Bin Barka Evaluation:21

” زنقــــــــــــــــــة بن بركة ” .. و نموذج المرأة / الوطن
قراءة في رواية ” زنقة بن بركة ” للروائي العراقي محمود سعيد*

محمد عطية محمود

عندما تصير المرأة معادلاً لوطن يتحرك ، و يتجسد على أرض واقع خاص يلقي بظلاله على واقع عام ؛ فإن هذا النموذج يكون جديراً بطرح إشكاليات التعامل مع نص روائي فارق ، يعانق الهم و الوجدان بطرائق تعبيرية شائقة و شائكة في آن واحد ، حيث يصبح هذا التجسيد معبراً عن تداعيات و فعاليات تضرب الواقع في صميمه بغرز نصال البحث و التمحيص المبدع على نحو من الدقة المشوبة بقلق ، توتر ، جو دوامي .. يضع في النص سمات الاغتراب في أقسى صورها ، إلى جوار سمات و دلالات التشظي ، و يؤطر ذلك كله بإطار من الشغف و التعلق بالنموذج الدال ( المرأة ) كشخصية محورية ، و كمحور للأحداث التي ربما اكتست في كثير من الأحيان بالغموض ، مع ملامح من جو أسطوري ، تفرضه دلالات السرد ، و ما تطرحه من رؤى تحيل النموذج الدال إلى رمز عام يحوي تحت جناحه الأسرار و العلامات التي تنير الدرب نحو طرح مغاير لقضية المرأة حين تتشكل ، و تأخذ أشكال / أنماط تقربها الى نموذج المرأة / الحياة / وطن الاغتراب ، بحيث يجعل من أرض الغربة و رموزها وطنا تتكيء عليه أحاسيس المغترب أو السارد الذي يغطي مساحات السرد / الرواية بانكساراته ، و تضادات واقعه المرير، إلى جانب غيبوبية الكثير من المشاهد الدالة على تلك الحال ، في خضم علاقة أزلية بين الرجل و المرأة مهما اختلفت صورها ، و دلالات شخصيتها و تحولاتها بين التخفي و بين الحضور السافر..

ففي رواية ” زنقة بن بركة ” للروائي العراقي محمود سعيد ، و الحائزة على جائزة أحسن رواية عراقية لعام 1994 ، و الصادرة عن دار الآداب ـ بيروت ، تتمحور الأحداث ، التي تدور في بلاد المغرب العربي ، مع نماذج الشخصيات التي تدور في فلك الشخصية المحورية ( المروي عنها ) بلسان السارد / الراوي ، و الذي تحمله الرواية اسم ( سي الشرقي ) ، لتضع أولى علامات الاستفهام بالنص الروائي ، و الذي ينقل أول ما ينقل معاناة هذا السارد على أرض اغترابه التي يفتتح عنها سرده آملا في وطن تتجسد فيه طموحاته و رغبته في البقاء على أرضه و بين جدرانه :
” أحسست بعد خمس و عشرين سنة من الحرمان و الاضطهاد و القسوة و الصراع السياسي و السجن و الفصل و العطالة أني سقطت في جنة يحسدني آدم عليها ” ص 7
من هذا المنطلق يلج الراوي فردوسه الأرضي المتمثل في أرض اغتراب يجد نفسه بها مضطرا لعمل أو هرب أو نكوص أو .. أو …. أو .. ، بما يسمح له بمساحة من حرية لم ينلها في موطنه الذي لم يفصح عنه ، و اكتفى بالإشارة الدالة ، باسمه ( الشرقي ) إلا أنه من الواضح و الجلي أنه يرتاد أرض صراع جديدة ، تحكمه فيها شروط التمييز ، و تبعد عنه شروط المواطنة و الاستمتاع بهوية الأرض التي لا تفتقد أيضاً إلى المزيد من الإحساس بمعنى كلمة وطن ، فإحساس الراوي رغم انفلاته من أسره و حرمانه لا يزال ناقصا بالمكان الذي يرى نفسه فيه :
” كنت خالاً أسود في وجه المحمدية المشرق ، ساقاً عجفاء من دون غصون أو جذور أو أوراق ، غريباً حقيقياً يحلم بالسعادة و الحب في أرض المجهول ” ص 15
تتوالى الشخوص المحيطة بالراوي ، كمركز ثقل ثان للرواية ، و تتناوب على شخصيته سواءً بالسلب أو بالإيجاب ، مما ينتج عنه طرح صورة تتبارى فيها مفردات حياة الاغتراب من متاهات تتعدد بين الخمر و النساء و المقامرة ، و التي تتوزع على مدار النص ، لتعطي كل منها انطباعا و دلالة ، و مؤشراً على الغرق في تلك المتاهات التي يحاول بها الراوي الهرب من ذاته / واقعه الجديد ، فيما بين الانكفاء على ذاته و جلدها ، و بين محاولة اقتناص فرص الحياة و الوجود على أرض اغترابه من خلال نموذج ” رقية ” المرأة الهابطة على أرض اغتراب أيضا ـ لكنها لا تمثل لها معنى الاغتراب بالشكل المعتاد القاسي ـ و التي تخترق البناء السردي / الحياتي للسارد الذي تتمحور كل محاولاته لاختراقها على نحو من ذاتيته المعذبة و المؤرقة في جحيم هذا الولع الأثير / العشق / الانتحار ، و الذي سوف تمثله كل مفردات العلاقة القائمة ، و المبتورة في آن واحد على مدار الرواية ، و التي تلقي بظلالها النفسية على كل العلاقات الأخرى بنماذج المرأة ، و التي تشكل محيط دائرة كبرى تقع هذه المرأة / الرمز في مركزها ، و ربما كان لهذا المركز محيط آخر من العلاقات بنماذج الرجل و الذي تحكمه علاقات أخرى جدلية تمثل أركانها رموز العشق الممهور بالاغتراب ، و السلطة ، و المال، و الإغراق في الجنس و الخمر و المقامرة التي تصل إلى حد المقامرة على الحياة ذاتها ..

إذن فنحن بإزاء نص روائي فارق ، يتخطى حدود الحكاية المروية نحو إقامة علاقات جدلية بين المادي المتجسد في أرض الاغتراب ، و المعنوي المرتبط بدلالات كل تلك العلاقات التي يشوبها التوتر و القلق و البحث فيما وراء معادلات التشظي و الضياع من خلال ما سيورده النص من اتجاهات للجنس و الخمر و القمار ، كعوامل هدم و تغييب و محاولات للهرب من الواقع المادي إلى النفسي ، و كبدائل مادية قد يستفيد منها البعض في إدراك سبل النجاح المادي .
