Bin Barka Evaluation:17

زنقة بن بركة.
ازدواج بنية الحرمان في البيئة المغلقة.
سلام إبراهيم.
إذا أخذنا في الحسبان الضعف النسبي للتقاليد الروائية العراقية وتخلف الرواية مقارنة بالشعر والفن التشيكلي والقصة القصيرة، يمكن اعتبار رواية الكاتب العراق محمود سعيد “زنقة بن بركة” الصادرة عن دار الكرمل في عمان 1993، والتي ذكر كاتبها في رسالة لي أنها منعت من النشر في العراق سنة 1970، يمكن اعتبارها رواية متقدمة ومهمة في سياق دراسة الرواية العراقية لأسباب ستظهر لاحقاً.
جاء نشر الرواية في وقت تشهد فيه الرواية العراقية نهوضاً يبشر بظهور كتاب جدد أتاح لها الاستقرار النسبي وفسحة الحرية في المنفى تأمل التجربة العراقية الزاخرة بالتراجيديا واللامعقول في أحداثها الدموية ومناخاتها العجائبية التي تتناص مع مناخات أساطير العصور القديمة وخرافات المخيلة الشعبية في العصور الوسيطة.
رغم أن الرواية تبني عالمها في بيئة غير عراقية- المغرب أواسط الستينات- إلا أنها كشفت لنا بنية الازدواج التي تعاني منها شخصية المثقف العراقي المترعرع في بيئة اجتماعية متزمتة ضاغطة، وما يخلقه التصادم بين الحرية الداخلية، التي تطلقها الثقافة والتجربة وصلادة واقع مغلق قاس، ولاسيما في موضوع المرأة والجنس الذي لم يقترب النص النثري العراقي منه إلا بحذر شديدان ونظرة سريعة لنتاجنا القصصي والروائي تبين لنا أن ثمة طهرانية وتحديدات مسبقة وتحفظ والتزام بثوابت جعلت من المرأة مقسّمة تقسماً جبرياً بين السقوط والعفاف، العاهرة والأم.
أما بينهما فلا وجود لغير الحبيبة الحلم، أما نوازع الغريزة. وهواجس الليالي فلم تظهر إلا لماماً وبحياء شديد، وذلك تأتى برأيي من طبيعة الواقع الاجتماعي المغلق،وقمع السلطات الشديد، طهرانية الأيديولوجيا التي ألقت بظلالها القوية على الأدب العراقي عامة والنثر خاصة. ثمة استثناءات قليلة جدا ففي دراسة الدكتور عبد الإله أحمد عن “القصة العراقية” الصادرة عن وزارة الإعلام العراقية في نهاية السبعينات بجزأين تناول بالتحليل مخطوطة رواية مكتوبة في الأربعينات للكاتب المبدع فؤاد التكرلي أحد أهم رواد القصة القصيرة الفنية. ويذكر أنه حصل عليها منه لأغراض الدراسة فقط وهي عن عسكري متقاعد قضى عمره في المعسكرات يجد نفسه غريباً في آخر العمر ينظر بعينين شبقتين إلى جسد ابنته المراهقة في إشكالية إنسانية بالغة التعقيد. لكن لم يجرؤ التكرلي على نشرها رغم مرور ما يقارب النصف قرن على كتابتها ورغم تواجده في تونس منذ سنين.
هذا يكشف لنا بدوره عن انغلاق المبدع العراقي، فهو نتاج للواقع مما أسهم في الانغلاق على مستويين :الواقع والنص وأفقد النثر العراقي نضارة كانت ستمنحها الحرية الداخلية الضرورية للإبداع وبالتالي أدى إلى تخلف النص الروائي العراقي عن مثيله في مصر ولبنان والمغرب العربي، والأمثلة كثيرة على ذلك، أقربها ما تزخر به الرواية المصرية من حرية بالموضوعة المذكورة جعلتنا نطل على العالم الدفين لكل من المرأة والرجل كرامة والتنين لأدورد الخراط، وموال البيات والنوم لخيري شلبي وغيرهما.
