Bin Barka Evaluation:18

محمود سعيد في عمله الأول
(زنقة بن بركة)
شكيب كاظم
هذا هو العمل الرّوائي الأوّل الذي يقدّمه الروائي العراقي المُبْهِر محمود سعيد، وربما الأخير، إذ لم أقرأ له غيره، على الرّغم من صدور أكثر من طبعة منه، كانت الأولى الطّبعة الصّادرة في عمان، عن دارالكرمل سنة 1414هـ/ 1993 م، ترى هل سيّضاف محمود سعيد إلى أصحاب الواحدة في التّراث الثقافي العربي؟ وهم الذين انتجوا عملاً إبداعياً واحداً جعلهم على كل لسان، وفي الذاكرة قصيدة ابن زريق البغدادي، في الوَجْد والحب والغربة، يوم لم تكن هناك وسائل الاتصال الحالية والنشر مثل: الجريدة، أو المجلة، أو الكتاب، ترى هل سيكون الروائي محمود سعيد، صنواً للروائي السوداني الرائع الطيب صالح؟ الذي قدّم للقارئ عملاً روائياً مدّوياً مُبهراً هو “موسم الهجرة إلى الشمال” الذي لفت أنظار القراء والنقاد على السواء، وجعل الطيب صالح يتربع كرسياً مكيناً إلى جانب كبار الروائيين العرب، الأمر الذي لم يستطع تجاوزه فنيّاً في أعماله اللاحقة “عرس الزين. ضو البيت. دومة ودحامد. بندر شاه” الأمر الذي دفعه –ربما – إلى السكوت.
أن تقدِّم عملاً مبهراً يشكّل باكورة أعمالك الفنيّة، ثم تجد أنك لا تستطيع التجاوز، تجاوز هذا العمل الإبداعي، فيدفعك الأمر إلى السكوت، ومراجعة الذات، وها هي الأيام تمّر، بل السنوات، دون أن نقرأ عملاً روائياً للطيب صالح يتجاوز” موسم الهجرة إلى الشمال” وها هي السنوات تمرّ-كذلك- دون أن نقرأ رواية ثانية للروائي العراقي الرائع محمود سعيد، مع أننا قرأنا له بعض القصص القصيرة في الآداب اللبنانية، قصته “الجدار” (مجلة الآداب، العدد 7/8. تموز آب 1995) وهنا لا نحن لا نطالبه بالتجاوز، بل مواصلة الإبداع الروائي، فحرام أن تترك موهبة باهرة رائعة، حبيسة الذات.
لقد سمعت الكثير عن رواية “زنقة بن بركة” للروائي والقاص محمود سعيد، ولكني إذ حصلت عليها، بعد لأي، وجدتني أمام عمل روائي ينساب بين أيادي القارئ بهدوء يحاكي خرير المياه العذبة، وهي تشقّ طريقها نحو الجدول والسّواقي تارة، وأخرى تأتي ضاجّة صاخبة تشبه أمواج الأطلسي، إذ تجري أحداث الرواية قريباً منه، وقد عصفت بأمواجه هوج الريح. في الرواية شيء من السياسية غير المقحمة والمفصحة عن ذاتها من خلال السرد، والحوار والممثلة بشخصيّة “سي الحبيب” الشخص الذي نذر نفسه للعمل السياسي والوطني، في حزب القوات الشعبية المغربي. والذي انتهى به الحال، إلى الإصابة بمرض خطير في القلب يمنعه عن بذل أيّ جهد زائد، وبالتالي يمضي بقية العمر قابعاً في مخزن من مخازن تلك المدينة المغربية، التي تجري فيها أحداث روية “زنقة بن بركة” والزنقة هي في لهجة التوانسة والمغاربة تعني الشارع، والأسم يوحي إلى الشخصيّة المغربية “المهدي بن برْكة” الذي اختطفه الجنرال “محمد أو فقير” وزير الداخلية المغربي عام 1965، على الرغم من كونه يعيش منفيأً في باريس، وبالتالي قتله ودفنه في إحدى بقاع الريف الفرنسي، والذي دفعته شهيته إلى الحكم والسلطة إلى تدبير مؤامرة قصر الصخيرات صيف عام 1970، أثناء احتفال الملك المغربي بعيد ميلاده، وأخيراً دبر حادثة إسقاط طائلة الملك الحسن الثاني، أثناء عودته لأرض الوطن في شهر آب من عام 1972، وبذلك كانت نهايته، حيث حوكم وأعدم.
