Bin Barka Evaluation:35

قراءة في رواية
زنقة بـــن بركة.
لـمحمود سعيـــد.
عفوية فنية ترصد حالات الإحباط والاغتراب العربيين.

نواف يـونس.
يختلف تأثر الحضارة المعاصرة بتطورها السريع المتلاحق وما تفرضه على الإنسان في كل مكان من نمط مادي يؤثر في الأنماط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي على الواقع المعيش بكل ما يحيط به من علاقات تربط الفرد بإنسانيته وفلسفته وقضيته أو بالأشياء من حوله مما حمل المبدع أو المثقف على أن يعبر عن هذا التأثير العنيف الذي وقع عليه وصدمه بهذا الشكل من المواجهة الحادة في أعماله الأدبية.
وتطالعنا الساحة الأدبية بمستويات مختلفة كهذا التأثير، ولا أقول بمدارس جديدة، حيث بات أي إنسان يستطيع أن يدعي ما يريده. ويكتب كل ما يفكر فيه، وبالشكل الذي يراه لما يحدث له أو أمامه وفي واقعه، ولا أحد يعترض مما جعل الساحة غير قادرة على احتمال أي عمل مبدع يعتمد على قدرة الكاتب الفنية ورؤيته الفكرية أو الفلسفية في خلق عالمه الفني بكل تناقضاته التي تحملها شخصياته في صراعها، أو تجسدها أحداثه في تناميها.
والروائي محمود سعيد في روايته الأخير “زنقة بن بركة” يؤكد لنا على انه نموذج للكاتب المبدع الذي تضيع أعماله الجيدة وسط هذه الفوضى، واختلاط الحبل بالنابل، والجيد بالرديء دون تمييز، إذ يجتهد وبتلقائية وعفوية فنية في إبراز الذات العربية وهي تعاني من أزمة مع نفسها أولاً ومع الآخر ثانياً وأخيراً، فهي تعيش حالات الإحباط والانكسار والاغتراب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، إضافة إلى رصده الواقع المحبط والمستقبل المبهم الذي يواجهه كإنسان عربي، كما يعمد إلى إبراز تلك التناقضات والصراعات التي تزيد من ضياعه ومن مساحة غربته وحجم انهزامه، ومحاولته تعميق رؤيتنا لهذا المأزق العربي المعاصر بكل أبعاده فيجعلنا نتساءل معه، هل هذا المأزق، أزمة مثقف عربي؟ أم مواطن عربي؟ أم مجتمع عربي؟ أم أنه أزمة عربية شاملة؟!
إن محمود سعيد يحاول من خلال روايته أن يخلق وعيه ويعممه متعمداً التعبير عن نفسه من خلال الشخصية البطل في الرواية ورصد علاقاته بالآخر كفرد وكمجتمع، بحيث يبقى فاعلاً ومتفاعلاً في الوقت نفسه من خلال تركيزه على حالات الإحباط والقهر العربيين التي تعاني منها شخصيات روايته “سي الشرقي – سي الحبيب- إدريس- رقية- صابر – قب” وكلها شخصيات ذات أبعاد دون أي تسطيح، فكل شخصية تستطيع أن تراها من زاويتين، أحداهما بلا شك أفضل من الأخرى خاصة وأننا كبشر نهتم بالصورة ومكونات الشخصية العضوية، في حين أن الكاتب اهتم بالجانب الداخلي “النفسي والفكري” ورغم عدم انحيازه نحو شخصية ما تنتمي لفكر أو طبقة، إلا أنه حاول أن يؤطر كل شخصية ضمن مسؤولية الفرد تجاه الجماعة أو الفئة التي تنتمي إليها، بعيدا عن التقيد بالقواعد الفنية، مستلهما الصدق الفني الذي شاع بعفوية في العمل، والذي أبرز مدى أيمان الكاتب بقضيته ومعايشته لكل أبعادها، فلمسنا فكر ووجدان الراوي والبطل كقيمة رمزية لمرحلة خيّم عليها الشعور بالعدم مقروناً بعذاب الضمير، الضمير الفردي مما جعله لا يبرئ أحداً ، فهو لا يدعو لتحرير المرأة ويقول لا للمشاركة في الحكم، كلا ، بل يدعو لرفض هذا الواقع المهزوم بإنسانه وفكره ونتائجه.

اختراق الجغرافية .
لقد تعمد الروائي محمود سعيد أن يظهر شخصياته “العربية” كاملة ونماذج وليس كناس متميزين لأنه امتلك القدرة على الإحساس بحقيقة الواقع العربي الذي يريد تصويره لنا في محاولته منه لاستخلاص معرفية تفيدنا في الاتجاه المضاد لما نرفضه، فهو يؤكد عبر شخصياته على أن الإنسان يرتبط بنتائج سلوكه وفكره وفعله، وبالتالي لابد من وجود وعي وإرادة بدلاً من الاستسلام.
كما نجح محمود سعيد وإلى أقصى حد في أن يفقدنا الإحساس بجغرافية المكان “المغربي” – مدينة المحمدية” على الرغم من خصوصيته، لنتحد معه وضمن فضاء المكان العربي ببيوته وأزقته وزمنه، ومن خلال حركة الشخصيات وعلاقاتها وفكره في مرحلة عربية غير مستقرة “كانت عمارة الصيني تقف على رأس شارع الزهور كما يسميه صابر أو “زنقة بن بركة” كما يسميه القادري، يقسم المدينة قسمين يبدأ من باحة التاريخ تنتهي بالميناء الحديث وسوق الحوت “السمك” مروراً بأهم وأجمل معالم المدينة؟ “حديقة العشاق، المتنـزه الطبيعي، الكازينو الفخم، فندق ماريمار والمزار التي لا تنتهي يميناًُ وشمالاً” في بداية الشارع تبدأ المدينة الحديثة منشقة عن القصبة القديمة بعد أن قطعت أواصر سيطر الفرنسيين الذين كانوا يحرقون أي مغربي حياً إذا وجدوه يتجول في شوارعها بعد الغروب، أراح قلبي أكثر من أي شيء آخر وجود مقهى عامر حيث تنفرط حبات الوقت ضائعة في متاهات متعة فريدة مذابة في نكهة القهوة السوداء وخيال الماضي والآتي.”

