Bin Barka Evaluation:29

زنقة بن بركة.
د. علي جواد الطاهر.
هي رواية بارعة بروحها وارتفاعها عن أن تكون تقليداً جامداً، وبتجنبها الافتعال، سائرة برخاء وفي لباقة. تقرؤها فتحس بأنك تقرأ رواية تحتوي على السر الفني للجنس الأدبي بتشابك شخوصه، وسياق أحداثه، والإطار الذي لا ينفصل عن الشخص والأحداث، والوصف الموزع توزيعاً ذكياً مكتفياً بما فيه الدلالة والتميز. فها أنت ذا في لمكان، في الزنقة، في الحانوت، في المعارات السكنية منها والشقق- في الطريق إلى الدار البيضاء أو إلى أملاك ثري مترف. ترى المواقع رأي العين، وترى الشخوص ماثلين إزائك هادئين أو مستثارين، جادين، في خلقتهم وفي حركاتهم وسكناتهم وأزياءهم، ففلان غير فلان، وفلانة ليست فلانة، ما بين الوطني المحكوم عليه بالإقامة الجبرية، والتافه المترف الذي يصول ويجول، وما بين الخادم الوادعة التي لا تعرف غير واجبها، والبرجوازية العابثة بنفسها وبالرجال ولا تدري ماذا تريد وإن ظهرت في الخارج محجبة:
“امرأة غارق في جلابية من التركال، قديمة، فضفاضة، مخططة، خمار أخضر صاعد نحو منتصف العينين اللتين لا يمكن تمييز لونهما الداكن، وكانت ترفع رأسها فينزل خمارها متوتراً حاداً مكوناً هبوطاً اضطرارياً بين مرتفعين ينتهيان فويق الجلابة بين الثديين. ص18. ثم يأتي صوتها الساحر- ومن هنا تبدأ الرواية- بدءاً موفقاً “روائياً”.
ويتردد الحوار في أرجاء الرواية، ينبثق طبيعياً، ويختلف رقة وحدة حسب مقتضى الحال من طبيعة المجلس وطبيعة الهدف، وعلى ما يزيد من تميز الشخوص حتى كأنك تشهد المجلس وترى المتحاورين، أنهم من التميز وكأنك تعرفهم حتى لو كانوا أنماطاً غير مألوفة لديك، أو لأنهم أنماط غير مألوفة لديك، وتحدد سماتهم كذلك لغتهم في الهدوء والعنف، والأخلاق واللاأخلاق، لغة المثقف وغير المثقف، والمغني عندما يغني وعندما يتحدث، الجاد في مظهر الهازل، الناطق وهو صامت، الحوار موفق، حظي بنصيب ملحوظ من مساحة الرواية، وجرى في مواطنه قصيراً حيناً، طويلاً حيناً، عابراً مرة، أساسياً مرة. وأنه من الطبيعية بحيث لا تكاد تحس بوجوده إلا عندما تبحث عنه وتتقصاه فيما تتقصى من شمائل العمل الأدبي.
ويهيئ فيك السر الفني شوقاً في القراءة وزيادة في الشوق.
وتتعدد أوصاف هذه الرواية على تداخل هذه الأوصاف وتكاملها.
لك أن تصفها بالاجتماعية، فهي صورة حية لمجتمع تحدده معالم جغرافية معروفة، وقد غلب عليه اللهو والعبث وكأنهما ليسا لهواً وعبثاً. هذه هي الصورة الغالبة، الطاغية بين الجنس والشرب والقمار والحفلات. وللجنس المقام الأول، ولكنه ليس الجنس الذي يلجأ إليه كتاب الروايات التجارية ليكسبوا القراء – أي قراء، بأي ثمن وإنما هو تصوير لأمر واقع يخضع لمفهوم عام من تحرر معترف به يسمح للمرأة بقدر كبير من الجرأة والمبادرة، ولا يحول – عندها – دونه دين، فقد تصوم الفتاة نهاراً وتتواعد للقاء بعد الفطور شرط الامتناع عن كل شيء قبل السحور ص 139.
