشير إلى فاعلية الأنا.
وكل هذه الألفاظ تحمل دلالات واسعة في النص، حتى أنها تتوالد وتتسع كجزء من بنية الأسلوب الخاص بالكاتب، ويعني هذا عندنا أن الاستهلال سينفتح داخلياً على تراكيب قول متباينة، بعضها يخص العلاقة بين اللغة الحيادية والمكان والشخصيات والفعل، وهي لغة أكثر القاص منها ووظف لها شخوصاً مثل النساء العابرات والمراقص وأصحاب محلات المشروبات والسواق والجيران والآخرين العابرين، وبعضها يخص العلاقة بين لغة الآخرين وأفعالهم وحضورهم ودورهم والحدث المركزي، مثل رقية وسي إدريس وسي الحبيب وقب والآخرين الذين أداروا معه دفة الأحداث، والبعض الآخر من اللغة يخص “الأنا” أنا الراوي وأنا القاص.
وهي اللغة الداخلية المشفعة بالمواقف والآراء والصياغات الاحتمالية والفعال الديناميكية المحركة في القبول والرفض في الاندماج والانسحاب، وأخيراً في اتخاذ المواقف أو رفضها، مما حتم عليه أن يكون متهماً وبريئاً في آن واحد.
فالاستهلال نقدياً ليبس إلا المبتدأ، وما الخبر إلا النص كله، وقد تكون الجملة الخبرية ذات مستويات متباينة، وقد تكون في سياق واحد أو سياقات عدة، وفي هذه الرواية نجد الاثنين معاً فهو في تعامله مع الجنس يعمد إلى بنية التراكم ولم يفرز من النساء إلا رقية، والشقراء. رقية التي جعل منها محكاً مع سي إدريس، كشف بواسطتها عن لغة رومانسية شبه حالمة غطت على جوانب كثيرة من أسلوب القاص فبدت لنا الرواية وقد تورمت في بعض صفحاتها، بينما عمد في الكشف عن أبعاد الشخصيات المناضلة إلى استحضار الماضي والمواقف الوطنية والاستقلال وصيّر من هذا كله خلفية ضاجة بالأحداث ليقول لنا لاحقاً ماذا تعني الوطنية. وخلاصة بنية الجملة الاستهلالية أنها تغمر داخلياً نوى العمل. ولو أعدنا قراءتها ثانية لوجدناها محصورة بين فعلين: تحدد- تزوق . مروراً بأفعال مراوحة عدة منها : نسج – جعل- أمسى- باشر… الخ. ويعني ذلك نقدياً أن الزمنية في هذه الرواية ستقوس الماضي وستجعله مستحضراً بوعي الحاضر المعاش، مما يعني أن سردها يبدأ في اللحظة الآنية، أي لحظة الممارسة الحياتية للعطلة، ضمن تجربة الشباب.
وعندما انفتح النص بعد جملة الاستهلال، أي الدخول في الرواية – الخبر- نراه يبتدئ بالماضي الناقص “كنت قبل عام مضى قد عثرت على شقة في عمارة الصيني” وتعود الجملة بنا إلى العام الماضي لذا فهو “كان” قد اكتشف “المحمدية” أما الآن فليس إلا الممارسة الفعلية فيها لذلك اختفى الماضي التام. وحضر الزمن القريب المنفتح، الجملة الاستهلاكية جملتان: جملة مكتفية بذاتها إلا إشارات غامضة لما سوف يحدث، وجملة هذه الرواية من النوع الثاني، وإن كانت قصيرة ومكثفة لاحتوائها ضمناً على بني الرواية القصيرة، وكلها أحالتنا إلى مستويات القص المتعدد. وأولى هذه المستويات أن الروائي يقف بنصه هذا في المنطقة الرمادية من الحياة، تلك المنطقة المتأرجحة بين فعلي الإقدام والتردد. ولعل بعض مفردات الاستهلال دالة على ذلك مثل “يبدو- في الأقل- الصدفة- أباشر- أحس” والمنطق الرمادي هذا نجده قوام البينة الروائية ومادتها.

المكانية.