من ناحية أخرى وجدت برواية زنقة بن بركة براعة في الصنعة تفتقر لها الكثير من روايات شابة يصدرها كتاب عراقيون في المنفى، وهذا ما سأتناوله لاحقاً بفقرة مستقلة.
يظهر انغلاق شخصية المبدع العراقي في بنية الرواية بجلاء، فهي مسرودة بضمير المتكلم “معلم عراقي- سياسي سابق اضطر إلى الهجرة للعمل في المغرب العربي هرباً من القمع والبطالة المفشية في أواسط الستينات، لكن الراوي يتحاشى الإفصاح عن ماضيه وتجربته في المكان الأول وما اعتملت به الدواخل إزاء المرأة والجنس هناك وكأنه لم يزل مرتدياً القناع الصلد الذي يرتديه كل من ترعرع في بيئة متزمتة مغلقة. بينما نجده في البيئة الجديدة – المغرب – المتحررة نسبياً يطلق العنان لدواخله وهواجسه وغرائزه المكبوتة فأتاح لنا تأمل بنيتنا الدفينة في ضوء النص وهذا فضل الرواية الأهم.
تتجمع أحداث الرواية وتطورها في بؤرة واحدة، فالراوي يتعلق بـ”رقية” الموظفة في الخطوط الجوية المغربية التي سكنت في شقة قريب لها تجاوز شقته في “المحمدية” مكان عمله وهي مصيف، بينما تتعلق هي بـ”سي الحبيب” صديقه السياسي المبعد عقب الأحداث العاصفة في المغرب أوائل الستينات. حول هذه البؤرة الثلاثية – 1-الراوي. 2- رقية. 3- سي الحبيب. تشتجر الشخصيات قرباً وبعداً عل قدر علاقتها بالمثلث المذكور. فتنضفر الرواية في حبكة متينة تنمو من نقطة على السطح لتبلغ ذروة واحدة تجعل السارد يكف عن الكلام.
سأحاول تتبع ما فلت من بنية الرواية المغلقة من بوح متشظ بحنايا النص استوجبه مسار السرد ووجهة المشاعر والأحداث جعلنا نلم بتكوين الشخصية في المكان الأول –العراق- قبل القيام بتحليل سلوكه في الفضاء الجديد: أ يحلم الغريب بأكثر من أن يجد كل ما يحتاجه على بعد لا يتجاوز عشر خطوات من البار إلى الجزار؟ أحسست بعد خمس وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والقسوة والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة بأني سقطت ص7. في جنة يحسدني آدم عليها. هكذا تستحيل الحياة السوية جنة لمن يقدم من بيئة مغلقة ضاغطة محتدمة بالصراعات والقسوة. أما عن جفاف وخشونة الواقع الاجتماعي في المكان الأول فيسر لنا الراوي شيئاً عنه عندما أخذته رقية إلى شقة صديقتها في الدار البيضاء بحضور المغني وعشيقته: “كنت محروماً في حياتي من الغناء سوى ما أسمعه من الراديو، وفي الملاهي الحقيرة المبتذلة في بلادي. لم أحضر قط أي حفلة عامة أو خاصة .ص206. أما عن طفولته فقد شطح السرد وهو على الشاطئ بصحبة البقال وصاحبه والفتيات المراهقات الثلاث:
“أخذ خمستنا يلعب الكرة، كنت الحلقة الضعيفة، كان الجميع يمارس الرياضة على الشاطئ منذ الصغر وهذا امتياز لم احظَ بشرفه في طفولتي البائسة” ص155.
