Bin Barka Evaluation:20

قراءة في الروية والمكان.
الزقاق.
“زنقة بن بركة.”
محمد الجزائري.
يدخل الزقاق في البنية الدلالية للمكان في عديد من الروايات العربية. والأشهر، قراءة تأويلية. وفق التدرج الكلاسيكي – الواقعي. تقف رواية: زقاق المدق، لنجيب محفوظ علامة مضيئة للمكان الأليف الذي يتنامى فيه البشر، ويتوالد من ذلك، فيض من التشظيات داخل البنية الواحدة، في السياسة والحياة اليومية، ومصائر الشخصيات والصراع، والفلسفة، والأفكار …
وإذ لا تخلو رواية من روايات نجيب محفوظ من “زقاق” يجمع، ثم يبث، فهو مركز استقطاب، وتدفق حيوات، في ذات الوقت، لا تخلو الرواية العربية، عموماً، من ذلك.. من أعمال حنا مينة وجبرا إبراهيم جبرا، إلى عبد الرحمن منيف، إلى غائب طعمة فرمان، إلى فؤاد التكرلي، وإسماعيل فهد إلى عبد الخالق الركابي، وعبد الرحمن مجيد الربيعي، وغازي العبادي، وصنع الله إبراهيم حتى “الخبز الحافي” لمحمد شكري، دائماً ثمة أزقة، ومنعطفات حياتية، ووجودية، تتأسس فيها علاقات، وتكبر وتنمو هموم المواطن في سياق/ أو ضمن نسيج البنية الاجتماعية.
ومن هنا، نقول أن “الشارع العربي” ، كإسقاط سياسي، مكتظ بالحالات الزمكانية، والمصائر، فالأزقة، عرفت النضال السري والعلني، وتدفق الناس منها إلى الشارع، انطوت على محمولات سياسية، كالتظاهرات والتجمعات المناهضة للاستعمار والأنظمة. في صلب أغلب الروايات العربية.
إن محاولة تشكيل “انطباع موحد” عن “الزقاق” – كغرض مرئي- عبر الوصف، لابد لاختيار ذلك، من زمن “التوفر” على أشكال وعلاقات، وتنظيمها بشكل ماهر كي يكون للزقاق، مكانة بصرية ودلالة بنيوية مولدة، في “الآخر” المتلقي.
إن تحقق ذلك، في “نسيج روائي” يعطي للسرد، التذكر، الوصف، المبنى المكاني، قيمة بصرية في المرئي، المتحدث عنه وكأنه “لوحة مصورة” كي يخرج المتلقي من النظر – بعين عادية إلى المشهد- إلى النظر بفهم وتفاعل، لأننا، -هنا- لابد لنا أن نشارك، في التذكر باعتبار الرواية، نص عن ماضٍ سرد عن حدث، وأبنية معمارية مشيدة كمنظور بصري قابل للمس والتحسس.
وإلا فلن نفهم هذا التداخل في مشهد الزقاق – كبنية مولدة لحيوات- ولأن على الرواية – يقول هنري جيمس- أن تنظر إلى نفسها نظرة جادة حتى تحمل الجمهور على إعارتها نظرة مماثلة، – يكون “الزقاق”- مثالاً، هنا للبصري، للمكان المنظور، ولجمالياته في آن.
نقف عند “زنقة بن بركة ” للروائي العراقي محمود سعيد (إصدارات دار الكرمل/ عمان/ ط2-1994) نموذجاً…
والزنقة كما هو معلوم تعني الزقاق، العطفة، الشارع الضيق في الحي: (تهيئ لنا “زنقة بن بركة” مرصداً شرقياً للنظر إلى زقاق مجهول لنا في المغرب العربي، محتشد بشخصيات لم تستطع الأقنعة المحلية أن تخفي قسماته الحادة، والجلابيب أن تحتوي عنف أجسادها..).
وكانت وسيلة الراوي الفعالة في رصيد الموقع واختلاف المواقف أن يستبدل بهويته الشرقية الأصيلة هويات شخصيات مؤقتة راسخة في التراب المغربي، لكنها مغتربة عن واقعها، ومنسلخة عنه فيشاركها سبل المغامرة وجنون الجسد – كما يقول محمد خضير).
