Bin Barka Evaluation: 11

خيبة الرحيل.
في رواية “زنقة بن بركة”
لـ
محمود سعيد.
حسب الله يحي.
في كثير من الأحيان لا يكون الرحيل ترفاً ولا نزهة إنما هو محاولة للخروج من أزمة وتحقيقاً لمهمة، وعندما تصطدم هذه المحاولة بجدران الخيبة تتكون حالة اليأس المرير والمواجهة الصعبة والمستحيلة للحياة.
كذلك تشهد حالة الخيبة في أولى خطواتها سبيلاً إلى الانبهار وهي تبتعد عن الأزمة، فترى في كل جديد سلسلة من التطلعات الحسية والخلجات المنجزة. إلا أن هذه التطلعات وهذه الحاجات تصطدم بالواقع الحقيقي للأشياء، عندئذ تقتصر وتجد نفسها عاجزة عن حل مشكلاتها الراهنة فضلاً عن سدّ أبواب المستقبل.
وهذا ما نشهده في شخصية “سي الشرقي” الواردة في رواية “زنقة بن بركة” للروائي محمود سعيد.
هذه الشخصية المحورية، شخصية مدركة، واعية، منتمية إلى الحياة في مداها المتفائل، إلا أنها تواجه إشكالات تتعلق بوعيها وإدراكها، الأمر الذي يجدد مسارها، ويسعى إلى قتل إرادة الوعي عندها، من هنا تبحث هذه الشخصية الأنموذج عن سبيل للإبقاء عل هذا الوعي من دون أن تتخلى عنه أو تعطي تنازلات نتيجة تمسكها به.
وهي إرادة مطلوبة وفعالة وجريئة، إلا أن هذا الموقف الثابت يصطدم بالخيبة في أكثر من حالة وأكثر من موقع، خيبة في العلاقات مع قوى مماثلة في المشرق والمغرب، حيث تكون النقلة الجديدة، وخيبة في التعلق بالمرأة عندما كان الأمر يحدد تعلقه بها وهو في المشرق، بينما يفتح المغرب أفقه الواسع والمفتوح لمثل هذه العلاقات، فهل هي الحل المراد والنتيجة المبتغاة والنشيد المطلوب والمنجز؟
إن محمود سعيد يريد أن يقول في روايته أن الأهداف التي آمنت شخصيته بها، ظلت أهدافاً طوباوية، ولم تنجز على أرض الواقع.
ذلك أن الأهداف ولأمد زمني طويل حين لا تجد سبلها المنجز. ولا موقعها الذي ينبغي أن تكون عليه تتحول في نهاية الأمر إلى قوة معطلة، جامدة، مثيرة للخيبة ومن ثم لليأس.
إن المتنفس الذي يجده الشرقي في عالمه المأزوم، وهو ينطلق إلى مغرب الدنيا بحثاً عن عالم جديد يخرجه من أزماته الفكرية بكون أن التوجه القومي تتسع له الدنيا، والتوجه الوطني في داخله حس إنساني يتسع كذلك للعيش الأفضل، يصطدم بالواقع المر، بالصعب وبالعجز، هنا تغدو “الزنقة” من كونها الطريق الضيق، إلى مكان تصبح فيه كل الطرق، كل الأزقة مسدودة.
بمعنى آخر أن المكان هنا لا يتسع للعيش، ولا لحياة الإنسان في أن يجد سبيله للتنفس بالرغم من كل مشاهد الترف والجنس والعلاقات المفتوحة التي تحيط به، وتنقله من حالة الانغلاق ومحدودية أو قسرية التفاعل بين العقل والمجتمع، بين العواطف المفتوحة والإرادة المقموعة إلى نوع من القبول بكثير من الأشياء الحسية، فهل جاء رحيل “سي الشرقي” من أدلها حسب؟!
إن الشرقي وهو يرتحل عن بلاده، حاملاً معه كل آماله في العمل والجنس ولإرادة الحرة، مودعاً كل ذاكرته وذكرياته في البلاد التي انتمى إليها سرعان ما يجد نفسه مطعوناً في كل قناعاته المبكرة، كل رؤاه التي رسم لها حاضره ومستقبله، ليصبح كل شيء في ذمة الماضي المقتول في نفسه وفي الصورة الزاهية التي تحددها بنفسه، ذلك أن الغربة تقتله بعد أن يشبع تلك الحاجات التي لم يتمكن من اروائها في موطنه بسبب تقاليد معينة، أو مراسيم محددة، أو طقوس ملزمة، وحين ينجز كل شيء، لا يصبح أمامه شيء يجعله يتمسك به أو يراه في المنظور القريب أو البعيد، هنا يغتال الوعي وتقتل الذاكرة وتسحق إرادة الإنسان في قمة مجده، في وعي يتعلق به، ويصر عليه ويناضل من أجله، هذا النضال الباسل الذي يبدده الواقع يسكت صوته، يقمعه تماماً ومن ثم يقتله في داخل نفسه.
