Bin Barka Evaluation:24

“زنقة بن بركة” .
لمحمود سعيد.
صياغات محكمة توحي بالدربة والمران.
حسين درويش.
في محاولته طرح الرموز والشخصيات الاجتماعية الفاعلة في الحياة اليومية، يسرد الروائي والقاص العراقي محمود سعيد في روايته زنقة بن بركة، يوميات هؤلاء الذين صادفهم في المحمدية حيث تدور حوادث رواية ويتكثف خطها الدرامي. ومن خلال عنوانها الدلالي تهب على ذاكرة القارئ ريح الأمكنة المغاربية إذ أن “زنقة بن بركة” عنوان يوحي بضرورة مساس هذا الكتاب بذلك العالم في تلك المنطقة المحصورة بين المتوسط والأطلسي شمال أفريقيا، ذلك الإيحاء يدفع القارئ إلى افتراضات جمة منها أن الكاتب غبر المنطقة أو سكنها وأنجز روايته فيها – وهذا ما حدث – ومنها أيضا تلك الرؤية المسبقة لكتاب مشرقيين تناولوا واقع الحياة في المغرب العربي بتضاريسه الجيوسياسية وهذا ما دفع حيدر حيدر لإنجاز روايتيه وليمة لأعشاب البحر، ومرايا النار، في تلك الجغرافيا بثرائها الحضاري وتجاربها الاجتماعية وغناها التراثي وصولاً إلى مطالع الاستقلال متمثلاً بخروج الاحتلال العسكري وبقاء روائح الوجودية والعبثية والسردية وسواها.
التفاصيل والإحالات.
منذ مطلع الرواية يضعنا الكاتب في المكان بتفاصيله الدقيقة حيث يبدأ بسرد شخصي – الكاتب البطل- كيف عثر عل شقة جميلة في حي ما، داخل مدينة المحمدية، وكيف بدأت علاقته وهو المدرس الشرقي القادم إلى المغرب والذي يقضي عطلته الآن في ملاحظة هؤلاء الذين يدبون من حوله، وهؤلاء الذين لا هم لهم سوى احتساء الشراب ومعاشرة النساء الصغيرات. وتكاد تتشابه معظم ملامحهم في هذا الأمر لولا بروز شخصيتين أحدهما المناضل المغربي المتزن “سي الحببب” والأخرى شخصية “رقية” المرأة اللعوب التي كان جل اهتمامها أن توقع سي الحبيب في حبائلها. وبين هذه الشخصية وتلك ينهض دور المتكلم سي الشرقي بطل النص وسارده الذي يرتبط بعلاقة صداقة طيبة مع سي الحبيب، وفي الوقت ذاته يقع في هوى رقية الجميلة الغامضة التي تتمنع عن مجاراته في لعبة الهوى تلك ولكنه تترك بيدها شعرة معاوية كلما أحست أن سي الشرقي يتعثر برجولته المطعونة؟
يصف محمود سعيد في مطلع نصه سكنه، وحبه، ومدينته، ضمن الحياة اليومية المعاشة ومن خلال شخصياته يقوم بعملية ربط المكان بسكانه ليوحي للقارئ بأهمية الجغرافية المرئية داخل الرواية، الأمر الذي يدفعنا للسؤال دوما: ترى هل الرواية المعاصرة تقفز فوق حاجز المكان الجغرافي لتبتعد عن التأويل المغلوط للأحداث؟
طبعاً لا ينطبق جواب هذا السؤال على زنقة بن بركة لأنها تسمى الأمكنة بمسمياتها الحقيقة، وكأننا هؤلاء الأشخاص في تلك الأمكنة، مازالوا يعيشون فيها إلى يومنا هذا.
ولا يكتفي الكاتب بعملية الوصف السطحية بل ينجر أحياناً إلى وصف دقيق ومفصل حتى ليظن القارئ نفسه يرى مشهداً مصوراً بعدسة سينمائية عالية الحساسية.
ولعل قصدية الكاتب من ذلك هي تقريب المشهد الذهني إلى مشهد مسرحي مرئي يتركز طويلاً في ذاكرة القارئ لأن العودة إليه ثانية تكون مأمونة وواضحة.
وضوح المسرود غموض السارد.
في تفصيلاته تلك يقوم محمود سعيد بنقل الحياة اليومية لشخصيات من الشارع المغربي بعضها يعيش بسأم وضجر وبعضها له اتكاءات أيدلوجية، والبعض الآخر على هامش الحياة مثلما على هامش النص.
