Bin Barka Evaluation:13

15-8-2008- الزمان/ لندن. (( الانبهار المميت ))
————————————-
تحليل رواية (زنقة بن بركة) للروائي العراقي ( محمود سعيد )
——————————————————–
حسين سرمك حسن – ناقد عراقي مقيم في دمشق
عندما تنهي قراءة رواية (زنقة بن بركة)(1) للروائي العراقي المبدع (محمود سعيد)، وهي الرواية الفائزة بجائزة أفضل رواية عراقية لعام 1994، ستشعر أولا وكأن أحداث هذه الرواية قد جرت في يوم واحد أو في زمن قصير جدا ، وذلك بسبب إيقاعها اللاهث وتلاحق أحداثها وتسارع توتّراتها الدرامية. يتكفل بتأسيس هذا الشعور في نفس المتلقي عدم تقسيم الرواية إلى فصول كما جرت عليه الرواية تقليديا ووجود وقفات هي فرصة لاسترداد الأنفاس إذا جاز الوصف حيث قصّ الروائي أحداثها ( قطعة واحدة ) من ناحية ، وانطبق المبنى على المعنى باتساق أخّاذ مبهر حيث لا توجد استطالات سردية ولا إفاضات وصفية ولا حشو لغوي زائد ولا إيغال مفرط في معاينة الحوادث من ناحية أخرى.وهذه الرشاقة السردية تجعلك تقرأ الرواية – إن توفرت لك فرصة طويلة كافية في هذا الزمن الأغبر- بصورة متواصلة وتحملها معك أينما حللت(وقد سبقني في الإشارة إلى هذا الأمر الزميل(عواد ناصر)الذي تحدّث في عموده الأسبوعي( قراءات) في ألف ياء الزمان عن انشداده المشوق لوقائع رواية ( بنات يعقوب ) آخر نتاجات الروائي محمود سعيد الذي عدّه بعض النقاد العراقيين من أصحاب الواحدة وذلك لأننا لا نلاحق نتاج المبدع العراقي في حين نعرف آخر قصّة لأصغر قاص في كولومبيا ).وقد تحدّث الروائي الإنجليزي (سومرست موم) في كتابه النقدي المهم ( عشر روايات خالدة ) الذي حلّل فيه عشر روايات عدهن أمهات الرواية العالمية عن عامل مهم يحدّد وفقه -مع عوامل أخرى طبعا-أهمية أي رواية وهو عدد الصفحات التي يقفزها القاريء منها بسب الملل والضجر ،وعلى هذا الأساس اعتبر رواية (دون كيخوتة) لسرفانتس رواية مضجرة ولم يضمها إلى العشر روايات الخالدة التي حلّلها لأنه كان يقفز عشرات الصفحات منها ليرى إين سيكون مآل مصائر الحوادث التي كانت ثقيلة التفاصيل. ورواية زنقة بن بركة تحمل هذه الميزة المهمة ؛ الرشاقة السردية التي تتجسد في بنائها منذ لحظة الاستهلال الذي يقول فيه الراوي – والرواية تسرد بضمير المتكلم / الأنا كاملة – :
(( تحدّدت العطلة عندي من خلال حدث يبدو ، في الأقل ، أكثر أهمية من المعتاد ، ولقد نسجت الصدفة ما جعلني أحس ، أيام ذلك الصيف المتوتّر الذي قضيته في المحمدية ” فضالة ” عام 1965، أني أباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوّق أحلام كلّ شاب – ص 5))، ثم ، وبعد أن ألقى لنا هذا الطُعم النفسي ، يتركنا متسائلين مع عوالق إيحاءات الحدث المقصود الذي لم نعرف كنهه ويرتد راجعا ليتحدث عن الكيفية التي حصل فيها على شقة في عمارة ( الصيني ) الرابضة على رأس شارع الزهور كما يسمّيه سي صابر أو(زنقة بن بركة) – وهو العنوان الذي اختاره المؤلف لروايته التي تجري وقائعها في المغرب – كما يسمّيه القادري.وفي هذا (الزنقة كما يسمونه هناك – الزقاق – العطفة – الشارع الضيق من الحي) ستقع حوادث الرواية الرئيسية،حوادث تعصف بحياة بطلنا(سي الشرقي) سلبا وإيجابا.والشرقي ترك بلاده وجاء ليمارس التدريس معلما في إحدى مدارس(المحمدية)أو(فضالة) كما يشير اسمها القديم التي وصلها بعد خمس وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والقسوة والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة كما يقول . ومنذ السطر الأول الذي يلي الاستهلال سنمسك بواحدة من أهم سمات شخصية الشرقي وسلوكه التي ستسم مسار الرواية بميسمهاالفاصل وتتراكب على ركيزتها الحوادث؛ألا وهي سمة (الانبهار) السريع والمفرط ، تلك السمة البارزة التي سنجد كم كانت مسؤولة عن عنفوان حياته الرغائبي وصخبها اللذّي الجميل من جانب مثلما كانت مسؤولة عن فخاخ ومصائد مؤلمة محكمة نصبها له لاشعوره – ولاشعور الشخصيات الأخرى التي ارتبط بها – وكادت توصله إلى الخراب الشامل من جانب آخر. يتحدث عن الشقة التي عثر عليها قائلا أنها (كانت أكثر من ملائمة وجميلة ولذيذة ، تباركها الشمس بأشعتها الدافئة حوالي الثانية عشرة – ص 5) ، ويكشف استخدام وصف ( لذيذة ) لشقة سكنية عنف انسحاره بهذه الُلقية التي أربكت بصيرته اللغوية.هذا الارتباك الذي يصبح آسرا في مواضع أخرى حين ينظر الشرقي إلى الناس والموجودات بعين طفلية وبروح الالتحام العارم بالطبيعة ، إلتحام الفطرة المتحرّرة من قيود العقلانية المعطّلة والحساب النفعي الفج الذي يسيطر على حيوات البشر في علاقتهم بالآخرين وبالأشياء. إنه لا ينظر إلى أي شيء مرّتين مكرّرتين بعين بليدة ؛ بل نجده في كل مرّة تكون نظرته متجدّدة ومنفعلة بدفعات رعشة الاستجابة العذرية الأولى :
– (( من اللحظات الأولى وقعت في هيام الشقة الفريدة التي كانت أرضيتها صبّة واحدة من الموزاييك الرمادي والأصفر الناعم – ص 6 ))
– (( ماذا كنت أطلب أكثر من هذا ؟ أيحلم الغريب بأكثر من أن يجد كلّ من يحتاجه على بعد لا يتجاوز عشر خطوات من البار إلى الجزار( … ) أحسست أني سقطت في جنّة يحسدني آدم عليها ؟ – ص 7 ))
– (( أراح قلبي أكثر من أي شيء آخر ، وجود مقهى عامر حيث تنفرط حبّات الوقت ضائعة في متاهات متعة فريدة ، مذابة في نكهة القهوة الفاخرة السوداء وخيال الماضي والآتي – ص 6 ))
((في الفجر تغرق المدينة في ضباب هلامي هائل ،لا يلبث أن يتفتت مرعوبا أمام أشعة الشمس التي تحيله إلى قطرات حنونة تبلّل كل شيء،لكنها تترك على أوراق الشجر دموعا كالدر اللّامع ، يتوهج تحت أشعة الشمس الحنون – ص 10))
-((المغادر إلى الرباط لابد أن ينسى بعد ثوان قليلة حيث تأخذ الروح متعتها الدائمة في عناق البحر والغابة الثرة المجاورة عن طريق يتكسر على أمواج البحر ، متموجا بحنان دامع من شوق الساحل الشبحي – ص34)) .
