محمود سعيد في محاورة قديمة/1

الخميس, 29 أيلول 2011

د. فاروق أوهان
وجهان لمحاورة واحدة هو ما ارتآه الأديب محمود سعيد لهذا لسوف أقدم الوجهين او المحاورتين كما جاءتا من محمود نفسه بالنص، وعلى قسمين اثنين؛؛؛ وهذه كلمات محمود سعيد بقلمه التي تقول:
من محمود سعيد إلى الدكتور فاروق أوهان حول الاستجواب : ما يلي جزءان الأول عام والثاني خاص بالأسئلة، فاختر ماشئت، وإن أشكل عليك شيء فاتصل بي وشكراً.
الجزء المختص بالرؤية العامة لمسيرة محمود سعيد الأدبية
التجربة:
العنصر الرئيس فيما أكتب هو محاولة إحياء التجربة التي مرت بي، محاولة إعادة الحياة، وصف تلك التجربة بحلوها ومرها، بؤسها وسعادتها، لذا أعتبر نفسي ناجحاً إن وفقت إلى تشخيصها، وتصويرها كما أبغي، وفاشلا إن لم أوفق.
محاولة إعادة الماضي برؤى جديدة يعني حياة جديدة بعد الموت، فاللحظة التي تمر تموت، إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء مستحيل واقعاً، ممكن تخيلاً، إنه ولادة جديدة، بمدلولات جديدة، ووعي جديد، وعقلية جديدة، وهذا يعني إعادة تشكيل الواقع بمعمار متطور، وهذا يعني أيضاً بالضرورة تطوير التجربة، تطوير الحياة.
وبتجربتي المتواضعة فإنني أرى أن عيني الطفل هي المرآة الحقيقية التي تعكس الواقع بصدق، وبقدر ما تكون وما تزال حادة تكون صادقة حتى لو بلغ المرء من زمانه نهايته، حتى لو بات على حافة الموت، وقمة التمتع عندي هي الرجوع إلى حياة الطفولة بمرحها، نظرتها إلى المحيط، سعادتها بسماع حكايا الأمهات والجدات والمتكلمين السماعيين الموهوبين عن الوحوش القاتلة وقصص الظلم والانتصارات التي تسرد سير الأبطال والأنبياء والأحداث التاريخية العظمى والأساطير، والتي تكون الخزين الأكبر الذي يمتح منه الحاكي أحداث حكاياته وقصصه ورواياته، والمعين الذي أستمد منه مقدرتي على إعادة تشكيل الواقع.
لكن هذا لا يعني إلغاء تأثير القراءة والتلاقح الحضاري الذي زرعت بذوره المدارس والكتب الحديثة.
بعد بضع روايات اخترت أبطالها من الواقع، ومن الناس الذين عشت معهم، ودرجت وإياهم، راودتني فكرة كتابة رواية تاريخية، الفكرة ناضجة في ذهني، لكني لم أجرؤ..لماذا؟
ربما سأجد السبب فيما بعد، لكني لا أعرف الآن.
الأحداث:
يتنازعني تياران، تياران يتعباني في صراعهما جداً، يضيعان الكثير من وقتي، تيار يفرض بعض الأحداث علي، يفرضها كقدر لا أستطيع الفكاك منه، وتيار يتكون من أحداث أثرت بي وأود أن أكتب عنها لكني لا أجد الوسيلة ولا الطريقة المثلى للصياغة، بالنسبة لأحداث التيار الأول فإني لا أجد صعوبة في الكتابة عنه، أكتب عنه بسلاسة وعفوية، لا بل ربما من دون تفكير إلا بالصياغة وطريقة السرد وتقنيات الكتابة، ومن بين ما كتبت تحت تأثير هذا التيار زنقة بن بركة.
أما بالنسبة إلى التيار الثاني فهناك أحداث جسام تمر بي وتترك أثرها علي وعلى شعبي ومحيطي، ولذا أرى الكتابة عنها أكثر من ضرورية لكني لا أستطيع إنجاز ما آمل إنجازه، ولعلي فاشل في الكتابة عن هذا التيار وإيفائه حقه بالرغم من الضرورة الماسة إلى إنجاز مثل تلك الأعمال، أما سبب هذا الفشل فيعود إلى أنني ربما أمتلك معدة بطيئة في هضم الحوادث، وهذا شرّ لا أدري كيف أتخلص منه.
الذاكرة:
لم تثرني الذاكرة الدينية أو القومية أو الإثنية بأي شكل من الأشكال، كنت ومازلت أمقت أي نوع من أنواع التعصب، ولا أعتقد أن أي دعاية إثنية أو قومية أو دينية تستهويني لكني أنحاز إلى قضية أي حق كانت حتى ولو تعلقت بمن هم أعداء تاريخيين، فبالرغم من أن عائلتنا متدينة وبالأخص والدي لكني ربيت نفسي على التسامح مع كل المبادئ والمذاهب والأديان، فأنا مستعد للوقوف مع أي مظلوم حتى ينال حقه ولو كان الظالم أخي، إنني أومن بحق كل الناس بالعيش والحياة الكريمة مهما كانت معتقداتهم وانتماءاتهم الوطنية والقومية، ولذا فلن ترى شخصاً متعصباً محترماً في رواياتي.
الغربة:
الغربة نوعان، نوع مادي سهل بسيط، تعارف عليه الناس، يتمثل بالبعد عن الوطن، سهل في نظري لأني أرى أن العصر الحديث اختزل الأبعاد في المسافات بين البلدان والقارات،لم تعد أي مسافة مهما بعدت بقصيّة، في خلال يوم أو بعض يوم يقطع المرء نصف الأرض، أما النوع الثاني فهو المعنوي، وهو مرض وبيل كالسل أو السرطان أو نقص المناعة المكتسبة، ولا يصيب غير المفكرين وعميقي التفكير، إنه مرض النخبة الراقية، إنه يمثل الغربة الحقة، الغربة القاتلة، ومن ابتلي به يعيش غريباُ بين أهله، يعيش الغربة كاملة موحشة قاتلة شقيّة وهو في وطنه، ولعل هذا ما عناه أبو حيان التوحيدي عندما قال: الغريب من ليس له في الحظ نصيب..وقد كان يقصد بكلمة الحظ السعادة، ولعل هذا ما قصده المتنبي أيضاً في قوله:
ذو العقل يشقى في الحياة بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم
ولعل حرق أبي حيان كتبه وهو في أرذل العمر كان رد فعل لشقاء الغربة المرضيّة الذي تكلمنا عنه، ولابد أنه وهو نفسه الذي أنهى حياة همنكوي وميشيما وهما في عز تألقهما ومجدهما.
الرواية الأولى:
كانت روايتي الأولى :الإضراب، كتبتها سنة 60 وهي عن إضراب القصابين – الجزارين – في الموصل، وكان أقوى إضراب في أي بقعة من الوطن العربي نجح في فرض أهدافه، أستمر أسبوعاً كاملاً، أما أرضيته فكانت قراراً اتخذته بلدية الموصل آنذاك بفرض ضريبة جديدة على القصابين رؤوا أنها تعسفية ، أضرب القصابون، وتضامن معهم كل أهل المهن في المدينة، وأدى الإضراب إلى سقوط الحكومة، وإلغاء الضريبة، قدمت الرواية إلى اتحاد الأدباء العراقيين، وكان علي الشوك مسؤولاً عن القصة، فقال لي إنهم لا يستطيعون نشرها لظروف البلد السياسية، وقال لي حاول أن تكتب غيرها، فكتبت رواية: (قضية قديمة) عن الهاربين من الاغتيالات في الموصل إلى بغداد الجديدة، الاغتيالات التي كان يشرف عليها عبد الحميد السراج من سوريا، قدمت الرواية للاتحاد نهاية 61 ثم نقلت إلى الرقابة، وكان المسؤول المقدم لطفي طاهر شقيق المرحوم وصفي، فظلت في الرقابة مدة ثلاثة أشهر تقريباً وأجيزت بعدئذ، وطبعت، وكان من المفروض أن توزع في 15/2/63 ، لكن انقلاباً حدث في 8 شباط، أحرقت مع أختها الإضراب ومئات المخطوطات المودعة في اتحاد الأدباء العراقيين بعد اقتحام الاتحاد ومصادرة ما فيه، وفي رسالة من المرحوم هادي العلوي تدل على ذاكرة جبارة لا يتمتع بها إلا العباقرة وصلتني في تموز 1998 يتذكر الحادثة، يقول إنه أوصى بإجازة نشرها عندما كان يعمل بالرقابة آنذاك، ولقد ذكر علي الشوك أخبار الروايتين في كلمته عن زنقة بن بركة والتي نشرها في جريدة الحياة اللندنية 94 ثم تكلم عن الأولى في مجلة المدى عدد: 21-2-1998
أما الرواية الثالثة فكانت الإيقاع والهاجس وهي عن معاناة الأكثرية الساحقة من المفكرين والأدباء والمثقفين العراقيين الذين وجدوا أنفسهم على قارعة الطريق أو في السجون بعد 63، وكنت منهم، سجنت سنة، وفصلت من الوظيفة ثلاث سنوات، كتبتها سنة 68 ومنعتها الرقابة، وكان الخبير آنئذ عبد الرحمن الربيعي الذي كانت تربطني به معرفة بسيطةلم تشفع لي، ثم منعت شقيقتها زنقة بن بركة التي كتبتها سنة 970 وهي عن حياتي في المغرب، وكان الخبير حسبما قيل لي الربيعي نفسه، وعندما طبعتها بعد 23 سنة التقيت الأديب باسم عبد الحميد حمودي الذي كان معجباً بها جداً، اقترح تقديمها لمسابقة الرواية السنويةن وعندما أخبرته أنها ممنوعة، قال لي: كل شيء تغير، تبدل المسؤولون عدة مرات.
وبالفعل فازت بالجائزة الأولى، وكان المحكمون محايدون برئاسة المرحوم جبرا الذي أصر على أن يراني بعد نحو سنة، فذهبت مع القاصة لطفية الدليمي والشاعرة دنيا ميخائيل لزيارته، وربما كنت أخر شخص رآه إذ سمعت خبر وفاته ما أن وصلت إلى الأردن، أما باقي المحكمين فلم يكن فيهم من الحزبيين سوى سامي مهدي الذي أبدى مخاوفه على نقطة بسيطة وردت في الرواية تتعلق بعبارات تمس الملكية في المغرب، لكن الناقد عبد الإله أحمد طمأن مخاوفه، كان عبد الإله كما سمعت منه لاحقاً قد تحمس لها كثيراً هو والروائي الشهير مهدي عيسى الصقر، والناقد فاضل ثامر.
أحدثت الرواية ضجة كبيرة، وبالرغم من أنها لم توزع في العراق، وأنها ممنوعة في الأردن والمغرب والكويت إلا أن عدد النقاد الذين أطروها بلغ واحداً وعشرين واحداً منهم كتاب ونقاد في القمة مثل: علي الشوك الذي يعتبرها أفضل رواية عربية، ومحمد خضير، علي جواد الطاهر، وأشاد العشرات برسائل شخصية منهم الدكتور سهيل إدريس والتكرلي وإبراهيم أحمد وجنان حلاوي.
وكتبت راوية المجذومون 1975 عن معاناة الناس في السبعينات، يقضون جل نهارهم في الركض للحصول على المواد الغذائية، حيث يقفون ساعات طويلة للتزود بالخبز والخضار واللحوم ووو..ثم تبين لي بعد تقصي الأمر أن كل تلك الأزمات كانت مفتعلة، إذا كانت السلطة قد احتكرت توزيع الغذاء بكل أنواعه، وكانت تلجأ إلى خزن الطماطة على سبيل المثال أسبوعاً كاملاً لا تنزلها إلى السوق، فيبدأ الناس بالبحث عبثاً عن الطماطة، وفي الأسبوع الثاني يخزنون البيض، وفي الثالث الخبز، فالزيوت واللحوم وهكذا باقي المواد الغذائية والملابس ومواد البناء والصابون، ثم كتبت رواية أنا الذي رأى سنة 980 وهي عن سجون العراق، وكنت سجنت لسبب لا أدري ما هو وذهبت إلى سوريا، وقدمتها لاتحاد الكتاب العرب، وكان الخبير محمد بو خضور، فوافقوا على نشرها، لكن بو خضور نقل إلي شرط الاتحاد :أن أحذف من الرواية كل ما كتبت عن الشذوذ النوعي المنتشر عند بعض السجناء، وكل ما ورد في الرواية عن عائلة صدام، وعندما استجبت له، طلب مني أن أعمل مع المخابرات السورية فرفضت، فمنعت الرواية في سوريا، ولولا جهود الصديق فخري كريم لما تيسر لي طبعها في سوريا بعد 15 عاماً، وقبل أشهر من بدء الحرب العراقية الإيرانية (وكنت في البصرة آنذاك) انتقلت إلى بيت جديد فاكتشفت أن رواية المجذومون قد ضاعت، وفشلت جهودي في العثور عليها، وفشلت كذلك في إعادة كتابتها، وحزنت لذلك حزناً عظيماً.
أما رواية نهاية النهار التي فزت بها بجائزة نادي القصة في القاهرة فكانت عن حرب الخليج، وكانت رواية الموت الجميل عن الغربة بنوعيها، أما رواية قبل الحب بعد الحب- تحت الطبع- فهي عن قصف البصرة في خلال ثماني السنوات التي عاشتها المدينة تحت رعب الحرب العراقية الإيرانية.7
الرواية والروائيون العراقيون:
أول رواية قرأتها فهي قصة عنترة، وكان ذلك في الابتدائية، ثم قصة سيف بن ذي يزن، وقرأت قصة الأم لمكسيم غوركي في الصف السادس الابتدائي، أما أول قصص قصيرة عراقية قرأتها فكانت لجعفر الخليلي، لكن أول رواية عراقية قرأتها فكانت لذي النون أيوب – الدكتور إبراهيم، واستمتعت كثيراً بقراءة (مجنونان) لعبد الحق فاضل ولذا لم تعجبني رواية يوسف الصائغ- اللعبة- التي كتبها بعد نصف قرن تقريباً، وكانت تطرق إلى موضوع مشابه تقريباً، ويتملكني العجب كثيراً لعدم استمرار عبد الحق في كتابة الرواية؟ واستمتعت كذلك برواية غانم الدباغ ضجة في الزقاق بجزأيها، وأعتبرها من أفضل الروايات العراقية، وأفضلها على روايات غائب طعمة فرمان والتكرلي، وأظن أن غانم الدباغ لولم يتوفى في عز شبابه لأتحفنا بروائع أخرى، وأعجبني إلى حد الجنون قصص المرحوم عبد الملك نوري، الذي لم ينل حقه من التكريم والاحتفاء والشهرة فهو في نظري أهم كاتب قصة قصيرة ظهر في الوطن العربي في الخمسينات والستينات قاطبة، وقصصه أجمل وأقوى من قصص زكريا تامر ويوسف إدريس وكلاهما اشتهرا أكثر منه، ولعل ضعف الدعاية في العراق ومحاربة السلطة للمفكرين والكتاب في العراق بتلك الصليبية الوسخة هي السبب في خمود شهرة العباقرة منهم، ولو كانوا في غير العراق لتجاوزوا النجوم.
وكنت من المعجبين بأعمال مهدي عيسى الصقر بنظري وبخاصة الشاهدة والزنجي وأعتبرها من أفضل الروايات في النتاج العراقي والعربي برأيي المتواضع.
أما من الكتاب العرب فيقف نجيب محفوظ في بعض رواياته في القمة، مثل رواية زقاق المدق، واللص والكلاب والكرنك وأولاد حارتنا، ولست أدري لماذا لم أستطع أن أكمل السراب والثلاثية وبعض الروايات الأخرى، وبكيت كثيراً وأنا في مراهقتي لقصص عبد الحليم عبد الله، واستمتعت ببعض روايات عبد الحميد جودة السحار، وعلي أحمد باكثير، أما الطيب صالح فلم يعجبني من أعماله سوى مواسم الهجرة إلى الشمال، ولم أستطع كذلك أن أكمل الكثير من روايات حنا مينا، لكن من التجارب العربية التي أجبتني كثيراً رواية الليبي أحمد الفقي، ورواية الفلسطينية سحر بركات: الميراث.

الصراع:
هناك بعض الكتاب يحاولون أن يتخيلوا أنهم ينافسون شخصاً ما أو يصارعونه، لكني لست منهم، لست ممن يخلق لنفسه حلبة صراع من منافسين وهميين أو حقيقيين، فبالنسبة لي أحاول أن أصارع نفسي أولاً، أن أتجاوز ما تمكنت من إنجازه في الماضي، أن لا أكرر نفسي، أن أقدم شيئاً جديداً في كل رواية أكتبها.
وبذلك يكون ندي هو نفسي في المقام الأول، أما الشيء الثاني الذي أصارعه فهو قضية تنتج عن خلل مبدأي أراه جديراً بالصراع، فأنا على سبيل المثال أرى بأن الرأسمالية بشكلها الماثل الآن، وبالنظام الذي تحاول أن تروج له، وتخطط لتطبيقه في كل العالم أمر يمثل نقطة جديرة للصراع، للتضحية، للمجابهة.
وربما يكون هذا الاختلاف الفكري هو النقطة التي يمكن أن يتقاطع عندها المفكرون والأدباء على العموم، وأعتقد أن ذلك يمثل دافعاً مهماً للكتابة، وهو بشكله العام دافع إنساني لا قومي، فالقضايا القومية لم تكن شاغلاً لي بأي شكل من الأشكال، لا لأنها لم ترفع شعارات مهمة بل على العكس، فلقد كانت القضايا التي طرحتها والشعارات التي أعلنتها جذابة ومثيرة وثورية، لكن من قام بكل ذلك أناس مشبهون تربوا على فتات الاستعمار، وجاؤوا بقطاره العفن منذ حركة الاستقلال في العشرينات وحتى هذه اللحظة.

العناصر:
إن أحد أهم المبادئ في كتابة القصة والرواية هو الصراع بين نقيضين اثنين، وربما يكون بين ثلاثة، ومعظم أفلام الرعب والأفلام والروايات البوليسية والتاريخية مبنية على هذا النوع من الصراع، وفي الغالب يجسم أحد أبطال الرواية الشر والآخر الخير، وبالنسبة لي لم أعتد تحديد هذين النقيضين قبل الكتابة مطلقاً، فالصراع يظهر في كتاباتي عفوياً غير مفروض، فعلى سبيل المثال يرى أفراد عائلة بطل رواية الإيقاع والهاجس أنفسهم في مأزق لا فكاك منه مهما بذلوا من جهد، أما أطراف الصراع في زنقة بن بركة فكانت بين انتهازي صاعد وبين مناضل أصيل على قضية مبدأية من جهة، وبين سي الشرقي وبين صديقه الحميم على فتاة من جهة أخرى، وبين الشرقي والانتهازي من جهة ثالثة.
الحقيقة والخيال:
يصعب إرجاع الأسباب إلى أصولها، فلا يمكن معرفة مدى ما العناصر الخيالية أو الواقعية بأي قصة من القصص، فعلى سبيل المثال لا يمكن حتى لسرفانتس أن يحدد كمية الخيال في دون كيخوتيه، بالرغم من أن الجميع يتفقون على أنها من صنع الخيال، فلم يوجد مثل ذلك البطل في الواقع، لكن عبقرية سرفانتس جعلته يبدو وكأنه واقعي مئة بالمئة لكي يضحك المؤلف الناس على ظاهرة الفروسية الكاذبة التي سادت قروناً طويلة في أوربا، وكانت تحمل تناقضات تحتم القضاء عليها.
وكذلك روايتا روبنسن كروزو وموبي ديك فكل ما فيهما يمكن أن يقعا في الحياة، ولهذا عرفت الواقعية في الأدب بأنها ما يمكن وقوعه من حوادث، وبهذا تختلف عن التأرخة التي تسجل ما وقع فعلاً.
معظم رواياتي تستند على واقع ممكن الحدوث يقوم على خيال صرف، لكن أنا الذي رأى وحدها واقعية في مجملها، إنها عبارة عن تسجيل لما حدث فعلاً، وتكاد تخلو من الخيال إلا بنسبة خمسة بالمئة، وهو خيال اقتضاه العمل الروائي.
الأخلاق واليوتوبيا:
يظن الناس كلهم كتاباً وعاديين أنهم عادلون، حتى المجرمين الذين يرتكبون أفظع الجرائم، يظنون أنفسهم فرسان العدالة، ولولا القانون وصرامته لما أعترف أي مجرم، وما تصرف الحكام المستبدين الجبارين إلا من هذا النوع الذي يظن أنه مخول للتصرف من قبل الناس أو القوى الغيبية التي وضعته في مكانه المناسب، ولذلك فإن الموقف من الأحكام على الآخرين يثير خلافاً كبيراً بين المثقفين والمفكرين.
ولما كنت من النوع الرافض للاستبداد في كل أشكاله فإني أرفض الحكم على الآخرين بأي شكل من الأشكال، لأن إصدار حكم ما على الآخر ينبع من حالة استعلاء وترفع غير إنسانية، ربما وحده الخالق يملك حق إصدار الأحكام، لكني أشعر بأني أعيش حالة محاكمة دائمة للذات، ولهذا أطمح إلى نظام ومجتمع تسود فيه العدالة والمساواة ولا يكون سائداً فيه غير القانون ومؤسسات دستورية في نظام ديموقراطي.
أما ما يرد في رواياتي من محاكمات لشخص أو قضية ما فهي للتعبير عن المبدأ الذي أومن به لا أكثر.

