Bin Barka Evaluation:19

زنقة بن بركة، وبور سعيد في موسوعة أعلام الموصل.
د. عمر الطالب.
أصدر محمود سعيد مجموعة (بور سعيد وقصص أخرى) عام 1957، امتاز أسلوبه بالسلاسة والتعبير الجيد، وصورت قصصه موضوعات مختلفة من الحياة، ولم تقتصر على موضوع معين واحد، فضلاً عن إكتمال تجربته الشعورية ولاسيما في نقل احاسيس البطل في القصة وما يعانيه إلى المتلقي ليشاركه في هذه الأحاسيس والانفعالات، وامتازت قصصه بالتكثيف والتركيز، وضمت المجموعة أربع قصص.
في قصة (بور سعيد) يصادفنا فؤاد والرصاص ينهمر عليه، حيث يقاتل الأعداء من إسرائليين، وإنكليز، وفرنسيين إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، من فوق منزل قديم ويصاب إلا أنه لا يستسلم: “استقر فؤاد على الأرضن شعره لا يزال يقطر دماً، وعلى شفتيه بسمة أمل وطيد (ص14). افكار تتداعى في مخيلة فؤاد ويتصاعد مونولوجيه الداخلي ” الدنيا لا تني تدور. المنطقة، الصحافة، سميرة، أمه، أخته بلا معيل، الفقراء، كل شيء يدور، لزج، يدور إلى ما لانهاية. (ص10) وفي قصة “ليلة القرية” أجاد محمود سعيد في استخدام المونولوج الداخلي وأطرها بأسلوب جميل، “جسمه تعب، ولكنه لا يستطيع أن ينام، الغنمتان الشاردتان، وهذا السارق اللعين، أبو سامي وتبجحه، انتصبت في قرارته صورة تحمل بين أردافها نور ودفئ، الطلقات الأولى تتعالى في القرية، اختلطت بأهازيج النساء، ترانيم جميلة لذيذة. لابس أحسن ما لديه، يسير مختالاً، يودعونه عند الباب، يدخل وفي الفرقة يرى فتاة جميلة. (ص25) لقد لاءم الاسترجاع جو القصة، ومنحها أفقاً جديداً أما قصة (انشودة ودماء) فهي أقرب إلى اللمحات الشعرية. حوار بين شاعر وحمامة، قطعة جميلة فيها معان إنسانية سامية. فيها إنشائية تتسرب وتسيل ويضيق بها الشكل القصصي، ويستعرض القاص حياته في قصة (صانع الحياة) الأحداث فها متلاحقة لا رابط يربطها غير انها نتف من حياة بطل القصة، أسلوبها قريب من الإنشائية الحائلة، والمنسربة إلى الجوانب من دون ضابط، وبناؤها قريب من القصص الشعبي في الليالي. وأسلوبها ضعيف، والأخطاء اللغوية والنحوية كثيرة. “أحبت حضرياً وانهضمت معه، ملأت صدري بزفرة طويلة، إنني لم افكر يوماً ما لا أنا في حالة الوعي، ولا أنا نائم، فيعلو كرشاهما وينخفض، إلا أنني تخزيت. سأكرر أقوال أمي، قدمت لزوجتي هدية غالية مما جعل الأربعين دينارً وما أخذته من فلوس في الاجازة محلقة مع أسراب العصافير: ص 37،39،42،45،47.
ثم انتقل محمود سعيد إلى البصرة، وسافر إلى المغرب العربي، حيث عاش في مدينة (المحمدية) وهي مدينة ساحلية صغيرة يؤمها الأجانب للإستحمام في البحر، وهي مشهورة برمالها الذهبية، وبلاجها ومقاهيها وقلعتها. تنصف المحمدية الطريق بين الدار البيضاء والرباط، حيث استقى روايته (زنقة بن بركة) كتبها عام 1970 ولم ينشرها إلا بعد عشرين سنة من كتابتها في (دار الكرمل للنشر والتوزيع) وقد طبعت مرتين، 1993، 1994 وفازت بجائزة أفضل رواية عراقية عام 1994، وهي مشبعة بأجواء مدينة المحمدية، ويبدو أن الكاتب قد تعمق فيها بحق استطاع تقديم رواية ناجحة زواياها بدقة وأبدع ورسم شخصياتها رسماً دقيقاً وصور الزمكان فضاء بإضافة وجهة النظر إليهما. وقد رقّ أسلوبه وعذب وأدار الحوار بشكل جذاب يناسب الشخصيات، وقد تحدث عن الحياة في قلعة المحمدية: الفقر، والاستغلال، والدعارة، والحشيش، والشهامة، والرجولة، والدفاع عن المستضعفين، فهي صعبة التلخيص لتشعب أحداثها وكثرة شخصياتها، وقد كتبها في أطار الرواية الحديثة وأجاد في وصف الأماكن إجادة كبيرة، فهو يصف المحمدية قائلاً: كنت خالاً أسود في وجه المحمدية المشرق، ساقاً أعجف دون غصون أو جذور أو أوراق، غريباً حقيقيا يحلم بالسعادة والحب في أراضي المجهول، ولم تكن المحمدية سوى ترعة مياهها لا تستقر، لفظت كل معارفي الذين يعملون بالتدريس، وجاءت بآخرين، امتلأت بهم، طراز مختلف، شقر، بيض، حمر، نساء، ورجال من العالم الأبيض الناصع، ذي الشعر الأشقر والعيون الزرق يدخنون (البايب) يرطنون بعشرات اللغات، ويسيرون في الشوارع دون ضوابط أو قيود، حفاة، شبه عراة، يغسلون الرمال الصفر باجسادهم الناصعة، ويأكلون، وهم يمشون، يحتضن كل أنثاه يقبلها، وينام فوقها، ويرقص معها على حافة البحر. كل ذلك موعده الأول من تموز كل عام، أما أنا فقد جرجرت نفسي في الصباح إلى حانوت (الحبيب) لم أكن اتوقع أن عطلتي ستبدأ اليوم كباقي البشر. الصيف أيضاً كان يتمطى، أشعة قوية فوق المباني وأخرى تلتمع بين رقصات أوراق الشجر، وكان السير تحت الأشعة متعباً، والوهج الشديد يعذب العينين، يتكسر على مرمر وزجاج الحوانيت، (ص17)
لا يمكن ان توصف مدينة المحمدية بأجمل من هذا الوصف كما عهدتها في سفرات عديدة طيلة بقائي في المغرب محاضراً في جامعتها، ومناقشاً لطلبة الدراسات العليا فيها، وتدل البداية في الرواية على تمكن القاص من أدواته واكتمالها.