من خلال هذه الشظايا التي لا وجود لغيرها في النص نستطيع تشكيل بنية الرواية في معادلة تلقي الضوء عل طبيعة الواقع الاجتماعي العراقي المغلق والقاسي:
طفولة بائسة “قمع العائلة” + شباب محروم “قمع القيم” + سجن، فصل من العمل “قمع الدولة” هذه لبنات الراوي، فكيف تسلك هذه الشخصية عندما تجد نفسه واقعة في فضاء حر نسباً؟ وما هي عواقب انغلاق البيئة الاجتماعية على النفس الإنسانية ؟ سأحاول تتبع العواقب الفادحة في نفس الراوي وذلك بتحليل تصرفاته وردود أفعاله في خضم تشابك أحداث الرواية للوصول إلى فحوى التشوه اللاإنساني الناتج عن فعل الحرمان والقسوة.
منذ الصفحات الأولى يضعنا السارد في إشكالي بنية البيئة المغلقة ألا وهي فصل خليط الحياة وشؤونها، وعفوية العلاقة بين مناحيها، إلى أقطاب معزولة: الجنس، السياسة، الحب، أقطاب تتوازى دون تفاعل في الذات، ففي حوار يجري بمكتبة المدرسة يقول مديرها سي صابر مخاطباً سي الحبيب السياسي المبعد:
– لكنه في بلاده لم تكن عنده سوى السياسة وهذا ما يشوه الصورة.
تساءل سي الحبيب: كيف تتطلعون للمستقبل إذن؟
– ما علاقة الجنس بذلك؟
يكشف تساؤل الراوي المدهوش عن قطبية التفكير التي أشرنا إليها، وطهرانية قطبية أيضاً في النظرة للمرأة حبيبة “أم، أخت، زوجة” عاهرة.
فرغم يسارية أفكاره التحررية الداعية إلى المساواة وتحرر المرأة التي تعنى ضمناً انطلاقتها وتحررها الاقتصادي والجنسي، نجده لا يدرك فحوى دعوته فاضحاً تزمته الأخلاقي ذا المنابع الدينية الرابطة النضال بالعفة، والمناضل بطهراينة الراهب. من هذا الحوار سندرك أي كبت مارسته الذات على غرائزها الطبيعية التي لابد أن تحفر في أعماق الكائن عالماً سرياً ضاغطاً، يكتظ بالشهوات المتوارية في الاجتماع، والطاغية في الانفراد والمخيلة فترسخ بني الحرمان شاطرة الذات اللاإنسانية إلى نصفين، ظاهر طاهر، وداخل متشهٍ.
من ميزات ازدواج الخشخصية المكبوتة عدم اتساق الإحساس مع الواقع، الرغبة مع الفعل، إذ يتجاوران في خطين متوازيين يموه أحدهما الآخر دون أن يتفاعلا كما هو حال الذات السوية التي تجد ردود فعل متسقة مناسبة، متزنة تساعدها على التواشج والتداخل بالآخر وبالموضوع.
أما بخصوص الأنثى فتبلغ الذروة في عدم الاتساق وتكون مرتبكة بطيئة الاستجابة تتصرف بما لا يتناسب مع الموقف وتنتبه لاحقاً عند الاستفراد بذاتها، وهذا شأن الراوي طوال النص يسلك بطريقة تتناقض مع رغبته وغرائزه المدماة بإرث يقيل طويل من الحرمان. إذ تستمر النية في فعلها رغم وجودها في فضاء حر مفتوح، فنراه يزهد في التنفيس عن حرماناته متذرعاً بتعلق طهراني ظاهراً شهواني باطناً بواحدة لا تكن له مثلما يكن لها من مشاعر، ليس هذا فحسب بل متعلقة بآخر يرتبط معه بعلاقة تمتن يوماً بعد آخر، والراوي واعٍ لالتباس الموضوع ولإشكاليته الروحية، لجفاف طبعه، وارتباكه بحضور الآخر المنفتح والمنساب بعفوية:
“ولما كنت أعلم بعد رصد طويل لنفسي، أنني ارتبك بشكل مخجل في كل موقف يتطلب مني مواجهة تلقائية للتنسيق بين حالة هيام روحي وما يتطلبه من تصرف ملائم.”. ص29.
