Bin Barka Evaluation:31

زنقة بن بركة.
محمد خضير.
تهيئ رواية “زنقة بن بركة” لنا مرصداً شرقياً للنظر إلى زقاق مجهول في المغرب العربي محتشد بشخصيات لم تستطع الأقنعة المحلية أن تخفي قسماتها، والجلابيب أن تحتوي عنف أجسادها، وكان عين بطلها “الشرقي” حادة وهي تزيح النقب عن الوجوه الغربية، وتخترق الأجساد المجلببة، والعقول المعذبة بقضايا مجتمع لم يتخلص تماماً من مشكلاته الطبقية والجنسية ولأيديولوجية. وكانت وسيلة الراوي الفعالة في رصد المواقع، واختلاق المواقف، أن يستبدل بهويته الشرقية الأصلية هوية شخصيات مؤقتة، راسخة في التراب المغربي، لكنها مغتربة عن واقعها، منسلخة عنه، فيشاركها سبل المغامرة، وجنون الجنس. هكذا التقى الاغتراب الجسدي بالاغتراب الروحي ليولدا شرارة الضحك الذي لا يتوقف، والحزن الذي يتعمق بالافتراق المرير، والفراغ الذي سيحل بعد نهاية حفل التعارف القصير. إن الانفصال المحتوم بين شخصيات غامرت بالاتصال، ودافعت عنه بشرف، يكتمل بالغربة الداخلية لمهاجر شرقي لم يتخلص تماماً من انفصامه الأيديولوجي الذي أحدثته وقائع لم تعلن كفاية في الرواية. تلك هي الشفرة الأساسية التي تميز رواية (زنقة بن بركة) وتعلن عن روائي مقتدر. لقد كتب ( محمود سعيد) رواية عراقية مغتربة، نستطيع أن نضيفها إلى الروايات العراقية المهاجرة التي نتذوق فيها طعم الانفصام بين الداخل والخارج، بين الواقع وصداه البعيد.
ويبدو أن الانفصام – بنوعيه الأيدلوجي والنفسي، وحسب علاقته بالداخل- شرط في أغلب الروايات العراقية والعربية العائدة من الخارج. إذ كان على الراوي- المغترب- أن ينظر إلى الداخل من مرصد الخارج (غائب طعمة فرمان وجبرا إبراهيم جبرا، والطاهر بن جلون، ورشيد بو جدرة، والطيب صالح) أو إلى الخارج من مرصد الداخل ( عبد الرحمن الربيعي، وعبد ا لستار ناصر وكاظم الأحمدي وأسعد محمد علي) بالقدر الذي تتيح له التجربة من وقت ومسافة وحنين. وهاتان النظرتان قلقتان تلاعبت فهما رياح المغامرة والاستكشاف باستقرار مرصد المؤلف على موضوعه وشخصياته، إذ غالباً ما كان المرصد في الحالتين بعيداً جداً، أو قريباً جداً، فلم تتحقق بذلك رؤية أليفة مطمئنة. لا هي في صميم التشابك ولا في شقة الافتراق. وهنا يحين الحديث عن نظرة راوي “زنقة بن بركة” الذي تسنم رابية في المغرب الأقصى ثم عاد إلى مستقره في الطرف البعيد من وادي الشرق، ليشرع في تشكيل لوقائع النظرة مجدداً، من دون تفريط بصدمة الاكتشاف وجاذبية المغامرة. إن رواية “زنقة بن بركة” نظرة من مرصد راسخ في زوبعة الإنحيازات الوجدانية والأيدلوجية. لكنه لا تعدنا بالألفة والاطمئنان، نظرة تجرنا باستمرار إلى حافة الزوبعة الفاصلة بين الدخل والخارج، بين العودة ولاستعداد للهجرة من جديد، بين الاستقرار القلق والانفصال المشروع وبعد أن تعلن نهايتها بالقطع الحاد لمصائر أبطالها الرئيسيين “المغاربة” فإنها تبدأ ثانية بصوت الروي “الشرقي” – هنا في الداخل، لذا فهي رواية المشهد الخارجي المنظور من الداخل، تلتحق بالروايات العراقية المغتربة التي سبقتها في العودة.
