Bin Barka Evaluation:23

رواية محمود سعيد “زنقة بن بركة”
الإقدام والتردد..
والمنطق الرمادي.
جلال سامي.
لقيت هذه الراوية اهتماماً من قبل القراء والنقاد لربما لمحاولة مؤلفها تقيم تقنية تجمع بين بنية الراوية التقليدية من خلال أحداث سبق وأن عاشها جيل بكامله مما مهد لها لأن تكون صوتاً شمل المؤلف به ليس المناضلين السياسيين، إنما عامة الناس الذين تشكلت حياتهم في مناخات متشابهة، فكانت الشخوص أصواتاً يمكن أن يفعلوا في كل بقعة غربية. ويلقون ما لقوه هناك في المغرب، إضافة إلى هذه البنية التقليدية، وهي غالبا ما ترتبط بالحس المكاني. قدم المؤلف بنية الراوية الحديثة من خلال الدمج بين الراوي والمؤلف فكشف عن الوقع النفسي لمدرس عاش في المغرب العربي سنوات الخيبة والإبعاد. فاصطفى لنفسه نخبة تقترب منه أو تبتعد تبعاً لملابسات الواقع، والذي أصبح النص فيه مجساً كاشفاً ليس عن أفعال الجسد فقط، وإنما عن أفعال الروح والمواقف السياسية. والبنيتان تقدمان معاً تصوراً لا واعياً عن الطريقة التي تعامل القاص بها مع تراكيب نصه ومنها:
البدايات.
تعد هذه الجملة من نجاحات الراوي، حيث تحولت الكثافة الأسلوبية لها إلى أفعال مركزة تحمل غموضاً فنياً، وكما نعرف أن الجملة الاستهلاكية لعمل فني ما، وبخاصة الراوية، إما أن تأخذ فصلاً كاملاً، إذا كانت الرواية من نصوص عدة، وبه ينثر المؤلف كل نوى عمله الفني. وإما أن تأخذ بضعة أسطر أساسية ثم يصار إلى ابتداء كل فصل بجملة استهلالية فرعية أخرى، وهذان الأمران لم يحدثا في جملة “زنقة بن بركة” لأن الراوية لم تبن طريقتها على الفصول المتتابعة أو المتداخلة والمركبة. كما لم يكن تكوينها السياقي يعتمد تتابعاً تاريخياً أو مكانياً، وإنما بنيت هذه الرواية على طريقة البوح العلني، والانثيال الشعوري. وكأنها قصة قصيرة طويلة، فجاء استهلالها مقتصراً ومركزاً، وجاء متنها سياقاً سردياً باتجاه وأحد. فكانت جملته مبنية بناء جيداً، قلما يوفق به أدباء عراقيون آخرون.واستهلال الراوية القصير يتلاءم ومزاج النفس لعدد من كتاب الراوية في العراق، للاعتماد على الطريقة التحويلية من القصة القصيرة إلى الراوية القصيرة، وما جعلنا نحكم نقدياً أن هذه الراوية هي قصة طويلة “نوفل” هو مركزية بطلها، ومحورية الأحداث حوله. ومحدودية الفترة الزمنية وطابع المكان المديني المعروف فنراه يلخص كل ذلك بأسطر قليلة:
” تحدد العطلة عندي من خلال حدث يبدو في الأقل أكثر أهمية من المعتاد. ولقد نسجت الصدفة ما جعلني أحس بأيام ذلك الصيف المتوتر الذي قضيته في المحمدية “فضالة” عام 1965 بأني أباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوق أحلام كل شاب.”
الزمن الذي يستنطقه الاستهلال هو “العطلة الصيفية” أما تاريخ العطلة فهو عام 1965 ، أما الزمنية الأعمق من الاثنين فهي “تجربة العمر المثيرة” والعمر هنا نقطة تحول كبرى في أن الذي يحدث هو خلاصة لما حدث ومن خلال تدرجات الزمن هذا نجذ أن القاص يوطنه ضمير “الأنا” حيث الفاعلية تصبح أكثر حسية وصدقة لاسيما وأنها مشفوعة بكلمات مثل “مثيرة” و”أباشر” و”أحس” و”تزوّق أحلام الشباب”.
أما المكان الذي يستنطقه الاستهلال فهو “فضالة” في منطقة أوسع هي “المحمدية” وكلا المكانين الخاص والعام يحتويان معاً الحدث الذي يبدو أنه أكثر من المعتاد كما أوضحت الراوية أنهما يمتلكان عمقاً مكانياً في التاريخ وفي الحاضر، ومن خلال هذه الأمكنة نسج القاص لغة للمكان شاملة وإن تحددت ببقع.
