Bin Barka Evaluation: 8

الهروب إلى بلاد هاربة.
رواية
“زنقة بن بركة”
لـ محمود سعيد
تغريد الغضبان.
رواية “زنقة بن بركة” التي كتبها المؤلف محمود سعيد سنة 1970، ونالت جائزة أفضل رواية عراقية عام1994، أعادت دار الآداب في بيروت طباعتها ونشرها هذا العام 1997.
أكثر ما يلفت الانتباه في الرواية هو ذلك الوصف الحميمي الذي يطالعنا على طول الرواية أثناء حديث الشخصية المحورية عن الأماكن التي عاشت فيها في مدينة “المحمدية” في المغرب العربي، مثل حي: “زنقة بن بركة”. أو الأماكن التي ترتادها بعيداً عن ذلك الحي مثل أزقة وحوانيت الدار البيضاء.
فهو القادم من الشرق “العراق” يلتصق التصاقاً محبباً بأماكن المغرب، وأحياناً تمحي صور المغرب “الصاخبة والعبقة بالألوان” ذاكرة القادم العراقي، كأنه نسي حمل ذاكرته معه حين ترك العراق. “أحسست بشعور المكتشف الذي يحتضن سراً جديداً، واستنشقت نفساً قوياً وأغمضت عيني فامتلأت بأغاني البحر وهمسات أعشاب بكر مفعمة بالخصوبة”.
وربما يمنحنا هذا الإمحاء إمكانية تأويله، كمعادل لمفهوم الاغتراب واللجوء الذي يتمثل في جزء منه بمغادرة الجذور وكل ما يتصل به من ذاكرة، وإحلال الحاضر مكانها على شكل صور تذكر بالماضي لكنها لا تحاول كشفه أو إعطاء تفصيلات له، فهو بعيد جداً “كمكان جغرافي” وقريب جداً “كشعور ” يندلع –في داخل الشخصية- فقط حين يثار بما يشابهه من الحاضر “أشجار النخيل تزين الشارع الطويل أمام الكازينو. في بلادي ملايين من الأشحار الكئيبة المتربة المقبضة. لكنه هنا زاهٍ حتى جذعه المغسول، بندى البحر..”
فالمكان في الرواية هو مكان يعاش كتجربة.
يمكن أن يلاحظ أيضاً أن الأنثى تحتل المركز الرئيسي للمشهد الإجمالي للرواية. هناك عشرات النساء، يرحن ويجئن، يتضوعن أنوثة وغنجا، ولكن تبقى “رقية” الأنثى المعبودة والمشتهاة، الجسد الرائع التكون، والعقل المنفتح الذي لا يطيق الاستعباد أو الانقياد، بؤرة تصب حولها الأحداث وأحياناً تفجر هي الحدث.
أ رقية حلم الشرقي بالوطن؟ والأم والحبيبة والصديقة؟ لقد فر من “خمس وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والقسوة والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة” وجاء إلى لمغرب “ليسقط في جنة يحسده علها آدم.”
“رقية” جنة الشرقي وحلمه، صعب المنال. هي المغرب الذي تتلاقح تحت غلالته السوداء كنوز السحر والجمال والدفء “المغربي” وغنج وأناقة وفانتازيا “الفرنسي”.
حين التقاها الشرقي “لأول مرة كانت مجرد امرأة غارقة في جلابة من التركال، قديمة فضفاضة مخططة، خمار أخضر صاعد نحو منتصف العينين اللتين لا يمكن تمييز لونها الأدكن”. وبعد زمن من التعارف يلتقيها وقد انفرجت من أسار غلالتها السوداء، فيقول: “لم أضبط نفسي. وقفت وحدقت فيها، كان وجهها يحوي من الحلاوة ما يكفي نصف فتيات العالم، وكدت أهتف من أي سماء نزلت يا ساحرة؟”.