***
تبدو ” رقية ” بشخصيتها المبهمة ، من خلال بداية الرواية ، حيث يفتح بها السارد بابا للسرد و العشق الخاطف من أول وهلة ،و بمدلولاته المتنامية على مدار السرد :
” حدَّقت .. الخجل يخلع عيني .. بعد ثوان تبينت لي امرأة غارقة في جلابة من التركال ، قديمة ، فضفاضة ، مخططة ، خمار أخضر صاعد نحو منتصف العينين اللتين لا يمكن تمييز لونهما الأدكن ، و كانت ترفع رأسها فينزل خمارها متوترا حادا مكونا هابطا اضطراريا بين مرتفعين ينتهيان فويق الجلابة بين الثديين ” ص 17
تكمن هنا براعة الوصف الدقيق الدال ، و التي تميز لغة الكتابة عبر الرواية كلها ، لتعبر عن طرح السارد لدلالات الحجب و التخفي ، التي تتوارى خلفها فتنة لا تغيب عن وعي السارد الذي يطلق خلفها أشواق ظنونه و تعطشه إلى هذا الكيان المغرق في التخفي بغض النظر عن مبدئية تبادل الرغبة من عدمها ؛ ليلقي النص بظلال شخصية السارد ، الواقعة تحت تأثير عجزها و انهزاميتها ، كاشفا عن جانب منها بهتك غلالة المسكوت عنه ، و التي يسبر غورها في قوله :
” .. و حدث أن جلست في حضنها ( لأني أسير العادة ! ) أحسست بفخذي جسد ممتلئين . جسَّم لي الصمت خطأي ، كأني لُطخت بالوحل ، هتف سي الحبيب ليزيل الأثر .. ربما الوحل :
ـ اللَّلا قريبة سي الجزائري .. سي الشرقي .. تفضَّل هنا
كرسي إلى يساره . تنفست بارتياح ، مددت يدي لأصافحها ، لكنها هزت رأسها ببرود هزة خفيفة ، فبقيت يدي وحدها في الفضاء متشنجة ” ص 17
تبدو هنا شخصية سي الحبيب ، التي تتوسط هذه العلاقة الوليدة ، و التي تكون معهما مثلثا أساسيا تعتمده الرواية على نحو من التشابك و العلاقات العكسية ، حيث يعطي النص لشخصيته ،دورا هاما و محوريا و مؤثرا على بطلي النص ( الشرقي ـ رقية ، و حبل السرد/ الواقع المشدود بينهما ) بعدا أيديولوجيا دالا على حالة من حالات القمع التي يقع تحت تأثيرها ،كمناضل و معارض بحس وطني و قناعات .. و تتأثر الحالة المعنوية التي يطلقها النص من خلال تداعياته إلى هذا الاعتوار الذي يشوب هذا المعترك / الجو العام الأيديولوجي ، و الذي تتجاور معه دلالة الحالة الصحية المتدنية لسي الحبيب ، و التي يقول عنها السارد في لاحق سرده :
” و بخوفي الذي يلازمني في لقاءاتي المتكررة مع سي الحبيب كنت ألتزم الحد من إثارته بما يرهق قلبي الضعيف ” ص50
بما يشي بالمعاناة التي تلاقيها الشخصية المجبولة على الشقاء و الكفاح ، كرمز للمقاومة لتلك المرحلة التاريخية التي يعالجها النص ، و يمد نحوها بظلال معالجته .
بينما تتجلى بداية ً سمات شخصية ” رقية / المرأة ” ، من خلال اصطحاب السارد لها ، إلى شقة قريبها ( المجاورة لشقته ! ) شبه المهجورة :
” كان ذلك أول صوت يصدر منها ، كان نغمة متكاملة ، عشرات الآلات الموسيقية المتكاملة في انسجام ترسل النغمات من صدى بعيد . لم أصدق سمعي ” ص 23
يرصد الراوي هنا هذه الأوصاف بدءاً من السمع ، في إحالة إلى بيت الشعر العربي القديم :
” و الأذن تعشق قبل العين أحيانا ” ، لتتابع رحلة الموسقة التي تستمر مع هذا الكيان الغريب الذي اخترق كيان الراوي و تلبَّسه ، قبل اختراقه للمكان .
و لكن التحول في جذور العلاقة قد بدأ حينما لم تفلح في معايشة هذا الواقع الذي لا يليق بها ، و تغيير مسارها نحو شقة الراوي / سي الشرقي ، و كأنما جاءتها كي تحيي أملا في معانقة نموذج الحياة بالنسبة له :
” غير أن باب شقتي فتح و دخلت ، ملأت الباحة بثوب أخضر مشجر ، مشدود على جسد ممتلئ ، كان صدرها الناهد يظهر فتحة واسعة ينحسر عنها الثوب .. ارتبكت ارتباكا شديدا لاحظته دون اهتمام .
أهي كهلة الجلابة ؟ أمامي شابة لا ” أميمتي ” ” سامحك الله يا سي الحبيب لا شك أنك لا تعرفها ………
لم أضبط نفسي . وقفت ، حدَّقت فيها ، كان وجهها يحوي من الحلاوة ما يكفي نصف فتيات العالم ، و كدت أهتف من أي سماء نزلت يا ساحرة ؟ .. ” ص 25
تبرز هنا سمات الجمال الأسطوري المتحققة بالرؤية ، بعد السمع ، لتكتمل للسارد خطوة جديدة من خطوات اندلاع حرائق هذه المرأة / الرمز في ذاته ، و التي تعكس أيضا هذا الميل الغريزي ، و التعويضي في آن واحد ، و الذي ينتاب السارد عوضا عن دفء الوطن الذي ابتعد أو أُبعدَ عنه ، و حميمية التواصل التي لا يجدها في أرض اغترابه ، على الرغم من الإحساس الأولي لولوج الجنة الموعودة !! ، في علاقة جدلية أخرى يطلقها النص في فضاء فعالياته ، و التي تعقد على هوامشها علاقات أخرى .
و لكن نقطة التحول تلك تبرز له لتضعه على أعتاب علاقة أكبر هي علاقته بهذه المرأة / الرمز ، و إن شابها في مستواه الواقعي ما شابها .
