Bin Barka Evaluation: 4

من فردوس
البراءة إلى جحيم المأساة.
قراءة في رواية: زنقة بن بركة لمحمود سعيد.
فاضل ثامر.
قليلة هي الروايات التي تجتذبك منذ صفحاتها الأولى هذه الأيام. لكن رواية “زنقة بن بركة” للروائي محمود سعيد. فعلت ذلك بسهولة. بل جعلتني ألاحق، وأنا ألهث، هذا السيل المتصل من الأحداث المتلاحقة. وكأني أقرأ قصة قصيرة. لابد وأن أصل إلى نهايتها بسرعة. ولكني اكتشفت أن الروائي لم يترك لي فسحة لاسترداد أنفاسي. قادني بالرغم مني حتى نهاية الرواية التي تجاوزت صفحاتها الثلثمائة.
هذه حالة نادرة في القراءة المتوترة لم أجد ما يماثلها إلا في القصص البوليسي الذي كنت أعشقه في طفولتي. ولكني سرعان ما انصرفت عنه فيما بعد.
في البدء، خيّل لي بأني أمام رواية مغربية: “زنقة بن بركة”. ومؤلها اسم جديد: محمود سعيد، وما يعزّز هذا الاعتقاد أن الأجواء تجري داخل بيئة مغربية، وبمعرفة تفصيلية لأسرار تلك الحياة. ولكن علي أن أعود إلى بعض الوقائع التي لا يمكن الشك فيها: المؤلف روائي عراقي أقام بعض الوقت في المغرب. مدّرساً للغة العربية. بداياته الأولى: نشر مجموعة قصصية متواضعة عام 1957 تحت عنوان “قصص من بور سعيد” كما تذكرته صديقاً وزميلاً، التقيت به خلال مراحل الدراسة الجامعية أواخر الخمسينات ومطلع الستينات. ولهذا فعلي أن أعيد حساباتي، وأن أنبذ إحساسا اجتاحني في البداية: هذه رواية لا يمكن أن يكتبها إلا روائي مغربي، ربما من طراز محمد زفزاف أو إدريس الخوري أو محمد شكري. فهي تحتشد بتفاصيل حسيّة، ويومية لا يمكن أن يدركها، ويعيشها إلا روائي مغربي مرهف الحس مثل هؤلاء الروائيين، ولكن مهلاً، إن المؤلف يظل روائياً عراقياً عاش تجربة يومية غنية، استطاع أن يعرف كيف يتمثل هذه التجربة ويتفاعل معها بطريقة موفقة، وعلينا أن نتعامل معها بطريقة موفقة. وعلنيا أن نتعامل مع الرواية انطلاقاً من هذه الحقيقة.
الرواية بكاملها مشدودة إلى راوٍ مركزي هو “سي الشرقي” وهو لقب يطلقه المغاربة على هذا المدرس العربي القادم من أحد بلدان المشرق العربي. بدون أن يكترثوا جدياً بمعرفة اسم هذا البلد أصلاً. ولذا فالنص الروائي لا يخبرنا بجنسية الروائي. لكننا نكتشف ذلك من بعض التفاصيل الجزئية اللاحقة. وهكذا يهيمن الراوي المركزي على البنية السردية. بوصفه سارداً، وشاهداً، ومشاركاً ومعلقاً على الأحداث:
” تحدد العطلة عندي من خلال حدث يبدو في الأقل أكثر أهمية من المعتاد ولقد نسجت الصدفة ما جعلني أحس بأيام ذلك الصيف المتوتر الذي قضيته في المحمدية “فضالة” عام 1965 بأني أباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوّق أحلام كل شاب.”
