Bin Barka Evaluation:30

قراءات
إيقاع الحياة إيقاع الرواية في (زنقة بن بركة)
قراءة: قيس كاظم. الجنابي

– 1 –

بين كتابة رواية محمود سعيد (زنقة بن بركة) عام 1970 وتاريخ نشرها عام 1993 زمن طويل يسجل به معلم قضي العطلة الصيفية في مدينة المحمدية التي كانت تسمي بـ(فضالة) عام 1965، ثم ينتقل منها إلى ما حولها من مدن كالدار البيضاء والرباط، وقد سرد الكاتب هذه الرواية عبر عدة مغامرات عاشها بطله الذي يتحدث عبر ضمير المتكلم، ولأن البطل يعرض حياة تلك المدينة من خلال صلته بمجموعة من الفتيات، فإن الرواية اتخذت الجسد موضوعا ينطلق منه نحو آفاق الحياة الأخرى بشكل اعتيادي غير متكلف يشير إلى وجود نوع من الطبع والعفوية في الكتابة بعيداً عن الافتعال وهذا نابع من قدرة الكاتب على الإحاطة بموضوعيته.
يستخدم الكاتب الرؤية المصاحبة أو الراوي المشارك، والشخصية الفاعلة والمؤثرة للكشف عن جوانب تلك الحياة، لهذا كان تعبيره عنها أكثر صدقا وضوحا، التي تعبر عن التجارب الإنسانية التي تتخذ من النزوة وسيلة لرفض واقع غير متواز نفسيا وسياسيا، بمعني أنه يعبر عن نظرة شمولية للحياة، وهي نظرة تتوازن مع أسلوب البناء الفني الذي اتخذه الكاتب الذي يجمع بين السرد والانثيالات الذاتية والحوار المكثف المنتشر على مساحة واسعة بما يمنح الرواية خصوصية فنية واضحة.

– 2 –

ولأن الراوي المتكلم هو ذاته البطل الذي يستحوذ على المحور الرئيس في الرواية فإن شخصيته تبدو مثار تساؤلات فقد كان يدعي بـ(الشرقي)، ولأن شخصية البطل مثار اهتمام القارئ فإنه يتخذ من مغامراته وسيلة لبث العديد من أفكاره ومواقفه الفكرية والسياسية، وهي تعبير عن وعي واضح ونفيح متميز، لهذا كان يعرض العديد من الصور الجسدية ومشاهد الحب بقوة معبرة عن وجهة نظره التي اتخذت السرد عبر ضمير المتكلم منطلقا لتعبير تلك الرواية وعرضها لتكون كالنقش على الحجر، مواقف لها أبعادها القوية الفاعلة، فكان يجعل من العديد من المشاهد العادية نقطة انطلاق لبث أفكاره تلك حين يقول:
(خسرت رهانات الماضي كلها، ولن أراهن على المستقبل – ص 59)، مشيرا إلى موقف سياسي، لأن المراهنة أصبحت مراهنة موقف فأخذ ينقل المشهد الوصفي من لحظة العبث إلى لحظة التعبير عن موقف بفطنة وسرعة كما في قوله:
(طفقت الألحان تصعد متكسرة من قعر واسعة هادئ، تتحدث عن مجموعات مقهورة، مبتورة الأصابع، محزونة، مريضة، خائفة، يقتلها الجهل، وتقتل بعضها البعض جماعات لا حصر لها من الشرائح الدنيا تحلم بالتغير، والصحة والشبع، والابتسامة، وتعانق في جو الغرفة للحظات النقيضان الحزن والطرب) ص 77.
إن إيقاع الحياة الذي يصوره الكاتب هو إيقاع ــ يجمع بين الحزن والحرمان وبين محاولة التعويض عنه بافتعال الطرب والنشوة لبث آلام المعاناة والكشف عن الأحلام والأماني وروح التمرد والرفض لما حولها بحيث أصبحت الحياة تستند إلى نوع من ثنائية، لهذا لا بد من ثورة غير تقليدية شاملة تستطيع تحطيم هذه الثنائية.