هنا في الداخل استعاد الراوي أشطار صوته الموزعة بين أصوات الروية، وتفحص ذاته التي تناهبتها الذوات الشرهة. وكما تعاني ذات شيزوفرينية آلام نوبة الانفصام بإحساس مجهد، عانى الراوي المغترب آلام اتحاد ذاته المنشطرة بوعي يقظ. إن الانفصام الروائي يتخذ – في الروايات المغتربة – شكل الانفصام النفسي، سوى أن أصوات الهذيان الروائي تستعاد بدقة واقعية، أما أصوات الهذيان الشيزوفريني فتدفن في هوة اللاوعي العميقة. وعلى أساس هذه المقارنة لازمت شخصيات “زنقة بن بركة” المقنعة وعي الروائي في الداخل، وأرضتنا بمظهرها الواقعي الحميم، بعد أن شاركت في صناعة الموسم الكبير لتجربة الروائي المغربية. وهي كذلك بعد أن انتهى فصل الانفصام، حيّة لم تسقط منها واحدة في هوة النسيان. وعلى أساس الثقة بنوايا الراوي المغربي وشخصياته الكريمة، ليشاركهم إعادة تمثيل التجربة المغربية القصيرة في مكانها. ولن تنقطع عملية التمثيل “هنا في الداخل أيضاً” حتى يتحقق الإشباع والرضا المتبادلان بصورة كاملة.
إنها رواية شخصيات، وأولى من تدعونا لكي نلتفت إليها “رقية” الضحوك، التي تلعب دورها بين الحشمة والتهتك. وحدها من دون شخصيات الرواية الأخرى، حطمت الوقار الشرقي وأقلقت الذهن المطمئن وأيقظت شيطان الجسد. لذا فهي الشطر الحميم للراوي المنقسم بين “الحرية” و”عبودية اللذة” اصطفتها ذات الراوي بين حشد من الشخصيات القوية: “سي الحبيب” رجل المبادئ الصلب، و “إدريس” خصمه الثري المتنفذ، و “سي الوكيل” و “البقالي” و”الميلودي” و”سي صابر” وأساتذة المدرسة وطالباتها، وشخصيات الحي الطيبة وأبرزها “قب” العملاق الصامت. بين وجوه القضية هؤلاء، المتجهمة والمستبشرة والمكافحة والصريحة، كانت “رقية” الوجه الساخر، والشاخص الغامض، واللعنة التي تسببت في هيام الراوي، وموت “الحبيب” ومقتل “إدريس”، واختفاء “قب”. وانفراط شلة العطلة.
كانت “رقية” صنو الراوي الذي أحس منذ وهلة الرواية الأولى اندساس جسد مدمر تحت الجلابة، سيقضي على حذره بصخب، وينهي شهوانيته بفاجعة. كانت محفز جنونه الجسدي ومحركه انفصامه الذهني، ذينك اللذين حببا إليه “السي الحبيب” إلى حد القداسة، ونفراه من “إدريس” إلى حد الكراهية. وكانت هي أيضاً مهواة روحه الهاربة إلى ظل شجرة مغربية من هجير ماضيه المؤلم. لكنه كانت مهواة بلا ارتواء، تداعى فيها صوته نحو الحقيقة الأصلية التي كانت تطارده من مكان إلى مكان.
جاءت “رقية” وهي تخفي تحت جلابتها مصير كل شخصية ستلتقيها، وربما عادت وهي لا تأسف على شيء. إذ علينا أن نفسّر تساؤل الراوي في نهاية الرواية: “وحينما أعود لأحاول أن أتذكر آخر صورة لها في مخيلتي يبرز أمامي وجهها شاحباً فتاناً، وعيناها خائفتين هلعتين في قالب من الألم والخيبة.. ماذا فعلت؟ أين ذهبت؟” ص 308 على انه استباق لتوقعات القارئ عن رد فعل النهاية في ذات الراوي، قبل أن يكون رديفاً منطقياً لمجرى الحوادث كما يتوقعه الراوي. إن شعوراً كالذي اقتبسناه لن يثني الراوي عن المضي في قراره: “كنت أخشى أن أتداعى أنا الآخر أمام مغريات وعوالم لا تغيب عنها الشمس لكني كنت أعرف القليل عن نفسي، ومن هذا القليل أعرف نقطة ضعف كبيرة – عبودية اللذة- وكان ارتباطي بها لا يعني سوى فقدان حريتي” “ص 307”
صفيت العلاقة، بذات الاتجاه الذي صفى به الراوي ذكرياته عن أنبل رموز القضية “سي الحبيب” وأخس خصوم هذا الرمز “إدريس” وأكثر الشخصيات غموضاً “قب” ، لكي يعود إلى نقطة البدء من جديد. ويبدو هنا أن الراوي ساق ذكرى العطلة وكأنه “المدبر” الأكبر لهذه الأدوار، فهي رحلته قبل كل شيء. وها هو ذا يتلذذ بالخسارة. شرّعت الحرية باباً للعودة، لكنها لم تطفئ الشهوة. والداخل لم يعوض الخارج ما فيه الكفاية، لابدّ للمطاردة من أن تستمر. ما يزال الداخل يسكننا مثل حلم أبدي لعين، والخارج يطردنا بعد كل عطلة، والانفصام حصيلة غير مضمونة. الرواية هي البديل الهدف هو الوعي بالذات وبالآخر. بالقضية وفشلها. بالروح والجسد معاً. ولا شيء مضمون. مع ذلك.