خصوصية المكان.
هكذا احتفظ الروائي بخصوصية المكان المغاربي رغم ما أضفاه عليه من ملامح عربية عامة تجدها في أي مدينة عربية أخرى في المغرب أو المشرق أو الخليج العربي، وقد نجح من خلاله أن يعطينا هذا التعميم العربي ليزيد من إحساسنا منذ البداية بإمكانية وقوع أحداث روايته في واقع عربي يمتد من هنا إلى هناك.

اللـغة.
أما اللغة التي استخدمها محمود سعيد في روايته فهي لغة عادية وإن كانت راقية المستوى في غير تصنع سواء في الروي أو الحوار الذي برز من خلاله الصراع بين الشخصيات وأفكارها فبدت في تتناول القارئ العادي والأقل والمثقف على مستوى واحد للفهم، كما نجح في بلورة لغته عندما قام بتصوير رؤيته التي ارتكزت على إبراز البعد النفسي بدلالاته للاحتفاظ أولاً بالحالة الشاملة لكل شخصية برصد أبعادها غير الملموسة وثانياً للإبقاء على ثيمة النص فبرزت لديه عدة مستويات ضمن معادلته الفنية الروائية التي تصر على تلقائيتها وعفويتها بعيداً عن التنظير.
كما عمد خلال ذلك وعبر التداعي أيضاً إلى رصد كمية من التفاصيل الدقيقة لتكتمل لدينا صورة الأحداث وطبيعة العلاقات التي تبقى لدينا معلقة رغم تنقله بينها دون تسلسل مما رسخ هذه الأحداث والعلاقات في عقولنا حتى ينتهي الحدث الروائي لديه بالقتل الذي جسده كرمز لتشوه العلاقات الإنسانية وعدم ارتكازها “نتيجة معاناتها وضياعها” إلى أسس سليمة سواء كانت فكرية أو مادية أو غير ذلك. لنلتقط الأبعاد الحقيقة للقتل في واقع الشخصيات التي لكل منها قصته وأحلامه ضمن واقع لا يفهمون حركته وإن كانوا يتأثرون به، ويعيشون فيه ويحبطون دوماً:
“فتحت عيني ، كان ضوء الصباح غامراً كل الموجودات، ووشيش صاخب في رأسي، تساءلت في ما لو كنت تلك الصرخة رعشة حلم انتهى، أو تخيلاً مريضا، حاولت أن أعود للنوم من جديد، ولكن إرادتي قطعتها ضربات شديدة على بابي ثم أصوت أقدام راكضة، لا، ليس ذلك بحلم، حدث ما كنت أتوقعه، وتراقص أمامي “سي صابر”: قب أغبى إنسان رأيته في حياتي، ورددت دون وعي: ياله من غبي. أقتلها في مثل هذه الساعة؟
وعندما دخلت الخادم المصدوعة بحادثة القتل وروت ما رأت: رجل في شقة سي الجزائري، دم فظيع.
– رجل؟
– نعم.
– الحمد لله، ليست رقية إذن.
فقد وظف محمود سعيد الجنس في روايته ليبرز معاناة “الرجل والمرأة” من خلال اضطرابهما النفسي ومحاولتهما انتشال نفسيهما بهذه العلاقات أو بما تبقى لهما من إحساس إنساني تتفق هذه الشخصيات من خلاله وتتحدد في مشاريع السخط العام على أوضاع مجتمعية تعكس في علاقاتها العاطفية هذه الجوانب المظلمة التي تعاني منها المرأة “رقية” خاصة. والتي جعلها الروائي المحرض والشعاع المتبقي وسط هذا الظلام، مما جعله يطلعنا عبره عل الإطار أو المناخ العام الذي تجري فيه أحداث روايته وهو مناخ مفعم بالجنس والسياسة.
لدينا أمثلة كثير لكتاب كبار سقطوا أثناء محاولتهم تجاوز الفني لحساب الخطاب المؤدلج إلا أن محمود سعيد في روايته “زنقة بن بركة” لم يكن بوقاً لأحد، ولم يستدرجه همه المسيس للابتعاد عن الفني في راويته فكان مقنعاً في الجانبين. إذ امتلك أدواته وصاغ تجربته في محالة فنية نجح من خلالها في أن يعطي الأثر الذي أراده على المستويين الفكر والفني.
جريدة الخليج. الشارقة. 12/9/1994

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s