” و برغم أنني أحسست بأني بدأت أهيم بها كابحاً فورة شبق شديد ، إلا أن هذا الإحساس كان ممتزجاً بإدراك متميز واضح يجعلها عن يقين في الضفة الأخرى من النهر الذي يفصل بيننا ” ص 31
تفرض هنا دلالات الاغتراب نفسها على ذات السارد ، الذي تتحول لديه كل الدلالات لتعبر عن هذا التأزم / العلاقة النفسية التي تنبعث من / تُفرضْ على حواسه ، و تهيمن على وجوده المجهض في مجتمع / غربة لا تعترف بآلامه ، قدر عدم اعترافه هو بها ، مع احتفاء الشخصية بسمات الميل الغريزي إلى الشبق الجنسي ، و الذي غالبا ما يحرك مشاعره خلفه بنوع من الغريزة البهيمية .
كما تلعب الخمر ، و التي يغرق فيها كل شخوص الرواية ، دورا دلاليا مهما آخر في فضاء النص ما عدا ” سي الحبيب ” اتساقا من النص ، و تأكيدا على دلالة شخصيته الطامحة للتغيير و المقاومة كرمز للمعارضة السياسية التي تخترق النص بفاعليتها و إن كانت مجهضة ، أو غير معلومة الفاعلية .
” سألت البقالي عن الفتيات بغمزة عين ؛ فأشار إلى الدوش ، كن يزلن الملح بعد رجوعهن من البحر إلى الحمام الصغير معاً . قرع المراكشي كأسي مرتين على التوالي خلاف العادة . و لما كنت أخشي أن تغلق الورشة ( يقصد ورشة استخراج المفاتيح ) أبوابها فقد أنهيت كأسي الأولى و نهضت واعدا بالرجوع . لكن المراكشي الذي أصبحت صديقه الحميم بعد تينك الجرعتين الخالدتين من النبيذ ، غدا في غاية الفزع لمحاولتي المغادرة ” ص 36
تلعب الدلالة العكسية للمفاتيح على عدم تواصل شخصية السارد / الشرقي في عدم الحصول على فرص التواصل و التحقق ، و دلالة استنساخ المفاتيح بطريقة خاطئة !! مع عدم وجود بدائل له لاختراق هذا المجتمع / النقيض رغم احتوائه له وإن كان احتواءا باردا.
هنا أيضا يلعب تأثير الخمر دورا هاما و مؤثرا حيث جعل من الغريب صديقا يتعلق بأهداب آخر محصور مثله في دائرة الضياع / الاغتراب ، و التي تفرضها الأجواء المحيطة ، مع اقتران الخمر بالعلاقات النسائية المشبوهة ، و التي تتلاحق على مدار النص لتشكل موجات متتالية من اختبار الذات في مواجهة ظل هذه الشخصية الأسطورية التي تمثلها رقية ـ حتى في عدم وجودها في فعاليات السرد ـ و التي لا تُغني السارد عن اشتهاء هذه المرأة / الساحرة / الرمز / رقية ـ من خلال سقوط كل ما حوله في هذه الدائرة المحكمة القبضة حول رقاب الجميع !! مع استمرارية وقوعه في الفشل حتى في مغامراته ، و في أسر فتنتها التي تشغل السرد ـ في مواضع أخرى ـ في مستويات أعلى من الافتتان .
” و في الفترة التي قضيتها أغط في نوم عميق ، كانت أصداء أصوات أنثوية رقيقة ، لمسات ، محاولات جادة لإيقاظي . أفتح عيني على أثرها فتلتصق بجفوني صورة امرأة حبيبة ، هائلة الجمال ، مجللة بالأزرق ، تغوص معي في أحلام عريضة ، أتبع خيالها فوق الغيوم ، ألمس يدها الخارجية من شباك طائرة ، أشد على أصابعها خوف السقوط ، لكنها تسحب يدها و هي تضحك فتملأ الدنيا سعادة ، أسقط فأراها تحتي تسقط و موسيقى ثرة تنبعث من ضحكاتها فتذيبني ……….
أغمضت عيني أتذكر تينك العينين اللتين كنت أضيع بسحرهما في طبقات السماء ” ص61 ،62 ، 63
هنا يقترن الحلم بالحقيقة بالأمل بتأثير غيبوبة الخمر و المتاهة التي تجتاح السارد ” سي الشرقي ” ، بتجليات هذه الفاتنة / الساحرة التي اختلط واقع وجودها مع تيمة الحلم التي حقق فيها السارد جل أمانيه ، و عانق فيها الحلم كمعالج للوصل المفقود ، ليعبر به عن كل ما يعتمل في ذاته المغتربة عن ذاته نفسه ، و عن الحياة المتمثلة في شخص رقية التي ارتقت كما قلنا لتشغل درجة أخرى من درجات سموها و إدراكها لمعنى جديد من معانيها و تجل جديد من تجلياتها .
” سحبتني وراءها و هي تمسكني من يدي بقبضة رخية ، لكني أفلتُّ منها ، كان جلوسها قربي قد وتَّرني رغما عني ، ارتديت سروالي ، لحقتها على مهل إلى المطبخ ، كانت تنتظر و خصلة شعر سوداء تنسدل على جبينها المشع . ” ص67
لتكشف هذه المقابلة المعدة مع سبق الإصرار من السيدة عن تطور جديد للعلاقة بما يعد بمثابة الصاعقة التي تزلزل شخصية الشرقي ، في حين تجمع أطرافها الثلاثة ( الشرقي ، الحبيب ، رقية ) كعنصر من عناصر موت الأمل في معانقة رقية / الحلم / الرمز للحياة و العشق ، بصدها لرغباته و مشاعره الفوَّارة ؛ بتعلقها الشديد و عشقها المفرط لـ سي الحبيب ، و ما يرمز إليه في ضمير النص ؛ كعنصر من عناصر السياسة / الأيديولوجيا ، التي تمس أعطاف النص ، و تمسك بجوهره بأغلال من حديد ، ربما لا تكون ماثلة للعيان .
” .. و إذ فتحت الباب و دعوته للدخول لاحظت استغرابا ثقيلا في عينيه ، المرة الأولى التي يجمعنا المكان مع شابة تحت سقف واحد ،توقف يجول بنظره بيني و بين هالة الشمس في الشقة و المائدة و الشموع ” ص 73
يشير النص هنا إلى هذا الوجود المذكي لنار الاغتراب و الوحدة في نفس السارد ، و الذي تدفعه فعاليات اللقاء الذي يؤثر إلى حد كبير في مجريات السرد و التحول الجارف ( العملي ) في نظرة رقية لـ سي الحبيب على نحو من الالتصاق و التماهي ، كرمز للالتحام بين رمز الحياة في شخصية رقية ، و رمز السياسي المناضل في شخص الحبيب ، و ما بينهما يقع الراوي المغترب ، العاشق / الشرقي حائرا محبا ، و مؤثرا لمثله الأعلى أو عرابه في هذه الأرض / الوطن البديل ، باعتبار ما سوف يكون .