لكن هذا المشهد المغربي، من زاوية نظر راصد مشرقي، أعطى للمكان، ألفة خاصة، لم يعد معها، خارج مؤثراته فينا، وقد جلبنا إليه، عبر شدّ سردي جميل، ولغة، ومفاجآت، وعناصر تشويق وحواريات متناغمة وطبيعية الشخصيات، وغرائبية مواقف وصراعات نفوذ وسياسة، بحيث جعل الزقاق “الزنقة” ، البدء والمنتهى، في دائرة الروي…
ويكاد هذا الزقاق يعطينا تصوراً أشمل عن “المحمدية” من ثم عن “المغرب” حيث تجري أحداث الرواية، وتعيش شخصياتها الداخلة إلى مناخ الزقاق، والخارجة منه إلى فضاءات أرحب، أو إلى صراعات أرحب..
والزقاق .. بالرغم من جماليات المكان الذي توفر عليه، عبر وصف السارد العليم/ الراوي. يقدم شخصيات مرسومة برؤية غير طرازية، ولا نمطية… يكتنفها عالم الخوف والحرية، في هذا المزدوج الثنائي المتقابل والمتضاد في آن..
من “رقية” الباحثة عن القمم في حياتها العاصفة إلى “الحبيب” المناضل المحاصر في “المحمدية” الحريص على مثله وقيمه واحترام الناس له، إلى “الشرقي” المقهى في المغرب، الراوي، والذي وجد نفسه في لجة الاحتدام العاطفي، والصراع، والطامح إلى حب “رقي” إلى “سي قب” صوت العدالة الساكت لفترة، حتى يتدخل بعد حين منفذاً “العدالة” – بنفسه – كما يراها، هو، الخ، الخ.
عوالم لا يتماهى البطل فيها، بالمكان، بل يتعايش معه، ويكون شاهداً فيه على أحداثه، ومسهماً في صياغتها، وصناعتها، معاً.
إن الزقاق، هنا، لم يكن كياناً منعزلاً، لقيم ألفة المكان من الداخل، وحتى في حالة اشتقاقه من واقع “الواقعي” إلى واقع ” الفني / المخيل/ المكتوب” في المتن الروائي، يظل يمنحنا مجموعة متكافئة ومتكاملة من الصور، وفي ذلك حقق الروائي غرضه في أن الجمال يمنح إضافات لقيم الواقع، ولصوره وتفاصيل مكانيته، بحيث يبدو “المكان” الفني/ مكان النص/ أليفاً تماماً، كما لو كان الواقع نفسه.
هنا يتجاوز الكاتب المفهوم التسجيلي البسيط للواقع، لإضفاء رؤاه عليه، وبالتالي يحقق للمكانية “الزقاق تحديداً” جمالية أخاذة إلى جانب الخصوصية، والملامح البيئية والوطنية، والسمات التي تؤهله لتحديد جغرافيته، الإنسانية بوضوح، وأقول جغرافيته/ الإنسانية، لأن الكاتب المتمكن من تأصيل خصوصية المكان، في المتن الروائي، بإمكانه أن ينهض به إلى العالمية لا بمفهومها الكوزموبوليتي، الذرائعي السائب، بل بمفهومها الإنساني/ العالمي/ العميق.
إن محمود سعيد لم يزخرف “زنقة بن بركة” الزقاق والرواية/ بالاستعارات والكنايات والمجازات، المبهمة، بل “نقل” تجربة “العين” بأفقها الثقافي، وداخل مختبر كتابة تتميز بمهارة أداء …. إلى حاضنة مكان أليف. إنه خرج من مألوف ملامح الزقاق، إلى لا مألوفه “السري” … وفي كل ذلك، لم يغتصب بعينه، أو بالسرد/ العليم/ حصتنا في المشاركة بقراءة تأويلية للنص. نكتشف من خلال “الزقاق” تلك البنية الدلالية، عالية الإيقاع، حيث يتشيّء الزقاق، تماماً، بناسه وحيواته …

“كنت قبل عام مضى قد عثرت على شقة في عمارة الصيني، ذات الطوابق الثلاثة، كانت أكثر من ملائمة وجميلة ولذيذة، تباركها الشمس بأشعتها الدافئة، في حوالي الثانية عشرة بعد أن يتكسر أذان الظهر متحشرجاً من حنجرة متعبة، ليس بقصي، في القصبة المحاطة بسور من الطابوق المفخور لعبت الأنواء بمتانته وشكله، فأحالته إلى تراب أحمر، يتآكل باستمرار، الأمر الذي دعا مسؤولي الآثار إلى التفكير في صيانته، خوفاً من انهياره، ومن بقاء”باب القصبة” ذلك النصب التاريخي المائل، شاهداً على عظمة بناء غريق مزخرف بنادر نقوش الريازة وحيداً ثابتاً.