ولابد من أن يرجع هذا التحرر إلى عوامل خاصة تقع في أساسها الأحوال الاقتصادية والحاجة المعاشية، وفروق بين ثراء فاحش بطر، وفقر فاحش مدقع.
ولا يعني التحرر – على أي حال- التحرر المطلق الذي يحول دون وجود المرأة الحريصة في علاقاتها غير الجنسية، أو دون وجود المرأة التي ترعى البيت وتربية الأبناء، أو دون شعور من يشعر بسوء الحال.
ويبقى الهم فنياً، أن تجري هذه الأشياء- كما جرت- في سياقها الروائي دون قسر واختلاق.
ولك أن تصفها – تصف الرواية- بالسياسية لأشعة من السياسة مبثوثة في طوايا الكلام، صريحة أو مبطنة، على غير إلحاح لتدين- مع المؤلف- الظلم وتنتصر للمظلومين وتلتزم جانب المصلحين المخلصين، وتأسف لما يجري عليهم أو لما يقع بينهم أحياناً من انشقاق يريده بهم الحكم الجائر. والعامة منهم –بمن فيهم الصامت- يعرفون قضيتهم وينتقمون لأنفسهم بالشكل الذي يرونه حتى لو جاء الانتقام على شكل شكوى في أغنية جماعية، أو جاء قراراً فردياً. وإذا بدا الوطنيون غير ثوريين فلأنهم كانوا هكذا في الفترة التي تؤرخ لها الرواية وقد تمكن عدوهم منهم تمكناً شديداً وكم الأفواه وفرق صفوف أقوى حزب ينتمون إليه. ولكن الوطنيين حتى في هذه الحال من الركود يقفون موقفاً حميداًُ من قلوب الجمهور وألسنتهم وذاكرتهم – مما يمكن أن يوحي بالأمل فيما يحتمل أن يقع ذات يوم.
السياسة لا تخفى على القارئ، ولكنها لا تزج زجاً، وإنما تطل بين حين وحين جزءاً من الحياة، ولدى موقف طبيعي يقتضيها من غير إلحاح أو افتعال.
وتلتقي السياسة بالمجتمع في شؤون من الصراع الطبقي والإقطاع والثراء الفاحش إلى جوار الفقر والجوع وبيوت الصفيح، والالتقاء خفي، فني على ما يتطلب السياق في النمط السائر عليه.
ولك أن تصف الرواية بالنفسية لما في الشخص والأحداث من مواقف تستثير العواطف والهواجس وتستفز العكر وتؤدي إلى أنماط من السلوك بين الحب والكره، والوفاء والخيانة، والصمت والصخب- ويرد كل في مكانه المناسب جزئاً من الحياة في المسيرة التي اختارتها الرواية مطاوعة لواقع الحال ضمن الوعي الفني، فيزداد نبض الحياة.
ويبرز في الجانب النفسي صراع بين رجلين على امرأة، ولكن هذا الصراع يغلب عليه أن يبقى خفياً بسبب ما بين الرجلين من صلات احترام، وبسبب ما تتصف به تلك المرأة من “نزق” لا يؤهلها لتأجيج الصراع في هذه الحال، ويقترن هذا الصراع الخفي بنوع خاص من الغيرة لا تظهر لدى أحد الرجلين إلا عندما يدخل رجل ثالث في القضية.
وهكذا كل ما في الرواية، يجري بقدر ولمناسبة وبمهارة في الاختيار كما يقتضي الفن، وليس كما تقتضي أمور من خارج الفن.
يعرف المؤلف المكان الذي يتحدث عنه تمام المعرفة، إنه “زنقة بن بركة” من المحمدية من المغرب، يعرف ما فيه.