ويوضح الاستهلال أن الحدث تجربة عمر مثيرة، مما بدا له ولنا اكثر من المعتاد. وهو حكم مسبق حيث “الاعتيادي” و”اللاعتيادي” يحددان أهمية الراوية. إلا أن حدثه هنا مشفوع بالصدفة التي نسجت المباشرة المثيرة، وقد تكون هذه الصدفة حافزاً لتوسيع المخيلة التي لم نجد لها حضوراً كبيراً وفعالاً، مما حدا به الإكثار من وثائقية الحدث ويومياته ودقائقه وانعكاساته. فكان ليس حدثاً “قضاء العطلة الصيفية” إلا مجساً يكشف به تاريخ المكان. وملابسات العمل والإنجاز والموت والتحقيقات والحب الملتبس والمداخلات القصيرة، مما ولد تلقائية كانت السب الفني في امتداد قصة قصيرة طويلة تصبح رواية.
وعموماً فالاستهلال الناجح يضعنا من خلال لغة الإبهام والغموض والترقب والشد في حالة من التأمل، وهذا الفعل هو الذي قاد بطل النص إلى أن يوسع من دائرة أفعاله، وكأنه يبحث عن” الكلية” التي تحياها منطقة يكتشفها بمجس الجنس والسياسة، فاستقصى وقائعها ووقف على تداخلاتها فالأيام القليلة المكثفة الحضور تعني أن أبعاداً تاريخية وثقافية وسياسية كامنة فيها، وإن مصائر الناس العاديين الذين يتحكم بهم “سي إدريس” مثلاً كفيلة بأن تؤدي به إلى القتل، إننا سنعيش مع الكتاب فعلاً تجربة عمر مثيرة وفي “عطلة صيفية” وفي منطقة “فضالة” من مكان أوسع “المحمدية” ومن خلال عين الراوي- المؤلف أو المؤلف الذي يتمرأى بضمي الراوي.
كل هذه العناصر المتظافرة توضح لنا أننا بصدد رواية قصيرة وليس رواية طويلة مركبة وإن كان حجمها 203 صفحة.
لا نقف مع الجملة الاستهلالية عند حدود البنى البيبلوغرافية عن المكان والزمان والشخصية والحدث، وإنما تقودنا لغتها المقتصدة إلى مخابئ النص منه نقدياً “الجملة التي ما من شيء يحدث في النص إلا وله نواه فيها” والنوى الكامنة – احتمالية، تمثلت بالمفردات اللغوية، تحدد – خلال – أهمية – معتاد- نسجت- جعلني- أحس- أباشر- مثيرة- تزوق- أحلام الشباب.
ولو دققنا النظر عند هذه الحزمة من الألفاظ فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام – تحدد وخلال معتاد، وأحلام وأهمية. كلمات حيادية.
و- نسجت ومثيرة وتزوق- كلما تشير إلى فاعلية المحيط والآخرين.
و- جعلني وأباشر وأحس والشباب، كلمات تشير إلى فاعلية الأنا. وكل هذه الألفاظ تحمل دلالات واسعة في النص حيث أنها تتوالد وتتسع كجزء من بنية الأسلوب الخاص بالكاتب، ويعني عندنا أن الاستهلال سيفتح داخلياً على تراكيب قول متباينة، بعضها يخص العلاقة بين اللغة الحيادية واللامكان والشخصيات والفعل. وهي لغة أكثر القاص منها ووظف لها شخوصاً مثل النساء العابرات والمراقص وأصحاب محلات المشروبات والسواق والجيران والآخرين العبارين.
وهي اللغة الداخلية المشفعة بالمواقف والآراء والصياغات الاحتمالية والأفعال الديناميكية المحركة في القبو والرفض في الاندماج والانسحاب، وأخيراً في اتخاذ المواقف أو رفضها مما حتم عليه أن يكون متهماً وبريئاً في آن واحد.