كانت عمارة الصيني “المسيو بورجيه” الذي حيرني أول الأمر في تعدد ألقابه، وأصله، تقف على رأس شارع الزهور كما يسميه سي صابر، أو “زنقة بن بركة” كما يسميه القادري، يقسم المدينة الصغيرة إلى قسمين، يبدأ من باحة باب التاريخ، وينتهي بالميناء الحديث وسوق الحوت “السمك” مروراً بأهم وأجمل معالم المدينة: حديقة العشاق، المتنـزه الطبيعي، الكازينو الضخم، فندق ماريمار، حتى إذا اقترب من نهايته قسم المجال في كل الجهات لمعامل النفط – سامير – والتعليب، والطباعة، والمزارع التي لا تنتهي بميناً وشمالاً، لتنتهي المدينة على ضفة بحر صخرية، يطل المرء منها على ارتفاع شاهق، كانت الصخر القاتلة قد أودت بباخرة إسبانية إلى حتفها ليلاً، مهلكة من فيها، غير مبقية على جزء صغير من هيكل صدئ لازال يستحم بموجات المحيط.” “ص5”
بهذا الوصف استكمل الكاتب، جمالية المكان، بدءاً من العمارة، إلى البحر، من الداخل، إلى الفضاء المفتوح، ففي “بداية الشارع تبدأ المدينة الحديثة منشقة عن القصبة القديمة، تزهو بشبابها المتألق يبتسم للمستقبل، بعد أن قطعت أواصر سيطرة الفرنسيين الذين كانوا يحرقون أي مغربي حياً إذا وجدوه يتجول في شوارعها بع الغروب، وتحتضن القادم أول نزوله من حافلات الرباط والدار البيضاء.
أراح قلبي أكثر من أي شيء آخر وجود مقهىً عامرة حيث تنفرط حبات الوقت ضائعة في متاهات متعة فريدة، مذابة في نكهة القهوة الفاخرة السوداء وخيال الماضي والآتي.
بهذا الوصف الدقيق، المتدفق، يقدم لنا محمود سعيد، جمالية المكان ومفاتيح مداخلاته، وكان “الزقاق/ الزنقة” هنا، هو “جذر” المكان الأليف، وساحة تحرك أبطاله.
والزقاق هنا، تماماً كالبيت القديم، هو مكان الألفة، ومركز تكييف الخيال، وعندما نبتعد عنه نظل دائماً نستعيد ذكراه.
المكان الأليف، -الزقاق- كما البيت القديم/ بيت الطفولة- كما يصفه بلاشار “يركز الوجود داخل حدود تمنح الحماية”. أن نعيش لحظاته، من خلال “وحداته” و”عناصره” / التفاصيل … ومن خلال “أحدثه”: الأفعال/ البشرية – الصراعات، حد الاحتدام والاقتتال/ أحياناً … وكأن الكاتب –هنا – يشدد على مقولة “هوسرل” “لا يوجد موضوع دون ذات” .. فالزقاق/ هو “ذات” الحياة، التي يعيشها “أبطال” الرواية، كما يعيشها أبطال الواقع، بفارق الاختزال، والتخيل، والحذف والإضافة، التي يلجأ إليها كاتب ماهر، ليجعل من روايته ، نسقاً حياتياً … تماماً كما فعل جبرا إبراهيم جبرا في “صيادون في شارع ضيق” وفي “شارع الأميرات” الذي وافته المنية دون استكمال كتابته الأخيرة..