هنا يتمزق نسيج الحكمة الأثير، هنا يضللنا الطريق. بحيث لا يصبح بمقدورنا معرفة إلى أين يؤدي بنا؟ إلي أي سبيل يصل بنا.
لقد عالجت الرواية العربية مثل هذا المعطى حيث نراه في روايات ليحيى حقي وسهيل إدريس والطيب صالح وسواهم، إلا أن تلك الأعمال على الألق المهم الذي تتمتع به، كانت تتمحور ضمن المحيط الاجتماعي الموروث فيما نجد رواية “زنقة بن بركة” تنقلنا إلى الوعي الفكري والسياسي على نحو أدل الأمر الذي يجعل هذا الوعي يحمل دلالة تعزز الموقف. ثم تتشظى وتندمل وتتفجر وفق قناعات وتوجهات دوّمت الرأس وأهمدته لأعوام طويلة. ثم إذ بها تنكسر سريعاً، وتصبح عاجزة عن مواجهة الظروف الصعبة المحيطة بها.
إن “سي الشرقي” و”رقية” و”سي الحبيب” وسواهم من أبطال هذه الرواية الأثيرة، شخصيات تبحث عن نفسها، بعد أن فقدت وجودها الخاص، بعد أن مات الأمل في داخلها، بعد أن صار وعيها مغدوراً، وإرادتها مسحوقة، وخيباتها متلاحقة.
هنا تكمن القيمة الفكرية في “زنقة بن بركة” وهنا ندرك تماماً لماذا كرس الحكي فيها ضمن هذا التسلسل السردي اللاهث الذي لا يتوقف بل ويصر على الإمساك بكل كلمة وكل صورة وكل موقف وكل حدث.
الروائي معنيّ أن يعزز معانيه، ويكوّن عالمه الروائي ورؤى شخصياته حتى لندرك من خلاله المعنى الكامن والمعنى الذي يواجهنا بكثير من الدراية والقبول ندرك الإحساس العميق للأشياء.
“زنقة بن بركة” رواية تواجهنا بكثير من الرأي ، عبر بناء فني محكم ومعنىً نابه وموقف خلاق.
الثورة. بغداد: 8/5/1995.

Advertisements

About mahmoudsaeediraq

I am an Iraqi writer. I came to the USA in 1999, and I got politic asylum. Since that time I am living in Chicago, Illinois. I have written more than 20 novels and short story collections and hundreds of articles. Some of my novels were destroyed by Iraqi regimes. I have won awards in Iraq, Egypt and the United States. I also have won awards for short stories, one in Iraq and the second in UAE. I worked in Iraq as a high school teacher teaching Arabic literature. I was imprisoned six times between 1959 and 1980. I was dismissed from my job for three years, so I went to Morocco and I worked there as a high school teacher. I wrote about last time in prison as novel titled, "I am the one who saw." This novel was translated to English by Dr. Sadri (a professor of Lake Frost University) and published in Al Saqi house publishing company in London by the name of "Saddam City." The New York Public Libraries listed my novel as one of the best novels of the last century. Amnesty international chose 37 writers from all over the world, including me, to celebrate the Universal Declaration of Human Rights. We wrote short stories, and the collection was published in London, USA, Canada, Spain, and Turkey. It was translated in more than 20 languages. MAHMOUD SAEED, Chicago, Illinois
This entry was posted in مقالات نقدية بالإنكليزية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in English About Mahmoud's Works, مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s