بهذه الطريقة السردية الاعترافية – الأوتوبيوغرافية- يسهل المؤلف سرده عن طريق توظيف ضمير المتكلم، حيث يصبح هذا الضمير السردي هو البؤرة التي تتفرع منها كل التفاصيل اللاحقة. فهنا في هذا الاستهلال يحدد لنا الراوي البنيتين الزمنية والمكانية بوضوح: فالفترة الزمنية هي العطلة الصيفية والكان هو مدينة المحمدية أو فضالة في المغرب. والموقف ذاته لا يخلو من “استباق سردي” أو نبوءة بأحداث المستقبل في إشارته إلى أنه يحسّ بأنه إنما يباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوّق أحلام كل شاب.”
وهكذا تبدأ تتحرك الأحداث بطريقة السرد الذاتي حيث تبدو لنا كل التفاصيل والمرئيات عبر وعي الراوي المركزي الذي كان مراقباً ومشتبكاً بالأحداث في آن واحد – إن عملية التبئير ووجهة النظر سيكون لهما تأثير واضح على سياق الحدث الروائي بشمل عام، كما سنلحظ ذلك فيما بعد. ومن خلال هذه البؤرة السردية تبدأ الشخصيات والأمكنة والأفعال تتكشف وتتكامل. فالراوي يمتلك وقتاً كافياً للمراقبة. وهو كما يعترف لنا سريع الملل ويخشى الوحدة. ويشعر بأن نقطة ضعفه تتمثل في عبادة اللذة. لذا نراه ينهمك منذ البداية في مجموعة من الأفعال الحسية المتدفقة: حوارات، صداقات جديدة، زيارات، حفلات، ولائم، علاقات عاطفية وجنسية، رحلات، وهو في ذلك دائم الحركة والتنقل، سريع التآلف مع الأشياء والناس. وهكذا تتسع رقعة الشخصيات التي تحيط به، وهو يمسك بخيوط اللعبة السردية لمختلف الحبكات الرئيسة والثانوية في بالرواية. ونراه ينتقل بالتحرك من شقته الصغيرة في عمارة الصيني في شارع الزهور أو زنقة بن بركة إلى فضاء أوسع يرتبط بالشخصيات المحيطة بشقته مقدماً لنا جغرافية مكانية واضحة ودقيقة فنتوقف عند شخصيات ثانوية ورئيسة عديدة منها سي صابر، القادري، سي الحبيب، سي الوكيل، وكلنا ننجذب إلى شخصية سي الحبيب التي تثير اهتمامنا منذ البداية، وهو اهتمام له ما يبرره، كما سنكتشف فيما بعد.
يبدو لنا الراوي المتماهي مع البطل منهمكاً بأفعال حسيّة يوميّة متلاحقة، وكأنه في سباق مع الزمن لانتزاع الحد الأقصى من متع الحياة الحسية أو كأنه يريد تعويض ما خسره من سنوات سابقة. فهو كما يقول عن نفسه “يحلم بالسعادة والحب في أراضي المجهول”. لكن الحياة هنا في المغرب ليست مجرد سعادة وأنس، بل أنها تمتزج بالسياسة أيضاً، وكما قال سي صابر، أحد العاملين في المدرسة التي يعمل فيها البطل سي الشرقي “شيئان لا ينفصلان عندنا: الأنس والسياسة” وعندما عبّر البطل عن دهشته لهذه المعادلة متسائلاً عن علاقة الجنس بالسياسة‍ أجاب سي الحبيب بوضوح: “لا يمشي الإنسان برجل واحدة”.
وتتسع هذه الثيمة “الموضوعة” التي تؤكد تلازم الجنس بالسياسة في تجربة البطل في المغرب. وهي بالتأكيد رؤية ذاتية وشخصية لمجتمع غريب على البطل. إن كون البطل غريباً ومن بلاد أخرى يتيح الفرصة للتخلص من حالة الألفة اليومية مع الأشياء وبالتالي النظر إلى كل المرئيات والأشكال والسطوح وكأنها تخلق لأول مرة. فأمام عيني البطل المفتوحتين تظلّ الأشياء متدفقة متجددة جديرة بالتسجيل والاقتناص، وهي ميزة يوفرها البطل الغريب الذي يقتحم بيئة ثقافية ومكانية جديدة. وهذا ما وجدناه في عدد غير قليل من الروايات الإنكليزية والأمريكية التي يكون بطلها غريباً عن البيئة الثقافية والجغرافية التي يعيش فيها كما نجد ذلك في عدد من روايات هنري جيمس وأرنست همنغواي وغراهم كرين وسومرست موم وغيرهم. والتي تجري في الغالب في بلدان أجنبية مثل باريس وإسبانيا وأمريكا اللاتينية وآسيا.
