Bin Barka Evaluation:34

ثنائية الجنس والسياسة
في الرواية العراقية.
اتجاهات التجديد.
“زنقة بن بركة”
لمحمود سعيد.
ناطق خلوصي.
من بين روايات محمود سعيد السبع ومجموعتيه القصصيتين ( وهو ما صدر له حتى الآن ) ، تهيأت لنا فرصة قراءة روايته الكبيرة ” زنقة بن بركة ” (1993 ـ طبعة دار الكرمل ) وروايته الأخيرة ” الضالان ” ( 2003 ). غير أننا نجد في هاتين الروايتين ما يغني دراستنا هذه.فهما تنحوان بشكل واضح منحي المزاوجة بين موضوعي الجنس والسياسة ، وفيهما رصد لنموذج العراقي الذي يقسر على الاغتراب عن وطنه تحت ضغط ظروف سياسية قاهرة. يهاجر سي الشرقي بطل ” زنقة بن بركة ” إلى المغرب مضطراً فيكون أوفر حظاً من عمر بطل ” الضالان ” الذي يهاجر إلى الولايات المتحدة والذي يعيش حياة التشرد هناك. إن الشرقي يجد عملاً في التدريس مما وفر له مصدر عيش جيد ووجد مستقراً له في شقة جميلة ” أحسست بعد خمس وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والقسوة والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة ، بأنني سقطت في جنة يحسدني آدم عليها ” ( ص 7 ) ، وتتوافر له فرصة التوغل في النسيج الاجتماعي للبلد الذي هاجر إليه وان يتعرف من خلال ذلك على خفايا الحياة السياسية والاجتماعية هناك. وعمد إلى التغلغل في دواخل من التقى بهم وبهن بهدف الكشف عن طبيعة البناء النفسي ومراقبة السلوك الأخلاقي والاجتماعي لنماذج الشخصيات التي تعرف عليها لكي يصل إلى ما يعينه على الكشف عن خفايا مجتمع البلد الذي حل بين ظهرانيه. كان سي الحبيب، إحدى شخصيات الرواية المؤثرة ، رجل سياسة معارضاً، وقد اجبر على الإقامة في ” المحمدية ” في أعقاب ” الأحداث العاصفة التي طحنت البلد اوائل الستينات ، وكان هارباً في طريقه إلى الشرق حين القي القبض عليه ولم ينقذه من حبل المشنقة سوي الجلطة القلبية التي طرحته وقتاً طويلاً بين الحياة والموت ” ( ص 9 )، فاجبر على الابتعاد عن السياسة وكان واحداً من كبار المجاهدين ضد الفرنسيين. وبدت السياسة جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية لشخصيات الرواية ، وكان الشرقي قد انغمر في الجنس والسياسة معاً إذ يقول صديقه سي صابر عنه :” شيئان لا ينفصلان عنه.. الأنس والسياسة لكنه في بلاده لم يكن عنده سوي السياسة ” (ص13). وسي صابر هذا يري ” السياسة كالتجارة في بلد حر تخنق أطفالها الذين خلقتهم ” ( ص10 ). وتقود المصادفة الشرقي إلى أن يلتقي بالمطرب الشاب بلعيد ( في جلسة يختلط فيها الجنس بالسياسة) فيكتشف بأنه ثوري يدعو إلى التغيير ويؤمن بجدوى النضال من أجله ” لن تنجح حركة تقليدية في تغيير مجتمعنا. يجب أن نحطم كل أنواع السلوك الإقطاعي القديم ، نجتث جذور الإقطاع” ( ص 120 ) لكنه ما يلبث أن يفصح عن تطرفه اللامعقول حين يشير إلى ضرورة توظيف الجنس في الشوارع كسلاح ضد الإقطاع. وبدوره يفصح الشرقي في مناسبة أخرى عما في داخله ” ليست جمهورية العسكر بأحسن حالاً من الإقطاع” ( ص 30 )، ويتغلغل في أحشاء الواقع الاجتماعي البائس للطبقات المسحوقة ويرسم بمبضع حاد صورة مأساوية للشقاء الذي تعانيه ” دلفنا إلى شارع عريض مترب مليء بالقذارة، ترامت على جانبيه أكواخ القصدير ، يخفف سي العربي من سرعة السيارة كي لا تثير الغبار على الأطفال الذين سرقوا قليلاً من فيء الشمس تحت صفوف الأكواخ الصدئة، كان بعضهم يلعب بالعظام، الأتربة، الحجارة، قطع العصي الصغيرة، استطاعوا أن يخلقوا عالمهم الصغير المحروم، لكن أعينهم الخائفة تسمرت على السيارة بترقب واهتمام اخذوا ينبسون بأسماء فتيات بخبث جنسي محتمل” (ص141) ويرسم صورة اكثر إيلاماً لحالات البؤس التي يعانيها العاملون في مزرعة وصولي يعرضهم إلى استغلال بشع. لا يجري التعرض إلى السياسة بمعزل عن الجنس إذن. لقد كان الشرقي مهموماً بالجنس وكأنه يجد فيه معادلاً لإحساسه بالإحباط والحرمان في بلده. تقوده المصادفة الآن يلتقي رقية التي كانت تبحث عن بيت قريب لها فيذهب بها إلى شقته ” أغمضت عيني فيما كانت تدندن بلحن شائع دون كلمات، حفيف ثوبها يغلف جو الغرفة بأنفاس عائلية عشت طويلاً محروماً منها “( ص 28 ). كانت تقترب منه ويقترب منها، تتحرر أمامه وترفع الكلفة بينهما ولا تتردد في أن تبيح له أن يتملى تفاصيل جسدها ، لكنها ظلت عصية عليه” برغم أنني بدأت أهيم بها كابحاً فورة توتر شبق شديد ، إلا أن هذا الإحساس كان ممتزجاً بادراك متميز واضح يجعلها عن يقين في الضفة الأخرى من النهر الذي يفصل بيننا” ( ص 35 ). ويلتقي الشرقي في بيت صديقه البقالي بثلاث مراهقات لم تتجاوز كبراهن السابعة عشرة ، فيقدم الروائي مشاهد تعكس طبيعة السلوك المنفلت لهذه الشخصيات تؤكدها مشاهد مماثلة جرت أحداثها على الشاطئ. انه يقود شخصياته وأحداثه داخل شبكة من العلاقات لا يبدو أغلبه نظيفاً كان بطله الشرقي طرفاً فيها ، مشاركاً تارة ً وشاهداً تارةً أخرى ، يدينه ويدين الظرف السياسي الذي انتزعه من وطنه وألقى به في بيئة غريبة.