يصف بلاج المحمدية: “بدا المحيط بعد أن اجتزنا سور الأشجار الضخمة التي تحجز البحر عن المدينة منمنة ذات ألوان لا تحصى تتحرك بعشوائية في كل الاتجاهات، بينما بدت المياه خضراء داكنة تميل إلى زرقة لازوردية في اقصى الغرب. كان المستحمون المنبثون على طول بضع كيلومترات قد حجبوا رمال الشاطئ بأساهم مكونين شريطاً متحركاً يحمي الأشجار من تدفق مياه المحيط، وكان النسيم عذباً فاستلقى معظمهم وراحوا في قيلولة بذيذة تحت أشعة الشمس: (ص148).
إنه وصف فني متميز لبلاج المحمدية المشهورة بأشجارها المزهرة حيث يطلق عليها مدينة الزهور تارة، ومدينة الرمال الذهبية تارة ويؤمها السواح من جميع البلاد الأوربية، وهو لا يقتصر على حسن وصف الأماكن فقط، إنما يدير الحوار بأسلوب جميل ومعبر: كل الرجال يحبونني، يخضوعون لي، لكني لم أجد الحب العظيم الذي يجعلني أجثو على ركبتي في سبيل إبقائه والاحتفاظ به، وها قد وجدته في شخص (سي الحبيب).
– لكنه لم يحبك.
– ربما، لكنه إذا أحبّ فسيضحي بكل ما يملك، بروحه، للحب، ألا تراه يضحي بصحته ومستقبله وكاد يعدم لأجل قضية؟
– وطن.
– وطن، أمرأة، ذات الشيء. إنه قادر على التضحية، والتضحية تخلق الحب العظيم، القضية العظيمة، الأمل العظيم.
آنذاك فقط خالط ابتسامتها جدّ آسر، ابتسمت: وأنا؟
– لا تناسبني.
لمست شفتيها الساحرتين، كأنها تهيؤهما للتقبيل: لا تناسبي. صغير على التضحية، فقير، غير فاتن، وسط، ليست عندك سيارة، لست ذا منصب سياسي، لست فناناً.
كل ذلك حقيقي، سكتُ، لم أجبها، صعقة كهربائية شديدة، الألم والغضب، والغيرة تعصف بي، لكني لم أظهر شيئاً، (ص 178- 179)
المقطع هو واحد من المقاطع الكثيرة في الرواية حيث يجمع محمود سعيد بين الحوار الرائع والمونولوج الآخاذ مما يدلل على تطوره في كتابة الرواية عما كان عليه في مجموعته الأولى.
وهو لا يجيد وصف الأماكن والحوارات فقط، وأنما يبدع في السرد: “أسرعت نازلاً الدرج لكني وطأت شيئاً لزجاً، صابونة، قشر بطيخ، موزة، طرت، تدحرجت، سقطت على حافة الدرج الأوسط، العالم يهتز. يترنح، ثم بلمح البصر أصبحت في الأسفل، لم أشعر أول الأمر بأي ألم. ولكن سائلاً دبقاً غشي عينيّ، وضوءاً قوياً أحرقهما، وشلّ رجلي اليسرى، حاولت النهوض، رجلي تصلبت، رأسي كاد ينفجر، جسدي أثقل مما أتحمله، سقطت من جديد، تأوهت بالرغم مني، وصوت الأبواب تفتح وارتفاع صيحات الإغاثة، أعقب ذلك ظلام دامس، وسلام. (ص181) ونحن في انتظار روايته الأخرى وهو في أحد دول الخليج الآن. ترى سيكتب عنها كما فعل في المغرب أم عن بلده العراق؟

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s