التغيرات:
لم أرضَ على قسم مما كتبت وأشعر بأن مستواه غير جيد، وأتمنى أن أغيره وأتمنى أن يكون ذلك بمقدوري، وقد أنقح بعض الشيء منه في طبعة أخرى لكني لا أستطيع أن أعيد كتابته مرة أخرى، وعندما سمعت أن التكرلي أعاد كتابة الحوار في الفصحى لروايته -الرجع البعيد- غبطته على تلك المقدرة التي أفتقر إليها، إن العمل الأدبي كالطفل يولد كما هو، وقد يستطيع ذوو الطفل أن يعدلوا أنف ابنتهم الطويل لكنهم لا يستطيعون مهما فعلوا أن يستبدلوا بصمات أصابعها، أو يغيروا شخصيتها، أو أن يضيفوا إلى طولها أو يقصروا منه، الرواية الفنية تولد هكذا، سواء أكانت جيدة أم لا..
كتبت زنقة بن بركة سنة 70 ونشرتها سنة 93 وفي خلال تلك المدة نشأت عندي رغبة بتغيير أشياء كثيرة لكني لم أستطع، كان يكمن في ثنايا النص هيبة صدتني عن أي محاولة للعبث فيها، وحدث مثل ذلك مع الإيقاع والهاجس التي نشرت بعد 27 سنة من كتابتها.
أما الرواية الواقعية فاعتقد أن بإمكان المؤلف أن يحذف أو يضيف إليها، فلقد اضطررت إلى حذف فصول تمثل أكثر من ثلث صفحات رواية أنا الذي رأى وأنا غير راضٍ.
محمود سعيد أبوظبي الشارقة 1998

د. فاروق اوهان
فنان وكاتب من العراق
drfohan@gmail.com
الموقع هو: https://sites.google.com/site/faroukohan/
وبالإنجليزية: https://sites.google.com/site/sinjarandapple/

http://www.alrowaee.com/article.php?id=923
https://sites.google.com/site/faroukohan/

 

 

Posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works | Leave a comment

محمود سعيد

( روائي عراقي مقيم في الولايات المتحدة)

يجيب على أسئلة مجلة المهاجر عن النشر الالكتروني 2006

 

سينشب صراع هائل بين هذين الخطين:

 الورقي والالكتروني

 

س: ما رأيكم بظاهرة النشر الالكتروني كظاهرة حديثة العهد في عالم النشر العربي الثقافي والأدبي ؟ هل ترون أنها أسهمت بشكل إيجابي في تسهيل وصول الكلمة إلى القارئ ، أم أنها أخلت بمعايير النشر على حساب نوعية المادة وصدقها ؟

 

ج: ظاهرة النشر الألكتروني ظاهرة تستحق التقدير. ولقد أسهمت “بنظري” في تسهيل وصول الكلمة إلى القارئ. نعم إن بعض الكتاب قد أخلوا بمعايير الكتابة، وتجرأ البعض الآخر على الكتابة من دون امتلاك أدواتها، فأساء إلى الأدب واللغة، واخترق البعض الثالث حدود الحرية وأوغل في تجاوز حريات الآخرين. وربما هناك إساءات أخرى لكن مع كل هذا فالنشر الألكتروني ظاهرة صحية، ووسيلة ثقافية مهمة.

 

س: هل ترون في مستقبل النشر ألألكتروني أداة ستبقى تابعة لأدوات النشر الورقي ، أم ترون لهذا النشر ألألكتروني مستقبلا يتبوأ فيه مكان الصدارة في عالم النشر ؟

 

ج: لا أعتقد في المستقبل المنظور أن يتبوأ النشر الألكتروني مكان الصدارة في عالم النشر، فالعائق أمامه كبير جداً في الدول الغربية وبخاصة في أمريكا، هناك دور نشر عملاقة لن تستسلم بسهولة.

سينشب صراع هائل بين هذين الخطين: الورقي والالكتروني. وأظن أنهما سيتوصلان إلى حل وسط في نهاية المطاف.

 

س: هل تعتقدون أن النشر ألألكتروني في العالم العربي أساء إلى اهتمام القارئ بالمنتوج الإبداعي العربي ، أم أنه زاد من اطلاع القارئ على الإنتاج الثقافي العربي وقدرته على التواصل مع الكاتب ؟

 

ج: لقد ظهرت إساءات كثيرة إلى الأدب العربي في نتاج كتاب الانترنيت الأدبية لكنه لم يستطع إلى حد الآن أن يقوقع الكتاب العربي العادي. ولم يستطع النيل من اطلاع القارئ على الإنتاج الثقافي العربي.

 

س: هل تعتقدون أن النشر الالكتروني ساهم في إعطاء فرصة أكبر للمواهب الثقافية والأدبية العربية في إسماع صوتها والتعريف بنفسها في الوسط  الثقافي العربي ؟

 

ج: لا أدري. الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى إحصاءات لكي تكون دقيقة. لكني أرى أن هناك سوء تقدير من قبل المسيطرين على بعض المواقع، ففيهم “كتاب لنكة” لم يكن لكتبهم أي وزن في عالم النشر الورقي، وعندما أنشؤوا مواقعهم ظنوا أنهم فتحوا “جنة قلعة” فاغتروا وصعدوا بأنوفهم عنان السماء، ولجأ بعضهم إلى أساليب وضيعة بأن سمح للنيل من قيم معينة فاستدعى الرد.

إن إعطاء فرصة كبيرة للمواهب الثقافية في إسماع صوتها والتعريف بنفسها متحقق الآن بكلا الطريقتين لكنه يحتاج إلى ضوابط مدروسة.

 

س: هل تعتقدون أن هناك حاجة لتحديد معايير أكثر وضوحا وأكثر صرامة ( حقوق ملكية فكرية ، حقوق نشر ، الخ .. ) للنشر الالكتروني ، أم أنه من الأفضل  لو بقي النشر دون حدود ومعايير واضحة بشكل فضاء مفتوح دون قيود ؟ وإذا كان رأيكم بضرورة المعايير ، من يتحمل المسؤولية في ذلك ؟

 

ج: هذه النقطة مهمة جداً وأظنها قادمة ولا ريب من قدومها، فهي تحصيل حاصل، ويتطلب الوضع الحالي أخذها بنظر الاعتبار، فمن غير الممكن لكاتب يربح من كتابته الملايين “في أمريكا وأوربا” أن يسمح لنشر كتبه على الانترنيت مجاناً. وعندما أقول إنها قادمة فأعني بهذا نوع من الاتفاقات بين الموقع الالكتروني والقارئ، فوضع ثمن زهيد لا يزيد على دولار لقراءة كتاب على الانترنيت من دون تحميله شيء معقول يفيد الطرفين الكاتب والقارئ. وهو أفضل من شراء كتاب عادي ببضعة عشر دولاراً. أعتقد إن مثل هذه الحلول قادمة وربما ستكون بصيغة مقبلولة وعادلة.

 السنة الثانية - العدد  الثالث عشر  ، كانون الثاني / يناير 2006   

 Second year . Issue No: 13 – January  2006 

 

Posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works | Leave a comment

“ما حصل أيام الديكتاتورية مجرد “سلاطة” أمام ما يحصل الآن في العراق!”

“ما حصل أيام الديكتاتورية مجرد “سلاطة” أمام ما يحصل الآن في العراق!”
“خطبة سياتل ثبت تزويرها ولكن ذلك لم يمنع أنها ألهمت أعمالا أدبية عديدة!”

محمود سعيد قاص وروائي عراقي من مدينة البصرة. أصدر عدداً من المجموعات القصصية والروايات من بينها “بور سعيد وقصص أخرى” 1957، و “زنقة بن بركة” التي فازت بجائزة أفضل رواية عراقية عام 1994، ورواية “الايقاع والهاجس” و “الضالان” ، و” قبل الحب، بعد الحب” و” أنا الذي رأى” ، والتي صدرت ترجمتها الانكليزية في لندن. وقد كتب بعض الأدباء والنقاد عن رواية “زنقة بن بركة” على وجه التحديد لأهميتها من الناحيتين الفنية والفكرية.

فقد قال عنها الناقد باسم عبد الحميد حمودي: “زنقة بن بركة رواية عن الألم العربي المستمر، صنعها على نحو مدهش محمود سعيد لتكون علامة الرواية العربية المعاصرة” . كما قال عنها الناقد علي جواد الطاهر “هي رواية بارعة تميزت بروحها وارتفاعها عن التقليد الجامد، وسموها عن الافتعال باسم التجديد “. كما نالت رواية “الضالان” اهتمام العديد من النقاد العراقيين. يقيم الروائي محمود سعيد في شيكاغو. في هذا اللقاء الذي تنشره القدس العربي يسلّط الروائي العراقي محمود سعيد الضوء على أبرز المحاور في تجربته الروائية، والمصادر التي كان يمتح منها موضوعاته، وثيمات أعماله الفنية، وقد حاولنا التركيز على أدب السجون والمعتقلات لأنه من بين الأدباء العراقيين القلائل الذين تناولوا هذه التجربة الحساسة في عمل روائي متكامل رفضته العديد من دور النشر العربية ما لم يدخل عليه بعض التغييرات، ويحذف منه ما يخص النظام العراقي السابق. وقد بادرناه بالسؤال التالي:
- ألا تعتقد أن شخصية مصطفى علي نعمان في روايتك “أنا الذي رأى” هي امتداد أو صدى لشخصية رجب اسماعيل في “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف، أم أنها ابنة مناخ السجون والمعتقلات العراقية المتشابهة في القمع والقهر والاضطهاد والتعذيب الوحشي؟
- لم أقرأ شرق المتوسط مع الأسف الشديد، وسبب ذلك أن صدورها جاء بعد رفض روايتين لي قدمتهما للرقابة العراقية “الايقاع والهاجس 1968″ و “زنقة بن بركة 1970″ وكان الأستاذ عبد الرحمن منيف وقت صدور روايته “شرق المتوسط” رئيساً لتحرير مجلة الأقلام العراقية، وسمعت عن الرواية من قبل جار لي عضو في حزب البعث لا علاقة له البتة بالأدب والرواية والفن، كان يعرف شيئاً عن اهتماماتي الأدبية، وسألني حينئذ إن كنت قرأت كتاب شرق المتوسط، فسألته عم يتكلم هذا الكتاب، قال إنه لأديب مشهور هو عبد الرحمن منيف، ثم قرأت تنويهاً في الأقلام عنها، واستنتجت أن ذلك الجار الأمي مكلف بشكل ما بالترويج للرواية، وفق أمر حزبي لا غير، لأن معظم كتاب الرواية والقصة في الشعر آنئذ لم يكونوا قريبين من البعث، وكان هذا سبب صدودي عن قراءتها. بعدئذ جاءت الأخبار أن عبد الرحمن منيف انشق عن حزب البعث، وأنه غادر العراق فسرني موقفه ذاك، وعندما أصدر “مدن الملح” قرأتها كلها، لكن نفسي ما زالت تصد عن قراءة “شرق المتوسط” بالرغم من أنني اقتنيت الكتاب وهو موجود في مكتبتي في العراق. ولذلك فلا أعرف من هو السيد رجب اسماعيل وماذا حدث له، وإن ظهر هناك تشابه بين شخصية الراوي في “أنا الذي رأى” وشخصية رجب فليس ذلك إلاّ من قبيل المصادفة، والعفوية لا غير.

- هل تعتقد أن مصطلح أدب السجون والمعتقلات سينتعش في العراق بعد زوال النظام الدكتاتوري الذي جثم علي صدور العراقيين طوال خمسة وثلاثين عاماً؟ ومنْ هم من وجهة نظرك أفضل من يمثلون هذا الإتجاه، أي من هم أفضل الروائيين العراقيين الذين استنطقوا معاناة هذا الشعب المُصادر والمقصي والمهمش؟
- لا أدري فالجواب على ذلك مركون برحم الغيب، لكني لا أستطيع كتابة شيء آخر عن السجون ومعاناتها، ومما قرأت وسمعت بعد الغزو الأمريكي للوطن اتضح لي أن ما لاقيناه زمن الديكتاتورية أشبه بـ (زلاطة كما يقول العراقيون) بالمقارنة بما يحدث الآن، فللحقيقة والتاريخ أقول إن زبانية صدام لم يلجؤوا إلى الاعتداءات الجنسية، واغتصاب القاصرين ذكوراً وإناثًا قط، ولم أسمع عن أي حادثة جرت في السجون آنئذ، والحادثة الوحيدة التي سمعت بها ذكرتها في “أنا الذي رأى” وهي أن أحد محققي المخابرات أمَر أحد المعتقلين أن يغتصب معتقلاً آخر، لكنه رفض، وكان يتصور أنه برفضه سيعرض نفسه لمزيد من العقاب لكنه ولمفاجأته وجد أن لا شيء ترتب على ذلك الرفض، ثم فوجئ ثانية بنقله إلى الأمن العام، وكان يظن أنهم سيعيدون تعذيبه هناك، لكنهم لم يفعلوا. أما الآن فحدث ولا حرج، فقد جرى اغتصاب فتاة عذراء من قبل عشرات الجنود الأمريكان، واغتصب أفراد عائلات أمام ذويهم. وانتحر العشرات، ومات تحت التعذيب مئات الأبرياء. ثم تناقلت الأخبار في أمريكا أن رجلاً في الأربعينات قتل تحت التعذيب لأنه رفض أن يتعرى، مثل هذا الشيء لم يحدث أيام الطاغية، وقبل أيام فقط أي في 13/8/2005 أمرت الحكومة الأمريكية بمنع نشر صور معذبي المعتقلات الأمريكية في الصحف، أو الإشارة إليها في التلفزيون أو الإذاعات الأهلية، وتبدّى لكل المراقبين أن ما يجري الآن يجعل ما لقيناه قبل احتلال العراق منذ زمن نوري السعيد وحتى سقوط الديكتاتور أشبه بفقاعة على سطح محيط لانهائي. لذلك فإنني قمين بأن ما سيكتب في المستقبل عن السجون سيفوق ما كتبنا، وأن أدب المعتقلات سينتعش بعد الكشف عن انتهاك وجرائم ومخازي الأمريكان والمتعاونين معهم. إن ما جرى بعد احتلال العراق أثّر في نفسي كثيراً لأني خُدعت بدعاية التخلص من الطاغية، وكنت آمل أن لا تعود تلك المآسي مرة ثانية، وأن يتحرر مواطنونا من الخوف وتسلط الأمن والمخابرات والاستخبارات، لكننا رأينا العكس، اذ تفاقمت الأمور أكثر وأكثر. في أمريكا يدعي المسؤولون (وهم كاذبون) أنهم لا يعتقلون عن الهوى، بل نتيجة لتقارير مخبرين ومتعاونين ممن رافقوا الجيش الأمريكي قبل أن يدخل إلى العراق. إن هذه الحجة مرفوضة جملة وتفصيلاً، فلقد تزلزلت الأرض تحت أقدام قادة قوات الاحتلال عند نشر أول صورة تعذيب في أبو غريب وعلموا أن انتهاكاتهم وجرائمهم وتجاوزاتهم في سبيلها للكشف، فعمدوا إلى خطوة مهمة فضحتهم وعرتهم، وكانت إطلاق نصف المعتقلين في أبو غريب (أكثر من خمسة آلاف) في اليوم الأول من نشر أول صورة للتعذيب البشع. وكان من المقدر لمن أطلق سراحهم أن يبقوا في السجن إلى ما شاء قادة الاحتلال، لكن سلطات الاحتلال الجائر خشيت من لجان حقوق الإنسان أن تكتشف الجرائم والتعسف والظلم فاستبقوا الحوادث. وهنا يثور سؤال مهم، إن كانوا يعلمون أن المطلق سراحهم أبرياء فلماذا اعتقلوهم إذن؟ وإن كان نصف المعتقلين أبرياء فكم بريء في النصف الثاني؟ وهل هذا يعني أن الاعتقال كان عشوائياً أو على الشبهة أو الهوية؟ إن كان كذلك فهذا يعني أن كل المعتقلين أبرياء. أما من أطلق سراحه فإن كانوا أبرياء فلمَ لم يعوضوهم عن مدة الاعتقال كما يفعلون في أمريكا؟ وإن كانوا كما يدعون أنهم اعتقلوهم بوشاية المتعاونين معهم فلماذا لم يعاقبوا هؤلاء المتعاونين؟ إنها أسئلة سيجيب عليها المستقبل.

- في قصة “مخطوطة” التي تلقي فيها الضوء علي إشكالات نشر روايتك “أنا الذي رأى” تؤكد بأنك أول من تحدث عن خمس فظائع أو تفرّد في الكتابة عنها وهي إعدام الأطفال في السجون العراقية، وذكر المقابر الجماعية، والإشارة إلى النشاط الكيمياوي، وإعدام أسرى الحرب الإيرانيين أو مص دمائهم، والكشف عن الغموض الذي كان يلف حياة والد صدام حسين كيف تسنى لك التأكد من هذه المعلومات، ولماذا لم تكتب مقالات تفصيلية تعرّي فيها هذه الفظائع؟ وفيما يتعلق بحياة والد صدام فكيف سنحت لك الفرصة للحصول علي هذه المعلومات؟
- لو كنت أعلم أن شيئاً كهذا سيحدث لما وافقت على ترجمة كتابي أنا الذي رأى إلى الإنكليزية، لكن سبق السيف العذل، كما يقول العرب. أنا لا أريد بأي شكل من الأشكال أن يستخدم كتابي كإحدى ذرائع متعددة تضاف إلى أكاذيب مبرري الإحتلال، فالإحتلال احتلال بغض النظر عن البرقع الذي يخفي تقاطيع المحتل.
أما الشق الثاني من السؤال فأعتقد أن ما كتب عن السجون في العراق وبقية الدول العربية قليل جداً، فلم أطلع علي أي رواية لعراقي غيري، وعندما سمعت أن رواية كتبت عن السجون المصرية زمن عبد الناصر حاولت اقتناءها وبحثت عنها طويلاً في معرض القاهرة الدولي للكتاب في بداية هذه السنة لكني لم أفلح في العثور عليها مع الأسف، وقد كتب صنع الله ابراهيم قبل مدة رواية: “شرف” عن السجون، وتختلف كثيراً عن روايتي بأسلوبها الفوتوغرافي التفصيلي الدقيق الذي يميز طريقة صنع الله في السرد عن غيره من الروائيين العرب. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن السجون متشابهة في جميع أنحاء العالم، يستوي فيها دول العالم الأول والثاني والمتخلف، وربما لا أكشف جديداً حينما أقول إن ما يحدث في السجون الأمريكية يفوق في بعض النواحي ما يحدث في غيرها، ففي سجوننا يلجأ السجان إلى التجويع، التعذيب، السب الشتم.. الخ، وكل ذلك يحدث في السجون الأمريكية، لكنهم يفعلون فيها ما يقشعر له الجلد، فهناك اغتصاب للسجين مهما بلغ من العمر، وهناك انتهاك مستمر للإنسانية وهناك أفظع من كل ذلك فقدان المستقبل، ولهذا رصدت منظمات حقوق الانسان وجمعيات إنسانية أخرى جوائز قيمة لأي سجين يكتب عما يجري خلف القضبان في أمريكا، ولعل القارئ العربي يدرك فظاعة السجون الأمريكية من تقارير تنشر بشكل مستمر في الصحف الأمريكية مباشرة وغير مباشرة، وقبل ثلاثة أشهر نشرت الصحف الأمريكية قصة سجين قضى في السجن ربع قرن كامل ثم أثبت اختبار الـ DNA أنه بريء، ويجري كشف عشرات مثل ذلك كل سنة في كل ولاية أمريكية، لا بل يجري كشف براءة الكثير ممن نفذ فيهم حكم الإعدام. إن مثل هذه الحوادث جعلت المواطن الأمريكي يكره أفراد السلطة التنفيذية، المحاكم، المحققين، المحامين، الشرطة، مسؤولي السجون والعاملين فيها كرهاً لا حد له. وصدف مرة أن استوقفني شرطي وشرطية بالرغم من أنني لم أفعل شيئاً مخالفاً وكنت أسير ببطء شديد، لكن سحنتي وملامحي الشرق الأوسطية العربية بالذات بدأت تثير العاملين في هذا الحقل وغيره من أجهزة الأمن بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، وفي مثل هذه الأمور توقعت أن يختلق الشرطيان سبباً غير معقول لإيقاع العقوبة بي، وهذا يحدث دائماً وأبداً، كنت قبل تلك الحادثة بمدة لا تتجاوز الشهر في حفلة موسيقية في حديقة عامة في الهواء الطلق، وحينما انتهت الحفلة وتوجهت لمنزلي وكان ذلك في نحو التاسعة مساء، أوقفني شرطي، ولم أكن أدري أنه كان يراقبني منذ أن كنت في الحفلة فقد رأيت سيارته قرب سيارتي لكني لم أهتم لأنني لم أفعل شيئاً، وحينما حدق ببطاقة هويتي ورأي اسمي عربيا مسلماً سألني لماذا لم أفتح أضواء السيارة؟ وعندما قلت له ها أنت تشاهد الضوء مفتوحاً، قال لي إنني عندما غادرت الحفلة لم أنر الأضواء وإنني فتحته حينما رأيت سيارة الشرطة ورائي. كيف أثبت أنني على حق وأنه على باطل وبيده كل السلطة، وعبثاً يقبل مثل هذا العنصري أي نقاش. لكني رفضت دعواه بصلابة. انفعلت، قلت له لا تستطيع إثبات ذلك في المحكمة مهما فعلت. قال لي حسناً سأعاقبك عقوبة بسيطة، سأكتب مخالفة هي أنك وقفت في مكان ممنوع (خمسة وعشرون دولاراً بينما عقوبة عدم انارة الأضواء 75 دولاراً) رضيت بالعقوبة، وأرسلت المبلغ للشرطة لعلمي أنني بالرغم من ألمي لا أستطيع إثبات حقي، فكلامي مقابل كلامه فقط، وهو موظف حكومي وأنا شخص عادي، وهو مواطن أمريكي وأنا عربي مسلم إرهابي .