” جلست قبالته ، و عيناها هائمتان بوجهه ترفضان مغادرة تقاطيعه ، أصبحت بعد ثوان من مجيئه جزءا منه ، كأنها عطره الذي ينفذ إلى خياشيمي ، سألته :
ـ ما رأيك سي الحبيب بالحب ؟ ” ص75 ، 76
بما يلقي برياح اليأس التي تجتاح الراوي ، و تدفع به في مواجهة مع الحبيب ، الحبيب إلى قلبه ، و الذي يحقق له هو بمواقفه السياسية ، ما لم يتحقق له على ارض واقعه ، و لا أرض اغترابه ، فهو الحائر بين هذا الحب ، و عشقه للحياة من خلال شخصية رقية .
لكن علامات التواصل التي يعطيها النص للعلاقة بين شخصيتي “رقية” ، و “الحبيب” ، تتجسد على نحو من عدم الاكتمال و التوتر ، الذي يتوازى مع التوتر الذي تنطبع به العلاقة بين شخصيتي “رقية” و “الشرقي” ، لكنه يختلف في طبيعة العلاقة العكسية بينهما من حيث السمة الطاردة للتفاهم و الانسجام بينهما ، و بما يطرح رؤية النص التي تصب في اتجاه العلاقات المنقوصة ، تماما كما في العلاقات الجنسية غير المكتملة ـ سواء بفعل العجز أو فعل التمنع أو فعل النكوص الذي تفرضه الحالة النفسية ، الأقرب إلى جلد الذات منها إلى الضعف ـ التي يتعرض لها ” الشرقي ” في كل نزواته مع النماذج النسائية ، غير المكتملة أيضا .
” ثم سدت الطريق متكئة على الباب بحركة رشيقة فاتنة :
ـ لن أدعك تخرج .. اسهر معنا و لا تشرب .
ـ لا أستطيع .
ـ إذن لنسهر عندك .
فقطع عليها الطريق :
ـ أنام مبكرا .
فلمعت عيناها بتحد ساحر :
ـ أتخاف مني؟
مد يده إلى أكرة الباب ، فوضعت يدها على يده و ضغطت عليها برفق ، فحدجها بنظرة جزعة يمتزج فيها توقع و استلطاف .. هتف :
ـ لم يبق شيء في الوجود أخاف منه . ” ص80
بما يشي بهذه القدرة الممتنعة عن التأثر لدى شخصية ” الحبيب ” الصلدة التي لا تتجه كلية إلى الحياة بمعناها الفطري في شكل من أشكال المرأة في شخص ” رقية ” ، و إنما إلى سماتها المتجهة نحو معالجة إشكاليات الحياة ذاتها ، بمقاومة تداعيات و إشكاليات الوجود بها .
إلا أن قدرة الشرقي على فعل المقاومة تأتي في شأن عشقه للحياة في صورة رقية ، التي تراوغه رغم حصاره لها ـ المنبثق من حصار قوتها لمشاعره ـ بطريقة الشد و الجذب ، و المماحكة التي غالبا لا تؤتي ثمارها الشهية :
” ـ ماذا تنتظر إذن ؟ .. التحصل علىّ ؟
لم أشعر بالاستفزاز من جديد .. و بالرغم من أنها كانت تقرأ ما بداخلي ، سؤالها خطاف ملاكم عريق ، لكن أين الألم و الاستفزاز ؟ ..
اعترفتُ .. و بدا اعترافي نغمة نشاز في قطعة متكاملة .
ـ و ماذا بعد ؟ ” ص 90
يلعب النص على هذا الوتر المشدود ، الذي ما يلبث أن يرخيه ، حتى يشده بارتفاعه بذروة العلاقة بين ” الشرقي ” ، و ” رقية ” ، و التي ربما ارتقت لتسمو بعشقها لـ ” الحبيب ” ، ثم عادت لتهبط من عل في علاقات إغوائها للآخرين ، إمعانا في ساديتها تجاه ” الشرقي” ، الذي وقع في شباكها ، فريسة مكتملة ، بتدلهه السافر .
” فانفجرت تقهقه :
ـ قبل أن أجلس قربك سأوقعه بغرامي ( الشاب الفرنسي ).
كان عبثها قاسيا ، و لكني آنذاك لم أشعر بالاستفزاز ( ! ) أيضا ، كنت كمن يراقب طفلة حلوة تتظاهر بأنها تتقن الكثير من الألعاب الخطرة ” ص 91 ، 91
هنا تدار العلاقة بينهما على نحو من التدني الذي يهبط كثيرا بمعدلات صعود الشخصية و تمكنها من التثبت مع السياق الدرامي للنص ، إمعانا في التخاذل ، المفضي في قراره إلى إمعان جديد في ” المازوخية ” التي يمارسها ” الشرقي ” تجاه ذاته ، التي لا تحتمل المزيد من التراخي و الخمول الظاهري ، غير المتسق مع ما يمور بداخله من ثورة عارمة !!
** ( نلاحظ هنا هذا التوازي المعنوي بين ثورة “الحبيب” المناهضة لقوانين الحياة/ السلطة ، و هي ثورة ظاهرية صرفة تتسق مع الثورة الداخلية الذاتية ، و بين ثورة “الشرقي” الباطنة غير المتسقة مع ظاهره ، و كل هذا من خلال العلاقة مع / ضد الحياة )
” ارم اللثام .. إنه يشوه وجهك .
ضحكت :
ـ أين الغيرة إذن ؟ ” ص 94
تلعب دلالة الحجب هنا دورا هاما في سياق النص ، و الذي يظهر أيضا تعارضا شديدا بين ظاهر المرأة و باطنها ، و ازدواجية تعاملها مع الأنماط و المواقف المختلفة ، من حيث لكل مقام لديها ، طقس من الطقوس ، و شكل من الأشكال التي تتلون بها كساحرة ، بمفهوم راوي النص / الشاهد على تداعياته قبل تداعيات الآخرين .