والرواية خلال صفحاتها الثلثمائة تسير بإيقاع متوتر للغاية، فهي مكتوبة بتوتر شديد، حتى لتشعر أن أحداث اليوم الواحد تطول وتمتد إلى عشرات الصفحات كما أن أحداث اليوم التالي تتداخل بأحداث اليوم الأول وكأنها جزء متمم وعضوي زمنياً ومكانياً منه. والأحداث تتلاحق وتتراكم الواحد فوق الآخر دونما فاصلة زمنية أو نفسية أو سردية واضحة، والمؤلف لا يعمد إلى تقسيم روايته إلى فصول أو أقسام، بل وغالباً ما يهمل وضع فواصل عند الانتقال من مشهد إلى آخر أو من زمن إلى آخر. إلا فيما ندر حيث وجدنا فقرات مفصولة بنجمات ثلاث، وهي قليلة ومتباعدة، فأنت تقرأ أكثر من مئة صفحة بلا فاصلة سردية واضحة، وحتى الفواصل التي يتركها المؤلف لا تمثل فواصل عميقة، بل لا تعدو أن تكون استئنافاً للمشهد السابق ذاته، أو لنتائجه اللاحقة المترتبة عليه خلال هذه الرحلة، تشعر بأن الراوي، البطل يمتلئ بالتجارب الفنية، ويزداد معرفة بأسرار الحياة المغربية، ولكنه على الرغم من انغماسه بالحياة الحسية بما فيها من أنس وسهر وجنس وسياحة يظل يقظاً إلى حد كبير ومنتبهاً لما يجري حوله، ويستمر الإيقاع الروائي على هذه الدرجة من التوتر خلال الثلثين الأولين من الرواية وبعدها يبدأ هذا الإيقاع في المائة صفحة الأخيرة بالتصاعد بدرجة كبيرة وبشكل خاص عندما تظهر شخصية سي إدريس، بل وتتحول الرواية في بعض صفحاتها الأخيرة إلى قصة بحث غامض عن الجريمة، وكأننا أمام قصة بوليسية حقيقية.
في هذه الرواية تظل أفعال الرؤية البصرية هي المهيمنة في بناء المشهد فالأحداث تنطلق بلون من التزامن بين الرؤية والحدث – في مستوى الرؤية المصاحبة أو الرؤية “مع” حسب تقسيمات جان بويون المعروفة – فالراوي يعرف بقدر ما تعرفه الشخصية، ليست هناك حالات من الرؤية “من الخلف” حيث يعلم الرامي أكثر مما تعلمه الشخصية القصصية، والمؤلف يترك حق الرؤية للراوي وكلما يتدخل بشكل مباشر في سياق السرد، إلا أن هذا المستوى من السرد البصري الآني التزامني قلما يوظف أفعال الذاكرة بطريقة واضحة، فالراوي قلما يستذكر إشارات عابرة منها تذكره والده الذي توفي حديثاً وصورة غامضة عن حبيبة ما، وإشارة سياسية عابرة إلى بلده، وماعدا ذلك يبدو فعل الذاكرة، وبالتالي كل سياقات الماضي مقطوعة وقد حلت محلها وبشكل مهيمن فاعلية التصوير الآني للحدث، وكأن الفاعلية السردية قد تحولت إلى فاعلية صحفية يقوم بها مخبر صحفي حضر لتغطية أحداث ساخنة تجري أمامه. والراوي ليس مجرد عينين مفتوحتين فقط بل هو أيضاً أذنين مرهفتين تسجلان الأحاديث والهمسات ببراعة، فالراوي يقوم برواية الجزء الأعم من الأحداث، لكنه أحياناً يحيل السرد إلى بعض الشخصيات الثانوية التي تروي له بعض الأجزاء الثانوية من هذا الحدث أو ذاك فيتحول هو إلى مروي له nattotee وهكذا نراه يتخلى عن دور الراوي nattator إلى دور المروي له في بعض الأحيان، وتبادل الأدوار هذا واضح حتى في الأقسام الأدنى من الرواية أيضاً عندما يروح الراوي يلتقط التفاصيل الخاصة بمختلف الأحداث الروائية.
