Bin Barka Evaluation:28

زنقة بن بركة.
رواية المغامرة والمجازفة.
علي الشوك.
جريدة الحياة اللندنية
1994
ترددت كثيراً قبل الشروع بالكتابة عن هذه الرواية “زنقة بن بركة” لمحمود سعيد، لسبب بسيط هو أنها مهداة لي، على صفحتها الأولى، لكن حافز الكتابة عنها ظل يلح عليّ لأنها أعجبتني كثيراً، وأشهد أنني قرأتها في فترة قصيرة جداً “أربع وعشرين ساعة”. مع أنني لم أكن متفرغاً لها تماماً. شدتني إليها كثيراً، ولم تؤثر في استمتاعي بقراءتها حتى أغلاطها المطبعية الكثيرة بإفراط، وكانت فرحتي بها هي التي جعلتني أتغلب على ترددي في الكتابة عنها. معللاً نفسي بأنني كنت سأفعل ذلك حتماً لو لم تكن مهداة لي.
وإذ كانت الكتابة مغامرة فإن تنشر بعد أن جاوزت سن الخمسين بسنوات فإن المغامرة تصبح مجازفة، لأنك ستدخل الحلبة هنا مقامراً بكل ما لديك من رصيد، وأنا أملك أن أقول إن هذه الرواية كانت بمثابة رهان عند الكاتب مع أنه لم تكن محاولته الأولى فقد سبقتها روايتان أو محاولتان لم تريا النور أذكر أن إحداهما فقدت لأسباب لا أرى ضرورة للدخول في تفاصيلها، ولا أعلم شيئاً عن مصير الأخرى.
ولا شك في أن رهان الكاتب أو تشدده مع نفسه مبرر تماماً، فهو يهمه أن يقدم رواية تامة الأوصاف، ولا فلا. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل عل أنه يحترم الفن والعمل الفني وإلا لما انتظر هذه السنين كلها ليطلع علينا بنتاجه الأول_ في واقع الحال- وهو في خريف عمره تقريباً.
ولأدخل في حيثيات هذا الرهان.
بعد أن قرأت الرواية وأعربت له عن رأيي الإيجابي “جداً” بها استدركت قائلاً: “مع ذلك كله كنت أفضل لو أن النهاية كانت خالية من دماء، وسأبيح لنفسي أن أنقل تعقيبه على ملاحظتي هذه ما الاعتذار له لأنني لم أطلب رأيه في نشره. أجابني قائلاً: أرجو أن تبين لي بالتفصيل في ما إذا كانت عملية القتل التي كنت تفضل لو أن النهاية كانت خالة منها، مقحمة تخل بالعمل أم لا. إن كانت مخلّة فذلك يعني أنني فشلت في العمل الفني، وهذا يعني موتاً أدبياً لي، إما إذا لم تكن مقحمة فالمدلول يختف عند ذاك. ولا يعدو أن يكون رأياً شخصياً وجب عليّ احترامه جليل الاحترام. إن كان رأياً شخصياً حسب ” أنا كاتب هذه السطور أفضل فحسب بالرغم من القول بصحة حسب” لأنه يرى أن القتل هنا، وفي مثال آخر ذكره “من روايته التي فقدت ولم ترَ النور” جاء رداً على اعتداء أو قتل مماثل، وذكرني بأننا إذا كنا في معركة حياة أو موت فلا بد أن نلجأ إلى السلاح الذي لا يتورع المقابل عن استعماله.
أنا أعترف أن لإصراره ما يبرره إذا نظرنا إلى الرواية كعمل ذي بعد رمزي، وهو ما ذهب إليه المؤلف، لكننا إذا جردناها من بعدها الرمزي هذا، حقّ لنا أن نتصور لها أي نهاية أخرى. وهذا هو سرّ نجاحها في ما أرى. وفي هذه الحالة يستوي عندي إصراره وعدم إصراره على رأيه، ولن يكون هناك مبرراً لخشيته من الفشل، فالرواية تامة الأوصاف حقاً، ببنائها الفني المحكم، وبلغتها العذبة، وأحداثها التي تأخذ بأنفاسك م أولها إلى آخرها.
المكان: في الستينات من قرننا. المكان: المغرب الأقصى. الأبطال: مشرقي في ضيافة مغاربة. وهم رموز وليسوا برموز في وقت معا.
ومع أن البطل الرئيسي هو الراوية “سي الشرقي” أو المشرقي، الذي يروي أحداث الرواية على لسانه وله حضور مهم في فضاء الرواية ولحمتها، فهو يبقى عنصراً “ثانوياً” بالقياس إلى أبطالها الآخرين، الذين يشكلون العمود الفقري للرواية في إطارها الرمزي عل وجه الخصوص. لاسيما شخصية “المتفرغ” السياسي المفروضة عليه الإقامة الإجبارية. “سي الحبيب” والفاتنة الجزائرية الغامضة بحجابها وسفورها، وقد رسمتها ريشة المؤلف ببراعة ليرمز بها في “رأيي” للصراع بن العلم ذي البعد الطوبائي أو المثالي، والواقع الذي هو بحد ذاته حلم آخر لكنه أرضي مدمر. في مقابل ذلك يدخل عنصر ثالث يضفي حضوره بعداً ديالكتيكياً من مستوى آخر أكثر تفجراً، هو شخصية “سي إدريس” الذي كان يوماً ما من مريدي “سي الحبيب” لكنه يبتعد عنه وعن القضية تحت إغراء المال. ثم ينقلب عليه، ليسرق منه “القضية” التي هي محور الصراع في الرواية، لكنه في النهاية….
لن أدخل في مزيد من هذه التفاصيل لئلا أحرم القارئ متعة متابع أحداثها، سوى أنني أكتفي بالقول مرة أخرى أنها رواية ممتازة بحق، ولن تندموا على قراءتها!
كتب هذه الرواية في العام 1970، ولم تنشر إلا في 1993 لكنها لم تفقد ذرة من طراوتها، سوى أن تأخر نشرها زهاء ربع القرن يعطينا صورة عن وضعنا الثقافي البائس. وعن العقبات التي يواجهها الكاتب في عالمنا العربي.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s