ففي مقدمة الرواية/ زنقة بن بركة/ الاستهلال، يقدم فرشة الزقاق، المكان، ألفته، وحيواته.. بدءا من “جغرافية” المكان حيث يقسم المدينة إلى قسمين، إلى تفاصيل مجوداته، باحة/ باب تاريخي/ ميناء حديث/ سوق السمك/ حديقة العشاق/ المتنزه/ الكازينو/ الفندق/ معامل النفط/ التعليب/ الطباعة/ المزارع/ المقهى/ البحر/ فهل أخصب من تفرعات هذا الزقاق ومستويات النظر فيه إلى عوالم المدينة والناس؟
وتماماً، كما حدد “جاستون باشلار” في كتابه الشهير “جماليات المكان” : إن البيت كيان متميز لدراسة ظاهراتية لقيم ألفة المكان من الداخل، على شرط أن ندرسه كوحدة، وبكل تعقيده، وأن نسعى إلى دمج كل قيمه الخاصة بقيمة واحدة أساسية.. وذلك لأن البيت يمدنا بصور متفرقة، وفي الوقت نفسه يمنحنا مجموعة متكاملة من الصور، … يكون “الزقاق” – هو المثابة الصورية والمكانية للبيت، بديله، وشبيهه، ومكمله في آن ..
ولا يكفي اعتبار الزقاق شيئاً – بإمكاننا أن نصدر أحكامنا عليه تكون أحلام اليقظة حوله – إذ لا تقتصر أهميته، على إعطاء وصف له، أو ذكر مختلف أجزائه/ – وحداه – وتبيان وظيفة كل وحدة – أو كيان مكاني- وما يمنحه لنا من إحساس/ راحة، أو عكس ذلك – فالزقاق.. لا يستوجب منا، تجاوز “صفه” الخارجي، بل إيراد الحقائق والانطباعات عنه للوصول إلى “حقيقته” .. والانطباعات عنه للوصول إلى “حقيقته” .. وارتباطه – “بالوظيفة الأساس” لوجوده، حركة دائبة نهاراً / أو ليلاً/ أو سكونه غير الساكن! “سكونه” المجازي هنا، فالشارع لا يمكن أن يكون “ساكناً”، حتى لو تبدى ذلك ظاهراً، عند خلوه من “الحركة” السابلة، أو الباعة، أو .. السكان.. فأنفاس البشر، ومرسومات خطاهم، توجهاتهم نحو.. عوداتهم من .. توقفاتهم، تأملاتهم، استذكاراتهم، ذكرياتهم، أيضاً، وعديد من متوالية أفعال لا تنتهي، يظل “الزقاق” يختزنها في “ذاكرته”، من يوم إلى يوم، من أمس، إلى الغد، ومن الغد إلى ما بعده.. وهكذا، لا تتوقف متوالية الزمن، إلا بإلغاء المكان، وذلك مستحيل، إذ حتى لو ألغي “كياناً” معمارياً، فستظل “صوره” ذاكرة ثانية، تسترجع كل تلك الحيوات.
لذا وفق محمود سعيد، إذ أدخلنا مدخل تفصيل، إلى “زنقة بن بركة” يتجول بنا، ليس في معالم “داخل” الزقاق، حسب، بل معالم “داخل سكانه، أو زائريه.. من الخاص، يبدأ، وينتهي بالعام الأكبر.. حيث يظل “البطل” / الراوي، عاشقاً، مثالياً، ونموذجه المعشوقة – الضحية، مثالاً نادراً للمثالية أيضاً: “لا أقبل ثمرة تضحية لم أقم بها” – هكذا تقول.. الراوي هكذا أحد البطلين الرئيسين، وليس مؤلفاً من الخارج، عراقي عاش في المغرب، وأقام في “زنقة بن بركة” في المحمدية، واستطاع أن يحول تجربته إلى عمل فني موجه إلى قارئ ذوّق يدرك دلالة الاستغراب حين يستحيل إلفة.
هنا “زنقة” – أمسك كاتب مقتدر بحساسيتها، واستخرج منها حياة منظورة، شكلت جمالية مكان أليف.. رغم عدائية الطرف الآخر في الصراع.. وهو دائماً، ثمة الطرف الإيجاب، أو السلب. المهم، المهم، إن محمود سعيد، قدّم في “زنقة بن بركة” مهارة عين وقلم في تصوير المكان/ الزقاق/ حياة لا أخصب ولا أغنى ولا أجمل.
مجلة عمان/ 1996

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s