Bin Barka Evaluation:33

متابعات.
لذة الاكتشاف.
زنقة بن بركة.
موسى كريدي.
زنقة بن بركة حارة مغربية متخيلة تقع في “فضاله” بمدينة المحمدية، اخترعتها مخيلة الأستاذ محمود سعيد، وهو روائي عراقي أقام في المغرب بضع سنوات، وعمل مدرساً إبان النصف الأول من الستينات حيث استطاع التعرف على التناقضات والاحتدامات الاجتماعية والسياسية التي تعصف بالمجتمع المغربي آنذاك. والرواية تفرز الكثير من الأحداث والشخصيات، الأمر الذي دفع بـ”سي الشرقي” – وهو المؤلف والراوي- إلى ضرورة المباشرة بتدوين “تجربة العمر” المثيرة التي تزوّق أحلام كل شاب. فكان لابد من رواية “زنقة بن بركة”، ولابدّ من الدخول إلى قلب الأحداث والصراعات المثيرة للجدل، ومراقبة كل التفاصيل، ومتابعة حركة الشخوص للخروج بعمل روائي يتميز بغنى أحداثه وثراء لغته وامتداد مساحاته الزمانية والمكانية.
يقدم الكاتب هنا صورة بانورامية تحفل بالتوتر والإلماع والتسجيل لمغامرات بطل وافد، مغترب مرهف الإحساس، لصيق بكل ما هو إنساني، ينغمر بحركة الأحداث، ويتحرك في مجتمع جديد “لم يره من قبل”. ويصبح هذا القادم جزئاً لا يمكن فصله عما يجري، محاولاً اكتشاف الدخائل التي تنطوي في الظواهر وحركة الأشياء المرئية. ويتطلب هذا الفعل أن ينخرط في بؤرة الأحداث المتلاحقة السريعة لتذوق كلّ ما هو حسيّ، مجتازاً التواءات الطرق والمسالك المتشعبة إلى إدراك المعنى السياسي والمعنى الوجودي لحركة الفرد من خلال الجماعة، وعلاقة هذين المعنيين بالمتع الجسدية، وصولاً إلى التقاط المزيد من الرؤى والأطياف واكتشاف مناطق الظل والضوء في المكان والزمان المعينين، مدفوعاً إلى المزيد من الألفة مع الأشياء بغية تحسس مذاقها، ورؤية الوجه الآخر لها عن قرب ودراية وحس معرفي وتطابق أحياناً، تحركه في ذلك غرائز شتّى منها غريزة الجدل والمماحكة والميل إلى “الجنس”.
ترسم الرواية شخوصها الرئيسيين رسماً واضحاً دقيقاً، وتوظف الشخوص الثانويين لإيصال اللحن أو الصوت بما يكمل الصورة أو يضيء ما تشابك من أمور. أما الشخوص المركزيون فيظهرون واضحين أيضاً في القسمات والملامح الخارجية وضوحهم في التصرف والتحرك والحوار في الحيّز المخصص والزمان المعين، دون انحراف عما هو خارج المرئي أو المسموع من المماحكات اليومية والاسترجاعات الوجدانية أو تقديم وجهات النظر المتعددة في بداية الحدث المركزي وما يصدر عادة من ردود أفعال ومساجلة حادة أو عاطفية وما ينبغي أن ينكشف عن مستوى الشخصية وأبعادها الحقيقة ودرجة وعيها الاجتماعي والثقافي ومن استجاباتها المتعددة وتقلب أمزجتها.
وخلال ذلك يحاول الروائي كشف أوجه التناقض في الحياة المغربية المعاصرة، ولاسيما تلك المعاناة التي يتركها القهر الطبقي في كل مظهر من مظاهر الحياة الحافلة بصور من البؤس والحرمان.