تذكرت تلك الحادثة عندما أوقفني الشرطيان، وتوقعت أنني سأعاقب من دون شك لسبب ما، وسأدفع ثمن مخالفة لم أرتكبها كما يحدث مثل ذلك عشرات المرات في كل سنة، لكن أنقذت بشكل لم أتوقعه، فقد لمحت فتاة أفريقية أمريكية (سوداء) في العشرينات، كانت تسير في منتصف الشارع حيث الشرطيان واقفان يدققان برخصة السير العائدة لي، وما أن حاذتهما وأصبحت على بعد نصف متر منهما حتى توجهت إلى الشرطية بكلمة نابية شديدة الوقع: “بيتش، مذر فكر، كلبة، قحبة، أمك.. كذا وكذا لا عمل لكم غير تصيد الأبرياء” . كدت أنفجر ضحكاً، لكني ضبطت نفسي، ظننت أن معركة ستنشب بين الشرطيين والفتاة أثر ذلك السباب العميق، لكن الشرطية التي وجهت إليها تلك الإهانة التفتت إلى زميلها الشرطي وقد “انخطف” لونها، سألته بعفوية واستخذاء: هل فعلت لها شيئاً؟ فدعر الشرطي عينيه، وأغمضهما، وظهرت على تقاطيعه علامات عدم الاهتمام. وعندما لم ترَ الشرطية تأييداً لها من زميلها التفتت إليّ، ناولتني رخصة السوق، قالت لي: كن حريصاً، انتبه إلى طريقة سياقة السيارة. فانفلت لكن بسرعة أكبر من السابق وأنا مبتهج لتدخل الفتاة، وحينها أخذتُ أسأل نفسي لماذا خلا رد فعل الشرطية من العنف على غير العادة. لكني لاحظت أن معظم الواقفين في الشارع من سكان تلك المنطقة كانوا من الأفارقة الأمريكيين “السود” المغضوب عليهم، وهم مشهورون بالعنف والتمرد، وربما لو ردّت الشرطية على الفتاة لتدخل هؤلاء ولخلقت مشكلة أكبر. لكن السخط على الجهاز الأمني لا يقتصر على السود فحسب، بل يشمل الشعب الأمريكي كله بوتائر مختلفة، فقد نشر استطلاع رأي في “لوس أنجليس سنة 2000″ وافق فيه المشتركون على زيادة الضرائب بشرط أن لا تصرف على جهاز الشرطة أو بناء سجون جديدة، ولعل مثل هذا الاستطلاع لا يثير القارئ العربي، لكنه مهم جداً لدى المواطن الأمريكي، فزيادة الضريبة أمر حساس جداً، ويلهب مشاعر الجميع، معظم المواطنين الأمريكان يرفضون زيادة الضريبة حتى لو كانت واحداً في الألف لا بالمئة، فكيف يوافقون علي زيادة مقترحة؟ لكنهم وافقوا على زيادة الضريبة (وتلك معجزة) على أن لا تصرف على أجهزة قمعية تكوي المواطنين كل يوم. على أن أفظع ما يلاقيه السجين في الولايات المتحدة هو اضطراره للعودة للسجن شاء أم أبى وقد ذكرت ذلك في روايتي “الضالان” . تحدثت في “أنا الذي رأى” عما رأيت ثم تكشف بعدئذ لي أن الرواية كشفت ممارسات لم يسحب عنها الغطاء الا بعد احتلال العراق منها إعدام الأطفال وغيرها لكن هل أستطيع أن أثبت ذلك؟ لا، بطل الرواية شاهد يرى ويسمع ويكتب ما يرى ويسمع، ومن المستحيل أن يثبت ذلك سجين في زنزانة، إذ أن ذلك ليس من واجباته، أما اقتراحك بكتابة مقالات تفصيلية تعري من قام بتلك الفظائع فذلك يتطلب مواهب لا تتوافر فيّ، فأنا لا أجيد كتابة المقالة، ولا أطيق كتابتها، وربما سيكتب آخرون مختصون في كتابة المقالة في نفس الموضع، فلكل اختصاصه.
بالمناسبة هل أن قصة مخطوطة هي امتداد للرواية وجزء منها أم أنها مقال منفصل كتبته لتوضيح ملابسات نشر هذه الرواية، ومهما يكن الأمر فأود أن أستوضح منك التالي: هل تعتقد أن هناك شيخاً، أي شيخ، في العراق كان قادراً علي عدم استقبال صدام حسين أو عدم الرد علي تحيته، ألا تعتقد أن هذا الكلام فيه من المبالغة الكثير، وخصوصاً نحن العراقيين كنا نعرف قسوة هذا الرجل وحجم ظلمه الذي يمتد إلى الأهل والأقرباء الأبعدين والعشيرة ربما، هل هذه الواقعة حقيقية أم لا؟
- قصة مخطوطة كتبتها الآن، وهي محاولة تذكر فاشل، أقول تذكر لأني حاولت جهدي إعادة كتابة فصلين أرغمتني الرقابة السورية على حذفهما مع الأسف الشديد، وكان الرقيب الشاعر محمد بو خضور، لكني لم أنجح، إضافة إلى ما عانيته من إحباط بعد فشل محاولاتي العديدة لنشر الرواية في الأردن وسورية.
تركيزك على حادثة وفاة والد صدام، ورغبتك في التثبت من وجودها أمر يخطر على البال، لكن الموضوع لا لبس فيه في رأيي، فبالنسبة لي سجلت ما سمعت من أحد أبناء قبيلة العبيدات، وهي قبيلة كبيرة جداً، وقوية، ومحترمة، وعندما يتحدث أحد أبنائها بشيء يخص القبيلة فالغالب مما يتوقع منه قول الصدق، لأني مطلع على شؤون بعض قبائل العرب في الشمال، فهم على الأغلب بسيطون صريحون لا يعرفون اللف والدوران، ولعلك تدرك أن ما حدث في الرواية هو خبر تنطبق عليه القاعدة المنطقية الكبرى في الفلسفة: (كل خبر يحتمل الصدق والكذب)، ويشمل ما تطويه هذه القاعدة الواضحة العامة ما ورد في الماضي جميعه من تراث ومن ضمنه الكتب المقدسة، وقد يثبت عكس ما ذكرت في المستقبل عن والد صدام ، وإن حدث ذلك فلن يسيء إلى الرواية قط. إن ما يثير القال والقيل في حياة والد صدام التناقض الكبير الموجود في الواقع. فما نشر عنه لا يدرج على قدمين، وما نعرفه عنه قليل جداً. ركز الاعلام على والدته أم المناضلين وعلى زوجته ساجدة طلفاح وعلى ولديه وبقية أفراد عائلته، لكنه أغفل ذكر أي شيء عن والده، فلماذا؟ وأتمنى أن تظهر الحقيقة حتى لو كانت مناقضة لما سردت، سأفرح إن كشف شيء حقيقي مثبت عكس ما رويت، فلا يهمني شيء مثل الوصول إلى الحقيقة. ولا أظن أن ذلك سيضر بالرواية كما أسلفت، لأنها ليست مقالة تاريخية، رواية فحسب. غاية الراوي في الرواية أن يقول ما شهد وما سمع، وعلى الكتاب المتتبعين اقتفاء ما كتب، وتثبيته أو نفيه، ولعلك قرأت بعض الروايات العالمية: “باودلينو”، “اسم الوردة”، “شيفرة دافنجي”، “المسيح يصلب مرتين”..الخ، حيث يختلط الخيال بالحقيقة فلا تعود تفرق بينهما. إن أحد أعظم أحجار الزاوية في تراث الهنود الحمر خطبة رائعة مؤثرة عميقة الأهداف، آسرة، شديدة الوقع، ألقاها أحد زعمائهم الأبطال المشهورين: “سياتل” إذ تُرجمت إلى معظم لغات العالم، وترجمها إلى العربية مشكوراً الأستاذ منير العكش، وكتب في إيحاء منها محمود درويش قصائد رائعة، ثم ثبت بعدئذ أنها مزورة بالرغم من أنها كانت تستوحي أشياء حقيقية من تراث الهنود الحمر الرائع. وشبيه بذلك اللغط الذي دار حول خطبة طارق بن زياد المتميزة المتألقة حينما عبر مضيق جبل طارق.

أما سؤالك هل تعتقد أن هناك شيخاً، أي شيخ، في العراق كان قادراً على عدم استقبال صدام حسين أو عدم الرد على تحيته فهو سؤال جيد. اسمح لي أن أسرد شيئاً. في زمن الحادثة كان صدام نائباً للرئيس، وكان يريد أن يخلق حوله نوعاً من السمعة الحسنة تمحو بعض وقائع تاريخه البشع تمهيداً لتوليه السلطة، وقبل أن يمسك كافة الخيوط بيديه، فطفق يقلد المرحوم الشهيد عبد الكريم قاسم. أخذ يزور الأحياء الشعبية، وأمر بتوزيع أرقام تلفونه لجميع الناس، وشجعهم عن طريق عملائه للإتصال به وطرح مشكلاتهم، وربما لو عامل العبيدات جيران أهله بقسوة لعرّض ما كان يريد بناءه إلى الشك والاهتزاز، ولخلق مشاكل لا أول لها ولا آخر، فمن المعروف له وللآخرين وهو شيء مهم يرعاه أبناء العشائر أن قبيلة عبيد هي إحدى أقوى القبائل في الشمال، بينما يتحدر صدام من عشيرة ضعيفة جداً جداً، ولا بد أنه استشار عشيرته في التصرف الأمثل فنصحوه بالمصالحة مهما كان الثمن، ومعاقبة قبيلة العبيدات على رفضهما لاستقباله ربما كان سيثير لا العبيدات حسب بل قبيلة شمر والجبور اللتين كانت علاقتهما من القوة بالعبيدات إلى درجة لا يمكن تجاهلها، ولا بد أيضا أن يثير بقية القبائل الأخرى.

في عرف القبائل الشمالية كما شاهدت تقليد مشهور، كنت أكثر التردد على تلك المناطق ولست أدري إن كان هناك مثل هذا التقليد معروفاً في جنوب العراق. في الشمال العربي يعمل ويحترم تقليد يعتبر شيخ أي قبيلة مساوٍ، وموازٍ لأي شيخ آخر بغض النظر إلى عدد أفراد تلك القبيلة وغناها ونفوذها، وعندما اغتيل شيخ العبيد بتلك الطريقة المؤلمة والهمجية تضامنت بقية القبائل مع العبيدات، وعندما نقول بقية القبائل فذلك يعني امتداداً قبلياً عربيا جغرافياً يصل إلى سورية وفلسطين شرقاً ومصر جنوباً وينحدر حتى السعودية. ومن الواضح وحتى الآن أن أفراد هذه القبائل لا يعترفون بالحدود بين الدول العربية، فعندما يتكلم أحد شيوخ شمر عن ملك السعودية أو أمير الكويت لا يقول الملك فهد أو الأمير صباح بل يقول الشيخ فهد، وبعضهم يقول ابن عمي الشيخ فهد، وحينما تضيق بهم الأمور يشدون الرحال إلى السعودية أو الكويت أو قطر أو الإمارات، ويدخلون على المسؤولين لا كأفراد عاديين بل كأنداد. ومن المناسب الإشارة إلى حادثة إنهاء الاقتتال بين قبيلتي شمر والبومتيوت في الخمسينات فلم يعم السلام بينهما ولم تفض الاشتباكات إلا بعد توسط وفد من رؤساء قبائل مصر والجزيرة العربية والخليج وبلاد الشام، ولا بد أن صدام أو عشيرته الصغيرة تعرف ذلك. إن هذه القبائل لا تعرف الانشقاقات الدينية والمذهبية، وقد سمعت شيخ مشايخ طي (غازي الحنش وهو من الموصل ومعتقل الآن لدى الجيش الأمريكي) أنه ما أن عرفت قبائل كربلاء والنجف والديوانية والسماوة بأنه متوجه للذهاب للحج في سيارته من بغداد (في التسعينات) حتى هبوا لاستقباله، وأصروا على ضيافته ثم رافقه وفد كون موكباً تاريخياً لم يتوقعه فقد رافقه أكثر من خمسمئة سيارة حتى عرعر حدود المملكة السعودية، وأن القائمين على الحدود في كلا الجانبين سهلوا أمره ومن معه من دون تفتيش أو إبطاء، وحدث مثل ذلك عند إيابه من الحج. ولعل هذا يفسر كيف استطاع صدام في الفترة الأخيرة من حكمه شراء ولاء القبائل.
هل أن الأمكنة في “أنا الذي رأى” افتراضية أم حقيقية، وهل هذه التجربة فيها طابع شخصي يقربها من السيرة الذاتية أم أنها نص متخيل يخضع لشروط فنية محددة؟ ولماذا تميل إلى بناء رواية تعتمد على شخصية محورية أو شخصيتين كما في الضالان ألا تميل إلى البطولة الجماعية التي تستجيب إلى وضع العراقيين في ظل سنوات القمع الوحشي؟
- تبقي نقطة واحدة في السؤال وهي الأمكنة في “أنا الذي رأى” أهي افتراضية أم حقيقية! لست أدري ماذا أقول لك! هل تظن أن كل ما يوصف في أي رواية حقيقي حتى لو كان تفصيلياً، لماذا لا ندعي أن ما يمكن حدوثه في الحياة ووصفه هو الحقيقة لا ما نصوره فوتوغرافياً؟ سجلت الكثير من الحقائق في الرواية كما هي، لكن ربما يرى بعض القراء أنني أصور مكاناً آخر. معظم السجون كما قلت لك متشابهة. وهذا يعني أن ما كتبته حقيقي أو هو أقرب إلى الحقيقة. يحيرني سؤالك: لماذا تميل إلى بناء رواية تعتمد على شخصية محورية أو شخصيتين كما في الضالان ألا تميل إلى البطولة الجماعية التي تستجيب إلى وضع العراقيين في ظل سنوات القمع الوحشي؟
هل تعتقد أن الكتابة عن البطولة الجماعية لون يجب أن يفرض على كافة الروائيين؟ حاول الكثير من الكتاب تقليد ماركيز في “مئة عام من العزلة” و “خريف البطريرك” ، أو رواية “العمى” لسمراكو لكنهم لم يبلغوا شأو الكاتب، فالمقلِّد دون المقلَّد دائماً، ولكل طريقته، واختيار البطولة الجماعية كلون روائي قليل جداً، والناجح منها أقل، والمهم في نظري الصدق في التعبير. يبدو أنك لم تقرأ “زنقة بن بركة” أو “الايقاع والهاجس” أو “قبل الحب بعد الحب” أو أياً من رواياتي الأخر، ربما لو قرأتها لغيرت رأيك. ولعل استطرادك بعيد جداً.

- في رواية “الضالان” سحبتَ كاثي وعمر إلى الغابة أو البراءة أو العزلة أو الرحم الأول، بينما دفعت ببطل “أنا الذي رأى” إلى عزلة السجون والمحاجر الإنفرادية، هل أن عالم الغابة المجازي يعادل عالم السجون الانفرادية التي يواجه فيها السجين مصيره المجهول، كما يواجه عزلته، ووحدته، وقطيعته القسرية للعالم؟
- أنا لا أستطيع أن أفهم أن الغابة أو السجن مكان معزول! الغابة هنا ليست معزولة كغابة روبنسن كروزو، فقد اضطر البطل إليها كإقامة مؤقتة، وبالرغم من كونه فيها إلا أنه غير منعزل عن المجتمع قط، بل هو والآخرون بطل “أنا الذي رأى”، متواصلون معه، يتفاعلون كأي عضو في المجتمع، ولم تكن الوحدة بثقلها الوجودي واردة قط، فالغابة كأي مهجع ليلي، يقضي المرء فيه الليل ثم ليعود مرة أخرى إلى العمل من جديد. وعندما جاءت كاثي لم يبق التواصل نفسه، لا بل تعمّق، ولكل من عمر وكاثي اهتماماته، كاثي تعشق الطبيعة والطيور والحيوانات وتقلدها وتذوب فيها بالرغم من الضيم الذي لحق بها، وعمر في حالة نشاط وتفاعل مع الآخرين عميقين، فهناك من يثق فيه ويعطيه شاحنته للعمل فيها، وهناك من يطلب منه كتابة قصة ليرسلها إلى الخليج، وهناك من يحترمه ويرى فيه شخصية مهمة تستحق الاهتمام، وكلاهما لم يقطعا حبالهما بشكل قسري مع العالم، ولا ينويان قطعها، بل يؤثران في المجتمع ويتأثران به. وإن ركزنا على بطل رواية “أنا الذي رأى” فسنراه متفاعلاً مع أعداد لا تحصى من الناس، في وقت بات السجن في العراق عالماً آخر يكاد أن يكون مجتمعاً معكوساً في مرآة مقعرة تصور المجتمع مقلوباً في وضع غير طبيعي، لكنه مألوف وشائع.

        إن أحد أهم الأحكام غير الطبيعية التي تلحق بالرواية رغبة القارئ تحقيق ما يصبو إليه هو في عمل غيره، وهذا مستحيل، فما يجري في الرواية حوادث دائرية تبني في تشيؤها تشكيلا متفرداً أشبه ببصمات الإصبع تميزاً، فتبدو مختلفة في دوراتها الفلكية عند شخص ما عن غيرها لدى شخص آخر، أو كاتب آخر، والرواية المتقنة بشكل عام تشبه جرماً سماوياً مستقلاً تدور حوله باستمرار، ولا يمكن أن تتطابق مقاييس الأجرام كلها تطابقاً كاملاً.

-  أغلب شخصيات رواياتاك مُطارَدة، ومهزومة، ومحاصَرة، ومسحوقة، وهاربة، ومعزولة، بعضها مُطارد بسبب القمع والدكتاتورية، وبعضها هارب من العولمة، والمافيات، والعصابات، هل تتقصد خلق هذه الشخصيات أم أنها تأتي هكذا عفو الخاطر ومن دون حسابات مسبقة؟ فمصطفى في “أنا الذي رأى” يحلم بالهروب من العراق، وعمر يهرب بالسفر إلى السويد بحثاً عن بلد يحترم حقوق الانسان وانسانيته. ما هو المكان المثالي للكاتب اذاً؟
 لا يمكن أن يتخلى الإنسان عن أحلامه، ولكل منا حلمه الذي يرافقه حتى الموت، أنت أديب عراقي يعيش في المنفى، وغيرك كثير، وربما ناف عدد الأدباء الموجودين خارج العراق (مثلك ومثلي) على الموجودين في الداخل، فهل ينطبق علينا كلينا هذا الوصف؟ : مُطارَدة، ومهزومة، ومحاصَرة، ومسحوقة، وهاربة، ومعزولة، بعضها مُطارد بسبب القمع والدكتاتورية، وبعضها هارب من العولمة، والمافيات، والعصابات لا، لا أعتقد أن من هو موجود في الخارج مهزوم أو مسحوق، أو هارب. وإن نظرنا بتعمق فسنرى شيئاً في واقعنا ربما لا نقره الآن أو نقره ونستبعده، لقد أنشأ محمد مشروعنا العربي وأقام حكماً تطور ودام نحو ألف وأربعمئة سنة، حكماً امتدت مساحة ظله عشرات آلاف الكيلومترات.

