Bin Barka Evaluation:27

جولة سريعة في عالم
محمود سعيد.
طلال يحفوفي.
من يستطيع أن يقرأ كل ما تقع عليه عيناه، أو تسمع به أذناه، أو يشار عليه به من صديق، أو من خلال زاوية ثقافية مقروءة مسموعة، أو مرئية، خصوصاً وأن المكتبات، المعارض، زوايا العروض المقروءة، المسموعة، والمرئية، تضخ إلى أسماعنا وأبصارنا يومياً عشرات العناوين، حتى لا نقول أكثر.
وغالباً ما تكون خيارتانا محكومة بشهرة بعض الأسماء إعلامياً، من خلال غزارة في الإنتاج، والتوزيع، أومن خلال جوائز محلية، عربية، وعالمية تمنح لهذا العمل أو ذاك، لهذا الأديب أو ذاك. أو من خلال تخصص أو توجه أو مزاج شخصي يحكم هواياتنا أو مهننا، واستطراداً علاقاتنا. ولا يمكن أن ننسى مشورة صديق أو صديقة يدس في إذنك عنواناً جديداً تم اكتشافه حتى وإن لم يكن الإصدار نفسه جديدا.
هذه المقدمة ليست إلا اعتذاراً من القراء، ومن القراءة نفسها، ومن الروائي العراقي محمود سعيد الذي تأخرت في اكتشافه، ومن زملاء له عرب لم تسنح الظروف باستكشافهم، ما أفادني “تعباً جميلاً” أمارسه في قراءة بعض الروايات الجميلة الصعبة والمميزة.
فالكتب، حتى داخل الفن الأدبي الواحد، تحتاج إلى مستويات عدة من القراءة، منها ما يمكن هضمه وأنت واقف تنتظر على قارعة طريق. وبعضها يمكن استيعابه خلال رحلة في القاطرة الطائرة، أو سيارة نقل الركاب. وقليلها يحتاج إلى أن تغلق على نفسك أبوابها وأن تركز عينيك ومخيلتك عل كل سطر تقرأه، بل وحتى على كل مفردة. وإذا ما تشتت تركيزك، أو تسرب ذهنك، ولو للمحة، لسبب ما، وجدت نفسك تعود إلى الصفحات السابقة لربط ما انقطع، لا من الأحداث فقط، بل من الصور والأسماء التي تشبه سقوط زخات المطر على شارع اسفلتي فترى الدوائر تتواصل، تتقاطع، تتماهى قبل أن تتحول إلى مجرى يبحث عن تصريف. وإذا هي سهلة، عصية على الالتقاط في آن.

إعادة الاكتشاف.

للروائي العراق محمود سعيد خمس روايات ومجموعتا قصص: “بور سعيد” وقصص أخرى، كانت مجموعة القصص الأولى التي أصدرها العام 1957. ثم اعتكف بعدها طويلاً”1″ قبل أن يصدر روايته الأولى العام 1994. بعنوان “زنقة بن بركة” والتي أثارت كثيراً من ردود الفعل الإعلامية والصحافية توجها، برواية ثانية نشرها في العام نفسه تحت عنوان “الإيقاع والهاجس” أما العام التالي 1995 فشهد صدور رواية “أنا الذي رأى” وتلتها رواية “هل انتهت الحرب” وفازت بجائزة نادي القصة في مصر للرواية عن العام 1996. ثم نشرها في كتاب العام 1997 بعنوان “نهاية النهار” ليعود فيصدر مجموعة قصصه الثانية بعنوان: “طيور الحب .. والحرب” كما صدر له مؤخراً رواية جديدة بعنوان: “الموت الجميل” عن دار المدى في دمشق، شاهدنا لها بعض العروض الحافية في وسائل الإعلام المحلية. وهو يحضر حالياً لرواية جديدة قيد الطبع عنوانها المبدئي: “قبل الحب.. بعد الحب”.
وأعترف –آسفاً- بأنني لم اقرأ محمود سعيد سابقاً، على الرغم من الضجة التي تنامت إلى أذني وأثارتها روايته الأولى “زنقة بن بركة”
وأسفت أكثر، لاحقاً، عندما قرأت روايته ما قبل الأخير “نهاية النهار” إذ تأكدت أن مكتبتي كانت تفتقد – كل هذه الفترة- روائياً مميزاً مسكوناً بغربة الوطن والمواطن يتحرق في آتون السياسة بعيداً من تظاهرانها الخطابية والأيديولوجية. تنوء كتفاه بصليب إحباط هذه الأمة التي تشكل مأساة العراق وجهها الأكثر حداثة، وقاحة، والجرح الأكثر غوراً.

الموت الجميل.