– (( كانت الشمس تترع الأشجار الباسقة بعصيرها ذي الزبد الاصفر – ص35)) .
وقد يرى القاريء أن هذه الإندفاعة في الوصف والانفعال في الإستجابة لمؤثرات بسيطة هو جزء مما تتطلبه شعرية الرواية الحديثة وهو اعتراض لا غبار عليه إلّا أنّ ردود أفعال الشرقي هذه هي جزء من مسار سلوكي ثابت وليس موقفا عفويا عابرا أولا وهو ، ثانيا ، حين يتمادى في التعبير عن الهزّة الوجدانية التي تعتريه تنسرب في طيات تعبيراته وتحت أغطيتها مفردات تشكّل ، حين توضع ضمن إطار شخصيته الكلية ، مؤشرات على بنية لاشعورية راسخة وحاكمة تحرّك تفصيلات حياته كلّها من وراء ستار. يتحدّث الشرقي عن العوامل المشتركة التي جذبته ، هو والحمام ، إلى هذه البقعة الجميلة – المحمدية ، فيرى أنها تتمثل في(هدوئها وجمالها وتاريخها ) موغلا في بناء دوافع معرفية ونفسية مشتركة بينه وبين الحمام . ويلتقط في نهاية وصفه لحركة الطيور ممارساتها الجنسية التي قد تغيب عن أذهان الكثيرين :
(( إذا كان ما جذبني إلى هذه البقعة هدوؤها وجمالها وتاريخها ، فلعله كان العامل المشترك الذي جذب الحمام المتجمع على شكل زرافات ، يتمشى متهاديا ، أمينا … مرفرفا فوق بعضه ، نازلا بهدوء ، صاعدا بصخب ، يمنح المراقب بين الحين والحين التمتع بلذّة من لذائذ الجنس البدائية الدائمة – ص 7 )).
ويأتي المقطع اللاحق مباشرة ليشي بـ (كشف) لغوي يبدو بسيطا في الظاهر لكنه ، وحين يوضع من جديد في سياق الموقف الانبهاري الشامل الذي يطبع حياة بطلنا سيشكّل مؤشرا لا يمكن التقليل من أهميته في تشخيص دوافعه اللاشعورية اللائبة :
(( حين أنظر عصرا إلى حيث (تنتحر) الشمس بهدوء غريب فوق البحر الذي لا أراه ، أشعر بحنين شديد لشيء أحلم به ولم أنله ، مغلّف بلذة خمريّة آسرة ، تسري في بدني ، مخدرة أوصالي ، فلا أكاد أحس بشيء مما يحيطني – ص 7 )) .
إننا نستطيع التعامل مع الكلام – الإبداعي خصوصا – كما نتعامل مع الحلم من حيث امتلاكه لمضمونين: الأول هو المضمون الظاهر – manifest content وهو المعنى المباشر – الذي قد يكون بلا دلالة مباشرة ومفككا أحيانا – لحوادث الحلم التي يراها الشخص الحالم في نومه ، والثاني هو المضمون الكامن–latent content وهو المعنى (الخفي) والمستتر المرتبط بالرغبة اللاشعورية الدفينة التي يكون المضمون الظاهر تعبيرا مشوها عنها لغرض تمريرها من سيطرة الرقابة وإشباعها وذلك عبر عمل الحلم –dream work الذي يقوم بتنكير الرغبة الممنوعة غالبا من خلال آلياته المعروفة (الترميز،الإزاحة ، التكثيف ، التصوير والقلب والإنضاج الثانوي).وإذا كانت لغة الحلم الوحيدة هي الصورة فإن لغة النص الإبداعي هي المفردة المحكومة بسياقها الأفقي اللغوي من ناحية وسياقها العمودي – نختلف هنا عن أطروحة دي سوسير – المتمثل في جذورها الغائرة في تربة اللاشعور حيث تسهم دوافع الأخير في انتقائها وتشكيل قدرتها التعبيرية وفي – وهذا مهم جدا- تسريب مفردات قد تبدو متناشزة في الظاهر إلّا أنها تتفق مع المعنى الكامن من ناحية أخرى . حصل هذا في انتباهة الشرقي للمنفعة الجنسية من فعل الحمام المتهادي ،وفي اختيار مفردة ( تنتحر) الحادة والمفرطة التشاؤم لوصف الكيفية التي تغطس فيها الشمس غائبة في المحيط وسط مشاعر ارتخاء وحنين تجتاح كيانه كمشاهد نتوقع منه انفعالات سلبية لمرأى عملية الانتحارهذه . في الحالة الأولى تتكشف أولا دفعات الإنهمام الجنسي الطاغية حيث يحتل الفعل الجنسي – بمفهوميه: النفسي الواسع والتناسلي الضيق – موقعا مركزيا ليس في سلوك بطلنا فقط بل في سلوك أغلب شخصيات الرواية (لا يُستثنى من ذلك رجل أو امرأة ..الرجال مثل سي صابر وسي القادري والبقالي وسي إدريس وسي إبراهيم.. وحتى المناضل العصامي (سي الحبيب)ولكن من وجهة نظر أخرى.. والنساء مثل رقية وزينة والشهبا فاطمة ، وكذلك الطالبات والفتيات الصغيرات مثل زينب اللعوب والشقرا وعائشة وخديجة ورحيمة ومريم والزهرة برحو،وهو ما سنراه لاحقا). كما تكشف تلك الانتباهة النزعة (التبصصية) التي تطبع الكثير من سلوكاته،هذه النزعة التي تشكّل عاملا جوهريا في الخلق الإبداعي الذي هو عملية (استراقية) خلّاقة :
– (( ملأت الباحة بثوب أخضر مشجّر، مشدود على جسد ممتلىء ، كان صدرها الناهد يظهر فتحة واسعة ينحسر عنها الثوب – ص 25 ))
– (( فكرت بأني لو كنت واقفا ، لرأيت الجدول المغري بين الثديين الناصعين – ص 25 ))
– (( وضعت قدما فوق إبهام قدم أخرى ، كانت توازن شيئا مخفيا ، انحسر الثوب الأخضر عن ساق ناصعة البياض ، ذات بطّة ممتلئة ،وأخذت تحرك قدمها كبندول الساعة – ص 28))
– (( وإذ تركت وحيدا لاحظت مفاتن جسدها تتراقص حينما تسير ، وأبطها يدفع بعض الشعيرات إلى الظهر ، وإليتاها منضغطتان تحت مثلث صغير أخضر – ص 99))
– ((عندما جلست مالت ياقة الثوب المغربية العريضة نحو الجانبين ففتحت حيزا أكبر من الصدر بحيث بدا تكوّر النهدين واضحا فيما شعت الحلمتان الكستنائيتان ببريق مذهل – ص 100))
-((بالرغم من أنني كنت أنجذب من دون وعي مني نحو فتحة الفستان النازلة على جسد صاحبته الصغيرة ، حيث كانت سرتها البيضاء المدعوجة تجذبني كقطعة من المغناطيس – ص 101)) .