      وكان مما يميز سكان ذلك الوطن الكبير شعور أخوة عميق، فكان بمقدور ساكن البصرة أن يسافر إلى المغرب أو الأندلس غرباً أو الهند وأندونيسيا شرقاً، من دون أن يسأله أحد عن جواز سفر، وكذلك يفعل الصنعاني، والباكستاني والحلبي والهندي والتطواني، فأمام مواطني ذلك المشروع عالم واسع يبدأ في أندونيسيا وينتهي في الأطلسي، يسافرون، يتاجرون، يعملون، يقيمون، يتجولون. في ذلك العالم نشأ أعظم رحالات التاريخ: ابن بطوطة، ابن جبير، المسعودي، ابن فضلان، وغيرهم الكثير، ولقد ورثنا ذلك التراث وتلك الرغبة في الهجرة، وحب الإطلاع على المجتمعات كلها، لكن الغرب كان لنا بالمرصاد. خطط منذ مئات السنين للقضاء علينا، وعلى وجودنا، ولقد ساعدناه بتسرعنا وغبائنا، وجهلنا كثيراً في مهمته، فحل بنا سخط وغضب وبؤس لا مثيل له، وها نحن في أوطاننا أو زوايا الأرض كلها، مقيمون أو مواطنون، منفيون شئنا أو أبينا، وهذا يشمل العرب جميعاً، وليس العراقيين حسب.

       قلت قبل قليل أن لكل منا حلمه، وأضيف الآن إلى ذلك كلمة ومنفاه، أي أن لكل إنسان حلمه ومنفاه معاً، وكثير من الناس يعيشون في مكان ما لكنهم يحلمون بجنة أخرى ينفون أنفسهم إليها حتى ولو بالأحلام، لكني لم أكتب عن أي مهزوم، فبطلا الروايتين السالفتين اللتين تحدثت أنت عنهما لم يكونا مهزومين، ربما هما منتصران في بعض الأوجه. دعنا نمارس لعبة الكلمات! أليس كل مهزوم منتصر في وقت ما، أنظر إلى المسيح على سبيل المثال. لو وجد شخص مثل المسيح بمثل هذه التوليفة الغريبة التي تحدثنا عنها الكتب المقدسة ألا تراه منتصراً ومهزوماً في وقت واحد؟ إذاً فلماذا نستعمل مثل هذه المفردات المخادعة والمنافقة معاً! ربما تكون تلك الألفاظ من أدوات المؤرخ، مقصورة عليه، لكنها لن تكون بالتأكيد من أدوات الأديب، ولا من بنات تخيلاته، وعلينا أن نضيف إليه مفردات أخرى كـ: مطارد، مهزوم، محاصر.. الخ.

           طالما أننا لم نقرأ كتابك الموسوم “مدينة صدام” والذي صدر باللغة الانكليزية، هل لك أن تقدّم لنا مختصراً لمضمون هذا الكتاب الجديد؟
مدينة صدام” ليس كتاباً جديداً، بل هو تغيير لعنوان قديم، وان أردت الحقيقة فهو مسخ لعنوان قديم. لقد غيروا “أنا الذي رأى” بـ: “مدينة صدام” فأساءوا إلى العنوان ومسخوه. ولحسن الحظ كان ذلك في الطبعة الإنكليزية فقط، وقد اتصل بالمترجم من يريد ترجمته إلى الفارسية فأصررت على بقاء العنوان القديم، وإلا فالأفضل أن لا يترجم، وأخبرت المترجم أن يفعل نفس الشيء مع من أراد ترجمته إلى الايطالية. ولست أدري ما سيأتي به المستقبل.

       أما عن الاختصار فلا أعتقد أن هناك اختصارا ينجح في سرد رواية، حتى جزء من رواية، موقف من رواية، في نظري يستحيل اختصار رواية كاملة من دون تشويهها، الاختصار للأفكار، والرواية ليست بفكر مجرد، إنها مزيج من الوصف والوعي والفكر والواقع والخيال، وهي إضافة إلى كل ذلك أسلوب متميز عن غيره، وسرد لا يشبهه سرد آخر. دعني أوضح لك وجهة نظري فيما ورد في القرآن الكريم، على سبيل المثال: في سورة يوسف هناك آية وصفية عظيمة: (وهمّت به وهمّ بها). تلك الآية تصور موقفاً غرامياً بين يوسف وزليخة، فيها إغواء، وإثارة، وهيام، ورغبة، وانفعال عميق، وتجاذب يستغرق تحليلاً في مئات الكلمات، لكن عبقرية السارد وعظمته اختصرت كل ذلك في أربع كلمات، والآية المذكورة جزء من قصة طويلة، ولا يستطيع أي كان أن يلخص القصة وإلا فقدت رونقها وعمقها، ومن يلخص قصة يوسف ولا يذكر هذه الآية وغيرها (على سبيل المثال) يجني على عظمة السرد، ومن يذكرها ويذكر غيرها من الآيات لا يمارس التلخيص، إذن فنحن في دائرة مغلقة. الرواية الجيدة تلقيك في محيط عميق من استمتاع لا مثيل له، تمنحك لذة قصوى، والاختصار يفقدك ذلك الاستمتاع، ويجرد مشاعرك من اللذة، لتبقى حسيراً مغلوباً.

عن القدس العربي

 

Posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works | Leave a comment

حاوره – طلال حسن

 
الروائي محمود سعيد يعود الي مدينته بعد نصف قرن ويتحدث لـ(الزمان) عن محيط الكاتب
الحرية وحدها لا تكفي لإنتاج أدب متميز
منعت من النّشر في العراق لأنّي لم أطبل لبطولات زائفة

حاوره – طلال حسن
زار الكاتب مسقط رأسه ـ الموصل، أواسط آب الماضي ـ 2011، والتقي بعدد من أدبائها ومثقفيها من بينهم الشاعر معد الجبوري والقاص أنو عبد العزيز ويوسف البارودي، وكان من ثمار هذه اللقاءات .. هذا اللقاء .
ـ بين ولادتك في الموصل، عام” 1939 “، وإقامتك في أمريكا حالياً، محطات إقامة عديدة، فما هي أبرز هذه المحطات؟
ــ صدقت، أقمت في المغرب 3 سنوات، وفي الإمارات العربية نحو 15 سنة، والباقي في أمريكا. وربما تجد في إجابتي نوعاً من الغرابة إن أجبتك أنّني لا أستطيع أن أفضّل مكاناً علي مكان، أو أبرّز مكاناً علي مكان، فأنا أحبّ كلّ الأمكنة التي زرتها زيارات سريعة أو التي أقمت فيها. ربما يعتبر المدقّق هذا من قبيل التّخبط أو المبالغة، لكنّي لا. لكلّ بيئة خاصياتها، وجوانبها الإنسانية، ومادام هناك بشر يعيشون فيها ويحبّونها فأنا أستطيع ذلك. كان لزيارتي المغرب وقع خاص في نفسي، فقد خرجت من السّجن 1964، وكنت مفصولاً، ثم وجدت العمل هناك، ورأيت بيئة تختلف عن بيئتي مئة بالمئة، والمغاربة بشكلّ عامّ طيبون ومسالمون وعاطفيّون ويحبّون المشارقة، والمجتمع المغربي متطوّر قياساً إلي المجتمع العراقي، فجميع مدن المغرب علي سبيل المثال تتوافر علي شبكة مجاري مياه الصّرف الصّحي، ففي الوقت الذّي تخلو جميع مدن العراق منه والعراق بلد نفطيّ. وإقامة شبكة لتصريف المياه القذرة في المدن يدلّ علي تواجد وعي حضاريّ متطوّر لدي قيادة المغرب نفتقده نحن في العراق. فالموصل إلي حدّ الآن تخلو من هذه الشّبكة مع الأسف الشديد، وشبكات الصّرف التي أقامها الدّيكتاتور في بعض المدن كبغداد والبصرة والعمارة والنّاصرية دمّرتها قوات التّحالف، لذا بتنا نشم الرّوائح الكريهة في مدننا من الموصل حتي البصرة.
في المغرب سنة 1964 لا تري وحولاً ومياهاً تخوض فيها في الشّتاء، فكلّ الأرصفة مبلّطة، وربما لا تحتاج إلي صبغ حذائك إلا مرّة في بضعة أشهر، وهذه نقطة حضارية لم تتوافر في العراق حتي الآن.
المهمّ أنني أحبّبت المغرب لأشياء كثيرة، وأعتبر نفسي محظوظاً لأنّي مكثت فيه تلك المدة، وأحبّبت الإمارات أيضاً، وشعب الإمارات طيب كالشّعب المغربي، ومسالم وعطوف، وعلي من يعيش في الإمارات ودول الخليج أن يتفهّم واقعهم الحضاريّ لكي يستطيع أن يتأقلم مع المجتمع، ومن ينظر إلي الإمارات لابد أن يحترم قادتها الذّين يحاولون تطويرها بشكلّ مستمرّ، بحيث جعلوها قبلة ومركزاً حضاريّاً مرموقاً، ولم يختلف الأمر عندي لما هاجرت إلي الولايات المتحدة. فهناك حكومة معزولة عن الشّعب، مكروهة من قبل المثقّفين، إلي جانب شعب طيب يتعاطف مع الغريب، ولا يحقد عليه، ويحاول مساعدته، لا بل يفتح ذراعيه مرحّباً به، وهذا ما لم أجده في بعض الدّول العربيّة الغنيّة حيث يعزل الشّعب نفسه عن الوافدين، وينظر إليهم بشيء من الاحتقار.
يعجبني السّفر كثيراً، وعادة ما أسجل بعض النّقاط التي أراها تميّز هذا الدّولة أو هذا الشّعب عن آخر، ثم تخلّصت من هذه العادة الطّيبة، لأنّها تسبّب لي ألماً وحزناً وتبكيت ضمير لعدم الكتابة، فالتّسجيل يعني الكتابة، وزيارة أكثر من خمسة وعشرين بلداً والكتابة عنها تشلّ قدرتي علي التّفرغ للرّواية والقصة. إذن لا مجال إلا لترك التّسجيل.
ـ زرت الموصل في آب الماضي من العام الجاري ” 2011 “، بعد أن تغربت عنها عقوداً عديدة، فكيف رأيتها بعد هذه العقود؟
كانت الموصل قبل نصف قرن أجمل، وأنظف، وأزهي، وأزكي رائحة، وأكثر إنسانيّة وتعاطفاً مع أهلها، ولا أدري مدي تمتعها الآن بالتّعامل إنسانيّاً مع الغريب، فلم أستطع التّقرب من الغرباء لأكتشف ذلك. ينطبق علي الموصل الآن قول البردوني: حسناء عاشقاها السّلّ والجرب، وإن كان هذا عجز بيت والشّعر يحدّدك بمجال قصير، فأستطيع أن أقول أن عشاق الموصل ليس السّل والجرب حسب بل التّخلف والوعي النّاقص واحتلال جيش معادٍ، وأشياء كثيرة أخري. من المعلوم أن كلّ حاضرة في العالم يتجاذبها نقيضان الأول يشدّها نحو الرّقي، والثّاني يريد إبقاءها متخلّفة. لكنّ الموصل الآن افتقدت ما يشدّها نحو الرّقي، فخلال عقود لم يقُم في الموصل أيّ مشروع حكوميّ مهمّ، وعلي سبيل المثال أنشأ الدّيكتاتور المقبور في البصرة فندقين درجة أولي، وفتح منتزهات شاسعة، وأقام أضخم جسرين حديثين ينفتحان حينما تمر السّفن في شطّ العرب، وأقام ثلاثة أعظم مصانع في الشّرق الأوسط للحديد والبتروكيماويات والأسمدة، وبني مجاري لتصريف المياه القذرة بالرّغم من أنّها لم تكن ضروريّة إلا أنّه عمل حميد، فتربة البصرة مساميّة ترسبيّة يتسرّب منها الماء حالاً، ولن يمتلئ خزان البيت بالفضلات حتي لو بني قبل خمسين سنة. لكنّه لم يبنِ في الموصل أيّ معمل أو مرفق سوي فندقين اغتصب أحدهما لأغراضه الشّخصيّة. لذا تكرّس التّخلف في الموصل في زمنه البغيض حتي إذ رحل غير مأسوف عليه سلّمها لأسوأ منه . لكي تنهض الموصل من كبوتها علي محافظها وملاكات الإدارة فيها والمخلصين من سكانها العمل الجاد لعشر سنين في الأقل.
ـ الإبداع أزهار فواحة، فمتي تبرعمت عندك أولي هذه الأزهار، وماذا تفتحت عنها؟
الإبداع كلمة كبيرة لا أظنّ أنّني أستأهلها، لنقل الكتابة القصصيّة والروائيّة. لست أدري متي بالضّبط! وإن لم تخني الذاكرة فقد بدأت الكتابة مبكّراً، في الثّالثّة عشرة عندما كنت في الصّف الأول المتوسط، وأول محاولة فاشلة لي في درس الإنشاء، فقد عنّ لي أن ألخّص رواية قرأتها، بدلاً من كتابة إنشاء ذي محتويً تقليديّ: “كيف قضيت العطلة؟” فأعطاني المدرّس أدني درجة في الصّف مع إهانة، وتكرّر الرّسوب في الإنشاء (اللغة العربيّة) مرفقاً بالسّخرية والإهانات حتي الخامس الثّانوي حيث حدث إنقلاب لم أحتسبه. جاءنا شاذل طاقة مدرّساً للعربيّة، وكما اعتدت متعمداً تجاهلت موضوع الإنشاء، وكتبت تلخيصاً لآخر كتاب قرأته، وعنوانه “الذّئب الأغبر” وهو سيرة مصطفي أتاتورك. لكني فوجئت فبدلاً من أقلّ درجة في الصّف أعطاني أعلي درجة، مع مديح قويّ قبل توزيع الأوراق، ثم قال لي أكتب ما شئت ولا تلتزم بالموضوع الذّي أعطي للصّف. كانت تلك بداية الطريق. بعد مدّة كتبت قصّة قصيرة فازت بجائزة جريدة ” فتي العراق ” ولم أكن أتوقّع ذلك أيضاً، وكان الفائز بالثّانية عبد الغفار الصّائع.
ـ أوشك كتابك الأول علي الصّدور عام ” 1963 “، لكنّ حرائق ذلك العام أحرقته قي ما أحرقت من الإبداع العراقي، فما هي قصة ذلك الكتاب؟ ولماذا أحرق؟
في سنة 1961 كتبت أوّل رواية باسم “الإضراب” وهي عن إضراب القصابين في الموصل 1956، وكان أهمّ إضراب في تاريخ العراق، فلأوّل مرّة تعلن مدينة في العراق عصياناً مدنياً لمدة أسبوع كامل، تغلق حوانيتها ومرافقها كليّة، الأمر الذي اضطرّ الحكومة لإيفاد وزير الدّاخلية سعيد قزاز، لكنه رجع إلي بغداد خائباً بعد لجوئه إلي عنف لم يقده إلي هدفه.
عرضتُ الرّواية علي فؤاد علاء الدّين، وهو صحفي حرّ، كان نشر لي مجموعة قصص متواضعة “بور سعيد 1957″ يعمل في معظم الصّحف، فقال لي إنه لا يستطيع أن يحكم عليها، وأعطاها للصحفي الشّهير مجيد الونداوي، فقال لي هذ: حتي أنا لست مختصاً بالرّواية، وسلّمها لعلي الشّوك، “مسؤول الروية والقصة في اتّحاد الأدباء العراقيين” وبعد أسبوع قال لي علي: إنّها ممتازة كأدب، لكنّنا لا نستطيع نشرها باتّحاد الأدباء، لأنّ هجمة اليمين استشرت الآن ولا يمكن أن يقبلوا برواية تتكلّم عن صراع طبقيّ يحكي نضال شعب ينتصر، اكتب إن استطعت عن صراع أقل حدّة. وكنت قد قطعت شأواً كبيراً في رواية أخري تحكي مأساة الهاربين من الموصل بعد استفحال الإغتيالات، وعندما عرضتها عليي علي الشّوك أعجبته وكانت بعنوان “قضية قديمة” وذهبت معه إلي الرّقابة العسكرية، وكان المسؤول لطفي طاهر شقيق وصفي طاهر، فنامت هناك أقلّ من سنتين بقليل، وقبلت أخيراً بعد تغيير كلمة مسدس بسلاح، وطبعت قبل الثّامن من شباط 63 ببضعة أيام كأوّل رواية للاتحاد، وذكرتْ خبراً عنها مجلة الإتحاد الأدبية “الرّافد” في أخبارها، لكنّها اتلفت وشقيقتها مع كلّ ما خزن من إبداع في مستودع الاتحاد بعد أيام، ولم اسمع عنهما قط. وبعد نشر الإيقاع والهاجس في التّسعينات تسلّمت رسالة من هادي العلوي، قال لي أنا أولّ من قرأ لك رواية، لأنّني كنت الرّقيب سنة 61، فأحزنني ذلك كثيراً، فلو افرج عنها قبل شهر واحد، لتغيّرت أشياء كثيرة في مسيرتي الأدبيّة. وفي مقالته عن زنقة بن بركة في جريدة الحياة اللندنيّة لـمّح علي الشّوك إلي هاتين الرّوايتين.
ـ يقول الشّاعر عبد الوهاب البياتي في إحدي قصائده ما نصّه علي ما أذكر “رفضتني المنابر/مذ قلتُ أنا ثائر”، وأنت مُنعت من النّشر في العراق منذ عام “1963″، لماذا “
منعت من النّشر لأنّي لم أتعاون مع البعث، لم أشارك في أيّ نشاط يؤيد نظامه، ولم أساهم في الجيش الشّعبي، ولم أطبل لبطولات زائفة، وكنت ضد الحروب التي أُذرغم نظام صدام علي دخولها، وأَرغم العراقيين علي الخوض فيها، وكنت أنظر لضحايا الحرب نظرة إنسانيّة، سواء أكانوا عراقيّين أو لا، ولم أمجّد رئيس النّظام ولا أيّاً من أركانه، وكنت أكتب رواياتي وقصصي عن مآسي الشّعب، وتعسّف الحزب، وسياسة النّظام الغبية كمسّبب لتلك المآسي، فكيف يسمحون لي بالنّشر؟ لا بل حاربوني داخل العراق وخارجه حرباً لا هوادة فيها، وكان قنصل العراق في دبي يجنّد بلؤم شديد من يحاربني ويشهّر بي، مستعيناً بأنصاف الرجال والمثقفين والأدباء والكتاب والفنانين الذّين اشتري النّظام أقلامهم وذممهم عن طريق تقديم العون الماديّ والمعنويّ لهم، وتكريمهم بدعوتهم إلي مهرجانات، واحتفالات أدبيّة ثقافيّة فنيّة متعدّدة،كمهرجان المربد، فأصبحوا طوع بنانه.
ـ عشت الغربة عن الوطن عقوداً عديدة، ماذا أخذت منك هذه الغربة كأديب، وماذا أعطتك؟
أخذت الغربة مني الكثير، وأعطتني الكثير. فالكاتب كالسّمكة لا يستطيع أن يعيش خارج محيطه إلّا إن بذل جهوداً كبيرة للتأقلم في المحيط الجديد، لكنّ هذا الجهد يتضاءل إن اعتبر الكاتب العالم كلّه وطنه. لقد مرّت علينا نحن العراقيين لا سنوات عجاف حسب بل عقود عجاف، قضت علي الاستقرار، السّلام، الأمن، المقتنيات، التّراث، الماضي، قتلت أملنا في المستقبل، أخمدت حيويّتنا، حرمت أجيالنا من أشياء مفيدة كثيرة، حتي بات العراقيون يحلمون بالهجرة، ويعتبرون مجرد الخروج أهمّ من أيّ مكسب آخر. دعني أذكر لك شيئاً بسيطاً، في نهاية تموز 2011، وصلت أربيل في طريقي إلي الموصل، فسألني سائق سيارة الإجرة عن بلد الإقامة، وعندما قلت له أمريكا، أوقف السّيارة بقوة حالاً، وهتف بي بعربيته “المكسرة”: لماذا أتيت؟ وحدث الشّيء نفسه مع خمسة سائقين آخرين، ثم تكرّر ذلك في طريق الرّجعة، وكنت أظنّ أن المواطن العراقيّ في الشّمال محصّناً من الرّغبة في الهجرة لما سمعت وقرأت من أن شمال العراق أصبح قلعة “ديمقراطية” وأنه أصبح “جنة” وووو، فمعظم سوّاق سيارات الإجرة، ومن تكلّمت معهم في المطار كانوا يفصحون عن تعاستهم، وتخلف واقعهم، ورغبتهم في الهجرة. وبالنّسبة لي فرغم آلام الغربة والبعد عن الوطن والأهل فقد أعطتني الغربة جوّاً هادئاً، وتفرّغاً للكتابة، وخلوّ بال بعيداً عن الصّراعات الملتهبة في الوطن.
ـ يري البعض، أن الإبداع العراقي، ومنذ السّبعينيات، إبداعان، إبداع الدّاخل وإبداع الخارج، كيف تنظر أنت إلي هذا الأمر، وهل هناك فوارق كبيرة فعلاً بيت الإبداعين.
قسم من الأدباء يطلقون أحكاماً عامّة تمتاز بالتّسرع، فلكي نستطيع أن نميّز أدب الدّاخل عن الخارج علينا أن ندرس جميع النّتاج، ونستقرئ ميزات وخواصّ كلٌ منهما، وهذه مهمّة النّاقد والدّارس، وإلي حدّ الآن لم تظهر إلي العلن مثل هذه الدّراسة، ولم تظهر إلي العلن أيضاً دراسة مقارنة بين أديبين (أو أدباء) متماثلين أحدهما في الدّاخل والآخر في الخارج، فكيف نستطيع أن نحكم علي هذين النّوعين من نتاج أحاديّ؟
هناك خصائص كثيرة تميّز الأدبين، منها أن أدب الخارج يتوافر علي حريّة تناول أكبر من الثّاني، لكنّ هل الحريّة وحدها كافية لانتاج أدب ممتاز؟
في التّسعينات طلبتْ مني مجلة شؤون أدبية “الشّارقة” أن أجهّزها بملفّ عن الأدب العراقيّ، وكلّفت موسي كريدي وكان الملفٌ جيداً. لكنّي وجدت أن سبعة كتاب كتبوا بشكلّ رمزي عن كائن مخيف يسيطر علي حياة الأبطال الذين ابتدعوهم، “طنطل، شبح، مصاص دماء الخ”، لكنّ تلك الرّمزية لم تؤدّ دورها فنيّاً كما يجب، فجاءت كتاباتهم فجّة، وينطبق مثل هذا علي الكتاب خارج العراق، فقد قرأت غير رواية وقصّة قصيرة، لكنّي وجدت العمل باهتاً كذلك، إذ أنني لم استطع أن أجد ماذا منحتهم الحريّة.
وعلي سبيل المثال أضرب مثلين لمثل هذا الأدب. هناك رواية كتبت في الدّاخل مؤخرّاً احتفي بها بعض الكتاب، موضوعها السّجن في زمن الدّيكتاتور، يصف بها الكاتب سجيناً معلّقاً من يديه المربوطتين من الخلف بالسّقف. هذا شيء طبيعي في سجون الماضي والحاضر، لكنّ الشّيء غير الطّبيعي المستحيل أن الكاتب يدٌعي أن هذا السّجين المعلٌق بقي علي قيد الحياة متمالكاً قواه العقليٌة بعد أسابيع، وهو أمر ليس غريباً بل مستحيل، فمن يعلّق بهذه الطّريقة ينتهي خلال ساعات. وهناك رواية كتبت في الخارج عن مترجمة عملت مع الأمريكان فصوّرت إنسانيّة الإحتلال الأمريكيّ بشكلّ فريد فالجنود الأمريكان يقتحمون البيوت ليلاً لكنّهم يعوّضون أصحابها نهاراً، وقدّمت سفاكي ومجرمي إحدي المليشيات التي كان لها “شرف” قتل وإبادة مئات الآلاف، وتشريد وتهجير الملايين، قدمتهم في الرّواية كمنقذين للشٌعب.
الخلاصة أن الإبداع في رأيي ينبع من قدرة الأديب علي خلق شيء فريد جديد ولا علاقة كبيرة له بالإقامة في الوطن أو الهجرة منه.
ـ كيف تنظر إلي واقع الثّقافة في العراق في الوقت الرّاهن؟ وما هي آفاق توجهاتها في رأيك؟
قرأت قبل يومين مقالة في أحد المواقع العراقية يقول فيه الكاتب إن كلمة الأديب عند السّلطة “الدّيمقراطية جدا” تعني: شيوعيّ علمانيّ ملحد. كلام الأديب هذا مبنيّ علي وقائع معيّنة حدثت فعلاً، فإن كان هناك ثلّة من رجال السّلطة ينظرون مثل هذا النّظرة حتي لو كانت نسبتهم 5% فإن مستقبل الثّقافة في العراق مظلم، بائس، تمسكه يد عفريت شرّ وخيبة وانحطاط ورجعيّة مقيتة. لكن يبدو أنّ النّسبة أكثر من 5 % بدليل أنّها “السّلطة” منعت الشّراب في اتحاد الأدباء، وهذا يعني أن بعبع الأدب والثّقافة والتّقدم، ويعني أيضاً أن صعاليك الطّائفية وديدان التّعصب الدّيني تنخر في جسد المجتمع، وهي في طريقها لهدم ما تبقي من أسس خير وتقدّم. وإن نظرنا إلي عدد الصّحفين والتّقدميين الذّين اغتيلوا تأكد لدينا قول الأديب.
ـ من الواضح أنك تولي الجنس في رواياتك اهتماماً كبيراً، فما موقفك من ذلك؟ وكيف ينظر نقادك إلي هذا الاهتمام؟
جري ويجري الإهتمام بالجنس عند الكتاب بطرق متعدّدة ولكي نكون موضوعيين ونحكم عليه بالقبول والنّبذ، علينا تفصيل أنواعه:
1- اتّخاذ بعض الكتاب منه وسيلة والشّهرة، كما فعل نابوكوف في روايته لوليتا، فقد قدّم لنا رجلاً مثقفاً شاذاً مريضاً نفسياً أحبّ مراهقة وسلك شتي السّبل لإغوائها وحاول أن يأسر روحها مع جسدها فهربت منه، فلاحقها وارتكب جريمة أخري أكبر من جريمته الأولي وانتهي به الأمر إلي السّجن المؤبد، ونستطيع أن نطلق علي هذا النّوع من الأدب الأدب الجنسي العصابي وهو منبوذ عند معظم النّقاد، وفي كل المجتمعات، وفي محاولة لتعليل عدم منح فيليب روث “كاتب أمريكي مشهور، حاز مرّتين علي جائزة بوكر” جائزة نوبل، علّل بعض النّقاد أنّه تطرق في غير رواية له إلي جنس مرضي عصابي كما فعل نابوكوف في لوليتا.
2- هناك أدب يقدم الجنس في حوادث غريبة لتمتيع الكاتب ويطلق عليه في الغرب “البورنو” وفي الأدب العربي يطلق عليه بالأدب المكشوف، وفي تراثنا القديم أمثلة كثيرة جداً منه: نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب، للتيفاشي، وتحفة العروس، ورجوع الشّيخ إلي صباه الخ. وفي الأدب العربي الحديث برز كتاب كثر منهم رشيد الضّعيف الذّي يصف في إحدي رواياته علاثة شخص ما بزوجة أبيه بتفصيل مثير، وصدرت قبل سنة مجلة جسد، وفيها تفصيل للعلاقة بين الرّجل والمرأة، وتركيز علي الحب طبيعيّا وشاذّا، وفيها كمّ كبير من الإحالات الفكريّة والفلسفيّة لكتاب مشهورين في العالم تناولوه وكتبوا فيه، لاتّخاذهم أمثلة تحتذي لتوسيع دائرة هذا الأدب، ونشره، وتأسيس شرعنة فكريّة لترويج الشّذوذ وتبرير الخيانة الزّوجية من وجهة إظهار معاناة المتزوجين ومظلوميتهم وبخاصة ضحايا الإجبار علي الزّواج، بحجة أن الخيانة سلوك عاطفي يعبّر بصدق عن مشاعر الإنسان، بينما الإحجام عن الخيانة، والبقاء تحت رحمة الزواج المتعسف سلوك كاذب يخدع العواطف الخ، ومثل هذا الأدب مازال منبوذاً علي سبيل المثال في الولايات المتحدة، ولا تباع نشرياته إلا في أمكنة خاصّة، بالرّغم من أن سوقه التّجاريّ واسع جداً وهائل يصل إلي مليارات دولار، لكنّ هذا النّوع من الأدب مسموح وشرعيّ في أوربا كلّها، وبخاصة فرنسا، فهناك أدب “إيروتيكي” واسع جداً، وقديم جداً، وله جوائز سنوية هائلة، ولعلي لا أبالغ إن قلت أن ما ينشر منه، في الأسواق والأقبية المظلمة يعادل جميع ما يكتب وينشر في النور، ولعل أقدم من ساهم في هذا الحقل: هنري ميلر، لكنه بلغ أوجه علي يد الكاتبة الفرنسية: أناييس نن. في كتابها المشهور دلتا فينوس.
3- الأدب الواقعيّ الذّي يصف الجمال في الحياة كطبيعة وطفولة وجسد امرأة وهذا لا غبار عليه، لأنّك إن وصفت كلّ ما في لوحة ممتازة من جمال من دون تركيز علي شيء معيّن وتفضيله علي غيره فلا يمكن أن يكون شيئاً قبيحاً أو منبوذا، وسأوضّح الأمر في مثل بسيط. هناك قصة قصيرة تروي: إن “س” مرّ في باريس، والتقي فتاة “ص” وتبعها ثم قضي معها وقتاً ممتعاً. يفهم القارئ من هذه الجملة الاعتيادية، أن “س” و “ص” استمتعا بممارسة الجنس، لكن القارئ حين يكمل القصة يكتشف أنّها قريبته وأنّهما استمتعا بقراءة ديوان شعر، أو بلعبة الشّطرنج. في مثل هذه القصة يضطرّ الكاتب أن يحمل البطل علي تصرّف معيّن يكتشف فيه القارئ أنّه مارس الجنس أو لم يمارسه ليزيل اللبس، فإذا قام بحركة تدّل علي أنه استمتع جنسياً فلا غبار عليه. وهو النّوع الذّي يكتبه فؤاد التكرلي ومهدي عيسي الصّقر وأنا. ولتوضيح الأمر أكثر من هذا، أذكر زنقة بن بركة علي سبيل المثال، فقد كتب عنها 34 مقالة، وأشار إليها عشرات الكتاب، لكن لم ينتقدها أيّ كان أو يتهمها بأن فيها جنساً قبيحاً أو مقحماً، وما اعتبره بعض المتخلّفين جنساً هو وصف بعض النّساء كما هنّ في مواقع معينة، الأمر الذّي جعل علي الشّوك يصفها بالرّواية كاملة الأوصاف، ولم يقلّ احتفاء باقي النّقاد بها كالمرحوم علي جواد الطّاهر.
ـ كتبت للأطفال، وفازت إحدي قصصك بجائزة في أبو ظبي عام ” 1999 “، ما الذّي جذبك إلي الكتابة للأطفال؟ وكيف تنظر إلي أدب الأطفال في العراق، مقارنة مع أدب الأطفال في الدّول المتقدمة التي عشت فيها؟
الأطفال هم أمل الإنسانية في التٌقدٌم، ولبراءتهم وعفويتهم وصدقهم وقع كبير في نفسي، وأحترم كتاب أدب الأطفال وأراهم أفضل من غيرهم، وأتمني من كلّ قلبي لو استطعت أن اسمع ثرثرة طفلين دون العاشرة يتكلّمون في أيّ موضوع، فأنا أتوق إلي فهم وجهات نظرهم لأتعلّم منهم كيف يعبّرون عن إحساساتهم، أحلامهم، أهدافهم، كيف يقوّمون أهاليهم، أصدقاءهم، فالطفل إلي سنّ الثّامنة عشرة في أوطاننا لا يصارح أهله بما يعتلج في صدره، والكاتب السعيد في نظري من استطاع أن يغور في أعماق الأطفال. وفي الولايات المتحدة هناك جوائز خاصة سنوية لأدب الأطفال تحت السّابعة وفوقها. إنني أتوق لقراءة أدب الأطفال العراقيّ الذي حرمت منه عقوداً كثيرة، فلم يكن متوافراً في الإمارات سوي قصص أطفال سوريّة ومصريّة. ومحاولتي لفهم عالم الطّفل دفعتني لكتابة قصّتين فقط، نشرت إحداها “وهي التي فازت” أما الثّانية فلم أنشرها إلي حدّ الآن. لكنّي لسوء الحظ عدلت عن هذا الاتجاه السّليم إلي اتجاهي الأوّل “الرّواية” لأنّي اعتدت عليه.
ـ فزت بجوائز عديدة، لكنّ تبقي للجائزة الأولي نكهتها، فما هي جائزتك الأولي، وعن أي قصة فزت بها؟
لا أستطيع أن أقول عديدة بل متواضعة، خمس جوائز فقط. كانت الأولي عن قصّة نشرت في جريدة فتي العراق، وجائزتها اشتراك سنويّ مجانيّ بالجريدة، وفرحت بها كثيراً، لكنّها كانت سبباً لحقد مجموعة من الأميّين طلب بعضهم أن أكتب لهم، ورفضت فعادوني حتي وقت متأخّر، لكني فرحت كثيراً لفوز الجائزة الخامسة وكانت لأفضل رواية مترجمة إلي الإنكليزية،فلم أكن أتوقعها قطّ، وستنشرها جامعة سيراكوز في نيويورك في تشرين الثاني هذا العام.
ـ زرت العراق مؤخراً، وعشت واقعه من قريب كما عشته من بعيد، كيف تراه راهناً ومستقبلاً؟
لعلي لا أبالغ أن العراق في الخمسينات حتي الغزو كان أكثر بهاءً، ونظافة، وألقاً وأمناً. لكنّي متفائل إلي أن المستقبل سيكون أفضل، وأحلم وأتوقع أن يلغي ممثلو الشّعب دستور “برايمر” الإستعماريّ المتخلف الكريه وأن يزيلوا المواد الطّائفيّة، والتحصصيّة، ويتجهوا إلي تحقيق دستور حديث يجتثّ التّخلف والتّمييز العنصريّ والتعصب بشتي أنواعه، وأنا أثق بالمستقبل ثقة كبيرة.
ـ كتبت القصة والرّواية وقصة الأطفال هل حاولت كتابة المسرحية؟
للأسف لا. وربما لو طلب مني لفعلت، فللمسرح في العراق جذور عميقة ازدهرت ثم ضعفت زمن الدّيكتاتوريّة، ثم انقطعت بعد الاحتلال.