“زنقة بن بركة” الرواية التي كتبها محمود سعيد، والذي استوحى أحداثها يوم ذهب للعمل مدرساً في أحدى مدارس مدينة “المحَمَّدِيَّة”الخاصة بالبنات، رواية فيها نفَسٌ سياسي “كما قلت” وتمسّ السياسية مسّاً خفيفاً غير مقحم ومباشر وإن عنوانها ليوحي بذلك، ثم إظهاره للنموذج السياسيّ -وهكذا يفترض- بمظهر المضحّي والمدافع عن قضايا الناس، والمتفقّد لأحوالهم، أنه لا ينسى زيارة أرملة زميله في العمل السياسي “بياض بن بلا” السيدة “آيت بنبلا” ومحاولة تقديم المساعدة اللازمة لها، إنها تُطلع “سي الحبيب” على أن الدار التي تسكنها تعود إلى البلدية وسيستولون عليها، وأنها غير قادرة على دفع أقساط إيجار الدار، فتراكمت الإستحقاقات حتى بلغت 4500 درهماً، وإنْ لم تدفع الآن، ذهب الأخضر بسعر اليابس، وفُقدَ كل شيء، ولو كان المرحوم “البطل” على قيد الحياة، ولو كانت تقبل أن تتنازل عن ذكراه، فتلتحق بالقبائل الموالية للحكومة، حيث يُحسد أهلها على بحبحبوحة العيش التي يرفلون بها، لما كانت هناك أيّة مشكلة، ص 53 من الرواية.
تكاد شخصية “سي الحبيب” تكون الشخصية المحورية في الرواية، التي تدور حولها كل الشخوص، وذات حضور مؤثر ومحترم، إذ تقع في هواه تلك الفتاة الجميلة اللعوب، التي تخلب الألباب بجمالها والتي تحاول حجب هذا الجمال الصاعق، خلف البراقع، ما إن ترفعه عن ذلك الوجه الجميل، وتسفر عنه، حتى تخرّ له الجبابر ساجدينا، على حد قول الشاعر الجاهلي عمر بن كلثوم!! وإذا يختفي هذا الجمال خلف نقاب. كان الصوت المموسق، الجميل، هو المفصح عن هذا الجمال، حتى إذا اجتمع الإثنان، ذلك الجسد الجميل، مع الصوت العذْب الغنِجِِ، لك أن تتصور مدى سطوة هذه الأنثى، التي سمّاها الروائي محمود سعيد بـ”رقيّة” لكن “سي الحبيب” الشخصية المرهفة الحس، والأمين على مبادئ الحركة التي ينتمي إليها، والذي يقترب من أخلاق الزهاد والمتصوّفة تاركي اللذائذ والتمتع، يقف متماسكاً، إزاء هذا السيل الجارف والهادر من الجمال المادّي والمعنوي، جسداً وصوتاً، هي التي أحبّته وحاولت استدراجه، لكنه كان يمتنع عن الشراب المُسْكِرِِ والقصف، إنه يأكل كما يأكل الطير على حدّ وصف “رقيّة” له، هي تحاول الإيقاع به، عن طريق سطوة الجسد، وقد أحبّته حبّاًَ جارفاً، والتي كان يتهاوى عند أقدامها كل الرجال، الذين تلتقيهم، سوى “سي الحبيبب” الأمين مع نفسه، وأفكاره، ومبادئه في التعفف، والسير في الطريق القويم.
لعلّي أستطيع أن أضفي على الرواية ملمَحاً نفسياًّ، إلى جانب الملمح السياسي، إن فيها سادية واضحة صارخة، تحاول “رقيّة” فيها ليّ أعناق الرجال، جاعلة من جسدها المثير والمكتنز بكل موحيات الجمال، وسيلة إلى هذا اللّيّ، وهذه السطوة الفاجعة على رغبات الرجال، الذين يظهرون ضعفاً متوارثاً إزاءه!