ما سمعت حياً يصف الموت بالجمال، إلا بعضاً من نساك ومؤمنين يرونه معبراً لحياة أخرى أغنى وأخلد.
أما الناس العاديون، فيقفون أمام بوابته مرتعشين، مذعورين، تفر قلوبهم من عيونهم، بينما تتسمر أقدامهم في رمال الخدر الثلجية.
لم أك أعرف، قبل قراءتي لبعض روايات “أغاثا كريستي” البوليسية في مطالعاتنا، أن آخر صورة يشاهدها الحي قبل الفصال، تتجمد على بؤبؤ العين، قبل أن تمسحها يد حنونة بإقفال الجفنين، كإسدال ستارة تعلن انتهاء المسرحية.
فمع سكون هذا الجسد الذي كان يضج بالحركة والحياة، تتوقف الصور المتحركة المتتالية التي كانت تتلقفها مرآة العينين قبل بثها إلى الدماغ، عند الإطار الثابت الأخير، للصورة الأخيرة.
من هذه الزاوية الغريبة والفريد، ينطلق محمود سعيد ليصنف أنواع الموت بين جميل وبشع انطلاقاً من لحظاته الأخيرة التي تثبت في الذاكرة، ويطلق عليها هذا الاسم المستفز، والرائع: “الموت الجميل”.
أنا لم أبدأ بقراءة “الموت الجمل”. بعد، ولكن اسمها استثارني إلى حد بعيد. وما إشارتي المسبقة حول مستويات القراءة إلا استدعاء لعنوان هذه الطرقات السريعة التي أدقها على بوابة عالم محمود سعيد الروائي. واخترت لها عنواناً موازياً لعنوانه الأخير، فأسميتها “التعب الجميل”: فهل التعب جميل حقاً؟
التعب لم يكن يوماً جميلاً في ذاته. ولكنه دائماً جهد يبذل في الوصول إلى شيء ما، مادياً كان أم حياتيا، أم حتى معنوياً.
والمتعة تكمن عادة في الوصول أو في مرحلة ما بعد الإنجاز، يقابلها طبعاً الخيبة والفشل في حال عدم الإنجاز أو الوصول. عندها يتحول التعب العبثي ألماً. معاناة، وسوطاً يقرع أضلاع الخيبة الخلفية.
في سياق “التعب الجميل”، تصب قراءتي مؤخراً لروية محمود سعيد ما قبل الأخيرة، “نهاية النهار” والتي فازت كما سبق وذكرنا، بجائزة نادي القصة في مصر العام 1996، وكانت بعنوان: “هل انتهت الحرب؟”. والتي أعادت إلى ذهني بعضاً من القراءات الصعبة التي تحتاج إلى التركيز والمتابعة في نصفها الأول، قبل أن تتحول الأحداث، الخيوط، والشخوص إلى شلال هادر وواضح يحملك باندفاع شديد بين تقلبت الصفحات، الفقرات، الجمل، وحتى الكلمات فهي تتطلب تعباً في نصفها الأول، سرعان ما يتحول جميلاً في نصفها الأخير.
وأبرز رواية قرأتها تحت خانة التعب الجميل، كانت “خريف البطريرك” ل “غابرييل غارسيا ماركيز” حيث تدور الرواية داخل جدران القصر الرطبة، المثقلة بجو العزلة العفن. ولا يطل الضوء إلا من خلال تداعيات الذكريات، والمحادثات، عن الذي جرى ويجري خارج هذا السجن الفاخر، والكبير.
استطاع “ماركيز” في خريف بطريركه أن يطبق على أنفاسي، وجعل الضيق، والاختناق ينتقلان إلى إحساسي، وأنا أتعايش مع بقايا الحاكم المستبد الذي تحول إلى تمثال من اللحم المتورم، لا فرق بين لسانه ومسدسه.
ولكن ما سهل هذا التعب الجميل في متابعة الرواية: أن الأحداث كانت تحوم حول- ومن خلال- شخص واحد ، هو البطل والجمهور في آن.
وأما آخر رواية قرأتها تحت خانة التعب الجميل، فكانت “ذاكرة الجسد” لـ”أحلام مستغانمي”.
هذه الرواية التي تحكيها الروائية بلسان مناضل جزائري سابق، وفنان تشكيلي لاحق، فقد يده في حرب التحرير قبل أن ينتقل إلى باريس منفياً اختيارياً.
ومن خلال لقائه صبية جزائرية كانت ذات يوم طفلة قائده الشهيد، تتفجر مشاعر حبه لها، فيها، ومن خلالها، ليروي حكاية الوطن العاق، أو الذي جعله حراس الثورة عاقاً عندما بدأت الثورة بالتهام أبنائها.
ومن خلال مذكراته تدور الحوارات المشبعة بالاستشهادات الأدبية، الفكرية، وارتدادات الذاكرة التي تستدعي هذا الماضي الذي كان ذات يوم واعداً ومبشراً. وإذا بالحاضر أشد قسوة من أيام الاحتلال. ويصبح النضال جداراً مسدوداً تشرخه كوى الانتهازية السياسية، بحثاً عن مكاسب آنية تدوس كل الأيديولوجيات.. وأخلاقياتها.

نهاية النهار.