http://www.azzaman.com/index.asp?fname=201199-21\699.htm&storytitle=
2011/09/21       

9/2011/ Issue 4003 – Date 22-

Posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works | Leave a comment

مقابلة مع مجلة صادرة في لندن: 2000

عزيزتي زهرة

كل عام وأنت بخير

اشكرك جزيل الشّكر لمقابلتي أولاً، ولتمكيني من شرح بعض ما أظنه خافياً على القراء ثانياً، واتمنّى لك التّوفيق والتّطور.

عزيزتي تجدين صوري وأغلفة بعض الكتب في آخر الرسالة.

تحياتي.

محمود سعيد.

1: عندّك نتاج غزير، لكنّك لست معروفاً في العراق والدّول العربيّة إلا عند القلّة، ما تفسيرُك؟

ج- نعم معظم العراقيين والعرب لم يسمعوا باسمي، لأني كنت من المغضوب عليهم في العراق في الماضي والحاضر، ولا يمكن أن يُعرف أيّ أديب على النّطاق العربي ما لم يُنشر له في وطنه، ولم يحضر أمسيات الكتاب والأدباء ولقاءاتهم، ويساهم في ندواتهم، ويشاركهم في احتفالاتهم، ويوفد في زيارتهم إلى أقاليم خارج الوطن، أو إلى المدن داخل الوطن في احتفالاتها المتعددة سنوياً. من يعرفه إذاً؟

 2: لماذا لم تشارك في هذه النّشاطات؟

ج: كيف أشارك من دون نتاج منشور؟ نتاج الكاتب المطبوع أشبه بأوراق اعتماد للسّياسي في الدّول الأخرى، فكيف يتم الاعتراف به إن لم يبرزها؟ إن ادعى أن لديه مسوّدات فقد يتّهم بالكذب. هكذا تسدّ السّلطة الأبواب أمام من تخاله يسير ضد تيارها.

س: لكنك نشرت في العراق.

ج: نعم: مجموعة قصص قصيرة “بور سعيد” كان ذلك في سنة 1957. ثم نشر لي اتحاد الأدباء سنة 1963 رواية “قضية قديمة” لكنّها لم توزع وأتلفت لأن حزب البعث وصل إلى السّلطة وأتلفها هي ومخطوطة أخرى لي بعنوان الإضراب، وأظن أن سلطات الانقلاب أتلفت الكثير لغيري. لهذا كلّه لم أحصل على ما استحقّ، فإلى حدّ الآن لم أدع إلى أيّ مؤتمر في العراق أو في البلدان العربيّة، على عكس ما يحصل لي هنا في الولايات المتحدة. إنني أسوق هذه الحقائق لأن من حق القارئي أن يعرف السّبب.

 س: تُعتبر رواية “أنا الذي رأى – مدينة صدّام” إحدى أفضل 57 رواية في العالم حسب موقع شؤون المكتبة “نيويورك” فلماذا؟ وهل كتب عنها باللغة الإنكليزيّة؟ وهل ترجمت لغير الإنكليزيّة.

ج: نعم، اعتبر موقع شؤون المكتبة “نيويورك” رواية “أنا الذي رأى – مدينة صدّام” إحدى أفضل 57 رواية في العالم، وأعطاها أربع نجوم حالها حال نتاج ماركيز، ويوسا، وسامراغو، وأورهان باموك، وغيرهم، وهناك بضعة مواقع أخرى قوّمتها تقويماً ممتازاً كذلك، وأشادت بها، وتحدّثت عنها مجلة الـ: “نيويوركر” وهي أرقى مجلة في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وفي مقابلة إذاعيّة مع الكاتبة “كلوديا بير بونت” ركّزت عليها كثيراً، وأشادت بها كعمل عظيم، وقبل بضعة أشهر وردت في كتاب الرّواية العالميّة، أما بالنّسبة لي ففي الحقيقة لم أكن أتوقع ذلك مطلقاً، فهي رواية معوّقة، لأن الرّقابة السّوريّة أتلفت منها فصلين سنة 1981، ولم أستطع إعادة الفصلين المقطوعين بالرّغم من محاولاتي المتعددة، وحذف فصلين من أيّ رواية يفسدها ويحدث فيها خللاً هائلاً، ويجعلها مضطربة غير قارّة، وعندما قدم إلى بيتي البروفيسور “أحمد صدري” ورأى بعض كتبي طلب إعارتها لقراءتها، قلت له إنها غير كاملة، قال لي: دعني أحكم عليها بعد القراءة. ثم قرّر بعدئذ أن يترجمها، فوافقتُ على مضض، لكنّي لم أتوقّع لها النّجاح مطلقاً، وقبل النشر أرادت المرحومة مي غصوب “ناشرة الساقي” تغيير العنوان من “أنا الذي رأى” إلى “صدّام سيتي” فذُعرت، وقلت لها إن اسم صدّام يشوّه العنوان ويلوّثه، ولم ترد كلمة صدّام بالرّواية قط. لكنّها أصرّت. ثم نشرتِ الرواية، وتُرجمت إلى الإيطاليّة بعد سنة. كنت ومازلت لم أصدّق كلّ ذلك الاحتفاء بها، لكنّ الكثير من القراء كان لهم رأي يخالف رأيي، فعلى سبيل المثال كتبَ عن الرّواية أكثر من 25 مقالة بالإنكليزيّة، سأنشرها في موقعي الذي سيكتمل قريباً، ليبقى السّؤال يتردد: من هو على حقّ أنا أم القراء؟ لست أدري.