ورغم هذا الوعي يستفحل الارتباك مع تطور علاقته بـ”رقية” المغربية المنطلقة بعفوية غير مثقلة بمشاعر دونية في مسلك صريح وجميل ومتين، وحضاري، غير مفهوم لمن تصحرت دواخله في بيئة اجتماعية صارمة بتحديداتها، فأين له أن يرى أن ثمة صداقة دون جنس بين رجل وامرأة غريبة جريئة تبات في شقته وتستخدم حمامه؟ أنى له أن يدرك من اكتسبت أعماقه استقطاب لوني الظلام والنور دون تدرجات وتلاوين بين حديهما، نهار عفيف، وليل داعر، ظاهر شريف وباطن سافل؟ بنية الحرمان تظل مشلولة رغم الوعي بها، فعندما تضع إصبعها عل شفتيه لتمنعه من الكلام في حركة سوية بين صديقي تنعكس في داخله بطريقة مختلفة ونجده يدين جفاف سلوكه المتعقل، المشلول: “حسدت غيري لمقدرتهم على التصرف بمثل هذه المواقف في تحقيق ما يصبون إليه في قالب من المزاح. كان بإمكاني أن أقبل الإصبع الجميل، أن أعضه، غير أني لم أفعل، أدنت نفسي، تعقل لا طعم له” ص30. هذا في حضور وهم الحبيبة، أو الحبيبة المفترضة. أما في التواجد بوسط أنثوي مفتوح، متحرر، قيتلخبط ك لشيء، القيم، الحب، الصداقة، وتضيع كل اعتباراته القديمة المبنية في معادلات مكانه الأول المنغلق. فتكشف بنية الحرمان فداحتها، إذ ينفتح في أعماق “العراقي المحروم” إرث شهوات لا تعرف وجهتها، ولا ضابط لها، تضرب ضرب عشواء متجردة من معقوليتها، لا تعرف بغيتها المحددة بل يثيرها مرأى الجسد الأنثوي، أي جسد. كل ذلك يجري في أتون الداخل المضطرب دون تصريح بل يلبس الظاهر قناع العاشق الرد المخلص الشريف المدله بواحدة لا غير.
لندرس تجليات هذه البنية في النص والتي تكثفت في مشهد اجتماعه في شقة زينة بالمغني وصاحبته “الشهبا فاطمة” عندما استصحبته “رقية” مها. فمنذ لدخول يتلخبط كل شيء، وهو يحدق بجسد “زينة”:
“وإذا تركت وحيداً اتكئ على الباب لاحظت مفاتن جسدها تتراقص حينما تسير وإبطها يدفع بعض الشعيرات إلى الظهر وإليتاها منضغطتان تحت مثلث صغير أخضر، وكنت بدون شعور قد أثرت كما حدث بضع مرات خلال الطريق مع رقية، لكن الظلام هناك يستر الإثارة. أما هنا فكان علي أن استبعد الإثارة بالتذكر القسري لأشياء محزنة” ص.112.