إن قراءة متأملة للرواية تقودنا إلى لذة اكتشاف الدلالات والرموز التي من الممكن أن تنطوي عليها الشخصيات –وهي ما يجيء طواعية لا افتعالاً، واستلهاماً لا قسراً في كل عمل فني خلاق ولاسيما الرواية بوصفها منجزاً فنياً شديد التعقيد حيث يكون ممكناً الانتقال من المحسوس إلى المتخيل ومن الواقعي إلى الرمزي الدلالي، الأمر الذي يمنح الرواية البعد الفني المطلوب ويعمق الحس بالديمومة والحيوية ويجنبها الوقوع في دائرة التجريد والرتابة والرسم الفوتغرافي، ويحفظ لها قدرتها على أن تبقى طويلاً في ذهن المتلقي وضميره. فمنْ منا ينسى مثلاً “سي صابر” رمز الوفاق والوفاء، و”سي الحبيب” ذلك الرمز البعيد للنضال السياسي وما يتمتع به من مزايا الصدق والجاذبية وما كابد من ظلم ومرض؟ ونقيض هذه الشخصية هو “سي إدريس” ذلك الرجل الغامض المهووس، المغامر، المزهو بالمال والمقتنيات، والسائر إلى نهايته الدرامية حيث يقتل في ظروف غامضة وتتوجه أصابع الاتهام للأبرياء. وهناك “قُب” رمز الغباء والقوة العمياء، وبين هؤلاء وغيرهم تظهر “رُقَيّة” قريبة الجزائري، وهي تمثل رمزاً حياً من رموز العشق والجمال وانطلاق الروح إلى أجواء من الانفلات والبوْح الجنسي والتوق إلى ملامسة الجنون والحرية بحساسية جديدة. و”رقية” تلعب دوراً مهماً في رواية الأحداث وتؤثر تأثيراً فعالاً على مسارها حتى النهاية، وترتبط ارتباطاً وثيقاً وعميقاً في حياة “سي الشرقي” ورغباته ونزعته إلى الإشباع والاستحواذ، ولذلك ظلّ سي الشرقي منصهراً روحياً وجسدياً في الحاضر، وقلما نراه يتوسع في الحديث والبوح عن ماضيه الشخصي، مكتفياً بإرسال إشارات عابرة عن حياته أو منبته الطبقي، مولياً الشخوص المغرية اهتماماً خاصاً دون التنازل عن موقفه الأيدلوجي وموقعه في السرد والنظر إلى الأشياء بمنظاره الفردي الخاص. وربما آثر المؤلف محمود سعيد أن يكون بطله هذا شاهد عصر ذا حدس آني ورؤيا عميقة وأن يظهر في الكثير من الصفحات مثقفاً طليعياً ولكن بمشاركة فعلّية في إدارة الأحداث والصراع.
تصدير الكاتب لشخصياته لم يقصره على الملامح الخارجية، بل تعداه إلى الكشف عن أعماق الشخصية وما تشّع به من أحاسيس ووميض داخلي يترجم حالات الشعور المختلفة. وهذا يشير، دون شك، إلى أن الكاتب يعي مستلزمات حرفته ويمتحن ذاكرته القصصية فلا يكتفي بالوصف المجرد أو إيراد اللوحات العابرة. وهذا يعني أيضاً أن سرّ نجاح عمله الروائي يكمن في هذه المهارة.
دعونا نقرأ الآن، على سبيل المثال، هذا الوصف لإحدى فتيات البقالي الثلاث: “فعيناها الصفراوان واسعتان تشع من وسطهما شمس رمادية فاتنة. ووجهها الذي يبدو كأنه في طريقه إلى النضوج قريباً قد أبرز بأناقة شديدة وجنتين دافئتين تنسجمان بجمال أخاذ مع فم صغير ملموم. لكنها بالرغم من ذلك وبالمقارنة مع قريبة الجزائري تبدو كظلال باهتة، قرأت في عينيها استسلاماً مغرياً بدا كرماد يخفي في داخلها ثورة عارمة بخجل محموم من تلكم الوجنتين الورديتين. وكان صدرها يعلو ويهبط في حركة وسكون يخفيان امتحاناً عصيباً، وينبضان بتفاهم عميق. وحينما اقتربت منا أبعدت القنينة عن فمها إثر ارتشاف سريع. وأغمضت عينيها لتتركني أتصرف التصرف المناسب فقبلتها في فمها قبلة سريعة.” “ص 46”.
وما يمكن أن يقال عن نجاح الكاتب في تقنيته وإدراكه لدقائق الحرفة وقدرته على خلق الشخصيات والأفكار يمكن أن يقال عن نجاحه في الأداء اللغوي والأسلوبي للوصول إلى غاياته في تأنٍ وسلامة. فاللغة عموما حيّة. متدفقة. تنساب انسياباً، والجملة عربية فصيحة وإن شابتها هنأت بسيطة أو نالها خطأ طباعي. وأما الحوار فجاء عفوياً، أخّاذاً سريعاً في تدفقه وحيويته أو ثرياً غنياً مثقلاً بالدلالات والموحيات. وقد ظل الحوار مهيمناً على صفحات الرواية، وهذا ربما فسّر رغبة المؤلف في إتاحة المجال واسعاً بازاء شخصياته للحديث والإفاضة عن مكنوناتها وخلجاتها ومواقفها الفكرة والجمالية في حيّز من الحرية أكبر، متخلياً عن “أناه” المسيطرة في السرد القصصي. وهو ما أضفى على الروية عمقاً، وجعلها أشدّ التصاقاً بحلم القارئ واحساساته المتغايرة.
بغداد.
مجلة الآداب. 1966

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s