وهذه النزعة التبصصية لا يمكن أن تتعايش بقوة مع اندفاعة جنسية عارمة فهي علامة على اعتقال تلك الاندفاعة التي لجمت بصورة شبه كاملة بعد دخول (رقيّة) الاقتحامي في حياة الشرقي حيث عافت نفسه كل النساء والفتيات اللائي توفرت له فرصة لمواقعتهن مثلما حصل مع ريم البيضاوية في الحفلة التي ضمته مع البيضاويات الثلاث المراهقات والمراكشي والبقالي في شقة الأخير ، وكذلك مع الشقرا طالبته في المدرسة والتي حاولت إغواءه كثيرا، وفتيات بيت سي إدريس اللائي ظننه شاذا بسبب برودته تجاههن، وزينة في شقة الأخيرة التي دخلها برفقة رقية ،وفتاة بيت البغاء الذي دعاه إليه سي الميلودي كتعبير عن امتنان الأخير لمساعدة الشرقي في نجاح إبنه الصغير رغم أنه لم يكن له أي دور، لقد عافتها نفسه في البداية حتى ظنت أيضا أنه شاذ .
أمّا في الحالة الثانية – وصف (انتحار) الشمس باسترخاء ونفس مستريحة غارقة في الحنين إلى (شيء)ما- فهي مؤشر على تزاوج دوافع الموت بدوافع الحياة في أعماق الراوي،هذا التزاوج الخلّاق الكفيل بتقديم أعظم (المركبات) في ميادين الإبداع . إن المفردات التي (تنفلت) في لحظة الخلق لا تنبثق عفوا ومن الفراغ بل تفرضها بنية لاشعورية تقوم بتشكيلها وفق الدوافع الضاغطة الخفية وليس وفق العلاقات الواعية التي يرسمها الشعور.وإذا كان الشعور هو المسؤول عن عملية الخلق البهية فإنه سيحكمها بعلاقاته المنطقية الباردة وسيكون منكرا أن يوصف غياب الشمس بالانتحار ،ومن المستهجن تعايش هذا الانتحار(الهاديء)الذي هو عنيف -عنف الموت – بطبيعته، مع استرخاء المراقب الذي يغمره الحنين . يقول الشرقي وهو يصف انبثاق الفجر في ” فضالة ” :
((في الفجر تغرق المدينة في ضباب هلامي هائل ،لا يلبث أن يتفتت مرعوبا أمام أشعة الشمس التي تحيله إلى قطرات حنونة تبلّل كل شيء،لكنها تترك على أوراق الشجر دموعا كالدر اللّامع ، يتوهج تحت أشعة الشمس الحنون – ص 10))
إن هذه المزاوجة هي نتاج فعل اللاشعور الذي أسقط إحتداماته الصاخبة في صور تشكيلات إستعارية محببة رغم كونها متناقضة ولا صلة لها بمشاعر كيانات جامدة : رعب الضباب وحنان القطرة ودموع الشجر..إلخ.ولكن الوظيفة (النفسية النقدية) الأساسية التي نستثمرها لهذه التعبيرات الجمالية الإستعارية هو كشف التصارع الذي يعيشه بطلنا الشرقي وكونه خاضعا لاشتباك دوافع الحب والنماء بحفزات تدمير الذات والخراب . وكان مفتاح شخصيته الرئيس في إطلاق فعل هذا المركّب المدمّر هو الانبهار المفرط . والرواية بأكملها تتأسس على هذه (العقدة) التي امسك بها الروائي ( محمود سعيد ) بصورة مقتدرة ووظفها في عمل متفرّد يكشف أعماقنا من خلال بطله الشرقي . وهنا تتجلى أهمية الأعمال الأدبية الكبيرة ؛ في تلك القدرة الباذخة على جعل مكنونات نفوسنا التي حاولت دوافعنا المنافقة التكتم عليها طويلا، تتمظهر أمامنا بلا رياء من خلال أنموذج جزئي محدّد نتماهى معه رغم كل عثراته ورغم مصيره الذي وقف فيه قريبا من حافة (بعد فوات الأوان). وهذا الانبهار السريع حصل أولا بين الشرقي و(سي الحبيب) منذ لقائهما الأول ثم تحول إلى إنسحار بينه وبين (رقيّة) ومنذ لقائهما الأول أيضا والتي غزته بجسارة وبروح تعرّضية عزوم لا نظير لها .لكن لعبة الانبهار أو(الإنسحار ) هذه كانت عبارة عن مثلث علاقات مدمّرة اكتملت أضلاعه بانسحار رقيّة بسي الحبيب الذي لم تره من قبل أبدا.( وهناك علاقات انجذاب ثانوية لكنها مهمة وقوية مثل انجذاب سي إدريس لسي الحبيب ثم نقمته عليه وانجذاب الأول للشرقي بعد لحظة التعارف الأولى والترفيه عنه بسيارته وعرضه فرصة عمل نادرة وبراتب مغر رفضه الأخير، وانجذاب الشقرا للشرقي وتعلق (قب) بسي الحبيب وولاؤه الأعمى له .. وغيرها).
لقد أجبر سي الحبيب على الإقامة في المحمدية في إثر الأحداث العاصفة التي طحنت المغرب أوائل الستينات.وكان النضال الشاق ضد الفرنسيين(المتحضرين الآن والذين كانوا سابقا يحرقون أي مغربي حيّا إذا وجدوه يتجول في شوارع أي مدينة مغربية بعد الغروب) قبل الاستقلال وضد الجمود والخصوم المتناحرين بعده قد حنكه وأوصله إلى مرتبة من المجد لم يصل إليها بجهده إلّا القليل من الشخصيات المرموقة في قليل من البلدان.لقد أجبر على الابتعاد عن السياسة وحددت إقامته قسرا.ومن الطبيعي أن صاحبنا الشرقي يسعى إلى التعرّف إلى مثل هذه الشخصية المناضلة التي( تأسطرت) في وجدان الجماهير المغربية رغم أنه يعلن بأنه ترك السياسة في بلاده ، لكن هذا التعرّف كان عاصفا من جانب الشرقي ومزحوما بزخم عاطفي شديد وغريب في الوقت الذي كان فيه سي الحبيب يحاول ، من جانبه لجم هذه الإندفاعة وجعل الموقف العقلاني يطغى عليها . يتحدث الشرقي عن عيني الحبيب فيرى فيهما بريق ونظرة طفولية عذبة ، لم تدنس براءتها الحياة السياسية – ص 11- :
(( ولم يكن هناك من شك كبير أنهما تخدعان الناظر ببساطة متناهية ،تجعله يتساءل مع نفسه : أهو يكحل عينيه أم ذاك سحر طبيعي – ص 11)) .