رقية هي المرأة، الأرض التي يهفو جميع الرجال في الرواية للمسة يد واحدة مها، قبل سريعة من شفتيها أو حتى نظرة واحدة مغمسة بالفتنة، لكن جسدها طوال مسيرة الرواية يظل عصياً على الامتلاك مثلما هي الأرض أو المدينة ممتنعة عن إعطاء نفسها لشخصيات الرواية والتي تتآكلها الخيبة والإحباطات المتوالية، تتلاعب بها الأهواء وتتوه في كل الاتجاهات ومع كل التيارات. فلا “الشرقي” “الغريب بشكل أو بآخر عن هموم المنطقة المحلية” والذي يعتبر نفسه في فترة نقاهة سياسية، مؤهلاً للانصهار مع رقية كجسد وعقل واحد، فاعل وقادر على تجاوز ركود وفوضى الوضع السياسي، ولا “سي الحبيب” الذي تعتقد رقية بأنه “وجدها أخيراً” ولن يمنعه “قلبه الضعيف من الالتحام معها، بقادر على أن يحقق ذلك. فهو شخصية تكاد تكون مغيبة على صعيد التفاعل مع الحدث وتصعيده وربما لأن الكاتب أراد أن يجعله رمزاً لمناضلي مرحلة الاستقلال الذين غيبوا “عن عمد” أو غابوا “بمحض إرادتهم”. عن الساحة السياسية بعد زوال الاستعمار الفرنسي. “فسي الحبيب” مصاب بآفة قلبية وهو مهدد بالموت كل لحظة، حتى أنه في نهاية الرواية يبقى حبيس غرفة “العناية المشددة” بين الموت والحياة مشلول الحركة وعاجز عن المشاركة، رغم نفسه الثوري، وإخلاصه وثقافته السياسية العريقة وسمعته الطيبة بين الناس.
وحين يكون “الشرقي” مشتتاً وضائعاً في متاهة المراقبة وعذابات الحب والاكتشاف. و”سي الحبيب” سجين مرضه وعجزه، إثر مكيدة دبرها له “سي إدريس” يخلو لهذا الأخير الجو تماماً، وهو انتهازي الطبقة البرجوازية الصاعدة واحد الشوائب التي أفرزتها مرحلة النضال في سبيل الاستقلال، يتاجر بكل شيء بدأ بالدعارة وانتهاء بالتهريب والممنوعات، فيحاول أن يختلي برقية وهو يعلن ذلك صراحة: “لا يستطيع الأسد مهاجمة ثلاثة جواميس برية إلا إذا استفردها واحدة واحدة، ولكنه ينتهي مقتولاً في غرفة “سي الحبيب” أثناء إحدى مطارداته لرقية. على يد لصٍ عابر.
في النهاية رقية ترفض إلا أن تصدق أن “الشرقي” قتل “سي إدريس” من أجل الحفاظ عليها، فتعرض على الشرقي اصطحابه معها أينما حلت “وهي كثيرة التنقل بين الرباط والدار البيضاء” لكنه يرفض الفرصة التي طالما حلم بها وتمناها، هكذا فجأة، ويقرر أنه لا يستحق أن يكون بطلاً في معركة لم يخضها أصلا.
هكذا تنغلق دائرة الحلم برقية مع انغلاق دائرة الرواية نفسها، فليس هناك بعد من هو جدير برقية، المدينة والأرض والحلم العتيق والمتجدد، المثير والمحطم.
ربما كانت رقية مجرد امرأة فاتنة، وجميع الشخصيات مجرد شخصيات لم تحمل أي بعد أو تمثل أي رمز، لكن عند ذلك- حسب رأيي- تتحول رواية “زنقة بن بركة” إلى مجرد وصف سطحي وعابر لعلاقة رجل “شرقي” “وربما كان هو الكاتب نفسه” أثناء فترة نقاهته، بمدينة جديدة وجوه جديدة وغرام جديد. وهنا يمكن أن تتحاكم الرواية من زاوية مختلفة تماماً، ويصبح من الهام أن يسأل الكاتب عن مسوغات كثير من الحلول التي اقترحها لأحداثه ولماذا غيّب شخصيات هامة، عن الفعل مثل “سي الحبيب” بينما أفسح المجال لأخرى، لكي تصول وتول في ساحة الأحداث وبناء الرواية، مع أنها كانت شخصيات ثانوية لا تحمل أي عمق أو زخم روائي.
مجلة الجديد/ لوس أنجلوس. الولايات المتحدة.
أيار/ 1997

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s