***
ترتبط شخصية رقية ، فيما ترتبط بإشكالية الجنس أيضا ، كمعول عليه في استمرار الحياة ، ممارسة للوجود أو البقاء ، على حد سواء ، فالإيحاءات التي يقدمها السارد / الشرقي تحمل فيما تحمل هذا النزق الذي يذهب بالعلاقة بينه و بين رقية إلى شطوط بعيدة من المتعة غير المكتملة أيضا من الإيحاءات الجنسية ، التي ترتبط بحدود ..
” ………………….. فاستغللت وجود رقية قربي ، اتكأت على كتفها ، متوسدا لدونة جسدها البض ، متخيلا تقاطيع هذا الجسد كأنها لم تكن ترتدي الجلابة ، و رفعت يدها إلى فمي و أخذت أقبلها فلم تمانع و لم تشجعني على المزيد في الوقت ذاته ، فجعلني ذلك أستصعب إبعاد تفكيري عنها ، فرحت في إغفاءة عميقة جدا لم أدر ماذا حدث بعدها . ” ص 111 ، 112
هنا أيضا يرتبط الحس ( الجنسي ) بالحس الغيبوبي الذي يطرح أبعاده على سطح النص ، كلما اقتربت دلالات التشظي التي يطلقها فعل الجنس و الخمر ( المرتبطين ) بالعجز و الهرب من الواقع المزري الذي تنسحب إليه الشخصيات المرتبطة بالنص من قريب أو بعيد ، في فعاليات تشظيها . في حين يكتمل للآخرين متعة الحس الجنسي المتفاعل ، ربما لخلوهم من إشكاليات قد تشغل السارد ، و ربما اتساقا مع واقعهم المستند إلى أرض وطن ، يفتقد السارد الحس بها ؛ لتربطهما أيضا دلالات الاغتراب مع دلالات الغيبوبة / الحالة الغيبوبية التي يعيشها الشرقي في بداية كل سياق / غمرة الفعل الجنسي المبتور سواء كان بالالتحام أو بالإيحاء بذلك .
” ……كان البقالي يجلس على الكرة ووجهه إلى البحر، يلقي محاضرة جادة على الفتيات الثلاث، من إشارات يديه أحسست أنه يشرح لهن لعبة يودون لعبها، هتفت غير مرة، فاستيقظت الفرنسية التي تستلقي تحت الزنجي، حدجتني بنظرة غضب، ثم عادت إلى أحلامها الدافئة “ص 139
لكن الحس بأهمية الجنس لدى السارد ، ينمو رغم العجز / عدم التواصل، محققا معدلات من الرغبة ينمو ثم يعود ليخفت حتى انمحاء الأثر كليةً ؛ لتأثير رقية العكسي ، و الذي لا يكفل له حتى حق التنفيث عن تلك الرغبات حتى المتاحة منها دون عناء ، و دون مقابل منه ، و الذي في غمرة تدفق هذه الفرص يلوح له الأمر كما في قوله الكاشف :
” آنذاك تخرج رقية تملأ الدنيا .. صوتها ، حركاتها ، غناؤها .. نزواتها .. كل شيء يبدو أول الأمر نقطة صغيرة ثم تتسع و تتسع حتى تصبح كل شيء .. لماذا أحس بالخدر اللذيذ يسري في أعماقي و يشدني نحو المجهول ؟ .. لماذا أضطرب و أفقد رشدي و إحساسي ؟ .. لماذا لا أندم على تضييعي هذه الفرص التي ما حلمت يوما بتدفقها علىَّ منذ أن رأيت رقية ؟ ” ص143
بهذا التغلغل في نفسية السارد / الشرقي المعذبة المؤرقة ، ترتقي شخصية رقية إلى نموذج آخر من نماذجها المتنوعة ، و الضاربة في عمق الواقع بسحريته الفاتنة الدالة على اتساع الرؤية التي تسعى الرواية / السارد إلى تقديمها ..
كما يرتبط أيضا هذا التجلي الذي تحدثه رقية في المشهد السردي ، و الذي يرتبط هنا بمستوى جديد من مستويات غيابها الحاضر ، المتمادي في تأثيره في شخصية الشرقي الغارقة في العشق ،و المازوخية ؛ بحثا عن حقيقة وجود هذه المرأة الرمز.. يرتبط أيضا بفعل الغفوة التي تحدث للسارد ، كجزء من الغيبوبة التي يطلقها حضور بدايات الحس الجنسي ، بحضور آخر يقترب من جو صوفي ، في شأن الوجد و التدله و الارتقاء إلى عالم آخر بديل ، قد يستعيض به السارد عن ممارسة غير ممكنة التحقيق .
” لابد أنني غفوت ، أحسست بيد حانية تغطي صدري بمنشفة صفراء .. كم طالت الغفوة ؟ .. لا أدري . زال التعب ، وتلاشى الصداع .. عدت إلى أحلامي لكن بتصورات غير مصحوبة بخدر أو نشوة . هرب النوم ” ص144
هكذا تصير الأمور على وتيرة من الاختلاط بين معان كثيرة تتركز في الولوج إلى هذا العالم البديل ، الذي تتجسد فيه المرأة /رقية على نحو من السحر و الألق ، و لا يخرج السارد منه إلا اللمسة و إن كانت حانية إلا أنها من يد أخرى غير يد “رقية” التي يكسبها السرد براعة البلسم في انتزاع آلام الشرقي رغم تمنعها ، كما ترتقي به أعلى درجات الحس الجنسي، و إن كان باستعاضة الحلم بديلا عن الواقع المؤرق حتى في أشد حالات الشبق و الرغبة ، كما في مواضع أخرى :
” لماذا أحس بالسعادة حتى عندما تتدخل في شؤوني و تقتحم علىّ خلوتي ؟ .. الله .. كم أنا سعيد! .. و بخاصة و أنا أتتبع هائما صوتها .. بقوته و ضعفه ! .. ” ص 149
” ضحكت من جديد ، فتحت زرين فقط من أزرار الملابس العليا فرأيت وسطهما حمالة الثدي و قميصا داخليا . كلاهما سماوي فاتح .
ـ لقد دفعت لك الثمن .. أو تريد أن ترى القطعة الثالثة ؟
أخذت تحكم الأزرار و هي تبتسم ، و تأوهت ، هززت رأسي :
ـ هذا يكفي .
فقهقهت :
ـ تكذب .. لن يكفيك هذا ..
ـ خطوة أولى .. لي نفس طويل
ـ لن تحصل على شيء حقيقي ..