ومن جديد تتصاعد فورة لاشعوره حين يقارن عمره بعمر سي الحبيب فيصغرّه بصورة غير منطقية أولا إلى الأربعين أو الثمانية والثلاثين من العمر( وهو يعلم أن الحبيب زار فضالة قبل خمسين عاما ) إلى الحد الذي يتساءل فيه هو نفسه عن سرّ مصدر هذا النزوع إلى التصغير.. وحين يستقدم صورته ويضعها مقابل سي الحبيب يرى أنه وهو ذو الخامسة والعشرين أكبر سنا منه ( هنا لابد أن نشير إلى أن الشرقي كان قد أشار في الصفحة السابعة من الرواية إلى أنه قد أمضى خمسة وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة،وقد ظهر هنا أن عمره الكامل خمسة وعشرين عاما وهو يشتغل معلما في المغرب ، وهذا شكل آخر من أشكال الإفراط في تجسيم حجم المعاناة الذاتية والذي يقع في ظل القدرة المغيبة للاشعور التي تضعف سطوة الشعور ببطء وهدوء مسمومين). ولو راجعنا وصف الشرقي لعيني ونظرات سي الحبيب في موضع آخر سنجد أن من غير المنطقي أن يلتصق أي ناقد-حتى لو كان ما بعد حداثويا – بأطروحاته اللغوية والشكلانية متجاوزا الصورة الأبوية الأنموذجية الفذة التي يرسمها الشرقي لسي الحبيب :
((أمّا نظراته فلم أر أجمل أو أصفى أو أكثر تفهما منها في حياتي. لقد رسمت دائرة حبيبة مفعمة بالصدق والوداد،كنت أنا في وسطها – ص14)) وهذه الكيفية المسيطرة التي منح نفسه وفقها الحضور المركزي تنم عن رغبة أوديبية ملتهبة للظفر بحظوة الابن المفضل لدى الأب عزيز المنعة والمهيب،الابن الذي لا يمكن لنا أن نتشوش ونحتار في تحديد مغازي ولائه النفسي الحارق لـ (معبوده) بعد أن جعل يوم تعرّفه إلى سي الحبيب لحظة فاصلة في عمره.. فقبل هذه اللحظة المباركة كان الضباب يلف كل شيء من حياته.لقد أصبح يوم تعرفه بالحبيب المناضل هو يوم ولادته المحدّد أما السنوات التي سبقتها فهي هلام لا يستطيع حتى ضبط انتمائه إليها أو انتمائها إليه ( ولاحظ أنه يعلن في موضع آخر أنه لم يبك على أبيه عند وفاته ) . إن تلك اللحظة التي ارتبط فيها بسي الحبيب هي لحظة عصية عن التفسير إن لم نضع في حسابنا أحكام الصراع الأوديبي الذي تخفت جمرته تحت ظروف كثيرة ، لكنها تعود لتتأجج بفعل عوامل كثيرة من بينها عامل قد يغفله ، بل أغفله الباحثون عموما وهي الكيفية التي تسهم فيها الغربة والاغتراب-الهجرة واللجوء- في تأجيج جمرة ذلك الصراع الذي هو مصدر حركة التاريخ وجوهر الفن والدين والأخلاق .فالهجرة تمثل انخلاع الجذور من التربة (الأم) وسعي المهاجر-الذي أصبح عاريا الآن ومن دون غطاء حمايوي أمومي أو أبوي -إلى ملأ فراغ ساحة الصراع التي خوت الآن . إن العقدة الأوديبية تركن بعد مدة إلى المهادنة – عند نضوج الولد والبنت وارتباطهما أو زواجهما من نماذج تمثل في كثير من الأحوال نظائر أو مناقضات للأنموذج الأبوي أو الأمومي الأصلي – لكنها تبقى تعتمل حسب الوصف التقليدي مثل النار تحت الرماد ، وتبقى تشتغل كضرورة للحياة والتفوّق والإبداع كلما دخل في حياة الفرد ظرف ضاغط يؤجج الحاجة لموضوع الحب المشترك والأثير على النفس والذي أثار الصراع ، أو أن هذا الموضوع يعاود اقتحام علاقات الشخص النفسية ليكون متقاسما مع منافس يحيي صورة الغريم الأزلي وانفعالات النفس الآثمة التي تترتب على الرغبة في إزاحته (قتله تخيّلا)، وليس أكثر من ظرف الإنخلاع والهجران وتهديداته فرصة لنمو الحاجة للعون الأمومي والأبوي ( حتى انتحار قسم من المهاجرين يفسر كعودة إلى الرحم الأم أحيانا ) . ونتلمس سخونة انجذاب – والأصح اندفاع – الشرقي نحو سي الحبيب وتعبيراته الملتهبة فنشعر أنها انطلاقة من أعماق غائرة يقابلها حكم موضوعي من جانب الأخير يرى أن العواطف لا تصلح وحدها لتشييد أسس علاقة راسخة ومديدة :
((لكني من دون أن أشعر(2)، أصبحت كالقدر المغلقة التي تمنع البخار الساخن من الإنطلاق . كتمت تودّدا حقيقيا سيطر على مشاعري . لم أستطع القضاء عليه . وفي لحظة توهج باندفاع إلى سي الحبيب ، قلت : كم كنت مشتاقا للتعرف إليك .
ضحك . شعت من جديد ابتسامته الطفولية . هذا موطن الجذب .
– هكذا مرة واحدة ؟
بدا من خلال ابتسامته عدم تصديق غير محسوم
– نعم وأكثر ..
( …… )
بكثير من الحيرة أضاف :
– أخشى أن يكون الأمر الذي جذبك إليّ شعورك إننا كلينا في المعسكر الخاسر
– أيهم هذا ؟
هزّ رأسه :
– نعم .. لا تصلح المشاعر وحدها أن تبنى عليها علاقة ذات أساس متين .. ص 11و12 )).
وقد يكون انبهار صاحبنا الشرقي هذا بسي الحبيب يحمل شيئا من المبررات ، فقد سبقته معرفة بتاريخ هذا الرجل النضالي والكارثة التراجيدية التي عاشها . فبعد أحداث الستينات الطاحنة في المغرب (( كان هاربا إلى الشرق حينما ألقي القبض عليه . لم ينقذه من حبل المشنقة سوى الجلطة القلبية الشديدة التي طرحته طويلا معلّقا بين الحياة والموت في سجن المستشفى ، في عناية أطباء وممرضين يخفون عطفهم بقناع متجهم من تأدية الواجب .وحين انتهت الأزمة بسلام ،أحيط بإهمال المسؤولين البالغ . مارس لعبة العيش بعدها مضعضع القلب ، بوصايا مشدّدة تحذّره من أي إجهاد أو نشاط أو صدمات تؤدي به إلى الهلاك – ص 9)) . إلّا أن مسار الحوادث اللحق سيرفع الغطاء عن ما هو أكبر من ذلك . فقد جاءت ( رقيّة ) لتسكن في شقة قريبها ( سي الجزائري ) الذي كان مسافرا فإذا بنا ندخل لعبة انسحار خطيرة مزدوجة ؛ وقوع رقيّة في حب سي الحبيب الذي كانت تسمع عنه ولكنها لم تره إلّا الآن وللمرة الأولى وهي جالسة تنتظر الشرقي الذي لا تعرفه أيضا والذي سيعطيه سي الحبيب مفتاح شقة قريبها ليوصلها إليها (ولا نعرف لم لم يكلّف الحبيب (قب) مساعده المخلص رغم التبرير الذي طرحه الشرقي والذي لا يبدو مقنعا تماما). لقد تيمت به وهي الشابة الجميلة الفاتنة دون أدنى معرفة سابقة . وحين يوصلها الشرقي وقبل أن ترفع الخمار عن وجهها ويتأكد أنها شابة مسحورة حيث كان يعتقد أنها عجوز تبدأ عملية الإنسحار بما يشبه فعل التبصص الصوتي إذا جاز التعبير حيث نطقت مفردتين فقط فاشتعلت مشاعره بصوتها :
(( كان ذلك أول صوت يصدر منها – هو في الحقيقة الصوت الثالث بعد أن رفضت مساعدته في حمل حقيبتها وطلبت منه ثانيا السير أمامها ، راجع ص20- كان نغمة متكاملة. عشرات الآلات الموسيقية المتكاملة في انسجام ترسل النغمات من صدى بعيد . لم أصدق سمعي- ص 23)) .