س: كتب الكثير عن العراق في عهد صدّام فلماذا هذه الرّواية مهمة؟

ج” لأنها أول رواية تناولت أوضاع السّجناء في العراق. ففي سنة 1981 كان صدّام أقوى زعيم عربي، وكان العراق في حالة صراع مع نظام الحكم الإيراني، ومن يجرؤ على فتح فمه ينتهي إلى غير رجعة، وكان معظم كتاب العراق آنذاك وفيهم نسبة عالية ممن يتصدرون السّاحة الأدبيّة في العراق الآن، أو من يغرّدون ألحان الحريّة والدّيمقراطيّة والطّائفيّة والمبادئ الدّينيّة داخل وخارج العراق، كانوا كلهم يتحرّكون ويردحون ويرقصون تحت مظلّة ومكافآت ورعاية الحكم العراقي، ويتغنون بمآثره وبطولاته ويشيدون بانتصاراته. ولما لم يكن باستطاعة هذا الكمّ الهائل من الأدباء ومدّعي الأدب قول كلمة حقّ منصفة واحدة، فقد اندفعوا للتّهجم والافتراء عليّ أو في الأقل تجاهل كتابي، لأني بقولي الحقيقة فضحتُ جبنهم وانحيازهم لنظام فاشستي، يعادي الشّعب، ويقوم على القوّة لا غير. من هنا تأتي أهميّة رواية “أنا الذي رأى.” فهي متفردة بقولها الحقيقة، ومتفردة بكشفها زيف النّظام، ومتفردة بشجاعتها المنقطعة النّظير، وفريدة بأسلوبها الذي وصفته كاتبة النّيويورك بالسّلس الواضح غير المعقد الذي يشدّ القارئ، وبالرّغم من التّرجمة فقد أعجب بالرواية طلاب الماستر الذين يدرُسون الأدب الإنكيزي، في غير جامعة في أمريكا.
س: ما أهمّيّة اختيار منظمة العفو الدّوليّة؟ وما أهمّيّة مجموعة قصص الحريّة، وهل كان موضوع قصتك ملائماً؟ وإلى كم لغة ترجمتْ؟

ج: ترجع أهمّيّة اختياري من قبل منظمة العفو الدّوليّة إلى قلّة عدد الكتاب الذين خصّتهم المنظمة بطلب كتابة قصص عن مبادئ حقوق الإنسان بمناسبة مرور ستين عاماً على إقرارها من قبل هيئة الأمم المتحدة، فقد كان مجموعنا 37 كاتباً من بين ملايين كتاب العالم. وهذا بحدّ ذاته مهمّ جداً، ولابد أنّ هناك كتاب مهمين آخرين لم يتسلّموا الدّعوة، أو رفضوا المشاركة، لكن ذلك لم يقلّل من أهمّيّة المساهمة والمناسبة. وأظن أن موضوع القصة التّي ساهمتُ بكتابتها جدير بالحدث، فقد كتبتُ عن مجزرة جند السّماء. إذ لم يُشر إليها أو يتناولها أيّ كاتب، وأحسّ بالفخر لأني اخترت الموضوع، وأظن أنّ التّأريخ سيدين الأدباء والكتاب العراقيّين لأنّهم عتّموا على هذا الحدث الجلل، فهو أشبه بموضوع المهجّرين إلى إيران في السّبعينات، أو المهجرين بعد الاحتلال إلى سوريا والأردن. ومن دواعي فخري أنني كنت أوّل من كتب ضحايا تهجير الفيلية قصة: “رسالة إلى وفيّة” والتي ترجمت إلى الإنكليزيّة، ونشرت في مجلة الجديد في لوس أنجلس. جند السّماء كانوا مسالمين وطيبين ويحلمون بعراق متطور غير طائفيّ خالٍ من دينصوارت الدّين والقوميّة والفساد، لكن السّلطة أبادت أعداداً هائلة منهم، وطمرت ذكراهم، ودفنتهم مع آمالهم وطموحاتهم في مقابر العدم. وعندما ذهبت إلى أدنبرة سنة 2009 للمشاركة في حفل التّوقيع كنت الوحيد الذي أجري معه مقابلة من قبل المسؤولين. ثم علمت أن بعض الزّملاء الذين يدرّسون الإنكليزيّة في جامعة ديبول درسوها في صفوفهم، فطلبت منهم أن تقويم قصص المجموعة في دروسهم، وكانت النّتيجة لصالح قصّتي.

س: هل تعتبر مقالة ال”نيويوركر” سنة 2010 مهماً، ولماذ؟

ج: تأتي أهمّية مقالة ال”نيويوركر” من إشارتها إلى حفنة من الكتب العربية وهي إشارة فريدة فالسّوق الأمريكية واسعة سعة فلكية. أمريكا تنشر ضعف ما ينشر في كلّ العالم، ولعلّك لا تصدقين أن في مدينة شيكاغو وحدها أكثر من خمسين ألف روائي، فكم عدد الرّوائيين في أمريكا كلها؟ ولتوضيح الأمر أمام القارئ العربي عليّ أن أعطي القليل من التّفصيلات، فدور النّشر الأمريكية التّي تنشر الرّواية مختصة بصنف واحد من الرّواية: العلمية، البوليسيّة، التّحقيق، رواية الأشباح، مصاصي الدّماء، الرّومانسيّة، التّاريخيّة، المناطقيّة، الرّيفيّة، الشّذوذ النّوعي “المثليّة” إلى ما لا يسعه هذا المجال. ومن هنا تأتي أهمّيّة المقالة، فاختيار بضع روايات عربيّة من دون هذا الكمّ الفلكيّ الهائل تشريف للكاتب والكتاب معاً، لذا تلقيت تهاني كثيرة من الطّلاب وممن يعرفني من النّاس. وعلى سبيل المثال طرق عليّ الباب صباح اليوم التّالي شخص في العمارة التّي أسكنها، ولم يكن بيننا أيّ علاقة، وعندما فتحت الباب رأيته يقدّم لي المجلة هديّة وعيناه تلمعان بالإشادة والفخر.

س: آخر رواياتك:”نطّة الضفدع” يوحي العنوان بأكثر من فشل تتناوله الرّواية، يعبر عن هزيمة البطلين أم فشل التّنظيمات الفلسطينيّة، فأي فشل قصدته تحديدا من العنوان؟

ج: كلها، نحن شعب مهزوم، فاشل، وأجيالنا فاشلة ومهزومة، والرّواية إشارة إلى بعض الحلقات في هذا المسلسل الهائل من الإخفاق والذلّ والانحراف عن الهدف والذّات والمبادئ، أردتُ أن أعبّر عن فشلنا نحن الشّباب “آنذاك” في فهم طبيعة صراعنا مع أعدائنا، ومغزى ودور المنظمات الحزبيّة “النّضاليّة” والمبادئ التّي رست عليها، وكيف خدعتنا، وظللتنا، وكيف اُستغلّتْ عواطفنا وجيوبنا وحرفتنا عن الاتجاه الصّحيح. فمنذ ستين سنة وإلى حد الآن بحّت حناجر الخطباء والمناضلين، وجفّ حبر أقلام الثّوريين، وتبعثرت أهداف “الرّفاق”، لنكتشف بعد هذه المدة الطّويلة من النّضال أنّ كلّ ذلك وهم وبناء من رمل وملح، تهاوى إلى عدم، وأن المناضلين والثوريين والرفاق مخروقين مخادعين يعملون ضد مصالح شعبهم، ويساهمون بتزييف القضيّة وقتلها. لم يبق من تلك الكميّة الهائلة من الزّيف سوى ثروة ماديّة بائسة يتخم بها أولئك المخادعون معداتم. ستون سنة من النّضال تفضي إلى الاعتراف بالخصم والحصول على أقل من 18% بالمئة من أرض وطن يقضِم منه حليفنا اللدود كلّ يوم لقمة. هناك جرائم اقترفها النّظام العراقي الحالي ضد العراقيين لا تغتفر قط، إنها تشبه جرائم النّظام السّوري ضد شعبه، لكن جرائم المنظمات الفلسطينيّة والسّلطة الفلسطينيّة لا تقلّ عنها، أنظري على سبيل المثال إلى الفلسطينيين المبعدين من العراق، اغتصبت نساؤهم، وقتل الكثيرون منهم شرّ قتلة بدون ذنب، وأخرجوا من بيوتهم، وانتزع منهم ما حصلوا عليه طيلة عمرهم كلّه، ورموا على الحدود سنين في الحرّ والقرّ والرّياح، ومع ذلك لم تبادر السّلطة الفلسطينيّة ولا حركة حماس بإنقاذهم، واحتضانهم في وطنهم، بل تركتهم للبرازيل التّي رمتهم في الشّوارع، يعتدى عليهم مرة أخرى وتغتصب أعراضهم، وتنتهك حقوقهم الإنسانيّة، ويقتلهم الجوع والمرض، فهل هذه منظمات محترمة؟ ألا تستحق الكشف والزّراية؟ من يقرأ الرّواية ينتهي إلى حقيقة أن المنظمات الفلسطينيّة بالذّات نشأت على الخديعة والغش والكذب والزّيف وحرف مقارعة الخصم، ولذا لا يفاجأ المرء بما انتهت إليه بعد عقود النّضال المزيّف من هزيمة وخضوع للعدو، فمن يزرع الخداع يحصد الفشل، ومن يكذب على جماهيره يفقدها ويواجه عدوّه عارياً ضعيفاً بلا سند لينتهي إلى لا شيء.

س: لماذا العودة الى زمن الثّمانينات في العراق..الا يستحقّ ما يجري في العراق اليوم ان يُكتب عنه حيث نسبة العنف فيه لا تقلّ عن ذلك الزّمن؟

ج: هذا سؤال ممتاز، نعم، نسبة العنف في العراق ومستواه بعد الاحتلال أشدّ من ذلك الزّمن، وأقوى، وأقسى، وأكثر وحشيّة، لقد خصصتُ العنف في العراق برواية كاملة “الشّاحنة” (دار شمس. القاهرة 2010) وصفتُ بها قتل مئات الألوف بقلب أقسى من الحجارة، وصفتُ بها أجواء تصفية الأبرياء في العراق سنة 2005-2008، وصفتُ بها قتل المواطن العراقي المسالم بوساطة “الدّريل” والسّاطور، وفقأ الأعين وتقطيع الأوصال، وصفتُ بها مجرمين كبار “أبو درع- صولاغ” كما لم يوصفوا من قبل، وتطرقتُ إلى أمور لم يتطرق إليها أحد، وبينتُ في الرّواية أشياء ظهرت بعد “ويكي ليكس” بأكثر من ستة أشهر، وصفتُ بها ما يحدث في السّجون السّريّة العراقيّة والسّوريّة معاً، في الطريقة نفسها التي تكلّمت بها عن السّجن في زمن صدّام، وكنتُ الرّائد في ذلك، تكلمتُ عن السّجن في العراق الآن، والسّجن في سوريا الآن كما لم يتكلم أحد من قبلي. تكلمت عن المهجّرين ومعاناتهم، وتكلّمت عن الأطفال الذين وصلوا سوريا هاربين من الجحيم، ولا يعرف أحد كيف وصلوا، لأنهم كانوا وحدهم بدون ذويهم. وفي مجموعتي قصص “الجندي والخنازير” و”مساء باريس” تكلّمت عن استهتار القوات الأمريكيّة والمليشيات الطائفيّة وقتلها للعراقيين المدنيين بدون ذنب، عن الأطفال الأيتام، عن ضحايا الحرب، عن مقاومة الأمريكان المشروعة، عن مقاومة الشعب لحكومة حيوانات المنطقة الخضراء المتوحشة. لا أظن أن أحداً غيري كتب عن كلّ هذه القضايا. كنت وما زلت أعبر عن مآسي شعبي، ولهذا أدرجتِ المليشيات الإجرامية اسمي في قائمتين للقتل.

س: عارضت نظام صدّام حسين ومُنعت رواياتك آنذاك، واليوم انت تعارض النّظام الجديد في العراق.الا تعتقد بوجود امكانيّة لخلق مساحة مشتركة بين المثقف والانظمة..ام ان المعارضة هي المكان الوحيد للمثقف؟

ج: هذا أذكى سؤال اُلقي علي منذ أن بدأت أكتب وحتى الآن. هنا في أمريكا يعتبرون معارضة النّظام، وفضحه، والتّهجم عليه موضوعاً شخصياً، فمن يفعل ذلك لا يسجل نقطة لصالحه، ولا تنقص نقاطه الجيدة قط. موضوع كغيره، كأيّ حدث في الحياة. اكتبي عن حاضنة الأطفال، عن حادث سير، عن خيانة زوج أو زوجة، عن مصاص دماء مسيحي أو يهودي، عن التّخريب الإسلامي أو الزّنجي، عن المثليّة، عن حريق الغابات، عن عقوق الوالدّين، عن، عن، كلّ الموضوعات سواء. ما يلتفت إليه هنا الكتابة النّوعيّة، والأسلوب الجيد، والموضوع فائق الاختلاف والإثارة. ما يُحترم هنا التّمكن من أدوات الكتابة وإخراجها بأفضل صورة فقط. أما في الأدب الأوربي فلا، لقد ذهب إلى العدم كلّ من أشاد بالنّازيّة، ونسي القراء كلّ من مجّد قادة الاتحاد السّوفيتي والدّول الاشتراكيّة، لكن القارئ المثّقف في جميع أنحاء العالم يحترم كُتاب أمريكا اللاتينيّة الذين يقارعون الدّيكتاتورية، وينظر القارئ الأمريكيّ نظرة مغلّفة بالإثارة إليهم، ويتساءلون: لماذا يختار هؤلاء الكتاب موضوعات سياسيّة دون غيرها؟ أقول لأصدقائي من الكتاب الأمريكان إننا مثلكم نكتب عن كلّ شيء، لكن لأن ضحايا السّياسة في أوطاننا يفوق ضحاياه هنا، ويفوق ما يسقط في أيّ ظاهرة طبيعيّة أو اجتماعيّة لذا ترى معظم ما يطفو على السّطح من كتابتنا موضوعات سياسيّة. لم يكن في ظني”ككاتب” أن أكتب عن قضايا سياسيّة مطلقاً، كتبت بروح إنسانيّة، لكن السّلطة لا ترضى عن ذلك. فهي تضطهد كلّ من يعالج مشاكل الوطن. وعندما تمارس التّعسّف ضد الكاتب يظهر الكاتب وكأنه يفضل الموضوعات السّياسيّة. وهذا غير حقيقي. أما النّقطة الثّانية التّي أثارها السّؤال: “الا تعتقد بوجود امكانيّة لخلق مساحة مشتركة بين المثقّف والانظمة.” فهي مهمّة أيضاً، وهي موجودة فعلاً، فالأدباء الذين يوالون السّلطة بغض النّظر عنها سواء أكانت سلطة صدّام حسين أم سلطة المالكي يفوقون عدة مرّات الكتّاب الذين يعارضون السّلطة. إنها قضيّة اختيار لا غير. أنا أختار من يقف مع المواطن العراقي البريء الضّعيف ضدّ مضطهده.

س: السّرد المحكم الذي تتمتع به روايتك يدفعنا الى سؤالك عن رأيك فيما يكتبه اليوم بعض الشّباب..حيث ان بعضهم يستسهل كتابة الرّواية باعتبارها أسهل انواع النّثر؟

ج: هؤلاء الشّباب يحتاجون إلى توجيه ونقد لا انتقاد، لأن كتابة الرّواية الجيدة أصعب من أي فن بما فيه النحت والتصوير والغناء والموسيقى الخ. هم ضحايا الرّفاهيّة والمنظّمات الوطنيّة غير المسؤولة. في نظري كلّ من يكتب رواية أو ما يطلقه على كتابته رواية عنده شيء من الموهبة، لكن الموهبة وحدها لا تكفي. إن أردنا أن نضع نسبة بين الموهبة والمران فلا نضع للموهبة أكثر من 10% والباقي للمران والممارسة وتطوير القابليّة بفعل إرادي. في الخمسينات كانت مجلة الآداب على سبيل المثال، تنشر العمل الأدبي، وتنشر نقداً له بعنوان: “قرأت العدد السّابق” ففي النّقد يعرف الكاتب ما له وما عليه بروح محايدة. وهذا يساهم بتطويره، مهما كانت مدينته أو قطره في الوطن العربي، أما الآن فقد اختفت هذه الظّاهرة الأدبيّة الإنسانيّة المهمّة، خلق مكانها ظواهر خسيسة متعدّدة:

1- ظاهرة تفضيل النشر للمواطن على غير المواطن بغض النّظر عن المستوى. فالمجلة اللبنانية، المصريّة، العراقيّة، الإمارتيّة تضع حاجزاً يصعب اختراقه.

2- ظاهرة التّحيز والتّمييز بالمكافآت، فبعض الدّول العربيّة تكافئ كتابها فقط، ولا تدفع مكافأة للكاتب “الغريب”، أو تدفع المجلة أو الجريدة مكافأة قدرها 500 درهماً للكاتب الوطني وتدفع 70درهماً للكاتب “الأجنبي”.

3- ظاهرة التّمييز في معاملة المتقدمين لمسابقة أدبية، وهي أشر الظواهر، فالمسؤولين عن الجائزة يقدمون من لهم علاقة به إلى لجنة التّحكيم ويحجبون آخرين، وهكذا تعطى الجائزة لنتاج هزيل وتحجب عن عمل جليل.

4- ظاهرة نشر العمل الهابط، ففي بلداننا ينشر أيّ كان كتاباً أو رواية حتى لو كان في الدرك الأسفل من التفاهة، ينشرُ الكاتب قبل أن يتمكّن من الحصول على أدوات الكتابة ومهاراتها، إن كان يستطيع دفع التّكلفة، وهذه الظّاهرة خلقتها الرّفاهيّة، فمن يستطيع أن يدفع لشركة تنشر كتابه سيكون لديه كتاب يفخر به، وستحتفي بالكتاب قناة تلفزيونيّة أو إذاعة محليّة، أو مجلة، أو جريدة، أو حزب، أو منظّمة إن كان على علاقة مع أحد المسؤولين، وسيُشتهر الكاتب بالرّغم من أن كتابه في مستوى ما تحت الصّفر. مثل هؤلاء الكتاب يراوحون في مكانهم لأنّهم لا يطورون أنفسهم، ومصيرهم إلى العدم إن لم يرعوا.

س: اليوم انت موضع اهتمام في الصّحافة الادبيّة الاميركيّة ورواياتك تترجم تباعا..هل تعتقد أنّ عيشك في أميركا هو من سهّل ذلك؟ وماذا عن مقروئيتك في بلدك العراق؟

ج- بدأ الإهتمام بي بعد ترجمة “أنا الذي رأى – مدينة صدّام” واستمر بشكل بطيء إلى حدّ الآن، ولابد أن وجودي في أمريكا سهّل ذلك، لكن من كتب عني أو أشار إليّ جهات لم أعرفها، ولم أتصل بها قط، فطريقة الاهتمام هنا تختلف عن العالم العربي، هنا ينظرون إلى قوّة العمل فقط، أما في الوطن العربي فينظرون إلى الولاء الطّائفي والسّياسي والشّخصي والوساطات، ونادراً ما رأيت عملاً جيدا أثار انتباه المثقفين والنقاد كما كان يحصل قبل السبعينات عندنا في الوطن العربي، ولّى ذلك الزّمن، والرّوائي المحظوظ من يجد ناقداً يكتب عنه لا يعرفه، وهذه ظاهرة سلبية ومشينة. أما عن مقروئيتي في العراق والوطن العربي فأظنها صفر، أو لا تتجاوز أصابع اليد، لأني أنشر خارج العراق، والعراقيّ والعربي في معظم الدول العربيّة الآن لا يستطيع دفع بضع دولارات ثمن كتاب، إضافة إلى أننا بشكل عام شعب لا يقرأ، وإن قرأ فلا يملك أدوات التّقويم.

س: في الرّواية العراقيّة من تقرأ اليوم؟

ج: أنا بعيد عن العراق، وعندما ذهبت في الصّيف الماضي بعد عقود طويلة من الغربة، لم يتيسر لي الوقت للإطلاع على ما نشره الجيل الجديد مع الأسف. لكني أخطّط لزيارة أخرى أرى فيها أصدقائي، وآمل أن أجد الكثير وأقرأ الكثير؟

 س: اخيراً، ما رأيك بالثّورات العربيّة اليوم..وهل تعتقد بأنها “نطة ضفدع” أيضا؟

ج: أظن أن على المعلق على الثّورات العربية أن يدرس كلّ ثورة بشكل منفصل كحالة خاصة، وليدة ظروف معينة، فأنا لا أعرف عن تونس وليبيا إلا ما أراه في الأخبار، لكني أعرف عن سوريا ومصر كما أعرف عن العراق، وعندما انتصر الشّعب في مصر، وانصاع المجلس العسكري للشعب، قلت في ندوة في جامعة ديبول: إن المجلس العسكري يحني رأسه للعاصفة، لكنه سيرفع رأسه حينما يهدأ الشعب، أنذاك سنعرف من المنتصر ومن المهزوم. وخالفني الكثير لأني مرة أخرى وقفت ضد التّيار. ولكي نفهم الوضع في مصر علينا أن ندرك أن مشكلة الجيش قديمة جداً، فق أعاد عبد النّاصر بناءه على مبادئ سريّة لا يعرف عنها شيء خارج المختصين من المصريين، وأهم تلك المبادئ الأمتيازات، ولعلّكِ تذهلين إلى جذور الجيش المصري في التّغلغل للسيطرة على مصادر الثّروة في البلاد. فمقابل التّهرب من دفع الضرائب بنت معظم الشّركات في مصر “صغارها وكبارها” علاقات مع الجيش، (عش واتركني أعش) فالشّركة تموت إن لم تشارك الجيش، ولا تزدهر ولا تتطور. وسيبقى الجيش المصري سيفاً مسلطاً على الشّعب “لا على العدو” إن لم يتنبّه الثّوار، ويعزلونه في ثكناته، أما إن ظلّ يرأس السلطة في البلد، فهذا يعني أن مبارك باقٍ في الحكم باسم آخر، ولا ثورة ولا هم يحزنون. إنتصار الثورة المصرية يعني الانتصار على الجيش المصري فقط، لا على مبارك ولا على أي شخص آخر أو مجموعة أخرى. وإن تمّ هذا فستشرق الشمس من جديد. أما في سوريا فالموضوع أعقد ويحتاج إلى تفصيل آخر لا محل له هنا. لكن أثق بالشعب العربي كله ولابد أن ينتصر يوما ما من دون محال.