– 3 –

إذا كان الكاتب وسع مساحة الحوار، فإنه خلق نوعا من المشهدية المسرحية في البناء الروائي، وذلك لكي يسمح للشخصيات بالتعبير عن مواقف وجزئيات حياتها الاجتماعية التي تنطلق من الجسد لكشف أبعاد التخلخل الاجتماعي الذي أحدثه الاستعمار في جسد الوطن بوصف المدينة بؤرة مكثفة له، بما يجعلها تشع لتصور أبعاد المجتمع العربي بعد رحيل الاستعمار شكليا عنه وبقاء مصالحه وتأثيراته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
انطلقت هذه البنية السيوسيو/روائية من فيض جسدي ووصفي يتخذ من وصف الجسد وسيلة لخلق حركة مشهدية عميقة تصف الحياة بطريقة حركية بعيدا عن الوصف الجامد الذي يوقف حركة الزمن بمكانها مثلما يوقف الحياة بمكانها بما في ذلك وصف الشخصيات والأمكنة، والفضيلة الوصفية التي يبتسم بها وصف هذه الرواية أنها تنتقل من نقطة إلى أخري، بما يمنح المشهد قدرة دائمة على الحركة كما في قوله:
(أشار إلى باب عريض مفتوح، وإذ دخلنا الفسحة الصغيرة لطمنا وهج شديد، كانت البقعة الوحيدة التي رأيتها خالية بدون حديقة خارج القصبة، وكان يتقاسم واجهتها الإسمنتية البيضاء أربعة أبواب تخدع الناظر فيحسبها أبواب غرف كئيبة للعُزب) ص 32.
إنه ينتقل نحو جزئيات المكان من بؤرة يصفها إلى أخري، وبهذا يقتل روح الملل التي تتسرب إلى القارئ ولا يدع زمن السرد يتوقف، فتتوقف معه الحركة، ويفعل ذلك باستمرار وبطريقة تدل على عمق التجربة القصصية في الوصف كما في قوله:
(كان الضوء يأتيني من الخلف، من نافذة على طول الحائط، فيضيء الغرفة الصغيرة البيضاء، فائقة النظافة) ص 120.
إنه يصف الضوء، ثم ينتقل إلى الأماكن التي حوله، أي أن الوصف لديه يقوم على وصف الفضاءات الزمانية والمكانية، وقد يمنح أحدهما لحظة تأمل مركزة بعيدة عن الاستطاعة المملة بما يكشف عن ضرورة توافق المشهد الوصفي مع الموضوع الممتع الذي يعرض مواقفه وأفكاره عبرها كما في وصفه لليل:
(الليل صاف كلوح من زجاج، انتصرت عليه نقط ذهبية من فرشة رسام عابث) ص 138.
وكذلك يفعل في وصفه للوحة، ووصف الساحل، ووصف حلقات الأنس والطرب حيثما يتمازج إيقاع الرقص والعزف مع إيقاع الوصف بصورة هرمونية عميقة ومؤثرة، فكأنه يقف أمام أمواج البحر وهي تنسج سيمفونيتها العذبة في جوّ مفعم بالاعتدال والانشراح، وهذا ما يؤكد أهمية المشهد الوصفي في بناء الرواية بوصفه البُعد الجمالي للسرد، لأنه يشكل لوحة جمالية تنبض بالحياة وتتفاعل مع الواقع لأنها لوحة حية مفعمة بالدفء والألفة.

– 4 –

من خلال ما سبق ذكره يمكن القول إن رواية (زنقة بن بركة) هي محاولة لاستعارة واقع غير عراقي لتأثيث حياة عراقية مموهة بألوان وتزويقات خارجية، فهي محاولة لكشف أبعادها الروائية العراقية من خلال موضوعة شبيهة بها عنها، لكنها تقف بموازاتها، وهي تمتلك شيئا من الاختلاف عنها، ولا تخلو هذه الرواية من قدرة فاعلة على إعادة النظر والتمحيص المستمر، وإن بقيت بعض شوائب سهولة التعبير عالقة بها، مع محاولة لاستخدام الموضوع وسيلة لاجتذاب المتلقي بطريقة خطية تحت السطح، مما يشي بوجود شيء من القصيدة المبطنة، وهو ما يقلل من أهمية العمل بوصفه رواية ناضجة من كل جوانبها، وإن احتوت على عناصر بناء فاعلة ومتطورة .

() ط2 ، دار الكرمل (عمان 1994م).

AZZAMAN NEWSPAPER — Issue 1436 — Date 24/2/2003

جريدة (الزمان) — العدد 1436 — التاريخ 2

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s