ثم دارت دورة في الهواء ، بعد أن أكملت تعديل ملابسها ، فحركت هواء الغرفة بحيث انسكب عطرها في أنفي كله . ” ص154،155
بتلك الأثيرية التي تميز فعل الحركة المتوثب ، و المتسرب من بين يدي السارد / الشرقي ، التي تطلقها رقية في فضاء النص ، و فضاء نفسية السارد في نفس الآن، تصل هنا العلاقة الجسدية المرتجاة إلى طريق مسدود ، تتجلى فيه استحالة التلاقي الجسدي أو الالتحام الذي يكفل للسارد / الشرقي التواصل و العيش في كنف الحياة في أرض الغربة، بما يدفع الأمر في اتجاه كون العلاقة ترتقي إلى مستوى جديد آخر ، تمثل فيه المرأة / رقية بمستوى أعلى من التأويل ، قد يصل إلى كونها وطن من لا وطن له ( السارد ) ، وطن يأبى أن يلقمه حنانه و هو المغترب الذي لا يقر له جفن .
هنا تبدو الدلالة الجنسية ملتصقة بمفهوم الاندماج و الاختلاط الباغي غرس جذوره في أرض وطن بديل ، لا يخطط في سبيل الاستغناء عنه أو استبداله ، بل تملك عليه ، حتى حالات ضعفه و اعتواره ، و وقوعه مصابا على أثر خيبة أمله فيها ، على الدرج الذي يسقط عليه النص دلالة الهبوط و السقوط ، و الوقوع في أسر الإصابة ، و التي حتى في أسرها ، لم يستطع الانفلات من أسر رقية ، التي يستدعيها في بوحه ، خارج الإطار الذي كان يؤطر علاقتهما معا ، و من خلال احتباسه في أسر المستشفى ، منتظرا قدومها المستحيل لرؤيته :
” كنت أرى ملامح رقية في كل وجه يمر أمامي ، سواء أكان ذلك الوجه جميلا ، أم قبيحا ، ملتمسا جمالها بنسب معينة مختلفة ، كان جمالها استثنائيا ، و ربما كانت هي نفسها حالة استثنائية ، و إن كانت ملامح الناس ترتبط بنسخ متكررة تقل عن الأصل أو تقترب منه حسنا و فتنة فذلك لأنها إنسانة فقط ، و لولا تلك الرابطة لاعتقدت أنها حلم لا أكثر و لا أقل . ” ص161
هنا يؤكد السارد على هذه الأثيرية المختلطة بالحلم ، و التي تضع هذه الشخصية الفاتنة موضعا يزيد هنا بهاءً و ارتقاءً إلى النموذج الأعلى للمرأة و أنماط تحولها على مدار النص ، فكل شخصية نسائية التزمت بسلوكها و كان مدار تحققها في ثبات انفعالاتها سواء في دونيتها أو تعففها ، إلا هذا النموذج / رقية ، الأقرب إلى التمحور و التحول و التشكل لتأخذ هذه الأشكال المتباينة و المتمايزة لمستويات تأويلها ، حتى تصل إلى هذا المستوى الذي يجعلها لا تقارن بامرأة أخرى ،كنموذج للمرأة / الوطن ؛ تحقيقا لهذه الرؤية التي تطرحها فعاليات النص .
***
تلوح شخصية ” سي إدريس ” في فضاء الرواية؛ لتمثل الجانب المادي أو الطبقة التي أتت من الحضيض إلى القمة بسبب تحصلها المفاجئ و المباغت على المال، و صعودها إلى قمة المجتمع بالتالي، على الرغم من دخولها المبهم في حلبة الصراع السردي لتحقق توازنا دراميا بين الشخصيات الرئيسة بالرواية ، حيث تربطه بـ الحبيب علاقة قد تبدو في تلك الهيئة التي يرويها السارد ، قائلا :
” و أخذت عينا الشاب الذي طغت فرحته بلقاء سي الحبيب تدمعان فلم يستطع إيقاف شريط الترحيب و السؤال و يمناه تلاعب ظرفا جلديا لمفتاح السيارة مع مفاتيح أخرى بقوة و ضعف يتوازيان مع ألفاظه التي تتدفق من فيه ، مضيفا امتيازا كبيرا على تلك الحركة التي تنبئ باعتزاز كبير لملكية مقدسة .
………..
ـ نعم لقد نجحت .. و البركة فيك .. لا أنسى فضلك ” ص181
تبدو سمات العلاقة بين الوافد ” سي إدريس “، و “الحبيب” على نحو من التقديس و الإجلال ، لتبين سابق الفضل ، ليكشف السرد عن تجليات العلاقة بينهما كعلاقة بين السلطة و الجاه ، المتمثل في غنى الشاب و صعوده و قدرته على إحداث التحول في شخصيته لتبدو على النقيض من الحال السابقة كما يبين السرد .
” .. ثم نظر بتمكن حوله ، فأحسست أنه لا يزال يعيش لحظة نجاح فائق جعله يتصور نفسه مركز العالم . فرك يده محدثا صوتا خشنا غير متوقع من شخص على مثل هذه الدرجة من الأناقة ، ثم أدار نظره بحركة لولبية شملت كل شيء أيضا ، و لكن بتحد و كبرياء غطت على الصورة القديمة ” ص182
تلتقي شخصيتا ” الشرقي” ، و “إدريس ” على شرف المقامرة التي يحيل السارد / النص دلالاتها على العلاقة / الحالة الجديدة التي تطلقها زفرات أسى الشرقي ، لفقدانه أي أمل في معانقة هذا الرمز/ رقية التي لا تهدأ العواصف التي يثيرها وجودها الفاتن ، و أطيافها الساحرة القاتلة.
” لم يبق سوى الكازينو . فرزت ما يسدد ديوني و أخذت باقي الراتب .. توجهت في الشارع العريض المؤرج برائحة ملكة الليل النفاذ .. عندما خف عبء الليل .. خفت وطأته .. وجدت ما يثير اهتمامي بعد أن ضاعت رقية هذا اليوم ، و لكن ماذا سأفعل في الغد ؟ .. و اليوم الذي بعده ؟ .. و لماذا أبحث عن السعادة ؟ ” ص 188
تتوالى التساؤلات المرة عن الجدوى و اللا جدوى من السارد بحس المنسحق المهزوم لتأكده من ضياع فرصته الحياة / الانتماء إلى وطن بديل ، المتمثلة في انعدام أمله في رقية / الوطن ، لتتجه كلية ( شعوريا و جسديا ) نحو رمز النضال المتمثل في شخص الحبيب ، و إن كان حِبَّا له يؤثره على نفسه ، و يجله أيما إجلال .!!