يحكي محمود سعيد عن تلك المدينة التي نبت فها مدرساً مرتبطاً بعلاقات مع جيرانه وأصدقائه في عمارة الصيني المسيو بورجبه، وتكاد تمضي حياته بهدوء في مراقبة تلك المخلوقات المحيطة به، لولا اقتحام رقية الغامض للمكان مدعية صلة القرابة بسي الحبيب. وتراهن الشرقي على مقدرتها الإطاحة بسي الحبيب- المتزن- غرامياً، وإيقاعه في حبائلها وتكاد تنجح لعبتها تلك رغم حرارة العلاقة الخفية بينها وبين سي الشرقي والتي طمرها الكاتب تحت رماد الاحتراق والانتظار وترقب الفرصة والتي تلوح لسي الشرقي في نهاية الرواية عندما تعتقد رقية أن سي الشرقي قام بقتل أحد عشاقها في سبيلها أو في سيل كسب حبها، ولكن الحقيقة كانت غير ذلك حين ينتهي النص نهايته الدرامية تلك “كان قد انتابني أنا الآخر آنذاك إحساس جديد عندما أطلت النظر في عينيها، أتذكر بوضوح أنها توسلت بي، غمرتني بقبل كنت أتفتت أحلاماً لو كوفئت بها في غير هذا الوقت لكني كنت تحت وطأة فكرة أن لا أقبل ثمرة تضحية لم أقم بها، تقودني إلى العبودية.
بهذه الخاتمة الحاملة لعفة الشرقي أنهى محمود سعيد روايته، على الرغم من ذلك الغموض الكبير الذي يلف شخصية ذلك الرجل القادم من الشرق ربما من لبنان أو العراق أو مصر مثلما افترضت رقية، هذا الغموض ترك في ذهن القارئ سؤلاً ترى لماذا لم تتضح شخصية ذلك المهاجر وما هي حقيقة ميوله السياسية بل هو لم يكن في سوية عاطفية تسمح له بمجاراة البقالي أو إدريس في الغراميات المجانية ولكنه اختار رقية المرأة الأصعب متأملاً في كل لقاء حرارة جسدها عند كل لفتة وكأنه يحترق على نار الانتظار، هل حقاً أراد محمود سعيد أن يفاجئنا بشخصية غامضة نضع نحن لها خياراتها الحياتية أم أراد لنا أن نكمل الفراغات غير المرئية في شخصيته، هل هو مهاجر لسبب اقتصادي أم لسبب سياسي أم هو شبيه تلك المخلوقات المحيطة به، هائم سائم، .. ضجر.. متوحد.. ؟
أسئلة كثيرة يضعها نص محمود سعيد في أحضاننا خاصة وأن الرواية تتحدث عن مرحلة الستينات الخصبة سياسياً واجتماعياً والغنية بإفرازاتها الفكرية والفنية والتي انعكست على مجمل حياتنا اليوم.
لغة التوتر، لغة الحكمة.
تتصاعد من رواية زنقة بن بركة رائحة حركة صاخبة تضج بها حياة محيطة بسي الشرقي وبلغة قريبة من قلب القارئ يبني محمود سعيد نصه وبإحكام العارف يزن تلك اللغة برشاقتها ومرونتها في مميزان الخبرة والمران والتي توحي لنا بأهمية قاص أو روائي تأخر في نشر كتبه – أنجز نصر الراية عام 1970 في البصرة ونشر عام 1993- ولكن بقي محافظاً على تلك الوظيفة الكلاسيكية للرواية حيث التوتر والانشداد والاكتشاف كما بقي محافظاً على وظائف جمله وكأنه أراد أن يمدد ملامح خاصة دون استفاضة أو تمذهب فني بقصد المسايرة أو المجايلة وهذا ما قفز عنه أدب المرحلة المتأخرة في المنطقة العربية فاسحاً المجال أمام الشكل الواقعي الحقيقي مستعملاً تلك اللغة الطيعة والسهلة التي تقدم لك مفاتيحها ببساطة كبيرة ولا تذهب إلى أطراف جنون الفعل أو جموح المبدع بل تلك اللغة التي تتحرك ضمن وظيفتها: الجمالية الغنية والإيحائية الفكرية. ولكنها ظلت أقرب إلى حكمة الكهلة، أولئك الذين يتأكدون من دقة ساعاتهم أو ربطات أعناقهم وكأنهم يتوجهون تواً لحفل جلل في بلاط الملكة.. وذلك لا يعني بحال من الأحوال أننا ننقص من قيمة النص، بل يمكن الإشارة إلى اللغة الاستنتاجية وليس المتذاكية على قارئها. وهو أمر يدركه منجز رواية “زنقة بن بركة”.
جاءت الرواية في 308 صفحا من القطع الصغير صادرة عن دار الكرمل للنشر والتوزيع وبغلاف أينق صمه زهير أبو شايب. عمان/ الأردن 1993.
الاتحاد. أبو ظبي.
8.8.1994

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s