وتلي عملية الإفتتان الصوتية هذه سلسلة من الأفعال المرتبكة و(غير المقصودة ) كما يقول ، ولا يوجد أي فعل غير مقصود في السلوك البشري ، فقد وجد (معلم فيّينا) معان ومقاصد عميقة الغور لأغلب الأفعال الإعراضية مثل زلّات اللسان وأخطاء القراءة والكتابة والنسيانات والحركات العشوائية .. إلخ . فبدلا من أن يقوم بفتح باب شقة قريبها الجزائري يقوم بفتح باب شقته لها – وهو فعل مقصود لاشعوريا رغم تساؤلاته الإنكارية اللاحقة والإحراج الذي وقع فيه :
(( لو كانت عيناها سافرتين لاستطعت أن أسبر سرّ تردّدها الهائل ، لكنه بلا شك كان يدور حول إقدامها على مخاطرة عظيمة سببها الثقة برجل فتح لها باب شقته في وقت كانت تريد أخرى . النقطة ذاتها التي أربكتني ، لماذا فعلت ذلك ؟ أهي استمرارية ولّدها فتح باب شقة سي الحبيب ؟ – ص 23))
إن هذا التبرير هو الغطاء الشعوري -الواعي الذي استخدم زخمه المتحمّس أواستمرارية طاقته، اللاشعور ليمرّر رغباته المبيتة.وما يعزّز هذا الاستنتاج هو الفعل ( اللّامقصود ) اللاحق الذي وقع فيه (خطأ) أيضا كما يرى، حيث كان يبغي إنارة الضوء الأخضر على ( نيته الحسنة ) لكنه اندفع إلى داخل شقة الجزائري فأدرك خطأ تصرفه وتراجع . لقد سبقت الرغبة اللّاإرادية أولويات القصدية الحركية الواعية والإرادية ..حتى هو نفسه لم يكن يعرف لماذا يقوم بهذه التصرفات الخاطئة لكن لاشعوره يتلمظ ويتمطق ..وحين عاد إلى شقته لم يذهب إلى شقة البقالي للمتعة مع البيضاويات المراهقات الثلاث لكنه تمدد على سريره منتظرا إياها رغم عدم وجود أي بادرة منها في هذا الإتجاه ( هذه هي موضوعات الحب التي انتظرناها طويلا ورسمت خطوطها المستحيلةعلى صفحات تواريخنا السرّية والتي تتربص طويلا في أغوار ظلمات لاشعورنا والمشتقة قطعا من الأنموذج الأول المحرّم ) فدخلت عليه وقد نزعت خمارها .. فتجمع الإفتتان الصوتي مع الإنسحار البصري ليرتفع به محلقا بعيدا في سماوات العشق القصية :
(( وضعت الحقيبة ومرة أخرى بدأت الأنغام تبحر بي في طريق غامض . وبدا لي أنني سأسكر كما حدث لي من قبل.كان الصوت يجمع بنغماته خيوطا تلتف على مقاومة أي رجل فتسحبه نحو تلك الطاقة المندلعة من العينين المحرقتين ليذوب في نارها .لم أضبط نفسي. وقفت. حدقت فيها.كان وجهها يحوي من الحلاوة ما يكفي نصف فتيات العالم ، وكدت أهتف : من أي سماء نزلت يا ساحرة ؟ – ص 25)) .
لقد اقتحمت عالمه أولا وأصبحت تتصرف بشقته وكأنها شقتها بجسارة ودون استئذان ..كانت هي المبادرة دائما في حين كان هو في موقف المنكمش.لقد وضعته في موقف طفلي تابع قد يكون هو جوهر العلاقة التي كان يبحث عنها طويلا.كان خجولا خلاف ما يدّعيه ويظهر عليه في اليقظة والصحو،ولذلك كان يستعين بالخمرة لمداراة خجله ..والرواية بأكملها هي جلسة شراب طويلة فرضتها العقد والصراعات الدفينة والدفاعات ضد التهديدات الوجودية الخاصية – ثم شعر بأنها امتلكت قلبه ومشاعره وتأججت في أعماقه رغبة عارمة بامتلاكها . وعند هذا الحد يكمل الروائي وضعنا أمام لحظة التوتر الناجمة عن صدمة الموقف الانبهاري الثاني المكمل لتلك العملية المزدوجة والذي يتمثل في موقف الشرقي المتحرق بعنف إلى رقيّة التي لا يعرف سوى أنها هبة حطت عليه من السماء ،رقية التي تعلن له الآن وبشكل صادم ومفاجيء بأنها قد أحبت سي الحبيب من النظرة الأولى واللقاء الأول . بدأت تسأله عن كل ما يفضله سي الحبيب من شراب وطعام لكي تقيم دعوة له .. سألته حتى عن نوع النساء اللائي يعجبنه ثم أعلنت بثقة أنه سيحبها رغم أنه لا يقيم علاقة مع امرأة أبدا . كان إعلانها الجريء هذا ضربة قاسية للشرقي فقد جعلته كائنا لا قيمة جنسية له ،والفعل المناسب الذي نتوقعه منه – شعوريا- بعد هذه الصراحة الجارحة أن ينسحب ولو على طريقة الأسد الجريح ،لكنه،وهذا ما نتوقعه من بنية انهمت بالفعل الجنسي للحمام وللانتحار اللذيذ للشمس ، بنية تتلذذ بتعذيب الذات للظفر بالأهداف العصية ، بل تشتعل حماستها أكثر كلما كان موضوع الحب عصيا أكثر ، يصبح تابعا متيما وغارقا بحبها حدّ الإختناق رغم أنها تعلن له جهارا أنها لا تحبه وتعامله كصديق .ولأنه يحب سي الحبيب فإنه يعاهد نفسه على ان يجنبه الشرك الذي أعلنت الشيطانة -كما يسميها – أنها ستوقعه فيه. ولكن له مصلحة لاشعورية تستنهضها غرائزه الباحثة عن الإشباع في هذا التآمر الشيطاني . لا مأزق عصي حله على اللاشعور بمصائده الماكرة وألعابه الخلاقة . يقف الشرقي أمام امتحان حقيقي لولائه الصارم لسي الحبيب والذي قلنا في تحليل قد يبدو مفارقا لظاهر الأفعال أنه مغال فيه.وكل فعل مفرط ينبغي وضعه تحت مجهر التحليل.كان هذا الولاء معزّزا بمعرفة تفصيلية لوضع سي الحبيب الصحي وخصوصا قلبه المريض الضعيف الذي قد ينهار عند تعرّضه لأي صدمة. كان الشرقي يعرف أن الحبيب لا يشرب ولا يسهر ولا يأكل كثيرا ولا يتحمل علاقات عاطفية ملتهبة .. فكيف بعلاقة مع رقيّة المنفلتة ذات الرغبات العارمة ؟هذه الرغبات المتعبة التي عاشها تفصيليا في جولاته معها .وهو نفسه يقول أنه كان يخاف في لقاءاته مع الحبيب من إثارته بأي وجه لأن ذلك يرهق قلبه الضعيف . لكنه أحب رقيّة ومن الصعب أن يتراجع لاشعوره عن مهمة ( التهامها ) حتى لو أعلن شعوره حرصه على الحبيب وولاءه المستميت له .