اختار القاص مكاناً يجمع بين العراقة والجدة، مكاناً أثرياً ولكن يستوجب الصيانة الدائمة.”يتآكل باستمرار الأمر الذي دعا مسؤولي الآثار إلى التفكير في صيانته،خوفاً من انهياره ومن بقاء باب القصبة ذلك النصب التاريخي الماثل، شاهدا على عظمة بناء عريق مزخرف بنادر نقوش الريازة وحيداً ثابتا” ص5 ومكان هذه خصوصيته سيطبع اللغة السردية بطابعه الرمادي: معايشة القديم من خلال إصلاحه المستمر، والتعامل مع اثري بحس المعاصرة. لذلك نجده يعمق هذه البنية الجلية للظاهرة فيضع “باتا” وهي تبرق بلمعانها وزجاجها وديكورها العصري إلي جانب بقايا “هيكل صدى” لازال يستحم بموجات المحيط، ومعهما: “مدينة حديثة تزهو بشبابها المتألق” و”مقهى قديم عابر يستحثك لأن تعايش فيه “خيال الماضي والآتي” فالمكان يمتاز بهدوء وجمال وتاريخ وهذا ما جعل الراوي “المؤلف” يقول “أشعر بحنين شديد لشيء أحلم به ولم أنله” ونلاحظ أن النغمة الرمادية شملت مساحات النص كله مثل المقهى- النادي- الشقة- الدكان- مركز الشرطة- الشوارع- المحلات التجارية، ففي كل هذه البقع يتجاور الأثري والمعاصر،حتى لكأنك أمام نص انبثق من وسطية الحياة أي من تلك البقعة الذهبية التي تتحاشى السقوط في النهايات أو المواقف الحاسمة وبدأ المؤلف- الراوي- حذراً شديد الحذر عندما كتب عن واقع لا يوجه له نقدا ولا تحليلاً، وعن شخصيات لم يختبرها إلا لفترة قصيرة ولذلك تجد الرواية تمتلئ بحشد من النساء والشخصيات الثانوية التي تظهر عل مسرح الأحداث لتؤدي دوراً معيناً ثم تختفي، كما هو شان شخصيات المحققين والنساء العابرات.
بمثل هذا الثانوي الذي امتلأ به المكان ما كان للنص أن يتوالد وأن يستطيل، إلا أن القاص تغلب على هذه الأثقال الأسلوبية بأن عمد إلى الأسلوبية الرمادية، المتأرجحة، وهي عندي طريقة فنية جيدة، البنية الرمادية واحدة من الثيمات الفنية الرقيقة والتي يخشاها القاص العربي، لأنها تتلاءم – كما أرى- ومفهوم “الوسطية” في الفكر السياسي والديني المعتمد على بنية الفلسفة العربية –الإسلامية من جهة وعلى بني الموروث الثقافي- الحكائي- من جهة أخرى. لأن مثل هذه البنية لا تسمح لأن ينطلق الكاتب بتفكيره إلى أقصى الحدود خاص في مجالي: السياسة والجنس، وفي الوقت نفسه مشدود إلى خلفية دينية وتراثية وفكرية، تتحكم ليس بأدوات الكاتب الفنية وإنما في اختيار المواقع والأزمنة والشخصيات، وهذان القطبان: الفلسفة العربية ومرجعياتها التراثية، والبنية الدينية ومحتكماتها يشدان العمال الأدبي إلى طرفين متباعدين، والمبدع العربي لم يستطع بعد التحرر منهما، لذلك لجأ إلى التعامل معهما وفق منهج الوسطية، أو الرمادية لعلنا نقرأ في رواية “زنقة بن بركة” مئات الصور والحالات التي يعتمد المؤلف فيها مثل هذه البنية، نقرأ مثلاً:
• شيئان لا ينفصلان عنه: الأنس والسياسية.
• المصيبة هي إما الاختطاف أو الاغتيال.
• لم تكن المحمدية سوى ترعة (….) امتلأت بطرز مختلفة: شقر، بيض، حمر، نساء ورجال من العالم البيض الناصع.
• تكريس الخجل والحل.
• بين لوني الخمار والشاي.
• وكأنه في فيء داكن.
• لا يمكن تمييز لونهما الداكن.
• إنني أرتبك بشكل مخجل.
