Bin Barka Evaluation:26

زنقة بن بركة.
سهام جبار.
إثر قراءتي للرواية العراقية “زنقة بن بركة” لمحمود سعيد الصادرة طبعتها الثانية عن دار الكرمل في عمان، شعرت بأني أخرج من غمار حياة مغربية طازجة شاء المؤلف أن يظهر من التحام بطله بها صورة مميزة لنفي الذات في الآخر. لا أقصد من النفي حالاً من الانفصال عن الآخر بل العكس تماماً. النفي الجاعل من الذات صورة مميزة لالتحامها في الآخر. الآخر المختلف حق الاختلاف. كان البطل – الراوي- إذ يسعى دائباً إلى بلوغ الحدود القصوى منا لالتحامه بالآخر أن يأتي بقوة وجود لا يتحقق له مهما شاء وهو المهزوم الخاسر في شرقه. لنصغي إلى ما قاله سي الحبيب له في أول لقاء له معه: “أخشى أن يكن الأمر الذي جذبك إليّ شعورك أننا كلانا في المعسكر الخاسر” يجيبه: “أهذا يهم؟” ومن ثم تتدفق الأحداث وتتالى في حدة إشباع للحواس وللغرائز تكاد تقذف بالقارئ من مشهد إثارة إلى مشهد إثارة آخر دون شعور بالاكتفاء من الراوي أو المؤلف حتى أننا نكاد نشعر بشيء من المبالغة في هذا السيل العارم المجنون من العنف الغرائزي لولا أن المؤلف كان دقيقاً في موازنته بين مقاطع الرواية وتدفقات الحوار والأحداث فيها. كما أن مشاهد الإثارة وحواراتها لم تأت متكلفة أو لترويج رخيص بل بمحاولة دقيقة لتجنب الإسفاف في ما ساقه وهو كثير يكاد يعمّ الرواية. إلا أنه جاء من مستلزمات الحدث فيها فكما قلت إن ذلك مقصود على نحو ما يفي بتحقيق إقصاء حاد وعنيف للذات في الآخر.
رواية “زنقة بن بركة” يمكن أن توصف بأنها رواية حب أو أنها رواية إثارة أو أنها رواية سياسية، ذلك أنها منحتنا نماذج شخصية بخصوصيات مختلفة من هذه الفضاءات – فضاءات الحب أو الإثارة أو السياسية. إلا أن ما يمكن للمرء أن يكتشفه أن ذلك ربما تعلّق بثالوث محرم في بعض بيئاتنا الثقافية العربية “ثالوث الفقر والجنس والسياسية – ثالوث لا يكاد التعرض له واضحاً أو مباشراً بسبب من الفنية التي منحت الرواية شيئاً من التعالي على الصغائر والابتذال. فضمن مقاطع الرواية تعرض لبيئات فقيرة وهموم المعاناة من الفقر والجهل والظلم لم يجيء بخطابية أو بشعارات، إنما حاول الراوي أن يمسّ ذلك مساً بما يؤديه وجوده الخارجي في بيئة ليست بيئته فهو الشرقي في المغرب. وهو الجمهوري في الملكية، وهو المهزوم إزاء جهات متعددة وآخرون ممن تمتلئ نفوسهم بمرارات تشف عنها سخرية ما أو تعليق عابر، يدير ذلك كله في دائرة الشرقي الذي بدا مغموراً في كل شيء وطافياً في الوقت نفسه.
حرية الكتابة في المغرب أو تعدديتها فسحا مجالا لحرية رواية “زنقة بن بركة” فجاء السرد خالصاً من الإطالة وعوائق اللغة، وبدت رؤية المؤلف واضحة لا شائبة فيها وصار تعرضه لكثير من قضايا الثالوث المحرم متحرراً من رقيب داخلي أو التباس بفهم. وصار هدف الراوي متحققاً في الانغمار بحدة الحياة المغربية التي اختار منها ما أراد. إلا أن سمة غالبة في الرواية تدفعنا إلى القول إن طابع الرواية الستينية كان يظهر علي نحو ما في الاهتمام بواقعية لم تأتِ فجة أو سطحية. بل جاءت شفيفة مؤثرة في ما تبديه من دخائل النفوس كما في مظاهر الحياة. لعل خروج الروائي ليعيش مدة طويلة في المغرب منحه فرصة لتنويع تجاربه كما يجدر بأي روائي أن يحظى بفرص السفر والاختلاط في مجتمعات أخرى للكشف عن أنماط حياة وأنماط شخوص تثري عمله وتفيده في حسن صوغ الشخصية أو المشهد الحياتي الأمر الذي لا يكاد يتحقق لأغلب روائيينا مما ظهر أثره في ما يكتب من أعمال.
يعن لي قبل أن انتهي وأنا أقرأ رواية غاية في الحيوية والإنشاد إلى الآخر” الأنثى إزاء الذكر” “الشرقي إزاء مظاهر مغربية” “الشريف إزاء الوضيع” “الناس بعضهم إزاء بعضهم الآخر” أو العكس، إن استذكر مظاهر بانورامية من حيوية روايات ميلان كونديرا حيث تشيع سعادات الخوض في الآخر وروح اللعب التي تحرك الشخوص، لا يعن يذلك مقارنة مني وإنما حسبي إشارة إلى سمة جدة في الحياة التي تنقلها روايات معاصرة، حياة عابثة نوعاً ما ومليئة بكوامن محركة لهذا العبث ولهذا الجنون الذي لا يفارقه ألم دائماً. يبقى إلى جانب إشادتي بالطبعة الأنيقة للرواية أن أشير إلى كثرة الأخطاء المطبعية التي تنغص على القارئ قراءته لاسيما لرواية متميزة مثل رواية “زنقة بن بركة” التي تحمل وصف “الرواية الفائزة بجائزة أفضل رواية عراقية لعام 1994”
2 أيار 1995/ جريدة العراق. بغداد

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s