تفصح هذه الرغبة (الإلتهامية) عن نفسها عادة في الأحلام عندما تكون عهود اليقظة ووعودها زائفة ومنافقة لقد عاد ثملا إلى شقته فوجد رقية نائمة في فراشه فنام على الأرض وهو يردد في نومه العميق ( الجزائري .. الجزائري ) أكثر من عشرين مرة ، ومفهوم طبيعة هذا المقترب من أنثاه العصية رقيّة .هنا تبدأ مصائد اللاشعور الماكرة بالعمل .لقد صارحته بأنها لا يمكن أن تحبه وقد استكان شعوره على عهد أن يحمي سي الحبيب منها لكن لاشعوره لن ينسى ثأره ولهذا سيعمد إلى مصائده التي تستغل دائما آليات الشعور المسكين المخدوع بصورة يعز إمساكها على الفرد نفسه فنراه بقطع على نفسه عهدا مزدوجا متناقضا : تجنيب سي الحبيب شراك الشيطانة والظفر بها عن أي طريق !!. ولعل أهم الأغطية الشعورية التي تتبرقع بها رغبات اللاشعور وتنصب مصائدها تحت أغطيتها البراقة هو المزاح – ألهذا تحذر الأديان كافة من المزاح ؟- والاستخفاف في الوقت الذي تكون فيه الجدية الصارمة مطلوبة . تسأله رقيّة عن المشروبات الكحولية التي يحبها سي الحبيب فيجيبها : مارتيني .. شمبانيا .. جن.. وهو يعلم أن الحبيب لا يشرب .. وعن الطعام يقول لها أنه يأكل الخروف المشوي والباسطيلة والدجاج.. وكلها أطعمة خطيرة على صحته والحبيب زاهد بالطعام أصلا .. وقد أعدت رقية مائدة الدعوة على هذا الأساس وقد فوجيء بها الشرقي ( فقد كان يمزح !!) وفوجئت هي برد فعل سي الحبيب الذي لم يتناول شيئا فزاد تعلقها به لأنها لم تظفر به الوقت الكافي وهو يغادر مبكرا حسب جدول نومه ..لكن من الذي ذهب ليدعو الحبيب للسهرة رغم مخاطرها على قلبه ورغم أنها المفتاح الذي ستنصب من خلاله الشيطانة شركها ؟ إنه الشرقي رغم معرفته بكل هذه المخاطر .. التعلّق المفرط قد يخفي عدوانا مفرطا !! . كان انسحار رقية بسي الحبيب عبارة عن فورة إبنة (إلكترا) لتطويع (أب) وإهارته في مصيدة (حبها)،فهي فتاة اعتادت الحصول على كل شيء.وقد وصفها صديقها المطرب (بلعيد) للشرقي بقوله :إنها تمتلك من تحب كأي إقطاعي من أجدادها –ص110).. شعارها : (أنا أحيا .. أنا أشرب) وشتان بينها وبين سي الحبيب الذي نذر نفسه لقضية شعب كامل .. للمسحوقين المذلين المهانين .. ولكنها تتحداه وتعلن له بأنها ستطوعه وسينصاع لها .وهي محقة في تصوّرها .. فقد تكفلت تنشأتها الاجتماعية الباذخة بغرس شعور في ذاتها بأنها قادرة على ( هي صاحبة الخطوط الجوية والتي ستصبح مديرة لمكتب باريس ) ، بل يجب أن تحصل على كل شيء ..ولو لم يضع الإنبهار غشاوة على بصيرته لتنبه وهو في جولته الليلية العابثة والصاخبة معها حتى الصباح – بعد أن تمنّع – أنها تنقلت به وبصورة متعبة من مكان إلى آخر لتنفيذ رغباتها ( والأصح نزواتها المنفلتة)،بعد منتصف الليل تريد (بلبلا)!!وقد حصلت عليه لاحقا.بنفس الإلحاح الذي تشتهي فيه (الكلاص) في ذلك الوقت المتأخر.وكان في دخوله شقة زينة وسماعه حوارها مع رقية ما يكفي ليكشف له الطبيعة اللعوب لرقيّة . والعلاقات الغرامية المتعددة مع أشخاص كانت تستبدلهم مثل ما تستبدل خواتمها . لكنه رغم انكشاف كل الأستار يعاني من تصارع الإقبال والإدبار المعبر عن هذا التشكل المعذب والممتع لدوافع الموت والحياة :
(( وددت لو أني أملك إرادة قوية تحملني على الخروج وإنهاء علاقتي برقية في هذا الدور وقبل أن تتطور ، لكني مشلول .. لا أتحرك ..كان للحاضر لذة لا تعادلها الوحدة التي أعيشها بدون رفيقة دائمة ، وكان الشراب يسبغ على نقاط الضعف عندي مبررات تطفيء الضوء الأحمر فيها – ص 103و104 )). والحياة لديها – حتى أشد مسائلها حساسية – عبارة عن رهان وتحد ومنافسة .. تراهن حتى على أرق وأدق العلاقات الإنسانية .. وهنا يُدخل الروائي وبحرفية منضبطة إلى ساحة الصراع (مراهنا) آخر هو (سي إدريس) الذي جاء منبهرا، بدوره ،بسي الحبيب حدّ العجز والجمود ولكن من منطلق آخر وبنتائج ستكون مدمّرة كلّيا .لقد دخل هذا الشاب عليهم ( سي الحبيب ورقية والشرقي وهم يحتفون بعيد ميلاد الأخير) وهوى على يد الحبيب تقبيلا ولثما بحرارة وامتنان عميق.لقد كان (حوتا) ممن جنوا ثروات هائلة خلال وقت قصير . من مصاصي دماء الشعب المعذب.جاء يشكر الحبيب لأن ماوصل إليه كان بمساعدته.وفي مصادفة عمياء حصل الشرقي على الجواب فقد التقى بسي إدريس في كازينو للمقامرة – والمقامرة تتفق مع البنية النفسية للشرقي – فانطلق إدريس به يستعرض له مزارعه ومنشآته التي تفيد العمال رغم أن الشرقي شاهد تفصيليا بؤسهم في بيوت الصفيح مع العربي نائب المحمدية ورفيق سي الحبيب الذي انشق عليه ،وفي مزارع الطماطم العائدة لإدريس والتي لا تليق بعيش الحيوانات. شاهد صورا عن عذابات البشر المحطمين اللاهثين خلف رغيف البقاء برع الروائي في رسمها إلى حد يمزّق نياط القلوب :