يمكن القول أن النسق الزماني الأساسي الذي يتحكم في سياق الأحداث هو نسق خطي متصاعد يبدأ من الحاضر وينتهي في نقطة معينة في المستقبل، مع توقفات محدودة على مستوى الاسترجاع والاستذكار. في هذا النسق الخطي الأفقي يتحرك البطل الراوي سي الشرقي وهو يرصد الأحداث ويتعرف إلى مجموعة أكبر من الناس مهم سكان العمارة والزقاق، لكن شخصية سي الحبيب تظل شخصية محورية جذابة كأنها تمتلك جذراً سياسياً بالنسبة للحياة السياسية في المغرب. وتدريجياً تتعرف إلى ملامح هذه الشخصية الغنية. سي الحبيب رجل يحظى باحترام وتقدير كل المحيطين به الذين يقدمون له كل أشكال الرعاية والحب. فهو مناضل مغربي، ومن قادة أحد الأحزاب المغربية الوطنية، وعلى الأغلب من مناضلي وقادة حزب الاستقلال الذي تعرض فيما بعد – حسب المنظور الروائي إلى عمليات انقسام عديدة، وكان سي الحبيب قد أجبر على الإقامة في مدينة المحمدية “فضالة” إثر الأحداث العاصفة التي طحنت البلد في أوائل الستينات، وفي البداية القي القبض عليه عندما كان يحاول الهرب إلى الشرق، ولم ينقذه من حبل المشنقة سوى الجلطة القلبية، حيث خفف الحكم إلى الإقامة الإجبارية، وخلال هذه الفترة كان يعاني الضعف، ويخشى من إجهاد القلب، لذا كان يحيا حياة هادئة بعيدة عن الإجهاد والجنس والإفراط في الطعام والشراب. وفي أعماقه كان سي الحبيب يحس بالأسى ,وأنه أصبح “في المعسكر الخاسر” لعجزه عن التأثير في مجرى الأحداث. فهو مثلاً يعجز عن مساعدة زوجة رفيقه المناضل الراحل بياض بن بللا التي كانت تقيم في بيت تعود ملكيته إلى البلدية التي تطالبها بإخلاء البيت، كما نتحسس، خلال ذلك الكثير من المشاكل الاجتماعية التي تواجه الفئات والشرائح الاجتماعية الفقيرة والشعبية والمتوسطة. لكننا من جهة ثانية نشعر، بصورة خفية بأن سي الحبيب، بوصفه رمزاً لمرحلة مهمة في النضال السياسي، كان مستهدفاً وإن هناك قوى معينة تريد تحطيمه، ونكتشف ذلك لاحقاً عند ظهور شخصية سي إدريس الغامضة التي تخطط لتدمير شخصية سي الحبيب. بل يمكن القول أن ظهور “رقية” قريبة الجزائري، ومحاولتها استمالة سي الحبيب والفوز بحبه لم يكن أمراً عرضياً أو اعتيادياًُ، بل قد يكون خاضعاً لتخطيط سياسي مدبر، أو أنها قد وظفت، في لحظة معين، سواء من قبل إدريس أو من قبل جهات أخرى للإسهام بتحطيم شخصية سي الحبيب.