أما ” الضالان ” التي ينبني حدثها الرئيس على المصادفة ، فإنها تبدأ بالجنس وتنتهي (أو قد لا تنتهي) بالسياسة. تضع مشاهد الرواية الأولى القارئ إزاء شابة أمريكية في غاية الجمال في العشرين من عمرها تركض باتجاه غابة هرباً من رجل كان يطاردها مهددا، شاتما، ويتبين أن هذا الرجل سمسار يدير بيوتاً للدعارة وكان يريد اللحاق بتلك الشابة بهدف أعادتها إلى أحد تلك البيوت بعد أن هربت منه ومن استغلاله. وتفرض المصادفة وجود عمر( وهو متشرد عراقي في الثالثة والستين من عمره كان قد هرب من العراق بعد أحداث 1963 شأنه في ذلك شأن بطل ” زنقة بن بركة ” في المكان الذي اقتربت منه الشابة حيث كان يقيم في خيمة نصبها هناك، فقام بإنقاذها مستخدماً مسدساً مزيفاً. وصارت الشابة ( كاثي ) تحرض عمر على قتل جور جورج الذي كان يلاحقها ، لكنه يرفض أن يفعل ذلك لأنه ليس قاتلاً. تقرر كاثي البقاء معه وتنام إلى جواره و “كان يفكر كيف ستسير الأمور وهي قربه بكل جمالها وفتنتها ؟ سيضغط على أعصابه. هل ستستيقظ في داخله كل عفاريت الرغبة المخيفة التي نامت مدة طويلة ؟” ( ص 24 ). وما لبث أن اكتشف بأنها مدمنة مخدرات كانت تعاني نوبات حادة حين يتأخر موعد الجرعة. ويلقي الروائي مزيداً من الضوء على جذور معاناتها. فأمها ( التي أصبحت عضواً في مجلس النواب ، كانت قد تخلت عنها وتنكرت لها، وحاول الرجل الذي تبناها اغتصابها، ثم عاشرت مراهقاً يتاجر بالمخدرات قتل فاتهمت هي بقتلة وحين خرجت من السجن لم تجد إلا أعمالا وضيعة فانزلقت في مستنقع الدعارة ، وفي هذه التفاصيل ما يعري المجتمع الذي ترعرعت فيه. لا يفلح عمر في مقاومة سطوة إغراء الشابة وقد تكشفت كل تفاصيل جسدها أمام عينيه حين طلبت منه أن يساعدها في غسل ذلك الجسد.
يتقمص شخصية المصلح الاجتماعي ويحاول إصلاحها لكنه لا يمنع نفسه من معاشرتها في الوقت نفسه. وفي عدد من المشاهد يلاحق بصر البطل أجساد العاهرات العرايا بحس شبق. لكنه وهو وسط إحساسه بالسعادة لا ينسي بلده المهدد بالغزو “لفتت نظره في المطعم خريطة عسكرية كبيرة للعراق ملصوقة على الحائط. نهض. وقف قربها، “أمكنة المعسكرات الكبيرة، المعامل العسكرية، مقرات المخابرات والاتصالات عليها علامات، إنها تبين أهدافاً محتملة للحرب القادمة التي ستشن.. اعتصر قلبه.” ( ص121) ويتذكر عمر كيف سيق مع معظم المثقفين إلى السجون في سنة 1963 وكان سجن الحلة من نصيبه. ويصف حيرة صديقه العراقي جميل الذي يعمل مصوراً، وهو في مواجهة طلب غريب من رجل مكسيكي وزوجته يلحان عليه أن يلتقط لطفلهما صورة يراها تشكل إساءة للبيت الأبيض. أما العراقي حسن صاحب مطعم أبي نواس فيصف الولايات المتحدة بالغابة ويشجع عمر على تركها إلى أي من الدول الأوربية التي تحترم الشيخوخة على خلاف الولايات المتحدة.
وقد يبدو عمر مثالياً جداً وهو يبالغ في مساعدة كاثي، ولعل الروائي أراد أن يقدم نموذجاً للسلوك الإنساني في بلد تستعد جيوشه لغزو وطنه واحتلاله ، ويالها من مفارقة !
AZZAMAN NEWSPAPER — Issue 2092 — Date 23 / 4 /2005
جريدة (الزمان) — العدد 2092 — التاريخ 23 / 4 /2005
ملاحظة: المقالة مجتزأة من مقالة طويلة للأستاذ ناطق خلوصي. وإدخالها كلها هنا لا مجال له. فمعذرة للأستاذ الكاتب، وأنا قمين بتفهمه الكلي التام. فتحية له.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s