اقتبست من خاتمة الرواية، وأعود إلى أولها فاقتبس هذا المدخل: “تحدد العطلة عندي من خلال حدث يبدو في الأقل أكثر أهمية من المعتاد، ولقد نسجت الصدفة ما جعلتني أحس بأيام ذلك الصيف المتوتر الذي قضيته في المحمدية “فضالة” عام 1965 بأني أباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوق أحلام كل شاب”ص5″
ولو أننا اكتفينا بمقطع النهاية السابق الذي أسدل الستارة بتساؤل يستمر صداه بعيداً في التجربة. وبمقطع البداية هذا الذي وفّر لوازم مسرح الأحداث من مكان وزمان ومباشرة بالتذكر، وكففنا قلمنا عن اقتباسات ما في المدخل والمشهد الأخير، لما بدا الحذف والاختصار ضاراً باستعادة تمثيل التجربة من وجهة نظر الراوي والشخصيات والقرّاء. لقد شردت الحوادث كما تذكرها راويها، وأسكن شخصياته ظل الزنقة البعيد، مات من مات، وعاش من عاش، وشاخ من شاخ. وأبلغ أثر فينا كان دخول امرأة فاتنة بجلابية إلى المكان الموصوف بتوتر درامي،وافتراقها عن الراوي بانسراح ميلودرامي، أعاد كل حادثة إلى مكانها الأصلي. وهي هناك تتراكم بعضاً فوق بعض تحت نظرنا وطلبنا متى نشاء. أما الراوي فقد ازداد في العمر تجربة جديدة “أكثر أهمية من المعتاد” يستطيع أن يبتدئ برصيدها الشعوري من مكان إلى آخر وزمان آخر وشخصيات أخر. وبوساطته نشعر بأهمية ما جرى.
لكن النتائج الأخيرة لم تتحدد بعد. وأعني بالنتائج الخيرة ما يتساقط في بؤرة الرواية من نفسانية سردية واستعمالات لغوية نادرة وتصورات فريدة. أعني أننا مازلنا نركز اهتمامنا بالدرجة الأولى على الشكل الروائي للتجربة. وقد خرجنا من “زنقة بن بركة” ولم تشبعنا رؤية خارجية شاهدنا خلالها صراع الرغبات كما حدث في مشاهد متتابعة، متنوعة. في جملة طويلة من الانبهار “بعوالم ومغريات مفتوحة للشمس والجنس والسياسة”. احتكر الراوي الحق الأول والخير في قطع مجراها، نتنفس مع تنفسه، نضحك لضحكه، نحقد بحقده، نحب بوجدانه، ونتحمس لصدقه، وصراحته وجرأته، وحين ينسدل الستار على المنظر الأخير، يسمح لنا بإعادة عرض المشاهد، أي اقتباسها من الرواية مشهداً بعد مشهد، فنتذكر معه ما كان قد تذكره قبلنا. كل شيء قابل للاستعادة إلا الانبهار. لقد أشبع حياته بمفرده أو مع شخصياته، وحرمنا من متعة اكتشاف سبل أخرى إلى دواخل تجربته بابتكار شكلي روائي يشبه انفصامنا بين خارجنا وداخله، أو بين داخلنا وخارجه، أو بين داخلنا وداخله.
أ يعني هذا أن عرض شكل من التجارب يتميز بالصدق والجرأة غير كافٍ لإرضاء رغباتنا غير المشبعة من رواية؟ نعم، نعم، هذا ما يدفعني إلى التصريح به للروائي “محمود سعيد” صداقتنا الطويلة ليوقن الروائي النابه بما أشرنا إليه من ارتباط بين حالتي الانفصام الروائي والانفصام النفسي، إن أشكالاً روائية من عصابية دستويفسكي، وشكوكية كافكا، وقلق كامو، وواقعية همنكواي وتوهمات كونديرا، ومبالغات ماركيز.. لهي وثيقة الارتباط بعصابياتنا وتوهماتنا وتجاربنا غير المشبعة. إن الإرضاء الروائي عملية مشتركة، وعلاج فعّال لانفصامنا المؤلم الطويل بين الداخل والخارج.
آفاق عربية.
تشرين الثاني/ كانون الأول.
السنة التاسعة عشرة- 1994

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s