لقد تعرف الراوي/ البطل سي الشرقي على “رقية” بوصفها قريبة الجزائري، وكانت ترتدي حجاباً وملابس محتشمة لا تظهر عمرها الحقيقي، لكن الراوي بعد أن دعاها إلى شقته اكتشف أنها تخفي تحت هذا الحجاب شباباً وجمالاً وأنوثة، وسرعان ما تمكنت من السيطرة على قلب الراوي، لكنها كانت منذ البداية صريحة وصعبة، عندما أخبرته بأنها كانت تحب سي الحبيب وأنها تخطط للفوز به وكأنها تريد أن تكسب رهاناً معيناً، -لمصلحتها. أو ربما لمصلحة جهة أخرى غير واضحة- كانت امرأة جريئة وصريحة وتعشق كل ما هو حسي: تدخن وتشرب وتحب السهر والرقص. وكان شعارها كما تقول:”أنا أحيا.. أنا أشرب”. لكن سي البقالي كان يشك في نزاهتها وقال عنها مرة: “إنها ساحرة” و”إنها تشتري الرجال وتلفظهم بعد أن تشبع منهم” لكن سي الشرقي ظل الوحيد الذي ينظر إليها بقداسة رافضاً كل التقولات التي تقال عنها، إلى أن يكتشف مؤخراً دورها في الأحداث عندما تسهم مع سي إدريس في تحطيم سي الحبيب فيصرخ فيها متسائلاً بلوعة واضحة: كم قلباً لك أيتها الأفعى؟”
لقد ظلت رقية تخطط للإيقاع بسي الحبيب الذي رفض أكثر من مرة دعوات الحب التي وجهتها إليه لكنها لم تضعف أو تتراجع وواصلت خططها، إلى أن استطاعت أن تفوز به، كما يبدو، حيث كان قد قرر الزواج منها لكنها بعد أن ربحت الجولة قررت كما هو واضح أن تتخلى عنه وتحطمه بالتعاون مع سي إدريس. وعندما يكتشف سي الحبيب خيانتها له مع سي إدريس انهار، بسبب تعرضه إلى نوبة قلبية ظل فيها فاقد الوعي بين الحياة والموت “غير حي، غير ميت”. وقد يتساءل القارئ مع نفسه أكثر من مرة فيما إذا كان انهيار سي الحبيب فعلاً سياسياً مخططاً أم مجرد مصادفة، ذلك أن الأحداث لم تكن بريئة وطبيعية خاصة بعد ظهور شخصية “سي إدريس” وهو شخصية مؤثرة وقوية وحاسمة، على الرغم من ظهورها في الثلث الأخير من الرواية فقط.
يتعرف الراوي عل سي إدريس في بداية الأمر في مجلس ضم سي الحبيب حيث يعترف سي إدريس بأنه مدين لسي الحبيب بكل شيء في حياته وبشكل خاص ي نجاحه لأنه ساعده في السفر إلى أوربا حيث وافه الحظ وعاد ثرياً وقوياً.