وهذه المعرفة يمكن أن تجور على العمل الفني إذا طغت وصارت غاية أو إذا تمسك بها المؤلف اعتزازاً بصغيرها وكبيرها. ويخرج المؤلف- حينئذ- عن أن يكون فناناً بعيد النظر في مهمته. وهو ما تجنبه مؤلفنا كثيراً، فلا شك في أنه تصرف وأحسن التصرف فيما اخذ أو ترك أو زاد معتمداً على قدر من الدهاء يدع القارئ ينسجم في قراءته على أن هذا المكان هو المكان عينه، وهؤلاء الأشخاص هم الأشخاص أنفسهم، وهذه الأحداث هكذا جرت.
إن القارئ الذي يتوجه إليه الفنان الحق هو –فنان من نوع آخر، له ذوقه الأدبي، ودرايته، ووعيه للأجزاء والخوافي، يدرك ما بين السطور: هذا القارئ هو الذي كتن- أول ما كان- في ذهن المؤلف، ومن هنا يسعى لإرضائه بالهدوء واللباقة والصداقة، بعيداً عن الوعظ المباشر والخطابة الصخابة وشد الأعصاب، والتعالي أو التنازل. المؤلف لا يكتب ليعبث أو ليسرد معلومات وتجارب أو ليجذب أي قارئ بأي وسيلة، وإنما يكتب من معنى إنساني تبصره خلال ما رأى وعاش فاحتواه ليوصله إلى قارئ عزيز عليه فكرا وذوقاً أدبياً – وفناً وقد فعل فربح هذا القارئ وكم يخسر القارئ الذي يقرأ العمل الروائي على أنه رواية فقط.
الحادثة الأساس التي تكونت فيها الرواية تقع لسي الشرقي، وسي الشرقي هذا مدرس عراقي انضم إلى أسرة العليم من الرجال في مدرسة للبنات في المحمدية يديرها سي صابر ويرافقه فيها سي القادري.
سكَن سي الشرقي شقة من عمارة في زنقة بن بركة من المحمدية، ومضى ينظر فيما حوله، وبخاصة في المنطقة التي يسكنها، ويقترب من أهلها مستغرباً أول الأمر كثيراً من الظواهر- من بعد – مشاركاً في بعضها أحياناً حتى استحالت مألوفة لديه، ولكنه ظلّ – على أي حال- وطنياً مع الوطنيين عاطفة وفكراً، وظلت جذوره من الفقر والحرمان والمثل الأخلاقية والسياسية تجد طريقها إلى التحكم كلما اشتد أمر والتبست حال وقد تدعو مناسبة من المناسبات تذكره ببلده فيكشف –بلباقة- عن هويته كأن يعلن شوقه إلى”دجلة” وإذا ظل منذ البدء إلى الانتهاء يعرف باسم “سي الشرقي”، فلأنه هو الاسم الذي أطلقه عليه أهل المغرب وكأنهم يكتفون بهذا التعميم عن التخصيص، وربما رأوه لبنانياً أو مصرياً، لأنهم لم يروا عراقياً من قبل.
عقد سي الشرقي هذا، وكما هو طبيعي، صلة ود واحترام مع سي الحبيب الذي كان يدير حانوتاً، ويساعده فيه “قب” ، هكذا كان سي الحبيب في الحاضر الذي وفد فيه سي الشرقي على المحمدية، بل أنه كان محكوماً عليه بالإقامة الجبرية، ولولا النوبة القلبية التي ضربته لنفذ فيه حكم الإعدام، وهذا يعني ماضياً وطنياً عنيفاً هزّ الحكومة وأنصارها، ورصيداً شعبياً مناسباً.
وفي هذا الحانوت، تعرف سي الشرقي على امرأة غطت بالجلابية والخمار معالمها وبدت كهلة، ولكن صوتها ساحر أخاذ: فعل به فعله، كانت المرأة تريد الإقامة في شقة الجزائري المجاورة لشقة سي الشرقي، ولكنها تركت شقة الجزائري جانباً واحتلت شقة سي الشرقي بجرأة عجيبة. وهنا خلعت جلابتها وأبدت من المفاتن ما خلب لب سي الشرقي. وظل الصوت هو العلامة الفارقة الساحرة الأخاذة. ومضى سي الشرقي يمني نفسه بالاستيلاء عليها.
