Bin Barka Evaluation:22

صحوة النص.
انكفاء البطل.
قراءة في رواية:
“زنقة بن بركة”
أحمد محمد أمين.
لغياب البطل المركزي الشامل أسبابه المشروعة، وكاتب النص يوزع الشخوص داخل فضائه لكل واحد قدر معلوم من الوضوح والتأثير في تحريك الحدث وبلورته وتصعيده. ويلجأ إلى اختيار المواقف والمشاهد برؤية انتقائية مركزة ويبني عالمه وفق أسلوب خاص يعتمد على المراجعة والتأمل دون أن يعبث بقواعد الفن لأنه يختار ما يخدم غرضه.
وقد يضطر لسبب فني معين إلى تجريد شخوص الرواية –بالنسبة للروائي مثلاً- من بعض السمات والحقوق لكي لا يطغى بعضهم على بعض. ذلك أن الحيوات التي يكتظ بها الزمان والمكان الروائيان تفرغ من مؤثراتها على الرغم من بقائها مشعة في الواجهة. تختفي حيناً وتظهر حيناً غبر لقطات سريعة متقطعة.
وليست عملية من هذا النوع – أي توزيع البطولة على عدة شخوص للحفاظ على توازنهم- بيسيرة في النص الإبداعي كالرواية. بل أن كاتباً ماهراً لابد أن يمسك بزمام الموقف دون تهاون يوزع إشعاعه فوق الوجود لتظهر وتختفي وقتما يشاء، إشعاعات تنوء بالأحزان والهموم تارة. وتتلون بالفرح والرغبات تارة أخرى. ترمي بثقلها في التأثير والتأثر. ففي الرواية التقليدية يستأثر بطل ما بكل شيء. يكون وحده فارس الحلبة. القطب واللولب صعوداً ونزولاً مع درامية الأحداث. ممتلئاً بالدينامية والحيوية والفاعلية. فيما يظل في الطرف الآخر شخوص آخرون غارقين في الظل ملامحهم هشة تراوح في مكانها من غير أن يتأطروا بأطر معينة. كأنهم كائنات تدور حول المحور – البطل الذي استقطب الأضواء حواراً ووصفاً وإسهاماً في صنع الأحداث- وفي “زنقة بن بركة” رواية محمود سعيد لم تستطع “رقية” أن ترقى إلى مستوى البطولة برغم تناميها التدريجي حتى النهاية. ولم يكن الراوي “سي الشرقي” ذا فاعلية لينال شرف أن يكون بطلاً وهو الذي يمتد داخل فضاء النص. نعم كان بحق النافذة التي أطللنا من خلالها على عالم زنقة بن بركة في المحمدية. وتغورنا عبرها إلى ذاته وذوات بقية الشخوص ووقفنا على تقلبات النفوس إبان الفرح والسخط، والحاد واليأس، فيما ظل “سي الحبيب” أسير لحظات قصيرة. يضفي عليه الكاتب غلالات من الصور المتسارعة، لكنه كان طوال الزمن الروائي مهيمناً بثقله السياسي والاجتماعي، لقد ظهر قليلاً، وتكلم قليلاً. إلا أنه تساوى فنياً مع رقية وسي الشرقي، بل أنه بزهما وتفوق عليهما أحيانا ، سواء أكان في الظل أم في الواجهة.
أما الشخصيات الأخرى”سي صابر، سي القادري، قب، سي أحمد” فكانوا يومضون وينطفئون بقدر حاجة الحدث الروائي إليهم. وكادوا أن يكونوا مجرد أسماء لا غير.
وإذا جردنا رقية وسي الحبيب الشرقي من سمات البطولة، فمن يكون بطلاً للرواية؟ إذن ينبغي أن ننتبه ونتعمق في البحث ولا نسرف في القول. إن الكاتب يسعى إلى التشويش واللبس لخلق حالة من عدم وضوح الرؤية. لأسباب فنية بحتة. فيمسك عن أبطاله طاقات الحضور والإبانة. ويقتر في منحه ملمحهم الحقيقي. هم موجودون داخل بنية النص. يصورهم بمهارة إلى حد التغور في خباياهم. لكنه يضعهم داخل إطار قلق مهزوز ليسلبهم حق أن يكونوا أبطالاً مركزيين، فيتوازنون ويتساوون “بالنسبة إلى المحاور الثلاثة في الأقل” ويتقاسمون الأدوار لكنهم لا يحفلون بلقب البطل، عندئذ لا يبقى أمام النقد إلا أن يعلن: النص هو البطل والرواية من بدئها حتى منتهاها نالت هذا الامتياز بحق. ولعل سائلاً يسأل ويطرح سؤالات مشاكسة يربك بها النقاد: كيف يمكن للنص أن يستشرف آفاق البطولة ويكتسب هذه الأحقية “النص البطل” الجواب لدى الروائي. فهو من يوزع الأدوار. ويسوغ لنفسه صنع أبطاله في تأن وأناة ويخطط بمهارة ودراية كي لا يطغى أحدهم على الآخر ليحافظ على توازنهم وتساوقهم، وهذا ما فعله محمود سعيد عن سبق إصرار لكائنات روايته. في الجانب الآخر كانت رقية تظهر داخل النص وهي مضاءة بالأنوار برغم بدايتها الهزيلة. وظلت لحمة الحدث وسداه منذ البدء حتى الخاتمة وهي أيضا غير مؤهلة لأن تكسب لقب البطلة. وعاشت وحيدة تفتقر إلى العناصر التي تصنع الأبطال ونازعها سي الحبيب وسي الشرقي في نكوصها وترجعها. وإن أبدينا عقد مقارنة بين ظهور سي الحبيب وظهورها. نجد أن الأول اقتحم الرواية بقوة وعنفوان أما هي فكانت باهتة هشة. ثم يختفي الأول ليبقى اسماً متوهجاً في الذاكرة طوال زمن الرواية بينما هي آخذة في التدفق والإشعاع حتى ساعة انطفائها.
وبين الإيماض والأفول حياة طويلة قائمة على الفعل والحيوية وكانت تجوب فضاء النص بقوة تعمل عل تحقيق مآربها وأهدافها. تستحوذ على الأحداث بدون منازع. ولم يشفع لها ما تحمله من إيقاع ونبض أن تكون بطلة محورية لأن الكاتب كان بارعاً في خلخلة موقعها عندما وضع سي الحبيب إلى جانبها يتقاسم معها التألق لا يجسده. بل باستقطابه اهتمام الآخرين موجوداً في العقول وفي الذاكرة. ففي منظور الفن. يمكن للنص أن يسحب البساط من تحت أقدام الشخوص ويجردهم من امتيازات كثيرة برغم وضوح هويتهم وقوة فاعليتهم وثمة أسماء أخرى ظلت تحوم وتطوف في أجواء سديمية غير واضحة يضيئون لحظات وينطفئون كان لم يكونوا أبداً. إن تجريد البطل من البطولة لم يأت اعتباطا، إنما لعبت واعية محمود سعيد لدواعٍ فنية مقصودة دوراً في أن يتبوأ النص وحده مركز الثقل ومضي محوراً يستقطب الضوء لا يزاحمه في ذلك أحد. لإنقاذ الرواية مما يسمى بـ النص التقليدي، السائد الذي جبلت عليه الرواية العربية طوال سنوات، وتبقى “زنقة بن بركة” جهدا إبداعياً متميزاً يستحق الثناء شكلاً ومضموناً وحواراً ولغة وشخصيات.
جريدة الجمهورية/ بغداد.
20/3/1995

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s