إن روح التلصص تتلبس الشخصية المزدوجة المحرومة التي بنت عالماً سرياً يقوم على أساس الغريزة المقموعة والرغائب المتأججة في ظلام الدواخل الدفينة حيث تحكم حلقة التشوه دورتها، فبالإضافة إلى تشظي اتجاهات الرغبة في وسط أنثوي متحرر،تأخذ روح التلصص الدونية أبعاداً غير أخلاقية ولا منطقية مدعومة بصحارى شاسعة من الزواجر والحرمانات، فنراها عمياء لا حدود ولا معايير تضبطها. فالسارد يتلصص على الأنثى الثالثة في الجلسة رغم التصاقها بصاحبها المغني:
“جلستُ ففتحت حيّزاً أكبر في الصدر بحيث بدا تكور النهدين واضحاً فيما شعت الحلمتان الكستنائيتان ببريق مذهل، أثرت من جديد، فجلست كي اخفي موضع الإثارة” ص112. ويبلغ ازدواج بني الحرمان الذروة في نهاية المشهد المذكور فبعد أن اشتهى النساء الثلاث نجده يرفض مضاجعة “زينة” رغم أنها اعتنقته وحاولت سحبه إلى غرفة النوم لابساً قناع المحب الشريف الطهراني الذي لا يعرف الخيانة، حبه لرقة الحاضرة:
“لكنها أحطتني بذراعيها وهوت بفمها على فمي، فيما اندفع الكل بضحكة قوية جعلتني أخجل وأحاول إبعادها بالرغم من أن جسدها الساخن اخذ يذيبني” ص125. تتجلى بنية الازدواج في أخلاقيات “الراوي” وأقطاب البنية المتوازية المشكلة لوجهة النظر في الربط بين النضال والعفاف، وماعداه بالغريزة وذلك بإبراز ابنة الشهيد: “زهرة” طالبته المراهقة كملاك جميل، طاهر، خجول يكن لها مشاعر أبوية تثير دهشة القارئ بينما يجرد من مثل هذه المشاعر في نظرته لطالبته “الشهبا” التي بسن “زهرة” فيصفها بجمل تلهث شهوة: “أخذت تكشف متعمدة مساحة لذيذة فوق الركبة” ويبدي أسفه وندمه للبسه قناع المعلم الموجه: “آخر السنة اكتشفت أن في تقاطيعها جمالاً متفرداً غريباً وقوة جنسية ونضوجاً هائلين” ص 127. والطهراينة الشكلية لدى المزدوج تجعله يشعر بالانحطاط عند التفريغ “تفريغ الرغبة” عكس الكيان المتماسك المتسق. ففي بيت البغاء نجده يشعر بدونية فظيعة عند مضاجعته لعاهرة: “نهضت مضطرباً إلى الغرفة الثانية بوطأة رغبة اللذين سبقاني مخلفين عرقاً، راحة، ظل وجوده، هلاماً جذامياً يتآكل في الروح مسخني حيواناً متوحشاً دقائق معدودات”.
أصل من كل ما تقدم إلى خلاصة جوهرية مفادها أن المثقف في المجتمعات المنغلقة، ترتد أحلامه الحرة وتتكسر في الداخل لصلابة وقسوة الواقع بقيمه الثقيلة مما يخلق كياناً مزدوجاً مشوها تنقلب لديه الأحاسيس والمفاهيم وتستحكم في مثل هذه البنية أخلاقيات الظلام غير السوية، كرد فعل طبيعي لشدة العوامل الكابتة والقامعة، ولعنة هذا التشوه تلاحق الشخصية حتى عند انتقالها إلى بيئة حرة، وكمثال من النص نلاحظ في المقتطف التالي أخلاقيات التلصص الراسخة: “لم أتوقف إلا في شقتي حيث منحتني رؤية المفاتيح التي صنعتها وأنا في حالة سكر شديد للشقق الثلاث شعوراً أشبه بشعور المتلصص على لذائذ الآخرين مغلف بتمييز متفرد لملكية سر لا يعرفه الغير” ص 130 .قليلة هي النصوص الروائية العراقية التي كشفت أو تناولت الموقف من الجنس بجرأة ووضوح مثلما فعلت “زنقة بن بركة” بتركيز دقيق وعفوي مضيئة بنية المثقف الإنسان العراقي في بيئتنا المغلقة، وما أحوجنا إلى المزيد من النصوص المتأملة غوراً وبجرأة في القيعان العميقة المكتظة بالأسرار للدواخل المقموعة بالمثلث الرهيب، القمع العائلي+ القمع الاجتماعي+ قمع الدول، وما ينتجه من كيانات مشوهة وقاسية تعيش بأنصاف وجوه في البيئة العراقية الصارمة.