لتفرض العلاقة بين الثلاثي ( الشرقي ، رقية ، الحبيب ) جدلية وجودها الفاعل على سطح النص المتوتر و المتأزم بدخول هذه الشخصية الرابعة ، والغامضة المتمثلة في سي إدريس ، الذي يجمعه بالسارد ، صالة القمار ، و تؤلف بينهما على نحو من القدرية و العفوية :
” فوجئت بالرجل الذي يحدق في المحيط يصافحني بحرارة :
ـ ماذا تفعل هنا ؟
ـ سي إدريس .. و أنت ماذا تفعل هنا ؟
عادت الابتسامة الدبقة . لم أتضايق منها هذه المرة ، بل على العكس أحسست ببهجة عميقة ، فمنذ ترددي على الكازينو . هذه أول مرة أجد فيها شخصا أعرفه و أتحدث معه . تفاءلت . أخذت ألعب بهدوء من دون اكتراث و أنا أثرثر معه ” ص 191
يأتي فعل المقامرة هنا متوازيا مع فعل التآلف الطارئ / القدري الذي يحدث بينهما ، كنوع من المقامرة أيضا ، رغم النفور و الاختلاف من جهة ، و من جهة أخرى موازيا و دالا على المقامرة على الحياة نفسها ، و التي يتفق فيها كل من الشخصيتين اللتين تقامر كل منهما من زاويتها الخاصة .
كما يأتي هذا الفعل / السلوك راصدا لملامح القلق و الاضطراب التي تتملك الشخصيتين ، مع وجود هاجس التعويض المادي ، و إن اختلفت نسبه و توجهاته من أحدهما للآخر ، حيث القمار إلى جانب الخمر ، و المحاولات المبتسرة للوصل إلى الجنس الكامل ، هي ما يتوالى على حياة الشرقي على أرض اغترابه ، التي لا تني تحصره في زوايا لا يحق للمغتربين ارتياد غيرها ، في اتجاه قسري تحكم به الأمور في هذا المنفى / أرض الاغتراب على نحو من العسف المتواري خلف قوانين الغربة التي تفرض نفسها على الأجواء .
لتقوم بينهما هذه العلاقة الجدلية المثيرة للدهشة ، و التي تتبدى من خلال المشهدية و الحوار الدال :
” كانت سيارته الأمريكية الفارهة و المكيفة ذات لونين أصفر ذهبي مع قهوائي بلون الشيكولاتة ، و بحركة بارعة ( ظهر و كأنه قضى مدة كي يتقنها ) ، أدار المحرك :
ـ لقد فقدت الحياة معناها عندي .. حققت كل ما أصبو إليه ..
ضحكت غير مصدق ، و استمر كأنه يقرأ ذكريات مؤثرة :
ـ لا أعرف لماذا ألعب .. النقود لا تثيرني ..
ـ لكنك قلت إن خسارة الآخرين تثيرك ..
ـ نعم .. و أخشى أن أشبع منها .. ربما ستكون إثارتي في المستقبل توقع الغيب .. إثارة التوقع هذه بدأت تتمكن مني . إنني الآن أستطيع أن أفعل أي شيء أو لا شيء ” ص 195
من هنا تتبدى سمات الشخصية التي يتميز بها شخص ” سي إدريس ” كمعول عليه في إبراز العلاقة بين المال و الحياة و التحول من المقامرة على الحياة إلى المقامرة بها على من دونه ، بحيث تصعد فلسفته في الحياة مرتفعا شديد الوعورة ، و يبدو هو شديد الدهاء في حياكة الأمور بنظرة المتعالي المتجبر بديلا عن نقيضها في ماضيه المتدني دون سلطة المال القادرة على تحويل أي شيء و فعل أي شيء ، لدرجة تطلعه المريض للتوقع ، كاختراقه لقدرية الأمور و صيرورتها غير القابلة للتأويل القائم على العنجهية و الغرور ، و اللذين صارا من سمات الشخصية المتصارعة بالحياة ، و معادلها المادي المتمثل في سلطة المال ، و المقامرة الخاسرة على حياته التي ضاعت في نزوة طائشة رغم عجزه الجنسي و المتأصل في سمات شخصيته التي تتوارى خلف قوتها المادية الملوثة المصدر !!
***
كذلك يربط النص في هذه العلاقة الناشئة بين “سي الشرقي” و “سي إدريس” ، مع ازدواجية (الخمر و المقامرة) ، حيث يلعب النص على عملية التقابل بين الشخصيتين ، حيث تتوفر هذه العلاقة على العديد من المفردات التي تطرح التساؤلات الشائكة حول مآل هذه العلاقة التي نمت في بار( خمارة ) ، و ترعرعت في جو أشبه بجو الملهاة التي تفرض الوجود بصورة شبه هزيلة ، لكنها قد تنتهي بمأساة ! ، و هو ما يخبئه النص في ثناياه ، حيث تتطلع سلطة المال و الجاه ـ ناهيك عن مصدرها الملوث أو المجهول ـ إلى اغتصاب معنى الحياة في رمز المرأة / رقية ، و التي باتت تمثل بالنسبة للـ شرقي وطن مغتصب ربما توازى في الدلالة مع دلالة مع وطنه الأصلي المبعد عنه ، و الذي لا يشعر به .
” كان الاختلاف بيننا كبيرا جدا ، تجاربه سوَّدت دنياه ، لم يتيسر لي المرور بمثلها ، تجارب صعبة عميقة ، أفقدته إيمانه بكل شيء . استقبلتنا الإعلانات في مدخل الرباط بألوانها البراقة المشعة ، و كان امتيازنا قد أصبح فاقد المفعول ، فأصبحت سيارتنا الضخمة واحدة في قافلة كبيرة تتجمع و تنفرط اعتباطا . ردد و هو يتذكر رقية :
ـ يا لها من جمال ساحر .. لم أسمع صوتا أجمل من صوتها حتى في ألمانيا .. لكنها امرأة مع الأسف .
………….