وشرعت جرأة المرأة، -وسيكون اسمها رقية – تتزايد، مجالسة ومصاحبة وشرباً ولغة، وعلى ما شرع يتضح من أمرها الاجتماعي من الطبقة المترفة العابثة التي ينسبها القوم إلى البرجوازية.
أعلنت رقية أنها تحب سي الحبيب، وأنها لابد واصلة إليه. أما صلتها بسي الشرقي فهي صلة صداقة ليس غير، وعليه أن يعرف حدوده. فتحدث له صراعاً داخلياً بين اليأس والطمع، وشيئاً من غيرة من صديقه المجاهد سي الحبيب. وإنها لغيرة من نوع خاص أقلّ ما في نوعها الخاص إمكان كتمانها وتناسيها لمصلحة سي الحبيب. فما هو بموقع المصارعة معه أو المصادمة أو حتى إشعاره بالغيرة منه. ويمكن لغيرة من هذا النوع السيطرة عليها إذا عرفنا أن سي الشرقي كان طامعاً بالوصل فقط لا عاشقاً متيماً أو أن له من جذوره الأخلاقية والسياسية ما يمنع المنافسة مع رمز من رموز الوطنية.
وتستفحل هذه الغيرة حينما دخل رجل ثالث في “اللعبة”، شخص مغرور، أثرى بالباطل فامتلك المزارع والقصور والخدم وزاول نمط المترفين حتى خان طبقته بهذا الثراء وخان الرجل “سي الحبيب” الذي أنقذه من الفقر وأرسله إلى ألمانيا – اسم الرجل الثالث: سي إدريس- ويلتقي عبث رقية بعبث سي إدريس، فتتحرك الغيرة حادة في سي الشرقي وتبلغ أقصاها حين يضبطها معاً في شقة الجزائري المجاورة لشقته، فيستحيل عشقه حقداً عليها وكرهاً لها. وقرر في نفسه إبعادها وطردها حتى لو عادت متوسلة إليه موضحة أن السبب في مبيتها مع سي إدريس وجودها شقة سي الشرقي مقفلة، وأن المعروف الشائع- الذي يفترض بأن سي الشرقي يعرفه، مما عليه سي إدريس من عنّة.
لو عادت، لما وجدت غير الطرد. وهذا منطق الأحداث في كون رقية امرأة تلعب بالرجال. وأنها لم ترع غيرة من سي الشرقي عليها، ولأنها قضت ليلة مع امرئ تافه مغرور بأمواله وأملاكه: وهذا منطق الأحداث في كون سي الشرقي محكوم بجذور المثل في التربية الأولى والمبادئ السياسية والكرامة الشخصية، وقد أهين علناً.
ويحدث – على وجه طبيعي- من المسيرة – أن يُقتَلَ سي إدريس “يقتُله قب انتقاماً وطنياً ويسافر إلى الخارج”، فيتهم سي الشرقي بالقتل، ويحاكم ويبرأ. ويدور في خلد رقية ما لم يدر في خلد فتستحيل امرأة أخرى بمعنى ما تتصوره أنها وجدت حقاً من هو يحبها فعلاً وصدقاً، ويغار عليها- لذلك- غيرة حقيقة. أجل. فهي مطمئنة تماماً إلى أن قاتل سي إدريس هو سي الشرقي. هذه قناعتها.
وعليه، فإنها تلجأ إلى سي الشرقي تصارحه بحبها إياه، وإخلاصها له، وانصرافها إليه وحده، وأنها، إنما اطمأنت إلى حبه إياها بغيرته عليها، تلك الغيرة التي أدت به إلى أن يقتل سي إدريس.