تقنيات الرواية وأسلوبها.
اعتمدت الرواية الأسلوب الواقعي وبتقنيات سردية تقليدية في بنائها المتين، فتناغم الوصف الخارجي مع وصف المشاعر وما يجري في ذهن وأحاسيس الراوي –بضمير المتكلم- بوجهة نظر أحادية توازت مع وجهات النظر الأخرى من خلال الحوار الذي احتل مساحة كبيرة من السرد. وهذه نتيجة منطقية لأحكام وشروط ضمير المتكلم في الأسلوب الواقعي المحدد بالسرد الزمني المتتابع للأحداث دون الغور في انعكاسات هذا الواقع في المخيلة والأحلام. فلم أجد حلماً واحدً في النص الممتد إلى 308 صفحة من القطع المتوسط، مما جعل من بنيتها تقليدية، لم تستفد من أبعاد الواقع الأخرى المكتظ بالأحلام والهواجس والأخيلة، فلو جرت الاستفادة من الوحدات المذكورة لتحطم التسلل السردي الزمني المتتابع، لتخلصت الرواية من مستواها المنطلق من سطح إلى ذروة واحدة فأصبح شأنها شان حبكة رواية بوليسية، ( وهذا سأعود إليه لاحقاً) ولربحت عمقاً معرفياً وإنسانيا يجعل منها واحدة من الروايات الإنسانية المهمة، إذ أن تحرير المخيلة بأحلامها وزمنها المتشظي، والملتم في بؤر تكثف التجربة الفردية والجماعية وتضفر الأحلام بالأمكنة بالماضي بالحاضر بالقادم. فالذات المعروضة في النص غير مبررة ولا معقولة، وتوازنها المفقود غير مفهوم لمن لم يعش بيئة مغلقة. وهذا خلل جدي في بنية الرواية التي عتمت ماضي الشخصية وأعرضت عن تفاصيل البيئة المنتجة لهذا النمط من البشر الذي وجد فيها يعبر بصدق عن اضطراب المثقف الحر المتبلور في بيئة صارمة في موضوع حيوي يخص أسّاً من أسس الوجود البشري، ألا وهو الحب والجنس، وأعتقد أن ذلك يعود إلى انغلاق المبدع العراقي وخشيته من الخوص في غمار موضوع كهذا يلقي بظلال الثقيلة على بنيته وكيانه. وليس أدل عل ما ذكرناه من نص “زنقة بن بركة” الذي تعامل بحرية مع البيئة المغربية، وبحذر شديد من البيئة العراقية. لو توفرت الحرية لدى الكاتب في الخوض بتفاصيل التكوين الأول لانعكس ذلك على بنية الرواية وأسلوبيتها، ولتحرر الراوي من أسر الحاضر اللاهث مفسحاً المجال للتأمل المتأني الدارس خبايا الذات والمكنة وما سنتتبع ذلك من تقنيات، كالتداعي والأحلام، ولما تجمعت خطوط العمل بذروة واحدة، ولأصبح للنص ذروات عديدة مفتوحة كحال الرواية الحديثة.
وفيما عدا ذلك كانت الرواية أمينة لعناصر بنائها التقليدية، فحبكتها متينة تحاكي بمفصلها الأخير حبكة رواية بوليسية متقنة محسوبة عناصرها بإحكام، والجملة السردية قصيرة، مناسبة بلهاثها لاضطرابات السارد الداخلية واحتدام غرائزه المنفلتة، ومتناسبة مع منحى حبكة التشويق التي وظف فيها محمود سعيد خبرته وإلمامه الواسع ببنية الرواية البوليسية. فجاءت الجملة السردية متينة رغم بساطتها، والكلمات منتقاة بدقة للتعبير على قد الحالة الشعورية دون إطناب وبتلقائية نابعة من موهبة أصيلة، حتى أن الجمل السردية تبلغ مصاف ذروة شطحة صوفية: “كنت التهمها، جسدها، روحها، ضحكها، يا إلهي ، إنني احترق ولاشك أن روحها هي التي تحرقني، وجسدها عملاق من الحسن والجد والنار يسد علي المنافذ” ص 173.