اختاري أيا من هذه الصور:

 بعض أغلفة الكتب

أنا الذي رأى بالانكيزية

وهذا غلاف الرواية بالإيطالية

 غلاف مجموعة قصص الحرية: الأول بالانكليزية والثاني بالإسبانية والثالث بالتركية

Posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works | Leave a comment

الروائي محمود سعيد: العالم تحكمه الفوضى والحرب

05/02/2009 
صالح البيضاني

من شيكاغو بالولايات المتحدة الامريكية يطل الروائي العراقي الكبير محمود سعيد على المشهد الثقافي العربي من خلال العديد من الأعمال الروائية الملحمية التي وإن ابتعد كاتبها عن المحيط العربي جغرافيا الا أنه يلتصق به روحيا ووجدانيا بشكل لافت يبرز من خلال الأعمال الروائية التي يعود بها الى عمق الواقع العراقي والعربي عموما ..

صدرت لمحمود سعيد عشرات الأعمال الأدبية غير انه أثار اعجاب العديد من النقاد العرب عندما صدرت له مؤخرا رواية حملت عنوان “بنات يعقوب” وهو العمل الذي يستلهم فيه الآلام العراقية من العودة الى التاريخ حيث تدور أحداث الرواية في بابل في عهد نبوخذ نصر..كما صدرت في الأيام الماضية لسعيد رواية من ثلاثة أجزاء حملت عنوان “ثلاثية شيكاغو”..وفي هذا الحوار الخاص بالعرب يتحدث الروائي محمود سعيد عن تفاصيل هامة في تجربته الإبداعية المكللة بأكثر من عشرين عملا أدبيا والكثير من الجوائز

*هل ثمة علاقة بين كونك تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية و بين عودتك الى التاريخ من خلال روايتك “بنات يعقوب”؟
- واقعياً حدث الأمر كالآتي: تركت العراق سنة 1985، وأخذت أتردد عليه بعد سنة 1991 بشكل مستمر لأرى عائلتي، ثم نقلتها إلى خارج العراق سنة 1995، لكني لم أشعر أنني غادرت العراق مطلقا، فأنا أفكر كعراقي، وأعيش كعراقي، وأكتب كعراقي، أما بنات يعقوب فقد بدأت بكتابتها في العراق سنة 1973، وكنت قبل سنتين من ذلك قد صممت على دراسة الإنجيل والتوراة، بعد أن وقع بيدي كتاب فرويد “موسى والتوحيد” ثم أخذت أقرأ كل ما كتب عن حضارة العراق والعرب في العصور السابقة للرسالة، وبخاصة حضارة العراق، فوضعت الهيكل العظمي لبنات يعقوب، وأخذت أكتبها بشكل متقطع، ومن حسن حظي أنها لم تتلف كما تلفت أخوات خمس لها، بحكم الهرب من السلطة والانتقال بين مدينة وأخرى، وعندما فوجئت بحرب الخليج الأولى،هيء لي أن الوقت حان لنشرها، لكني أدركت أنني واهم. إذ كنت أتوقع دماراً أشد. وحدث ما توقعت سنة 2003، ليكرر التاريخ نفسه، إذ أبيدت الحضارة العراقية والعربية ثلاث مرات بشكل كامل ، مرة بعد نبوخذنصر، والثانية في سقوط بغداد على يد ابن العلقمي/ هولاكو، والثالثة سنة 2003 على يد بوش وعملائه.
عندئذ قررت نشرها لأن ما توقعته حدث. لذا تقرأ في بنات يعقوب، القصة التي لا تنتهِي أبداً، قصة عمرها أكثر من ثلاثة آلاف سنة، لكني أتمنى أن يعي العراقيون قبل غيرهم التغيرات التي سحقت حضارتهم ووجودهم وحاضرهم، وأحالتهم إلى شتات يرثي له سكان المعمورة كلها، إن حياة عراقي مثقف في الولايات المتحدة لا تعني اجتثاثه من ماضيه مطلقاً، بل تعني انه يريد تطوير نفسه وثقافته خطوة إلى الأمام.
في الشتات يعيش عراقيون كثيرون غادرت أبدانهم العراق بينما بقيت أرواحهم تهيم في أزقة العراق و شوارعه و حاراته و قراه و مدنه لم تغادرها حتى الآن.
أشاد ببنات يعقوب إشادة اخجلتني وأفرحتني في الوقت نفسه خمسة كتاب منهم واحد مازال في بغداد “الدكتور ناطق خلوصي” وأربعة أبدانهم خارج العراق، وأرواحهم تطوف في سمائه: الدكتور عبد الخالق حسين، الدكتور موسى الحسيني، الاستاذ عواد ناصر، الاستاذ بشار القليجي. هذا اقصى ما أتوقعه من رد فعل على نشر رواية، لأن بنات يعقوب لم توزع إلى حد الآن، وما حدث هو أنني اهديتها إلى مجموعة أتوسم فيها سعة المعرفة والثقافة والوطنية وحسن الاطلاع.

• هل تستلهم من الذاكرة كثيرا في أعمالك الأدبية نظرا لاختلاف البيئة الاجتماعية والسياسية التي تعيش فيها والتي ربما لا تساهم في إشعال فتيل أعمال روائية جديدة؟
- ليس بالضرورة. للذاكرة دور كبير، لكنها ليست كل شيء. اما اختلاف البيئة الاجتماعية والسياسية التي يعيش فيها الكاتب فلها الدور المكمل. أصبح العالم الآن قرية واحدة بالرغم من المسافات، نشرت لي مجلة الآداب في عددها الآخير قصة قصيرة “طفلة عراقية في شيكاغو تريبون” إذ رأيت صورة طفلة عراقية لا يزيد عمرها على سنة ونصف قتل الجنود الأمريكان عائلتها كلها، بدعوى أن من يسوق السيارة لم يتوقف، بقيت الطفلة وحدها، ملابسها وجهها سيارة ذويها كلها ملطخة بالدماء وهي تصرخ، ومازلت أسمع صراخها رغم بعدها عني عشرات الآف الأميال، ورغم السنوات الثلاث.
أنا عراقي، أينما عشت، وأينما تواجدت. ولتطور أجهزة الإعلام دور كبير في توحيد دول العالم كله في مجلة، جريدة، إذاعة، قناة تلفزيونية واحدة وبشيء من الأمانة.
في نظري الرواية كالكائن البشري، لا يمكن إلزام علقة تولد في رحم امرأة بمواصفات معينة حتى لو أرادت ذلك الام أوالاب. كيف تبدأ الخلية حياتها؟ كيف تنمو؟ كيف تتكامل؟ كيف تلد؟ كيف تعيش بعد الولادة؟، كيف تنشأ؟، تهرم؟، تموت؟ كل ذلك لا يتحكم فيه أحد مطلقا. الإنسان أي إنسان كائن مستقل. كذلك الرواية “هذا في نظري”

• ثلاثيتك التي صدرت أخيرا بعنوان “ثلاثية شيكاغو” ..هل لها علاقة بالمجتمع الأمريكي و بالتاريخ؟
-نعم، لها علاقة قوية بالمجتمع الأمريكي، ولها علاقة مهمة بالتاريخ، ولها علاقة بالعراق أيضاً، فأبطال الثلاثية جميعهم عراقيون، لم يتخلوا عن عراقيتهم. حالهم حال الوافدين إلى أمريكا جميعاً، لكي نفهم ما يجري في المجتمع الأمريكي علينا أن ننفذ إلى بعض القنوات لكي نراه كما هو. المجتمع الأمريكي مكون بشكل كامل من مهاجرين. هناك من هاجر قبل 400 سنة، وهناك من هاجر قبل أربع سنوات، ومن نلتقيهم نحن هم من المهاجرين، وهم جميعاً يعرفون من أين انحدر أسلافهم. فما يزال البعض يفتخر بأنه إيرلندي، أو إنكليزي، أو ألماني الخ. أما سكان أمريكا الأصليين وأعني بهم الهنود الحمر، فلا يمكن مقابلتهم إلا في محميات، أو في مدن معينة، أو مصادفة.
هنا في أمريكا يفضل الأمريكي المتجنس القادم من ألبانيا أن يتزوج ألبانية، ويتزوج القادم من المكسيك مكسيكية، ولكن هذا لا يمنع من مشاهدة بولونية تتزوج أفريقيا أمريكيا أسود، أو صيني يتزوج أمريكية. ما أريد قوله هو أن معظم الوافدين يبقون مدة طويلة متمسكين بجذورهم، ثم يبدأ أولادهم بالتخلي تدريجياً عن هذه الجذور، ويبتعدون شيئاً فشيئاً حتى إذا جاء الجيل الثالث انفصلوا كلية.
يحدث هذا للعرب والعراقيين أكثر من غيرهم، لوعيهم المتدني مقارنة بغيرهم. بينما مايزال اليابانيون والصينيون والكوريون والهنود وكثير غيرهم، متمسكين بتلك الجذور.
بدأ بعض الوعي بالجذور يغزو العرب والعراقيين الآن، وبخاصة بعد غزو العراق، فنحن نرى الآن نسبة قليلة من جيل أريد له أن يقطع كل صلاته مع العالم العربي، ويصبح أمريكياً مئة بالمئة، بدأ الآن يعود إلى النبش في الماضي، ويعي ثقافته وحضارته وماضيه. كثير من الطلاب توجهوا إلى الجامعات لدراسة اللغة العربية، ثم إلى البلدان العربية للبقاء بها مدة معينة كي يطلعوا على واقعها، فعلى سبيل المثال هناك نحو خمسمائة زمالة ممولة من قبل جامعة دي بول وحدها للطلاب الذين يرومون قضاء فصل دراسي في بلد عربي.

• ثمة تشابه بين التسمية فيما يخص ثلاثيتك الروائية ورواية شيكاغو للروائي المصري علاء الأسواني ..هل ثمة دلالة تعمدتها في ذلك؟
- لا مطلقاً، انهيت الثلاثية قبل 2003، وحالت ظروف مادية وصحية دون نشرها آنذاك، وكلمة شيكاغو في الثلاثية تعود إلى الواقع الذي جرت فيه الثلاثية لا غير، ومن يقرأ رواية علاء الأسواني والثلاثية يرى عالمين مختلفين تمام الاختلاف، ولا رابط بينهما و لم اتعمد اي دلالة
• كأديب عربي يعيش في أمريكا هل تعتقد إن الثقافة الأمريكية مرنة وتستوعب كل الثقافات أم أنها أصبحت أكثر تعقيدا في السنوات الأخيرة؟
-يطلق الأمريكان كلمة ثقافة بمعنى شمولي واسع، هو أقرب إلى معنى المدنية، فمثلاً يعتبرون الطبخ، والأزياء، والغناء على الطريقة الأمريكية ثقافة، بينما تعني الثقافة عندنا معنى أقل شمولية، في اللغة العربية الثقافة هي التراكم المعرفي الذهني، وبالتحديد التمكن من فهم الآداب والعلوم والفنون، لكنها لا تشمل الطبخ، ولا طريقة اللباس، ولست أدري بالضبط ماذا تعني بالثقافة في سؤالك؟
إن كنت تعني المدنية فالإجابة نعم. هنا حرية تامة في ممارسة الشعائر الدينية، والعادات، والتقاليد الشعبية للشعوب الأخرى، وهنا حرية تامة لتعلم وتعليم أي لغة، أو إنشاء أي مدرسة، أو إصدار أي جريدة أو مجلة في أي لغة، أو وضع لافتة في شارع مكتوبة بأي لغة، في أي مكان من المدينة أو القرية أو السوق.
ما تعقّد هو إجراءات فردية ضمن المجتمع الأمريكي، فقبل بضعة أيام على سبيل المثال منع مسؤولوا الأمن عائلة مسلمة من السفر على طائرة معينة، إثر تعليق لا لزوم له، صدر من العائلة على مستويات الأمن في الطائرة.
مثل هذه الأمور التي لا ضابط لها، والتي لا تندرج في السياسة العامة للدولة تحدث دائماً، لكن هذا لا يعني عدم استيعاب الثقافة “المدنية” الأمريكية للمسلمين مطلقاً. سأضرب لك مثلا عن عمق الاستيعاب، هنا في أمريكا يمارس المسلمون شعائرهم كما يريدون، لا بل هناك ادلة دامغة على التجاوب والاستيعاب. إنني أقدم بضع محاضرات في جامعة دي بول، وأتكلم عما أشاهده أمامي. في رمضان تحرص الجامعة على استضافة الطلاب المسلمين يومياً وتقدم وجبتي الإفطار والسحور. إن مثل هذه اللفتة لن تجدها إلا في القليل من الجامعات في الدول العربية والإسلامية.
إنني مضطر إلى القول ومع الأسف الشديد إن العرب في أمريكا، بشكل عام هم أقل الجاليات وعياً وثقافة واطلاعاً ونشاطاً ووطنية واحتراماً لقوميتهم ووطنهم من الجاليات الأخرى المتواجدة في واقع المجتمع الأمريكي. وانهم أقل الجاليات تفهما سياسياً واجتماعيا ومعرفيا، ومما يحزن القلب والضمير والوجدان أن ترى نشاط بضعة صهاينة في مدينة كشيكاغو يفوق نشاط أكثر من ثلاثمئة ألف عربي. العربي بشكل عام لا هم له ما إن يصل إلى أمريكا غير جيبه، وبطنه، ومصلحته، وعائلته. لا يهتمون مطلقاً بشؤون وشجون الشعب العربي ولو كانوا نشطاء بنسبة واحد بالمئة مقارنة بالصهاينة لغيروا الكثير.
في الشقة المجاورة لي يوجد كوري، والكوريون يشكلون نسبة لا تزيد على عشرة بالمئة من تعداد العرب في أمريكا، لكن لهم جريدة يومية باللغة الإنكليزية تنطق باسمهم، وتعرض مشاكلهم، ولليابانيين اكثر من مجلة وجريدة، وكذلك الامر بالنسبة الى الهنود، واليونانين و لكن لن تجد أي جريدة يومية للعرب. ولا إذاعة يومية، ولا قناة تلفزيونية.
وعندما يعقد العرب مؤتمرا، أو اجتماعاً لمناقشة قضية ما، لا يتكلمون العربية مطلقاً، تراهم يرطنون بالانكليزية، ويتسابقون في إبراز مقدرتهم التي غالباً ما تكون “شديدة التواضع” في اللغة الإنكليزية، لكنهم يفضلونها على العربية، بالرغم من أنهم جميعاً عرب، ولعل أكثر الأمور غرابة ومفارقة وخزياً واحتقاراً للذات والكرامة أن يعقد المثقفون العرب “الأدباء، المفكرون، الصحفيون” مثل هذه المؤتمرات وبأسماء ملفتة للنظر كـ “مؤتمر الأدباء والكتاب والإعلاميين العرب الأمريكان” لكن لغة المؤتمر نقاشاً وبحوثاً وتعليقاً ومقررات هي الانكليزية وحدها وحضرت مؤتمراً مثل هدا سنة 2000 مثل هذا وانتقدته في مجلة الحياة لكن لا يوجد من يقرأ ولا من يسمع.

o من خلال قراءاتك للأدباء الأمريكيين ..هل صورة العربي المشوهة في السينما الأمريكية تعيد نفسها في الأدب الأمريكي؟
- هذه فكرة قديمة في نظري، لكي أوضح الأمر علي أن أبدأ من المسلمات، فصناعة السينما في أمريكا لا علاقة لها بسوق الأدب إلا فيما ندر، فهناك على سبيل المثال في ولاية ألينوي 50000 كاتب رواية، فكم كاتباً في أمريكا كلها؟ وكم من هؤلاء يستطيع إيصال روايته إلى السينما؟ صناعة السينما مستقلة استقلالاً تاما عن النتاج الأدبي.
يسيطر على السينما وهوليود صهاينة، أو مسيحيون صهاينة. ولذا تراهم يسيئون إلينا، ويمعنون في الإساءة لأنهم لا يجدون من يتصدى لهم مطلقاً، ولو وجد من يتصدى لهم لقلت الإساءة وتضاءلت، فعلى سبيل المثال لو قاطعت الدول العربية والإسلامية أي مخرج يسيء إلى العرب والإسلام في جميع أعماله لتوقفت الإساءة أو لقلت كثيراً. لكن مثل هذا الوعي والتصميم غير موجود عند العرب والمسلمين وما هو موجود النوح والتباكي ولوم الآخرين.
أما واقع الأدب الأمريكي فنحن بعيدون عنه ولعل فيما يأتي بعض التوضيح:
1- في أمريكا هناك أقسام مستقلة في الأدب وبخاصة في الرواية، لا تندمج هذه الأقسام مع بعضها قط. فهناك رواية الرحلات، ورواية الاستطلاع الصحفي، ورواية الغموض، ورواية الخيال العلمي، والرواية الرومانسية، والرواية الواقعية، والرواية السياسية، ورواية الأطفال، ورواية المثليين ورواية السجون، ورواية السحر، ورواية الخيال القذر كمصاصي الدماء. ولكل من هذه الأقسام دور نشر خاصة ووكلاء نشر خاصين ، ولا يمكن التداخل بين هذه الأقسام مطلقاً، أي لا يمكن لدار نشر واقعية أن تنشر قصة خيال علمي.
2- في أمريكا “ولست أدري هل في أوروبا الشيء نفسه أم لا.” يتحكم في الأدب الناشر، أي الشركات الناشرة وحدها. هذه الشركات تنشر وفق نصائح وكلاء نشر، فلا يمكن لروائي أن يقدم رواية بنفسه إلى دار نشر مرموقة كما في الوطن العربي، يجب أن يقدمها إلى وكيل، وذلك الوكيل يقدمها لشركة النشر إن اقتنع بما فيها.
هذا الواقع الشاذ خلق مافيا نشر، تتحكم في السوق. فترى رواية هابطة “كدافنشي كود” تحصل على شهرة ومركز لا تحصل عليه رواية كاتب جاد ومهم ك”فيليب روث، توني موريسن، بول أوستر، كورمك مكارثي الخ”.
وما يسود في الأدب الأمريكي الآن في كل قسم من أقسام الرواية الناشر الذي يستطيع أن يوجه القراء، ويستغل رغباتهم حتى لو تم ذلك على حساب الأدب. وإن تواجد وكيل يتعاطف مع إسرائيل فلابد أن يدفع للنشر كل ما يسيء إلينا. هذا واضح. لكنه قليل.

• بعد ثلاثيتك هل ثمة عمل جاهز سيرى النور قريبا ؟
- نعم. أنا أكتب أكثر من رواية في وقت واحد، ذكرت في المقدمة انني وضعت الهيكل العظمي لبنات يعقوب سنة 1973 لكني لم استمر بالكتابة فيها، فعندما أرى أنني مستوى الكتابة سينحدر بعض الشيء أتوقف وأكتب في رواية أخرى، ويحدث الشيء نفسه مع الرواية الثانية وربما الثالثة أو الرابعة.
ستصدر لي مجموعتا قصص خلال شهرين على اقصى تقدير ، كتبت هذه القصص على مدى اربعين سنة، وسأرسل خلال شهر إلى الناشر رواية قصيرة نحو سدس بنات يعقوب حجماً، كتبتها سنة 1991 وأهملتها لأني ظننت أنني شطحت ضد التيار في نهايتها، لكن حدث ما يؤكد وقوع الحوادث نفسها بعد غزو العراق، فأعددتها للنشر، وعندي روايتان جاهزتان للنشر كتبا في مدى عشر سنين، إحداهما أطول من بنات يعقوب. سأنقحهما وسأرسلهما خلال سنتين للنشر أيضاً.