وشخصية سي إدريس شخصية قريبة إلى حد غير قليل من شخصية “غاتسبي العظيم” في رواية سكوت فتزجيرالد المعروفة. فهو حديث النعمة. ونجح في تسلق السلم الاجتماعي وسلم الثروات بسرعة وبطريقة غامضة أيضاً، وهو مثله يمارس لعبة الحياة الحسية بما فيها من شرب ومغامرة وجنس وطعام بإفراط. وهو أيضاً يراهن على أن يكسب المرأة التي يربد. فإذا ما كان غاتسبي قد قرر أن يكتسب حب “ديزي” وينتزعها من زوجها فإن سي إدريس يراهن الشرقي على أن يفوز ب”رقية”. وقد نجح في ذلك ولكن بطريقة درامية مدروسة، إلا أننا نكتشف فيما بعد أنه كان عنيناً لكنه في النهاية يحقق هدفه الغامض: تدمير حياة سي الحبيب إذ يعترف سي إدريس في أحد لقاءاته بسي الشرقي بأنه يخطط للانتقام من سي الحبيب الذي أهانه وتجاهله أكثر من مرة، وأنه قادر على فعل ذلك خاصة وأن “الجميع يريدون نهايته” كما يقول. بل إنه يعترف صراحة بعزمه على تحطيم “الجاموسات الثلاث” مرة واحدة ويقصد بها: سي الحبيب، ورقية، وسي الشرقي، ومن هنا يبدأ بالتخطيط المدروس- ربما لوحده أو بالتعاون مع جهات أخرى ظلت وراء الستار- وهي تفاصيل راح الراوي يكتشفها تدريجياً على طريقة التحقيق البوليسي عن طريق الإصغاء إلى أحاديث وشهادات واعترافات الآخرين: فقد أوقع أولاً “رقية” في حبائله- وربما كانت هي تخطط لمثل ذلك معه- ثم خطط لإبعاد سي الشرقي عن المدينة عندما دفع مبلغاً من المال للقادري لكي يدعو سي الشرقي إلى رحلة خارج المدينة، كما اكتشفنا محاولة مدروسة لإبعاد سي الحبيب عن المدينة عن طريق إرسال برقية تبلغه بمرض أمه، ظهر فيما بعد أنها برقية مزورة، وأن أمه لم تكن تعاني من أي مرض، وبالتالي تركت الرحلة تأثيراً صحياً سلبياً على صحة سي الحبيب. وعندما عاد سي الحبيب إلى مدينة المحمدية وصعد إلى شقة “رقية” وجدها في أحضان سي إدريس مما عجل بانهياره وإصابته بالنوبة القلبية التي جعلته يرقد في المستشفى بين الموت والحياة في حالة غيبوبة وكأنها غيبوبة مقصودة مطلوبة لواحد من رموز حركة النضال الوطني، وقد تكون رمزاً سياسياً لغيبوبة الوعي السياسي أو لأحد أو جهة الوطنية المعروفة.
لكن اللعبة التي لعبها “سي إدريس” لم تمر بسلام فها هو مرة أخرى مثل غاتسبي ينتهي نهاية مأساوية، فمثلما يُقتل غاتسبي، كذلك يُقتل “سي إدريس” في الشقة التي تقيم فيها “رقية” ويبدو أن أصابع الاتهام، وبشكل خاص تلك التي وجهنها الشرطة كانت موجهة إلى “سي الشرق” الذي كان بدوره يعتقد بأن الفاعل الحقيقي ربما يكون “سي قب” ذلك الكائن الغبي، ولكن الطيب القلب الذي كان يحترم “سي الحبيب” ويعرف خيوط اللعبة القذرة التي أدت إلى تحطيمه، لذا رجا سي الشرقي أن يمنحه مفتاح الشقة التي كانت تقيم فيها رقية. وربما كان هذا هو آخر عمل قام به قبيل رحيله إلى أوربا، لكن سي الشرقي يظل صامتاً، ويتخلص من التهمة لأنه كان مدعواً تلك الليلة إلى حفلة لدى عائلة أحمد وبعض ضيوفه وأصدقائه.
لقد استطاع المؤلف، وبشكل خاص في الأقسام الأخيرة من الرواية من تجميع خيوط الأحداث بمهارة وفنية عاليتين، تجنباً كافة أشكل التقرير والمباشرة، عندما يستيقظ الراوي/ البطل سي الشرقي على صوت صرخة مفاجئة يتصور بأن قب قد قتل “رقية” فيقول: “قب .. أغبى إنسان رأيته في حياتي… يا له من غبي! أقتلها في مثل هذه الساعة؟” لكن الطرقات على بابه توقظه وتخبره الخادمة المرعوبة بوجود دم في شقة الجزائري التي تقيم فيها رقية.
-من؟
-لا أدري.. رجل في شقة سي الجزائري، دم فظيع.
-رجل؟
– نعم..
-الحمد لله، ليس رقية إذن.