وهناك المئات من الجمل التي تعتمد البنية الوسطية –الرمادية- بين طرفي حال لم يقترب القاص إلى أحد طرفيها ومثل هذه السردية الصعبة –والتي لا يقترب الأصل العربي عن قصد إليها- تفصح عن إمكانية عقل يعمل بهدوء لاختيار –دونما خلل- المواقع والشخصيات والحالات التي تتلاءم ومهمة مدرس جاء المغرب العربي هرباً من وضع سياسي، ليلتقي بأناس هم أيضاً خاضوا المعركة السياسية سابقاً. فما كان منه إلا انغمر في مناخ الواقع المغربي، ليصبح في آخر المطاف متهماً بقتل لم يرتكبه، في حين أن حياته كانت تقوده إلى مثل هذا الجرم. فرواية “زنقة بن بركة” رواية الشخصية لارتباطها الجذري بالمكان – عنوان الرواية دال على ذلك- كما يرتبط فن السرد بالشخصية المحورية، وهكذا نجد بقية الشخصيات ثابتة ومعروفة مسبقاً لما تمتلكه من تجربة وارث معرفي، إذ لم نجد أي شخصية قد أصابها تغيير من خلال الرواية، فكل الشخصيات جاءت إلى متنها بعدما اكتملت ونضجت في الحياة، حتى رقية كانت على علم كامل بطباع الرجال وخصائصهم قبل أن تصبح محوراً يلف حوله مجموعة الرجال بما فيهم القاص –الراوي- فالشخصيات هذه حسب تعبير أدوين موير “لها وجود مستقل عن الحبكة” ووجودها المستقل فرض على القاص طريقة فنية هي المجاورة، إذ قلما اندمجت شخصيتان في موقف متشابه، كما فرضت الرواية الذاتية لمعاينة الأمور، لعل الموقف من قتل سي إدريس وما رافقه من تأييد له لأنه كان بظلمه وسرقاته قد أعان عدداً من الناس، أو إدانة له من قبل الآخرين، فما أحاط القتل من تحقيقات وآراء ليست نتيجة سببية للمواقف وإنما نتيجة منطقية بسجايا وطباع الشخصيات، وهذا ما جعلنا نؤكد عل البنية الرمادية التي طبعت ليس أسلوب القاص ولغته، وإنما اختياره الشخصيات ولأفعالها.
فأنت تقرأ الرواية فتجدها نصاً سياسياً بوصفه يستنطق شخصيات سياسية لها ماضٍ وحضور فاعل، وتصور بسلوكها طابع مرحلة تعد من أعمق المراحل السياسية، مرحلة البحث عن هوية وطنية ضمن حكومات شبه برجوازية مرتبطة بآلية عسكرية وتصورات أيديولوجية متأرجحة بين الوطنية والعداء للوطنية، وتقرأها فتجدها نصراً تراثياً يعتمد المرأة محوراً يكشف من خلالها عن الجنس الشرقي المرتبط بالمتعة وعن رومانسية لفظية محلقة بالجسد وبالتركيب الشكلي العام والمرأة في هذه الرواية كيان ملحق بالرجل، حركة ووجوداً، ومن خلال الجنس، صور الفعالية الاستلابية التي يتمتع بها الطابع الشرقي للعلاقة. ويمكن عدّ الرواية حكاية مركبة لشخوص التقوا “صدفة” ضمن العطلة الصيفية للدراسة ليحكوا جميعاً – على طريقة نجيب محفوظ في ميرامار- حكاية الزمن الذي يعيشون فيه، وعن دورهم فيه، فكانوا حطباً لإرادتهم، ووقوداً للآخرين فانتهى بهم المطاف كل إلى قدر ما.
(4)
هل نقف نقدياً عند الأحداث التي كونت سمات وسجايا الشخصيات أم نقف عند الشخصيات التي كونت أحداثها؟ الرواية تمتلئ بالاثنين معاً، ولأنها رواية شخصية، انحسر الحدث وأصبح ذاتياً، وتستطيع أن تتلمس هذه الطريقة الفنية من سياقات السرد، فكل فقرة تبتدئ بحديث الشخصية . أمنا الوصف، أما بناء المشهدية الملحقة فكانت من نصيب القاص لذلك لم نولّ الأحداث في هذه الرواية أهمية نقدية لأنها تحصيل حاصل تجمع أشخاص متناقضين وجدوا أنفسهم مقذوفين إلى مكان تحاوروا فيه وانشغلوا باليومي منه، ثم غادروه بعد أن تركوا فيه حركة لوجودهم، مثل هذه الأحداث ليس هي الفعل القار والأساسي، وإنما يمكن للقاص أن يقلصها أو يزيدها متى ما تطلبت الشخصيات ذلك. وعندي أن القاص أمين جداً لمنهجه الفني ولو عمل غير ذلك لسقطت الرواية في العادي المهمل من أفعال شخوص تمعّن القاص في رسم ملامحهم وسجاياهم.
القدس العربي/ 1996
العدد:2039/ السنة السابعة.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s