اعترف ببرودة :
ـ لم أهتم بالسياسة حتى عندما كنت مع سي الحبيب .. لكن كيف أشرح لك الأمر ؟ .. خذ الجنس الشفهي .. ” ص212
يطرح النص هنا إشارات العجز الجنسي التي يعاني منها سي إدريس ، في مفارقة جديدة من مفارقات الرواية التي صعدت منحنى دراميا وصولا إلى الحادث الذي يتردى فيه “سي إدريس” قتيلا ، على يد “سي قب” الشخصية قليلة الشأن و القيمة ، و المهملة بالنص ، و التي تمسك بزمام العدالة ، والخادم الأمين لـ ” سي الحبيب ” ، بعدما تآمرت سلطة المال المتمثلة في “سي إدريس” ، على إبعاد عناصر الحماية للمرأة ” رقية ” ، المتمثلة في رمز العاشق ” سي الشرقي ” ، و من أحبت الاقتران به ” سي الحبيب ” لينفرد بها ، و يأتي تدخل قب لحسم الأمر .. إلا أن المقدمات التي مهدت للحدث ، كانت حدسا تنامى في وعي السارد ، حاول به تأويل الأمور على قدر من التأرجح بين الخطأ و الصواب ، و الارتباك بين النتائج المطروحة .
” ” الأسد لا يستطيع أن يواجه ثلاثة جواميس برية إلا إذا استفردها واحدة فواحدة ” القادري خلَّصه مني ، و تخلص من سي الحبيب ببرقية كاذبة عن مرض أمه . بقيت وحدها . استفردها . أوقعها . ” ص243
لكن الحدس الذي يتماشى مع عقلية السرد لا يسمح إلا بما أتت به المفاجأة التي تولدت مع الصراخ الذي أطلقته لرقية ليشتعل الشك ( الأبله ) في كونها قد صرعت ، بلا مبالاة ربما لا تتسق مع سياق الحادث ، الذي من المفترض أن الصريعة فيه الحبيبة و المعشوقة !!
” و حاولت أن أعاود النوم من جديد ، لكن إرادتي قطعتها ضربات شديدات على بابي ، ثم أصوات أقدام راكضة . لا ليس ذلك بحلم . لقد حدث ما كنت أتوقعه ، و تراقص أمامي سي صابر:
” قب .. أغبى إنسان رأيته في حياتي ” .. و رددت دون وعي : ” يا له من غبي ! .. اقتلها في مثل هذه الساعة ؟ ” ص 252
بذهاب عاصفة “سي إدريس” الذي تكشف التداعيات هذا العجز الجنسي الذي يعتريه ، و تسقطه على الواقع العام .. يتجه النص إلى منحنى جديد من منحنياته الصعبة ، حيث النهاية التي تنقلب فيها النتائج رأسا على عقب
” كبت أسئلة تجيش في صدري . تجاوزتها حيث الظلام
ـ بحثت عن المستحيل حتى وجدته .
تهدج صوتها ، بدأت تنتحب ، تضرعت :
ـ أجبني ..
كان صوتها أقوى من إرادتي ، خشيت أن أفقد مقاومتي . هززت رأسي :
ـ كمن قلبا لك أيتها الأفعى ؟
…………
انفجرت تبكي :
ـ أنت تظلمني .. ألم تعرف حقيقته ؟ ..
مططت شفتي مقلدا إياها بسخرية مريرة .
ـ و ما الحقيقة ؟
ـ إنه عنين ..” ص 270،271
إلا أن النهاية المحتومة لكل تلك العلاقات تأتي بما لا تشتهي المرأة التي تخلت عن أفعوانيتها أو تظاهرت بذلك ، ليضع الراوي نهاية لسرده / معاناته المريرة مع كل تلك الصور التى توالت على عقله المجهد ، و التحولات الساحرة التي مست جوهره و هزته هزا في إحالة إلى الإنسان بصفة عمومية إنسانيته ، في علاقته مع رموز الحياة و القرار ، حيث معنى الوطن الذي يتحور مع تحورات الكيان المحتوي لكل العلاقات أو المرأة / رقية التي لا ترتقي أبدا إلا إلى ما يروي ظمأ تعطشها إلى الاستعباد كما يقول في مختتم سرده :
” كنت أخشى أن أتداعى أنا الآخر أمام مغريات و عوالم لا تغيب عنها الشمس ، لأني كنت أعرف القليل عن نفسي! ، و من هذا القليل أعرف نقطة ضعف كبيرة ـ عبودية اللذة ـ و كان ارتباطي بها لا يعني سوى فقدان حريتي ..
ذبنا نقاشا و ميوعة و تداعيا و شرابا ، كم مضى علينا ؟ .. ماذا فعلنا ؟
كان هناك ضباب و سعادة يهومها الخيال ، لكني أصررت ـ و في حالة لا شك فيها من الثمالة شديدة ـ أن تكون أخر ليلة لنا معا ” ص272
هنا مع النهاية أيضا يرتبط الحس الغيبوبي الغارق في العشق ، بنوع آخر من الإصرار على التمسك بالانفلات من أسر التجربة ، تجربة معايشة وطن متنقل ، يريد التحول إلى وطن ثابت تقر به عين المعشوقة التي تحولت إلى رمز للسكينة ، و الود و الأريحية ، لكنها لا تتناسب بأي حال من الأحوال مع طباع الباحث عن وطن بديل ، و إن كان هذا الوطن حضن امرأة تحركه نحوها اللذة ، لكنه لا يجبره على الرضوخ لقوانين غريبة عما يتأصل بداخله ، فيأتي الرفض السافر ، دالا على الإصرار على جلد الذات المتجذر في ذات السارد ، المرتبط بذاك الحس المأساوي لغيبوبية الاغتراب بمعنييها الحسي و المادي على حد السواء .
تغلف الرواية تقنيات سردية تتناغم مع لغة سرد شفيفة أحيانا ، دالة غالبا ، و محملة برموزها الخاصة و الملتفة في أغلب الأحوال في جمل مخملية تعانق اللغة الشاعرة ، و تحلق مغردة في فضاءات النفس و الشعور .. و تتجلى سماتها في المواطن التي تستبطن لواعج الذات المطروحة على العام .
فهل ما زالت أرض اغتراب السارد ، الجنة التي يحسده عليها آدم ؟ ! .. و هل مازالت ثمار تلك الجنة هي رمز المرأة التي قد تتحول في بعض أحوال إلى حضن وطن ؟!!

محمد عطية محمود
أديب و باحث مصري
الإسكندرية
مجلة العرب اللندنية. جريدة الزمان.
Mohamadattia_2003@yahoo.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمود سعيد الطائي .. روائي عراقي مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية .

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s