وعودة إلى آخر “تعب جميل” مارسته واستدعى كل هذه القراءة وأعني رواية “نهاية النهار” لـ “محمود سعيد” حيث تحتار في هذه الرواية المكثفة، أيهم البطل فهي تحتوي على كم من الأبطال والبطولة عصي على التفريد.
ما بين فجرين متتاليين، تمتد أحداث هذه الرواية على مدى يوم كامل. هنا يصبح الزمان المتمدد والمحاصر في آن، بين بداية اليوم ونهايته، بطلاً فوق المكان الذي ينافسه في البطولة، وعليها.
هذا المكان الذي يتمدد هو الآخر، محاصر بين انفجارين، قصف أول في بداية اليوم، يقطع أواصر القرية، ليعود القصف الثاني في نهاية اليوم ليقطع أوصالها.
جسر يتفجر في بداية اليوم، يعزل القرية الحدودية عن عاصمتها من جهة، وعن معبرها إلى الدولة المجاورة من جهة أخرى.
وقصف آخر وأخير، في نهاية اليوم يطاول كل القرية وأطرافها، يدمر ما تبقى من هذه القرية المنسية بين غبار الأرياف اللامركزية.
هذه القرية التي شيّء لها منذ ثلاثة عقود، أن تكون قرية نموذجية اختبارية لتنمية الأطراف: هندسة متميزة، مراكز لتطوير الثرة المائية، مدرسة، مسجد، ومنازل تتكاثر بمحاذاة ضلعي مثلث وهمي، ومستشفى عملاق يتحول مع الحروب العبثية إلى قلعة عسكرية.
وهنا تبرز عند الكاتب أسلبة مثيرة أشبه بالسيناريو السينمائي التسجيلي عندما يصف تراص بيوت القرية، شوارعها ارتفاع أسوارها، أزقتها، مساحات غرفها وحدائقها، وحتى عندما تحلق ريشة الكاتب عالياً لترسمها من فوق، كمن يصورها من طوافة، أو يمسحها من قمر اصطناعي.
الشعب العراقي أيضاً هو البطل.
هذا الشعب الذي حتم عليه قدره المعاصر استشهاداً عبثيا في حروب لا معقولة مع الجيران، من إيران إلى الكويت، ومن نجا تلقفته فرق الإعدام التي تجول أزقة القرية، أو تتمترس في مستشفاها الذي بني أساساً ليمنح الحياة، فإذا به زنازين للموت.
وأعود هنا لأتذكر أيضاً “خريف البطريرك” لـ “ماركيز”. صحيح أن شخصية الحاكم المستبد هي محور رواية “ماركيز” إلا أنها الخلفية الخفية لرواية “نهاية النهار”. فالحاكم لا يظهر شخصياً. وإن كان يتمثل في شخصية الضباط الصغار، مساعديهم، وجنودهم الذين يقتلون بدم بارد، عقل مخدر. وفتوى “الأوامر” التي تنفذ دونما أي اعتراض.
وأعود أيضاً، لأتذكر رواية “ذاكرة الجسد” لأحلالم مستغانمي التي تحاول مسرحة الفساد الدامي في الجزائر من خلال ثلاثة أبطال، أربعة، أو خمسة، من خلال قصة حب مستحيلة. بينما تتوزع البطولة في رواية “نهاية النهار” على مجمعة سكان القرية، أولاداً، شباباً، وشيباً، رجالاً ونساء.
مع “ماركيز” يصبح شخص واحد مرآة لكل ما يجري، حيث تركز بصرك على بطل واحد، تدور حله الذرات سالبة وموجبة.
مع أحلام. يصبح العاشق الأبوي والمعشوقة الطفلة، مرآة مزدوجة، تتعاكس فيهما كل الصور والذكريات، وتشع من خلالهما أبنية الجزائر وحارتها، شوارعها وأزقتها، أبطالها وسارقو انتصاراتها، شهداؤها الأحياء منهم، .. والأموات.
بينما يضخ محمود سعيد، وبتركيز حاد، شخوص روايته الذين هم كل سكان القرية، ويرسم من خلالهم صورة هذا الوطن المصلوب على أسنة التحالف، حيث تتقاطع استدعاءات الذاكرة لتروي قصة عقود ثلاثة من المعاناة المسدودة والحرمان المنسي، ما يستدعي القارئ أن يغلق أذنيه عن كل ما هو خارج الرواية، ويحدد بصره داخل صفحاتها، يعاني في ثلثها الأول محاولاً تسجيل كل هذه التفاصيل المشتتة، والتي تبدأ بالتجمع في الثلث الثاني من الرواية، قبل أن تتكشف وتضيء في ثلثها الأخير، متعة فريدة هي ما عنيته بـ “التعب الجميل” الذي يضفي على القارئ شعوراً بالألم بعد إغلاق دفتي الكتاب، والتألم لأشقاء تبتلعهم دوامة العبث الدموي الذي لم – ويبدو أنه- لن يرتوي.
***
محمود سعيد، روائي الغربة العراقية بامتياز، هذه الغربة الحمراء التي تلفح وجوه الناس الطيبين فوق أرضهم، بالقسوة نفسها، التي تلسع فيها شمس الغربة الأخرى، ظهور المنفيين والفارين من جحيم الداخل، إلى قيظ الخارج المترامي في جهات الدنيا الأربع.

طلال يحفوفي.
المدير الفني لمجلة الشروق.
الشارقة. جريدة الخليج. المحق الثقافي.
24 أغسطس 1998.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s