فالاستهلال نقداً ليس إلا المبتدأ وما الخبر إلا النص كله، وقد تكون الجمل الخبرية ذات مستويات متباينة، وقد تكون في سياق واحد أو سياقات عدة، وفي هذه الرواية نجد الاثنين معاً فهو في تعامله مع الجنس يعمد إلى بنية التراكم ولم يفرز من النساء إلا رقية والشقرا. ورقية التي جعل منها محكاً مع سي إدريس، كشف بوساطتها عن لغة رومانسية شبه حالمة غطت على جوانب كثيرة من أسلوب القاص فبدت لنا الراوية وقد تورمت في بعض صفحاتها. بينما عمد في الكشف عن أبعاد الشخصيات المناضلة إلى استحضار الماضي، والمواقف الوطنية، والاستغلال وصيّر من هذا كله خلفية ضاجة بالأحداث ليقول لنا لاحقاً ماذا تعني الوطنية. وخلاصة بنية الجملة الاستهلالية أنها تضمر داخلياً نوى العمل. ولو أعدنا قراءتها ثانية لوجدناها محصورة بن فعلين: تحدد – تزوق مروراً بأفعال مراوحة عدة منها، نسج – جعل- أمسى- باشر .. الخ. ويعني ذلك نقدياً أن الزمنية في هذه الراوية ستقوس الماضي وستجعله مستحضراً يدعي الحاضر المعاش، مما يعني أن سرده يبدأ في اللحظة الآنية. أي لحظة الممارسة الحياتية للعطلة الصيفية. وضمن تجربة الشباب.
وعندما انفتح النص بعد جملة الاستهلال، أي الدخول في الراوي –الخبر- نراه يبتدئ بالماضي الناقص “كان قبل عام مضى قد عثرت على شقة في عمارة الصيني ” وتعود الجملة بنا إلى العام الماضي لذا فهو “كان” قد اكتشف “المحمدية” أما الآن فليس إلا الممارسة الفعلية فيها لذلك اختفى الماضي التام، وحضر الزمن القريب المنفتح. الجمل الاستهلالية جملتا: جملة مكتفي بذاتها وشبه مغلقة وهذه لا تصلح لعمل روائي، وجملة منفتحة مؤهلة، احتمالية وفيها شيء من الإبهام والغموض ولا تعطينا إلا إشارات غامضة لما سوف يحدث، وجملة هذه الراوية من النوع الثاني، وإن كان قصيرة ومكثفة لاحتوائها ضمنا على بنية الراوية القصيرة. ولكنها أحالتنا إلى مستويات القص المتعددة. وأولى هذه المستويات أن الروائي يقف بنصه هذا في المنطقة الرمادية من الحياة، تلك النقطة المتأرجحة بين فعلي الإقدام والتردد، ولعل بعض مفردات الاستهلال دالة على ذلك مثل “يبدو- في الأقل- الصدفة- أباشر- أحس والمنطق الرمادي هذا نجده قوام النية الروائية ومادتها.
فاعلية المكان.
اختار القاص مكاناً يجمع بين العراقة والجدة. مكاناً أثرياً ولكن يستوجب الصيانة الدائمة “يتآكل باستمرار الأمر الذي دعا مسؤولي الآثار التفكير في صيانته، خوفاً من انهياره ومن بقاء باب القصبة ذلك النصب التاريخي الماثل، شاهداً على عظمة بناء عريق مزخرف بنادر نقوش الريازة وحيدا ثابتا”
وكانت هذه خصوصية ستطبع اللغة السردية بطابعها الرمادي، معيشة القديم من خلال إصلاحه المستمر، والتعامل مع الاثري عن المعاصرة، لذلك نجده يعمق هذه البنية الجدلية للظاهرة فيضع “باتا” وهي تبرق بلسعاتها وزجاج وديكورها العصري إلى جانب بقايا هيكل صدئ لازال يستحم بموجات المحيط” ومعهما مدينة حديثة تزهو بشبابها المتألق “ومقهى قديم عامر يستحثك لأن تعيش فيه “خيال الماضي والآتي” فالمكان يمتاز بهدوء وجمال وتاريخ وهذا ما جعل الراوي – المؤلف يقول أشعر بحنين شديد لشيء أحلم به ولم أنله” ونلاحظ أن النغمة الرمادية شكلت مساحات النص كله مثل: المقهى – النادي- الشقة- الدكان- مركز الشرطة- الشوارع- المحلات التجارية ففي كل هذه البقع يتجاوز الأثري والمعاصر حتى لكأنك أمام نص انبثق من وسطية الحياة أي من تلك البقعة الذهبية التي تتحاشى السقوط في النهايات أو المواقف الحاسمة.
جلال سامي.
جريدة الوفاق/ 220-27/6/1996

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s