في الرواية –كذلك- شيء من أدب الرحلات، فأحداث الرواية تجري في تلك المدينة المغربية الصغيرة والقريبة من المحيط الأطلسي والمسماة بـ “المحمدية” وينقلنا الروائي في زيارات إلى مدن الدار البيضاء والرباط وطنجة وإفران وخريبكة وإلى الريف المغربي الرائع، وإلى النقيض من ذلك، زيارات إلى مدن الصفيح المتأكسد، التي يقبع فيها فقراء المغرب، ويبدع الروائي محمود سعيد، وهو يصف لنا القصر المنيف لـ “سي إدريس” الذي ساعده “سي الحبيب” بأن وجد له عملاً في فرنسة، وهناك يشتغل بشتى المهن، المشروع منها والممنوع، فيعود بعد سنوات محمّلا ً بالمال، وكان للممنوع –حتماً- اليد الطولى في تكوين هذه الثروة الطائلة، يصف لنا قصره الذي تغتسل أقدامه بمياه المحيط وصفاً جميلاً ممتعاً يجعلك تحسّ وكأنك تدرج فيه وتتطلع إلى أشجاره المثميرة وسواقيه في ملتقى وادي الربيع بالمحيط ينبجس لسان طويل من الأرض يخال الرائي غابة اصطناعية تبارك المياه الزرق في عناق دائم فوق الرمال الذهبية (…) الأقواس الأندلسية الأنيقة تحيط الباحة الكبيرة، حيث تتوزع عشرات الغرف، ونافورة كبيرة لاتزال تداعب ضوء القمر ببهائها المتدفق من سبعة صنابير تسجد أقواسها لصنبور عالٍ في الوسط يخرج ماؤه على شكل صينية كبيرة (…). نزلنا بضع درجات، فاحتوانا سورٌ من الآس حَجبَنا عن العالم عدا ضوء القمر يصبغ الأسوار الخضر “…” ليس أجمل من منظر المحيط تحت المطر…(ص 240. ص 243. ص 246 من الرواية.)
في الرواية من جهة أخرى وصف للحالة الإجتماعية في المغرب. في تلك السنوات، سنوات الستين من القرن العشرين، والتي تكاد تكون بعيدة عن أجواء المجتمع العراقي المحافظ نسبيّاً، ومن خلالها تستطيع الوقوف عن كثب على مجريات الحياة الإجتماعية في العديد من مدن المغرب، فالنساء تأثرا بأجواء اوربا والغرب، وفرنسة تحديداً، يتمتعن بما يشبه الانفلات الحسي والجنسي، متمثلاً بتلك المجموعة من الفتيات المراهقات القادمات من مدينة الدار البيضاء إلى مدينة (المحمدية) إنهن لا يجدن غضاضة في مجالسة الرجال واللهو معهم، والعبّ من الشراب “أخذ المراكشي يرقص منتشياً، ويصفّق، بينما سحب البقالي صديقته من يدها، أخذ يفتح القناني بحركة سريعة ورشيقة وأخذا يُشِّربان بعضهما بعضاً، وهما متحاضنان، فانسكب السائل على ذقنيهما وملابسهما فطفِقا يضحكان برهة ثم اندفعا إلى غرفة النوم، أغلقا الباب وراءهما فيما كان المراكشي وسط المطبخ يهمس بحنين في آذان الصغيرة، تحيطه هالة ذوبان نفسي كبيرة، ممتزجة بأريج النبيذ والشهوة والانفعال والإغراء. في قالب منصهر لم تبق منه سوى نظرات هائمة وصوت مريح هامس “ص45” لم يقف الأمر عند الفتيات المراهقات، بل وصل الأمر إلى ذوت الأزواج، فهذا الحنصالي معن، وزوجته الشهبا- وهذا اسمها- وسي أحمد، والموظف في مدينة خريبكة، وزوجته “أم محمد” سيدة الخل، المضيّفة التي بدت أصغر عشر سنوات بتسريحتها الرشيقة وثوبها الرمادي المورد بالأصفر، والمشدود إلى جسدها المكتنز والذي يكشف عن ساقين بضتين بلون الحليب، والتي دعت “سي الشرقي” الرواي المركزي إلى حفلة عشاء وشراب، نجن أن الخمسة يحتسون الشراب، في جلسة لا تخلو من نظرات شبقة، “عقدت المضيفة جبينها، عاتبت زوجها، بصوت كسره الانفعال:
– لقد سَكَّرْتنِي.
– لا تهتمي… خذي.