والكاتب يبني شخصيات الروائية متبعاً أسلوباً محبباً إذ يدخل الشخصية أولاً بنسيج الأحداث المتنامية وبتبريرات فنية معقولة تجعل من القارئ يتوق لمعرفة المزيد عنها قبل أن يوجز تفاصيلها الاجتماعية وشرطها الوجودي. هذا ما فعله مع “سي إبراهيم” إحدى الشخصيات العابرة لكنها المهمة إذ أنني وجدتها تتناغم بجدارة مع تكوين شخصية الراوي المتناقضة، ففي حواره مع “سي عربي” النائب في البرلمان المغربي، وهما في جولة طالت أحزمة الصفيح المحيطة بالدار البيضاء مروراً بعمارات العمال السكنية، يستخدم السارد تساؤل النائب عن مدى معرفته بالعمارات المذكورة، ذريعة فنية، يأخذنا بواسطتها إلى غرفها الضيقة البائسة وممراتها المعتمة، حيث يأخذه “سي إبراهيم” السكير إلى تعرفه في بار إلى شقة تسكنها زوجة أخٍ مزعوم. أي أن الراوي دمج “سي إبراهيم” بنسيج الأمكنة والحدث والحوار قبل أن يزخ للقارئ المنتظر بلهفة لمعرفة فحوى كينونة شخصية لسكير الغامضة: كان سي إبراهيم مزيجاً من كل متناقضات الحياة، شجاعة وضعفا، كذباً وصراحة، كرماً وإفلاساً، ص138، ويلاحظ براعة في الانتقال من ذروة لاهثة إلى وصف متأن يعمق الإحساس بتوتر المناخ. إن تناوب التوتر والاسترخاء يمنح القارئ متعة خالصة كمتعة الإنصات لسمفونية كلاسيكية تجعلنا نسرح وننتفض بغتة من السرحان مرعوبين. فالمقتطف التالي يبدو ظاهراً وكأنه سرد لأحداث متتابعة، وهو كذلك لكنه بعفويته يحمل ما رصدناه من تناوب الذروة والقاع ومتعه.

تناقض إيقاع النص:
“لم أدر متى سمعت الصرخة بالضبط. كانت المرة الأولى، ولست أدري، أ ستكون الخير التي أسمع بها تفجعاً ورعباً بمثل ذلك العمق المأساوي الشديد.
فتحت عيني كان ضوء الصباح غامراً كل الموجودات ووشيش صاخب في رأس، وتساءلت فيما لو كانت تلك الصرخة رعشة حلم انتهى أو تخيلاً مريضاً، وحاولت أن أعود للنوم من جديد، لكن إرادتي قطعتها ضربات شديدات على بابي ثم أصوات أقدام راكضة.
لا، ليس هذا بحلم، حدث ما كنت أتوقعه. ص 283-284.
أكتفي بهذا القدر لأقول أخيراً أن محمود سعيد قدم لنا في “زنقة بن بركة، ومن خلال حبكة متينة، لوحة لطبيعة الحياة الاجتماعية والصراع السياسي في أوج احتدام ستينات هذا القرن في المغرب. فرأينا الفقر والدعارة والإدمان والبؤس، صعود طبقة طفيلية مريبة كدست المباهج والثروات على حساب إملاق الكادحين الملفين بأحزمة الصفيح المحيطة بقامات المدن الكبرى، وكل ذلك وجدناه منثوراً بعفوية في سياق منشغل بالحب والجنس، وبذلك تخلص النص من مطب المباشرة الذي طالما سقطت وتسقط به العديد من النصوص الروائية العراقية.
الثقافة الجديدة 1996

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s