وهكذا، عادت إليه، وعودتها هذه يمكن أن تكون فرصة لسي الشرقي لأن يحقق بها هدفاً طالما سعى إليه، ورغبة طالما تمكنت منه للظفر بها. ولكنه- الآن- وقد أدّه أن تبيت ليلة مع سي إدريس- يبعد عن استغلال أي شيء من هذه الفرصة، وأكد لها أنه ليس القاتل، لأنه لم يقتل سي إدريس. وتثور جذوره في بناء شخصيته، فيأباها ويفقد كل شيء فيها أثره وسحره حتى صوتها الأخاذ، أنه – على عبوديته اللذة-يعلم “أن ارتباطه بها لا يعني سوى فقدان حريته” ص306. وأنه “لا يقبل ثمرة تضحية لم يقم بها، تقود إلى العبودية” ص 308.
هذا جديد في عالم الغيرة، ممكن في الأحوال المذكورة والمسيرة التي سارت عليها الرواية. وممكن جداً في لحظة معينة من لحظات الاعتزاز بالذات واحتقار الآخر، في اللحظة التي يستحيل المرء من طراز سي الشرقي فيه مثالياً لأسباب واقعية. والموقف يدعو القارئ إلى التأمل ولاسيما عندما يسترجع مواد الحركة في الرواية منذ البدء، فهذا ما يمكن أن يجري في التربية الصالحة والسياسة العادلة.
أما ما أعقب لحظة الرفض البات ومغادرة المرأة يائسة، مما هو طبيعي أيضاً، في عالم الحب والرغبات والشهوات. أن يبحث الرجل عما يمكن أن تكون قد تركته في الشقة من اثر يدّل عليها وكان يريدها ويرغب فيها.
هذا العراقي الذي هو أحد بطلي الرواية الرئيسين، يروي حكايتها ويتحدث عن شخوصها ويجدد منطلقاتها على أنه واحد منها، لا يتطرق إلا إلى ما رأى وسمع وعانى، منسجماً في روايته من دون تكلف أو ما يشي بأنه رواية من الخارج. وبأن يعد بعضاً من تعليقاته تدخلاً. بل يمكن أن يعزّي – كما هو طبيعي- إلى الاستغراب وما يستلزمه من الاستغراب من “اندهاش” وتعجب وانفعال يفسد المسيرة التي يراد لها أن تأتي هادئة طبيعية فتقتضي لذلك أن يستحيل الاستغراب في صاحبه إلى إلفة يعرض فيها صاحبها الأمور طواعية وكأنه يتنفس في لغة سلسة تترفع عن الجفاف ترفعها عن الإغراق في الشاعرية. وقد تمكن هذا الراوي من هذه الإلفة التي روت ما قد يستغربه قارئ أول الأمر ثم ينسجم ويألف كما حصل للراوي نفسه من قبل، وكما تقتضيه الموضوعية اللازمة للفن الروائي كتابة وقراءة.
أن تنطلق هذا المنطلق في التصور للمكان والشخوص والأحداث والأخلاق، لابد من أن تتصف بالحركة على شكل ظاهرة بارزة لمن بتأملها ليفرز سماتها العامة في التنقل وتمدد المجالس والذهاب والإياب والدخول والخروج، والحوار المصاحب.
وقد تبدو هذه الحركة للقارئ زائدة عن المطلوب، قد تبدو، حتى إذا رجع إلى مجموع العمل رآها في مصلحة لعمل، وأنها تزيده حياة قدر ما تزيد من ملمحه الطبيعي وتميزه.
ويكاد يكون مثلها أمر اللغة، وهي اللغة المناسبة حواراً ووصفاًُ، ووقفات عند صوت البطلة، ولكن يحدث أحياناً، وأحياناً قد تلفت النظر، أن الراوي يلجأ في وصفه وتعبيراته إلى ضروب من المفردات الشعرية مما هو أدخل ببلاغة الشعر في الاستعارة “المكنية” كأن يقول “الشمس تجلد الإسفلت الأسود بسياطها الوهاجة” “ص 127” و “شربت من أناملها أكبر متعة منحتني إياها لذة اللمسّ طول حياتي” ص 170″ و”تجرأ ضوء الشمس..” ص 268″ وأن “الكرة باركت قدمي بمس لطيف” ص155″ وتتكرر “باركت” هذه ثلاث مرات على هذه الصورة.