صبّ لها كأساً أخرى، فأخذت ترشف على مهل، وفعلت الشقراء مثلها، وبحثت بأعلى صدرها وأخرجت بحركة حاولت أن تكون طبيعيّة الميدالية التي أهديتُها إياها، بمناسبة خطبتها، فتجاهلتُ الحركة متعمّداً، لحظتْ مضيّفُتنا حركةَ الشقرا فابتسمت ابتسامةً صغيرة فضحت الأسرار. ص281.
نجد في الرواية-كذلك- إصراراً على النبل، وتأكيداً على الخلق القويم، واحترام الذات، واحترام الصديق وذكراه، نجده من خلال إصرار “سي الشرقي” الراوي الأساس، الذي تجري أحداث الرواية على أسلات قلمه، وهم يطلقون عليه هذا الوصف. لأنه من المشرق العربي، ولا يهمّ إن كان عراقياً أو سورياً أو لبنانياً، إنه شرقي وكفى!! إصراره على احترام ذاته وذكرى صديقه “سي الحبيب” النموذج الإنساني في احترام الذّات والأفكرار والمبادئ، إذ بعد تلك الحادثة ، المؤامرة التي جعلت من “سي الحبيب” يحيا معلّقاً بين الحياة والموت، بعد تلك البرقيّة التي دُبِّرتْ من شانئ كاره، يودُ موته، والتي جاء فيها أن أمّه بحالة خطرة، مما أدى إلى اضطرابه ووقوعه صريع نوبة قلبية حادة -وهو مريض القلب أصلاً- ومن ثم استحوذ “سي إدريس” على “رقيّة” وتمضية أكثر من ليلة معها في شقة الجزائري، واكتشاف “قب” صديق “سي الحبيب” وحارسه وحارس العمارة، التي يقع مخزنه فيها، لتعهر “رقيّة” وعدم احترامها لذكرى “سي الحبيب” وقيامه بقتل “سي إدريس” قبل ساعات من مغادرته “المحمدية” نحو باريس، وبالتالي عدم معرفة القاتل، تلجأ “رقيّة” إلى “سي الشرقي” بعدّهِ آخر من يمكن أن تركن إليه، لكنّها تجابه بالصد- وهو الذي كان يحبها حبّاَ جمـاًّ ويتمنى وصالها – بعد أن ظلّ ساهماً ساكتاً لا يجيب عن ثرثرتها، وتساؤلها:
– انظر إلي…أرجوك.
رقيّة تتوسل؟… أي رنين يتكسر؟ قطع ثلج تتساقط في كأس ثمين من الكرستال “…” أشعلت عود ثقاب. فلمعت دموع عينيها. أجهشت، اطفىء عود الثقاب، رمت السيجارة بعصبية.
– لا تعذبني.
ثم تناولت سيجارة أخرى، يدها ترتجف مع عود الثقاب المشتعل من جديد، كبرياؤها، ثقتها الشديدة بنفسها تلاشياً في انصياع حقيقي، لم أرَ سوى طفلة تريد أن تستخرج التعبير الصحيح عما تشعر به في غابة شائكة. ص303. ص304.
لقد سقطت “رقيّة” من نظره، بعد أن باعت ذكرى “سي الحبيب” وتهاوت بين يديّ الشاب الثري “سي إدريس” لذا قرّر إسقاطها من حياته بشكل حاسم جازم. قلت لها “…” لا يمكن أن نرتبط بأي رابطة، كنت أخشى أن أتداعى أنا الآخر أمام مغريات وعوالم لا تغيب عنها الشمس، لأنني كنت أعرف القليل عن نفسي، ومن هذا القليل أعرف نقطة ضعف كبيرة، عبودية اللذة، وكان ارتباطي بها لا يعني سوى فقدان حريتي. “…” وكنت تحت وطأة فكرة أن لا أقبل ثمرة تضحية لم أقمْ بها تقودني إلى العبودية. ص 307. ص308. في النصوص المقتبسة آنفاً من الرواية، ما يشير إلى إمكانية لغوية عالية استخدمها الروائي محمود سعيد، بحنكة ودربة، لينتج لنا نصه الممتع ذاك، لذا جاء عمله مكتنزاً بجميل الوصف ورائع التصوير….
جريدة “الصباح”الثلاثاء 20 ذي القعدة/ 1434.31/ كانون الثاني/ 2004/ 164. 26

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s