 

 

Posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works | Leave a comment

الشّروق (العدد ٢٧٢) ٣٢-٢٩/٦/ ١٩٩٧

 الرّوائي محمود سعيد ل”الشّروق”:
 تزاوج  الشّعرية والتّكثيف يخلّ بالسّرد الرّوائي.
 نهايات النّهار. هي الرّواية الأولى التّي تتناول حرب الخليج الأولى بشكل شامل.
 هذا ما يقوله صاحب الرّواية نفه محمود سعيد. الكاتب العراقي المقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة والذي أنتج حتى الآن عدداً كبيراً من روايات مميّزة عدة منها “زنقة بن بركة ١٩٩٤، والإيقاع والهاجس١٩٩٣، وأنا الذي رأى ١٩٩٥، وله أيضاً مجموعة قصصية بعنوان “بورسعيد وقصص أخرى. ١٩٥٧.
  روايته الأخيرة نهايات النّهار، صدرت حديثا عن دار مكتبة الحياة في بيروت وهي تمتد على ٢٥٨ صفحة من الوحدات التّصعيدية الدّرامية الكاشفة لدمار العراق كوطن وشعب وبنية تحتيّة، حاضراً ومستقبلاً. وربما لأجل ذلك ولأجل فنيّتها أو إبداعيتها كشرط مسبق طبعاً. فازت الرّواية بجائزة “نادي القصة” في مصر.
 ينطلق محمود سعيد من مفهوم للرّواية يبعدها عن الوهم والشّعرية وحتى التّكثيف لذاته، إنه يراها وعاءً للحياة يسعى من خلاله إلى إقامة تجربة السّيادة على أشيائها، دون أن يعدم ذلك. إن الرّوائ يظلّ مهندساً للزّمن والصّور والأشكال ومبدعاً للتّطورات الجديدة.
 نعم هو يكتب رواية الواقع الإنساني والتّاريخي بلغة محددة. ضاربة، بسيطة وقادرة على الأداء والنّفاذ، وتثبيت القيمة الشّمولية للأدب.
 على أن الرّوائي النّاجح من وجهة نظر كاتبنا. أيضاً ينبغي ألا يقع في وهدة الحكم مطلقاً، ويجب أن يكتب بحيادية تامة ويترك الحكم للقارئ فقط.
 يقول محمود سعيد إن الشّعرية في الرّواية مربكة إلى حدّ بعيد، ذلك أنها تشتّت الذّهن وتغرقه في رومانسيات الأحلام والمشاعر.
 كما أن التّكثيف بكثرة من وجهة نظره يفسد العمل الرّوائي، لأنه يقود إلى التّفلسف في كل قضيّة، والرّواية لا تحتمل في النّتيجة المطّ الفلسفي المعقد، فذلك ليس واجبها.
 لا مكان للشعرية في الرّواية، يقول محمود سعيد إلا إذا كان موضوع الرّواية نفسه شاعرياً كقصص العشق والغرام أو كان بطل الرّواية شاعراً، وعندها يضطر الكاتب إلى اللجوء إلى الشّعرية في نقاط محدودة.
هنا حوار معه بمناسبة صدور روايته الجديدية:
 * الشّروق ما الجديد المفارق في روايتك الأخيرة: “نهايات النّهار” مقارنة طبعاً بما سبق وكتبت من رويات.
 * الجيديد في روايتي الأخيرة – نهايات النّار_ تطرقها إلى موضع جد حسّاس، موضوع أثار الكثير من الاختلافات في وجهات النّظر، تناقضت فيه المواقف، انهارت فيه صروح شامخة لتقوم على أنقاضها صروح جديدة، وشرخت فيها علاقات كان يفترض أنها قويّة حديديّة باقية إلى الأبد، فإذا به أوهى من خيوط العنكبوت، موضوع الرّواية هو حرب الخليج الأخيرة، وما أحدثته من دمار كامل في العراق وطناً وشعباً وبنية تحتيّة، ماضياً، حاضراً، مستقبلا.
 في الرّواية إشارات لا تخفى على اللبيب تمسّ أقطاباً هيمنوا على مقدرات الأمة، بالأكاذيب والدّعاية والشّعرات الطّنانة المزيفة، ولهذا فوجئتُ بفوزها في مصر بجائزة نادي القصة، لا لشيء إلا لكونها تتقاطع والخطابات الرّسمية.
 إن جديد “نهايات النّهار” جديد جريء وواع ومثير ومشاكس، إضافة إلى أنها ا لرّواية الأولى التّي تتناول حرب الخليج بشكل شامل إذ سبق أن كتب غير واحد عن هذه ا لحرب من وجهة نظر منحازة داخل العراق.
 * ما هو مفهومك للتكثيف الرّوائي بجميع معانيه، وهل الشّعرية تدخل عنصراً جوهريّاً على هذا التّكثيف؟
 *في سؤالك مفهومان: التّكثيف والشّعرية.
 بالنّسبة إلى التّكثيف، هناك اتجاه لاستعماله في سرد الرّواية بدأ في السّتينات وبخاصة عن الرّوائيين الفرنسيين المقلّدين لكامو الذي برع فيه، أولئك الكتاب استعملوه تعويضاً عن الحركة المستمرّة في روايات باقي الشّعوب. لكن التّكثيف في نظري يشبه المحسنات البديعية التّي وجدت في العصر العباسي في الأدب العربي. القليل منها جيّد يعطي الشّعر او النّثر نكهة محببةٍ كالبهارات في الطّعام، أما كثيرها فيفسد الطّعام في الطبخ، ويضعف المعنى في الأدب، لذلك فاستعمال التّكثيف بكثرة يضرّ العمل الرّوائي لأنه يقود إلى التّفلسف في كل قضيّة، والرّواية لا تحتمل المطّ الفلسفي المعقد وهذا ما أدى إلى فشل أعمالهم بشكل إجماعي، ولا أعلم أن هناك رواية اشتهرت وكان التّكثيف المعقد أسلوباً للسّرد فيها، سواء أكان ذلك ضمن الموجة الحديثة في فرنسا أو خارجها.
 أما الشّعرية في الرّواية فمربكة إلى حد بعيد، إنها تشتّت الذّهن. الشّعرية مرآة الشّاعر والأحلام إنّها رومانسية متجدّدة دائمة، والشّاعر الجيد الذي يحافظ على هذه الرّومانسية المشبعة بالأحلام في إطار كليّات تتمّ عبر تراكم صوري معبّر، متعال، مترادف، وهذا كلّه يتعارض مع عملية السّرد في الرّواية.
 الرّواية بناء فنيّ، لبنة فوق لبنة، وحادثة تقود إلى حادثة، وصراع يجابه في الإنسان أخاه، أو الغريب، أو الطبيعة، لذلك لا مكان للشّعرية في الرّواية إلا إذا كان موضوع الرّواية شاعرياً كقصص العشق والغرام، أو كان بطل الرّواية شاعراً، عندئذ يضطر الكاتب إلى اللجوء إلى الشّعرية، في نقاط محدودة لا تطغى على العمل الرّوائي بشكل كليّ.
 تزاوج الشّعرية والتّكثيف يخلّ بالسّرد الرّوائي، ولا أظنّ أن هناك أمثلة ناجحة جمعت بينهما.
 ستبقى الرّواية بمفرداتها البسيطة المعبّرة المتواضعة قادرة على غزو عقول معظم القرّاء على وجه البسيطة.
 * إلى أي حد ترى أن الرّواية العربية شاهدة على عصرها “وتؤرخ” له بالمعنى العميق للتّاريخ الإضماري؟
 * الرواية العربية بعيدة من عصرها، والكثير من الرّوائيين العرب مع الأسف الشّديد هم أقرب إلى معايشة الحياة في المريخ من معايشة مجتمعاتهم، إنهم بعيدون من رصد أي علامة فارقة يحتمل أن تكون نقطة الانطلاق في المجتمع، يرفضون الكتابة في حوادث تهزّ العالم كلّه، وإذا كتبوا فكتاباتهم إما قليلة سطحية لا تسمن ولا تغني من جوع وإما أن تكون متبنية لوجهة نظر رسمية لجهة ما، فإذا ما جبت المكتبات بحثا عن رواية كتبت عن مجزرة صبرا وشاتيلا، عن اجتياح بيروت، عن قانا، عن الحرب العراقية الإيرانية، عن حرب الخليج، عن الاستسلام المخزي المهين، عن، عن الخ، لا أعتقد أنك سترى شيئا ما.
 أما إن نظرت إلى ما أنتجه كتاب بالعالم عن الأحداث فستجد إن قارنت البون شاسعاً. هذا ريتشارد فورد لم يعرّض إلى هزّة كبرى مثل ا لهزّات التّي عرضت لنا، بل إلى حادث بسيط، حريق غابات، لكنّه استلهم منه إحدى أجمل رواياته. شغلت العالم كله مسرحية أرثر ميلر في ا لخمسينات “قطة فوق صفيح ساخن” لأنها عالجت بصدق أزمة العاطلين، أما “همينغواي” فكتب أجمل روايتين له عن الحرب: “وداعاً للسلاح”. و”لمن تقرع الأجراس”. وكتب إيليا أهرنبورغ روايته الشّهيرة “ذوبان الجليد” ما إن تداعت السّتالينية في بلده.
 إننا لسنا متخلفين عن الأوربيين فحسب بل عن أجدادنا قبل أكثر من ألف سنة. خذ مثلاث المقامة، ستراها شاهداً على عصرهاعلى خير وجه، أبرزت المقامة حجم الفاقة الشّديدة، ومدى الفقر والبؤس في مجتمع تستحوذ على الثّروة فيه فئات قليلة. أما الكثرة الكاثرة فلم تكن تملك أي شيء. لذا فقد أحترفوا الكدية والشّطارة والنّصب، وبطلا مقامات الحريري والهمذاني جسدا هذه الشّريحة على أفضل وجه.
 الأمثلة أكثر من أن تحصى، والسّبب في ذلك يعود إلى افتقار الوعي لدى النّاقد العربي الذي يجد أمامه كدساً هائلاً من الأعمال الجديدة لا يرتبط معها بأي رابطة إلا التّأثير الشّخصي والعلاقات الاجتماعية الهابطة ومجاملات الصّداقة.
 ذهب ذلك الزّمان إلى غير رجعة حيث كان النّاقد يفرض على نفسه التّزامات وجدانية تتلخص في تناول أيّ عمل عربي بالتّقويم. نعم ذهب زمن المغفور له الدكتور علي جواد الطاهر، وعبد القادر القط، وإحسان عباس وغيرهم كثير، على الرّغم من أن قسماً ممنهم مازالوا على قيد الحياة.
 *أية أسئلة إبداعية تكتظ بها وتجتاحك في الوقت عينه؟
 *هناك الكثير في تراثنا العربي. جملة تصف المفلس، تقول: “أدركته حرفة الأدب”. أي أن الأديب هو مفلس مدى الدهر، ما شخصه أجدادنا صحيح مئة في المئة لا لشيء إلا لأنه صورة صادقة لوضع قائم إلى حد الآن.
 الأدباء فقراء، وفقراء جداً، وإذا استثنينا نجيب محفوظ الذي أغتنى بعد نيله جائزة نوبل، فكل الأدباء العرب مدقعون مملقون والسّعيد فيهم من وجد وظيفة لا علاقة لها بالأدب تؤمن احتياجات الحدّ الأدنى لديه.
إن أهدافي الإبداعية تتشابك مع أحلامي. فأنا حالم كبير. أحلم أن أرى غنياً عربياً خيّرا يخصص مطبعة تطبع لكلّ المبدعين العربب من دون تمييز.
 أحلم أن أرى جهة عربية ما أو غنياً عربياً آخر يشتري من كل ديوان شعر أو رواية، أو، الخ، يشتري ألف نسخة يوزعها على مكتبات العالم العربي المتناثرة ومدارسه.
 أحلم أن يؤمّن كريم ثالث نفقات علاج أي مبدع.
 أحلم أن أرى عشرات الجوائز القيمة كجائزة سلطان العويس، منبثة في جميع أقطار الأمة. فها قد انقضت بضع سنوات لم يستطع أيّ عربي أن يطاول العويس مجده وكرمه.
 أحلم أن تسود الدّيمقراطية في بلدي وأن يتفكّك الحصار. هذه بعض أحلامي لو تحقّق أيّ منها لكرّسته في رواية مستقلّة.
 * هل يمكن أن يكون الكاتب حاكماً على شخصياته وحواراتها أم أنه مجردد شاهد يعاين تصرفاتها وانعكاساتها بشكل عام. فالرّوائي حسب تعبير “هيوم” ينبغي أن يكون إنساناً عاماً وينسى ما أمكن أنه كيان خاص.
 *أنا مع هيوم. الرّوائي إنسان عام متجرّد من خصوصيّته، ولعل هذا يثير الكثير من الإخوة، لكنّي مقتنع به. الرّوائي الواعي يفرض على نفسه أن يكون محايداً لا منحازاً. لأنه إن كان منحازاً فسيختار موقفاً يعبّر عمّا في داخله، وليس في داخل كلّ منا سوى “الأنا” عندئذ سيسود نوع من الكتابة الأنانية فقط.
 في سؤال سابق تكلّمت على مدى شهادة الرّواية العربية على عصرها، وهذا يعني مدى الصّدق في نقلها أحداث ذلك العصر. وفي هذا السّؤال تناولت الحيادية والإتباع، وفي السّؤالين أكثر من وشجة، الصّدق في الرواية يماثل الحياد، لأن التخلى عن الحياد، تخلٍ عن الصّدق وبذلك يسقط العمل في مستنقع الدّعاية لا غير.
 المجتمع مملوء بالمتناقضات، فيه المجرمون والطيبون، والأخيار والأشرار، مذاهب، أديان، قوميات، أحزاب، جمعيات، نحل، متناقضات لا تحصى, عبدة الشّيطان على سبيل المثال. كتب عنهم في الصحف الكثير. هاجمهم الجميع، فإذا أراد روائي أن يكتب عن هذه الظاهرة يجب عليه أن يغوص في أعماق هذه الجماعة، محلّلاً مبادئهم، قواعدهم الفكرية التّي بنوا عليها مواقفهم، جذورهم العائلية، عليه أن يدرس كل ذلك ويصور الحقيقة فقط، بغضّ النّظر عما كتبته الصّحف وما رددته الالسّن.
 الرّوائي النّاجح يجب أن لا يقع في وحدة الحكم مطلقاً، يجب أن يكتب بحياديّة تامّة، ويترك الحكم للقارئ فقط.
 * يرى البعض أن بعض الكتّاب يخلقون أنفسهم في أعمالهم الأدبية هل أنت واحد من هذا البعض؟
 * يعتقد بعض النّقاد أنني أعدت خلق نفسي في روايتي “زنقة بن بركة” و”أنا الذي رأى” لم أناقشهم في الأمر، الرّواية بعد أن ينتهي الكاتب منها تصبح ملك القارئ، له الحق في أن يصدر ما يشاء من الأوصاف والأحكام عليها. لكن لم أُعد خلق نفس] في هاتي الرّوايتين. لغتهما السّردية كانتا بضمير المتكلم، وهذا ما جعل الأمر يلتبس على الإخوان الأفاضل.
 إذا نظرنا إلى هذا الأمر نظرة محايدة وجدنا أنها لا تمثل هنة على الكاتب ولا تضعف عمله،  فمن يمرّ في تجربة شيّقة وينجح في نقلها في كتاب فلم لا؟
 ديستوفسكي أعاد خلق نفسه في “بيت الموتى” وجاءت الرّواية رائعة ولم يفعل الشّيء نفسه مع “الجريمة والعقاب” بل ابتعد من الأبطال كلية، وجاءت الرّواية رائعة أيضاً، إذاً فقضية أن يعيد الكاتب نفسه أم لا، تتعلق بنجاحه في العمل الفني أولاً وأخيراً.
 *ما هو السّقف الضمني الاعتباري الذي تضعه في أثناء كتابتك رواية؟
 * في الغرب المزدهر حضارياً، أدبياً، علمياً، فنياً، شيطانياً في الوقت نفسه، هناك احترام للكاتب، فما إن ينجح أي كتاب لكاتب حتى تنهمر طلبات دور النّشر للتعاقد معه، وغالباً ما يكون الاتفاق على عمل روائي واحد خلال سنة، عندئذ يعمد الكاتب إلى التّفرغ مطمئناً إلى توافر جيميع احتياجاته، عندنا ينعكس الأمر، يبقى الرّكض لتأمين لقمة العيش له الاهتمام الأوّل. وما يتبقى له من الوقت ينصرف فيه إلى الإبداع لذا فإننا نحتاج إلى مدة أطول للإنتاج.
 *هل وعي التّجربة الكتابية مسبقاً مطلوب من وجهة نظرك؟
 * وعي التّجربة الرّوائية الكتابية، جزء من وعي الإنسان الشّامل في الكون والحياة والمجتمع. فالإنسان كاتب اجتماعيّ سياسيّ، عائليّ، مفكّر، منتج. والكاتب جزء من المجتمع لذا، فإن الرّوائي يتوافر على وعي شمولي واسع، فهو واعٍ اجتماعياً، سياسياً، فكرياً، أدبياً، تاريخياً، قومياً، قطرياً، ولكونه كذلك تراه متفوقاً بوساطة هذا الوعي على كل أصناف التّشكيلة الإجتماعية، فوعيه يفوق وعي الطبيب والمهندس والسّياسي والتّاجر والمخترع والفيلسوف، هذا “جول فيرن” تنبأ بأكثر من ٢٠٠ اختراع تحقق منها أكثر من مئة وستين، وهذا “أج. جي. ويلز” تنبأ بأشياء كثيرة تحقّقت. والمؤلف العبقري لألف ليلة وليلة تنبأ بالطائرة قبل أكثر من ألف سنة، “بساط الرّيح” وكذلك فعلت رواية “سيف بن ذي يزن” فلقد تنبأت بالصواريخ والأشعة.
 أليست هذه الأمثلة مثابة دليل على شمولية الوعي وضرورة أن يكون سابقاً للكتابة؟
 أما الأمثلة على فشل الأعمال الأدبية لخلوها من الوعي الصادق فأكثر من ذلك.
 *ما رأيك في ما يقوله الرّوائي البيروفي الكبير ماريو فارغاس يوسا في أن الكتابة هي كذب واختلاق وتظاهر وخلط ونصب كمائن للقارئ والكاتب نفسه. ومن خلال هذه الكيمياء تتضح للعيان الحقيقة الأدبية.
 * أرجو أن تسمح لي بالاختلاف مع ماريو فارغاس يوسا، إنه كاتب كبير، لكني اعتقد بأنه وكثير من كتاب أمريكا اللاتينية محبطون بسبب اختطاف ماركيز جائزة نوبل منهم، وهذا أشبه بما حدث في عالمنا العربي. احسّ غير واحد بالإحباط لفوز نجيب محفوظ دونهم. ولا حاجة هنا لذكر التّهجم الذي وجه لكاتبنا الكبير.
 هنا يتبادر إلى الذّهن أكثر من سؤال:  هل رواية “زوربا” لكازانتاكس أكاذيب واختلاق وتظاهر الخ؟
 وهل “الإخوة كرامازوف” لديستوفسكي و”أبناء وآباء” لتورجنيف كذلك؟
 ليسمح لي الكاتب الكبير بالتّوقف عند تورجنيف، لم اذكره سابقاً في أي حديث لأن لديّ دراسة كاملة عنه كانت بينها وبين الحصول على شهادة خطوة واحدة أضاعها أحد زلازل وطننا وتقلباته. في هذه الرّواية بالذّات يرصد تورجنيف أحداثاً تتعلق بالصّراع بين الأجيال، لا أبالغ إن قلت إن مثل هذا الصّراع رأيته في عائلتنا.
 كيف أتهم تورجنيف بالكذب؟ وهو جسد بفنية عالية هذا الصّراع الأبدي دائم الحدوث؟
 إننني اعتبر كلام “يوسا” كما ذكرت انعكاساً للإحباط. ونوعا من الغيرة التّي أرجو أن تكون حميدة غير ضارة
 * ماذا عن جديدك الأدبي؟
 سيصدر لي قريباً عن دار سينا مجموعة قصص بعنوان: “طيور الحب… والحرب”. وهي أقاصيص منشورة كلها في مجلات الوطن العربي: “الآداب.” “المدى” جريدة “الحياة” اللندنية، “الموقف الأدبي” السّورية، “الشّروق” “المنتدى” “الرّافد” “شؤون أدبية.””لوتس” العالمية التّي كانت تصدر في تونس.
 إنني جد مقلّ في كتابة القصة القصيرة، وبصدور هذه المجموعة يصبح عند مجموعتان فقط بينهما ٤٠ سنة، إذ صدرت الأولى سنة ١٩٥٧
 
 

 

Posted in مقالات نقدية بالعربية عن أعمال محمود سعيد - Reviews in Arabic about Mahmoud's Works | Leave a comment