هذه الاستعارات الشاعرية يمكن أن تغد خارجة عن اللغة السلسة التي جاءت عليها الرواية، ولقارئ أن يفضل خلو الرواية مها لتحتفظ اللغة بانسجامها، وقد يستحسنها قارئ آخر يرى فيها شجنات نفسية في حلا المتكلم.
يلحق بذلك مما هو عرضة للملاحظة شيء من التطويل “ص61″، وزيادة في الشخوص الذين يدخلون خلال الرواية ويخرجون”إبراهيم” ومساءل لغوية أكثرها مطبعية يمكن تلافيها في طبعة تالية- والملاحظات، على أي حال، محدودة ليست بذات بال.
إن قراءة ثانية تبدي للرواية مزايا أخرى وتدل الناقد على دقة الكاتب وحسابه للجزئيات منذ البدء، وعلى مدى المسيرة في “الشغل” والوعي للدقائق والسيطرة على الخطة.
تسير في القراءة الثانية وكأنك-كأنك- تقرأ الرواية للمرة الأولى لما تكتشف من أسرار وتقف عنده من حوار ويتضح من خفايا السياسة تحت ركام الجنس. ويقترب منك المكان والمجتمع كأنك تعيش فيه فتحل الألفة لديك محل الاستغراب، فتستمر ولا تقف إلا عندما تنتهي لتقول: إذا لم يكن عجيباً لامرئ عراقي يعيش مدرسا في المغرب لمدة محدودة فيعرف من المجتمع الجديد ما يعرف.فقد يبدو عجيباً وجديراً بالإعجاب أن يتمكن قلمه من صبِّ ذلك المجتمع حياً في رواية مكتملة: والتعبير فنياً على التجربة ليأتي محتفظاً بنبض التجربة.
ولعلك تكتشف ما رمى إليه المؤلف بعيداً- أو لم يكن واضحاً في حسبانه- مرة أن هذه الأشياء الكثيرة التي رأيتها كبيرة أو دقيقة من جنس ومكان وزمان وطبيعة وصناعة وعبث وجد وسياسة، مما وسم الرواية بالواقعية، ليست مقصودة لذاتها، وإنها تكاد تكون كلها وسيلة لغاية واحدة، وشبه رموز ووسائل إيضاح لفكرة تمكنت من نفس المؤلف واعتنقها، وهي فكرة عالية قد تبدو مثالية مغرقة في المثالية تتضح في السطور الأخيرة: “.. لا أقبل ثمرة تضحية لم أقم بها..” فتعود بك إلى الرواية من أولها.
إنها رواية في سياق الجيد من رواياتنا ونمط خاص بين أنماطها. ولنذكر- أو نتذكر أنها الرواية الأولى‌* التي يكتبها الأستاذ محمود سعيد، ولا بأس في أن تفتح لنا مجالاً إلى التفاؤل بما يأتي.
28/6/1994
مجلة الأقلام العراقية.
• في الحقيقة هي الرواية الرابعة.
• الأولى هي عاصفة في سوق راكد. صودرت يوم 14 رمضان.
• الثانية: قضية قديمة نشرت في 10/2/1963 وصودرت بعد الانقلاب مع سابقتها.
• الثالثة: هي الإيقاع والهاجس. ومنعت سنة 1968.
• منعت زنقة بن بركة التي كتبت سنة 1970 أيضاً، لكنها حازت على جائزة وزارة الإعلام سنة 1993. وكانت لجنة التحكيم محايدة، لكن الوزارة عندما علمت بأنهما كانت ممنوعة حجبت المكافأة.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s