(( كان (عمالي السعداء) كما يصفهم إدريس غائري الوجوه شيوخا ونساء وفتيات : حشد غريب من الجوع وسوء التغذية والنخالة وفقر الدم . ملابس ممزقة . كانت الشمس قوية جدا،وكان العرق على ملابسهم الرثة القديمة قد رسم خطوطا بيضاءمن الملح يتجاوز أحدها الآخر كما تفعل الأمواج بالشاطيء البائس . توقفت قرب فتاة في العاشرة انشطر ثوبها الرث من جنبها الأيمن فبان جسدها عاريا مما تحت الأبط حتى الساق.كانت تجلس تحت سقيفة مصنوعة من رداء ممزق مشدود إلى أربع قصيبات .وكانت ساقها التي أحرقتها الشمس قد تقيحت عليها ثلاثة دمامل بحجم البندقة ، وكان بقربها رضيع نائم تجميه من الرمال خرقة سوداء بللها عرقه المتصبّب فيما تمدد قربه بدون رقع طفل في الثالثة ، وطفلتان أكبر قليلا .كان وجودي قربها قد أشعل رعبا كبيرا في عينيها فتلوى فمها وتوقفت الدمعة في المحجر بينما جمدت حدقتاها السوداوان كفأر مذعور.أدركت أنها سوف تصاب بالشلل إذا أطلت من وقوفي بينما أخذت الكبيرة التي بدت كراعية للصغار تشد حفنات التراب بحركات متشنجة والعرق يتصبب منها بغزارة – ص224)) .وطوال رحلتهما الاستكشافية كان إدريس يطرق وبصورة ملحة على مسألتين : الأولى لماذا احتقره سي الحبيب وهو جاء شاكرا وممتنا ورفض دعوته للغداء على خروف محشي ،وعليه فإنه –أي إدريس سيؤدبه -،والثانية هي أن رقيّة أنثى فهي عاهرة وهو مستعد للدخول في رهان مع الشرقي مفاده أنه قادر على إسقاطها كأي مومس تخلع لباسها من أجل الدراهم لاسيما وأنه عرض على الشرقي زوجة المسؤول الذي كان يتباهى بشرف زوجته فأسقطها ادريس .يحتج الشرقي المتيّم -ظاهرا-بالإثنين ويغادره حانقا لأنه من مريديهما وينبغي أن ينتصر لهما ، في الوقت الذي ينسج فيه إدريس شبكة مؤامراته الخسيسة والبسيطة في الوقت نفسه- التآمر على مناضل وما أكثر المؤامرات على المناضلين ، ومحاولة إسقاط رقيّة وإثبات أنها رخيصة وهذا تحفل به حتى الأفلام الهندية والمصرية المسفة – .سقط سي الحبيب مصابا بنوبة قلبية قاضية أدخلته في نوبة غيبوبة مميتة أصبح فيها ميتا عقليا ولكنه حي جسديا ،وذلك بفعل مؤامرة حاك خيوطها إدريس ونفذ جانبا منها حتى القادري صديق الشرقي حيث أعطاه إدريس مبلغا كبيرا من المال كي يرسل برقية إلى الشرقي ليلتحق به في طنجة ، ثم فبرك برقية أخرى إلى الحبيب حول وجوب حضوره بفعل مرض والدته لكي يصفو له الجو ويختلي برقية ويسقطها.وحين عاد سي الحبيب وكان ينوي خطبة رقية شاهدها مع ادريس فانهار قلبه . يذكرنا هذا المآل كيف ردّ الحبيب على ملاحظة سي صابر في أن الشرقي جاء من بلاد لا شاغل لها سوى السياسة مستبعدة الأنس .. وبشكل غريب يرد الحبيب محولا مفردة الأنس إلى الجنس قائلا : كيف تتطلعون إلى المستقبل إذن ؟ معبّرا عن قناعة رخيّة مفادها أن للحياة ساقين : المعرفة مهما كانت تشكلاتها من جانب، والجنس-الغريزة الفجة الضاغطة التي لا تتحمل التأجيل – من جانب آخر. وليس غريبا حسب عبقرية اللغة أن يكون من معاني الفعل (عرف) الفعل الجنسي .وهو في هذا التشخيص يلخص ما نريد قوله عبر مداورة طويلة إلى الآن- وهذه المداورة من مشقات النقد ، فهو مفسّر، وتفسير بيت الشعر يكون دائما أطول من البيت نفسه !!مثلما يكون تفسير الحلم أطول من الحلم ذاته – .وقد حاول الكاتب توسيع رؤيته الفلسفية إلى دور الجنس في حياة شخوصه الذين غرقوا في بحر اللذة اللجي من خلال الحوار الذي جرى بين المغني (بلعيد) في شقة زينة حيث كان الأخير يرى أن الجنس هو واحد من الوسائل الناجعة لإلحاق الهزيمة بالإقطاع-وهي طبقة رقية – :
(( ممارسة الجنس في أي مكان .. الشارع مثلا سلاح ضد الإقطاع في هذا الوقت .. نحن في القرن العشرين ، يجب أن نحطم كل عقد الإقطاع ، النفسية والحياتية –ص109))
كان بلعيد مقتنعا أن في إشاعة الجنس تحطيم لكرامة ونفسية الإقطاع .. ثم يأتي التنظيم لاحقا ليجهز عليه ويحطم وجوده .وليس تكاثر الشعوب المضطهدة والمسحوقة عدديّا- في جانب منه- سوى ردّ فعل دفاعي أولا والإحساس بالبقاء والديمومة من خلال الفعل الجنسي ثانيا . إن غلق المنافذ أمام انطلاقة غريزة العدوان ولجم وظيفتها الدفاعية بوجه ما يصيب الفرد من إذلال ومهانة يجعل طاقتها الحبيسة تنضاف – حسب قاعدة الأواني المستطرقة مادام جذرهما العضوي واحدا-إلى طاقة الغريزة الجنسية التي تتأجج وتنهض بضراوة .وهذه الفكرة هي التي تقف وراء قرار سي الحبيب بخطبة رقيّة رغم أنه يعلم أن هذا قرار مميت ( ولا يمكن أن نغفل عاملا آخر ذا طبيعة تستفز قناعاتنا التقليدية وهو أن الإنخراط في مسالك العمل السياسي – القيادي خصوصا – قد يكون مسربا مموّها لتمرير دوافع العدوان في النفس لبيشرية على الآخرين وعلى الذات أحيانا ، والأخير يصل أعلى مستوياته في (الإستشهاد). وقد قدّم الروائي موقفا عن سي الحبيب يمكن أن يدخلنا في دوامة نقاش لا نهاية له . فقد أجهض هذا المناضل قانونا لمكافأة المجاهدين الكبار ضد الفرنسيين يقضي باختيارهم منزلا في أي منطقة يختارونها . أجهضه وهو في القمة منطلقا بالتأكيد من حقيقة أن المقاوم لا يحتاج مكافآت على جهاده ، لكن الكثيرين من المخلصين شيّعوا هذا القانون بالحسرات لأنهم كانوا يعتبرونه تقاعدا لأطفالهم في دنيا غير مأمونة الجانب . وبعد أن توفي رفيق نضال الحبيب المشهور البطل العملاق (بو بياض) تستنجد زوجته وابنتها الصغيرة به لأنهم مهددون بالطرد من الشقة التي لايملكون غيرها لعجزهم عن دفع ديون الأيجارات المترتبة عليهم وام يستط الحبيب أن يفعل لهم شيئا )،المهم أن قرار الحبيب بخطبة رقية أثبت أن لا النضال ولا الأوطان ولا الأديان ولا ضعف القلب يمكن أن يعطل ضغط الغريزة ، وليس أدل على ذلك من أن آدم وحواء ارتكبا الخطيئة المحببة تحت أنظار الآلهة ورغم نواهيها الرادعة . لكن الموت دهمه بسبب خيبته المدمرة وهو يراها مع إدريس الذي يعتبره منحطا خصوصا بعد عناء جهد السفر الهائل في الذهاب والإياب . ولكن الملاحظة الصادمة التي يلتقطها القاريء المدقّق هو ردود فعل الطرفين : الشرقي ورقيّة على موت سي الحبيب