ويعيد الراوي تجميع الأحداث وتنظيمها. ويقع تحت طائلة استجواب رجال الشرطة الذين يطّلعون على مفكرته الشخصية التي سجل فيها الكثير من الاعترافات والأحاديث عن رقية وسي إدريس وسي الحبيب. وربما كان من المفيد- من الناحية التأليفية- تخصيص مساحة أكبر لها داخل بنية السرد الروائي لخلق نوع من المغايرة في السرد.
من كل ذلك نلاحظ أن إيقاع الحدث الروائي المتوتر، يتصاعد نحو ذروة تراجيدية غير متوقعة. فالنصف الأول من الرواية كان محتشداً بالأفعال الحسية والجنسية البريئة من الظلال التراجيدية، لكن الأحداث تأخذ في الثلث الأخير من الرواية بالسير نحو نهايات فاجعة ودموية تؤدي إلى تحطيم حياة سي الحبيب ورقوده الأزلي في غيبوبة دائمة في المستشفى، ومن ثم إلى مقتل سي إدريس الغامض: ترى هل يمكن أن نتذكر مرة أخرى رواية غاتسبي العظيم “ونقول” أن هذه النهاية المأساوية هي أيضاً – مثل رواية فتزجيرالد المذكورة – إشارة صريحة إلى انهيار الحلم الحسي المغربي وإلى تفكك ثنائية الجنس السياسية في الحياة المغربية. وهل كان البطل المتماهي مع الراوي مكتفياً بفتح عدسة كامرته على سياق الأحداث العفوي، أم أنه كان يخطط مسبقاً لمثل هذا التصعيد التراجيدي الفاجع الذي غيم على كل ما هو جنسي ومحسوس ودنيوي بل أ هي إشارة ما إلى موقف وجودي وعبثي من الحياة، بحيث يتحول المجهود البشري الواعي والجاد إلى فعل عبثي لا مجدٍ، ذلك أن الإنسان محكوم عليه بالمعاناة الوجودية في هذه الحياة؟ هذه وغيرها هي أسئلة تحرض القارئ، بكل تأكيد على تقديم قراءات وتأويلات عديدة لحركة الأحداث الروائية، التي يتركها المؤلف في ذروتها مفتوحة على الوعي التأويلي الحر للقارئ نفسه ولمستوى تلقيه واستجابته.
وبعد، يمكن القول إن هذه الرواية تمثل محاولة جادة وجريئة للاقتراب الحميم إلى قاع الأحداث وهي أيضاً سعي لاكتشاف واختراق المجهول والوصول إلى تخوم الحقيقة عن طريق الانطلاق من الجزئي إلى الكلي، من البريء إلى المدنس، من الظاهر إلى الباطن.
وكما سبق أن لاحظنا يتماهى في هذه الرواية الراوي مع البطل في لون من السرد الذاتي الذي يوظف ضمير المتكلم، ويتخذ هذا السرد مظهر الاعترافات الذاتية لتجربة شخصية داخلية، وفي الوقت ذاته يتخذ مظهر الشهادة لأفعال روائية خارجية، فالراوي/ البطل هنا هو شخصية ممسرحة داخل اللعبة السردية، لكن الفعل السردي لا يتحول إلى مرآة نرجسية للبطل الراوي، بل يتسع عندما يتحول الراوي إلى مراقب لفعل خارجي موازٍ ومتزامن، فعل يتداخل فيه الجنس والسياسة والحياة داخل لعبة معقدة ومحتشدة تكشف عن كثافة حسية مرئية وغير مرئية لفعل الحياة اليومية التي تخفي بدورها حركة لا مرئية لأفعال سرية تحرك اللعبة السردية والحياتية بكاملها، وهو أمر يجعل الرواية مليئة بالتوتر والشد والتدفق والحيوية معاً. إنها رواية تزدحم بالرؤى والأصوات الغيرية المتصارعة التي ظلت تحاول تأكيد حضورها واستقلالها في الحكي والمشاركة والصراع والحضور داخل هذا الفعل الراوي المليء بالحياة والاحتدام والتوهج.
الأديب المعاصر. شتاء 1995.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s