وكانا من عشاقه ومريديه المنسحرين به . فالأول – وهذا ما يسند تحليلنا – لم يصدّق في البداية لكن انفعاله كان بسيطا و( معقلنا ) وأشبه بالبحث البوليسي عن الجاني وفي دراسة تفاصيل القضية .. الأكثر من ذلك هو أنه يجد مزاجا ومتسعا من الوقت ليذهب إلى السينما لمشاهدة فيلم تجسس فرنسي في اليوم نفسه الذي علم فيه بموت الحبيب ،ويستقبل رقيّة من جديد – بعد أن تكشفت له الحقيقة المؤلمة – متيما ضائعا في حبها من دون أن يذكرا سي الحبيب بكلمة واحدة سوى اللحظة التي يشعر فيها بالغيرة منه لأنها تعامله – أي الشرقي – كصديق، ( ثم عانقتني من جديد ، كان في صدرها الريان وعطرها الطبيعي جاذبية لا يمكن أن أتجاهلها ، شلتني .. تمنيت أن أبقى هكذا مدى الدهر-ص245)) ثم حظر حفلة شراب في بيت سي أحمد مع زوجة الأخير(سيدة الخل) التي رقصت بفرح ومع الشقرا وزوجها رجل الأمن . إن كل أفعاله تشير إلى أنه كان يتصرف وكأنه قد تخفف من عبء ثقيل ، عبء غريم فرضت ثوابت لاشعوره إزاحته وأفلح في ذلك رغم أن هذا قد يثقل على ضميره في أي وقت . أمّا رقية فقد واصلت لقاءاتها بسي أدريس ( وثبت لديها – وياللعجب أنه عنين !! ونقلت هذا الإكتشاف إلى الشرقي الذي أقرّه بهدوء وأكد أن حتى الشرطة تعرف ذلك!!-) وسمعهما الشرقي وهما يضحكان في شقتها .ثم دخلت على الأخير وناقشته بهدوء منطقي أنها حرّة ولا تخاف الرجال ولن يفلح أحد منهم في تقييدها .. حتى الصداقة – وهو المعني هنا – تريدها من دون قيد ..وفي الختام تدعوه إلى احتفال فيه آلاف الراقصات والحواة والأفاعي والقرود ..وكانت تناقشه وهي تستحم في حمام شقته وباب الحمام نصف مفتوح لكي يتزاصلا في الحوار!! لقد أوقعت أنموذجا أبويا تمنّع عليها طويلا وكان مثالا أبويا جمعيا لوطن بأكمله .. ما الذي تريده (ألكترا) أكثر من ذلك ؟ يُقتل سي إدريس بعد ذلك في شقة رقية ( شقة قريبها الجزائري ) بعد أن أخذ (قب) الناقم عليه وعلى رقية مفتاحها الثاني من الشرقي وهو مقبل على السفر إلى فرنسا بعد أيام قليلة وذلك بفضل فرصة وساطة وفرها له الراحل سي الحبيب مثلما وفّرها لسي إدريس من قبل .تدور الشبهات كلها حول الشرقي الذي تتوفر دلائل كثيرة على كرهه لإدريس وتهديده له بالقتل ، دلائل عززتها الذكريات التي سطرها في دفتر يومياته عن هيامه الجنوني برقية وكرهه لإدريس.. (الثعلب .. وأقذر إنسان في المغرب الذي يود أن يشرب من دمه لأنه خطف رقية- ص 258) .لكن لا أحد يحقق مع رقية التي حصلت الجريمة في شقتها ، رقية التي تزور الشرقي في الختام – مقتنعة تماما بأنه قتل إدريس من أجلها عارضة عليه السفر والعمل المجزي معها لكن كـ(صديق) فيرفض.هل كان سيوافق على عرضها إذا وافقت على التعامل معه كحبيب ؟ كل القرائن تشير إلى ذلك رغم أن أنموذجه الذي كانت سببا في القضاء عليه مسجى في المستشفى فاقد الوعي وهو ميت عقليا وحي وظائفيا . ومثلما أوقعه لاشعوره في هذا الفخ المهلك فإنه قادر على أن يبتكر له منفذا للخلاص ، فاللاشعور لاثوابت لديه ولا مباديء ولا روادع.إن ما يحركه هو مبدأ اللذة.ومنطقه يكمن في سيرورة العمليات الأولية- PRIMARY PROCESSES البعيدة عن ثوابت الشعور المتعبة والمؤلمة في ما تفرضه من تضحيات للتلاؤم مع قيود الواقع .لقد رفض عرض رقيّة،و(صحا) بعد أن تحقق الهدف الرئيس في قتل الأب ولم يتحقق الهدف الثاني المكمّل الأساس وهو الظفر بموضوع الحب المشترك (شيء حلم به ولم ينله )، وهي الأفكار التي راودته وهو يراقب (انتحار) الشمس )،لقد أدرك الآن-بعد تلك التجربة التطهّرية -أنه يعرف القليل عن نفسه ، ومن هذا القليل يعرف نقطة ضعف كبيرة هي:عبودية اللذة-اللذة التي لا تخيف إلّا إذا كانت تنطوي على تكفير موصل إلى تدمير الذات بفعل السلطة المعاقبة للأنا الأعلى- وأن ارتباطه برقية لا يعني سوى فقدان حريّته ( ما يلائمه هو موضوع حب ذو طبيعة أمومية يحلم به ولا يناله).وهذا قد يتطلب حلا من اللاشعور يبعد فيه المحب موضوع حبه كلما اقترب امعانا في تعذيب الذات الآثمة ، وهذا ما يختتم به الشرقي تداعياته – وهي ختام الرواية -عن الليلة الأخيرة التي قضاها مع رقية قبل الفراق الأبدي بمراوغة لاشعورية تعيدنا إلى الصراع الأزلي الذي أشار إليه (نيتشة) بين ذاكرته ولاشعوره ، حيث تقول الذاكرة :فعلتها ، في حين يقول اللاشعور : لم أفعلها ، فتتراجع الذاكرة وتعيد تشكيل مخزونها حسب ضغوط الغريزة ، تشكيلا مغويا تتصاعد قدرته المغيبة كلما اتسعت قدرة الآثم المعرفية ، فيصبح التخريج النظري موقفا فكريا ، بل وجوديا يسمو بالإنسان من خلال رفض العبودية في الوقت الذي يمهّد فيه لجولة خراب جديدة :
(( إحساس جديد كان قد انتابني ، أنا الآخر آنذاك ، عندما أطلت النظر في عينيها ، أتذكر بوضوح أنها توسلت بي ، غمرتني بقبل كنت أتفتت أحلاما لو كوفئت بها في غير هذا الوقت ، لكني كنت تحت وطأة فكرة أن لا أقبل ثمرة تضحية لم أقم بها ، تقودني إلى العبودية – ص273- الصفحة الأخيرة )).
هوامش :
———-
(1) زنقة بن بركة – رواية – محمود سعيد – دار الآداب – بيروت – الطبعة الأولى – 1997.
(2) وعلى امتداد الرواية ستتكرّر مثل هذه العبارات : من حيث لا أعلم ، لم أكن أدري ، لا أعرف السبب الذي جعلني، من دون وعي مني .. إلخ وهي علائم على هيمنة قوى اللاشعور وتحكمها بسلوكه .

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s